HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢٤٤

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صالح السمان، إن رسول الله ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ. فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ. ثُمَّ خَرَجَ. فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ. فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي. فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ مَاءً ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقِيَ. فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ. فَغَفَرَ لَهُ» قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَإِنَّ لَنَا فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ لَأَجْرًا؟ فَقَالَ«في كل كبد رطبة أجر».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص44
ج ٤ ص ١٧٦١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, صحيح البخاري, مسند أحمد, موطأ مالك
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٦ ص٥٤٤
رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلهم ذُكروا في الباب وقبله. وقوله: (نَحْوَ حَدِيثِهِمْ) الضمير راجع إلى عروة، وحميد بن عبد الرحمن، وهما اثنان، وقد تقدّم أن هذا الاستعمال صحيح، فصيح في اللغة العربيّة، كما قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] بعد قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ الآية [الأنبياء: ٧٨]، وكقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، وليس لهما إلا قلبان، ولا تلتفت إلى ما كتبه بعض الشرّاح جريًا على قول الجمهور من أن أقلّ الجمع ثلاثة، وهذا قول لا يؤيّده الدليل، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى وليّ التوفيق. [تنبيه]: رواية همّام بن منبّه عن أبي هريرة - ﵁ - هذه ساقها البيهقيّ - ﵀ - في «الكبرى»، فقال: (١٥٥٩٥) - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنبأ أبو بكر القطان، ثنا أحمد بن يوسف السلميّ، ثنا عبد الرزاق، أنبأ معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة، قال: وقال رسول الله - ﷺ -: «دخلت امرأة النار من جَرَّاء هرّة لها ربطتها، فلا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تُقَمِّم من خشاش الأرض، حتى ماتت هَزْلًا». انتهى. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥) - (بَابُ فَضْلِ سَقْيِ الْبَهَائِمِ الْمُحْتَرَمَةِ، وَإِطْعَامِهَا) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٨٤٥] (٢٢٤٤) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْرًا، فَنَزَلَ فِيهَا، فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبُ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ، فَمَلأَ خُفَّهُ مَاءً، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، حَتَّى رَقِيَ، فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ لأَجْرًا؟ فَقَالَ:«فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سُمَيٌّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٠) مقتولًا بقُديد (ع) تقدم في«الصلاة» ١٨/ ٩١٨. والباقون ذُكروا في الأبواب الثلاثة الماضية. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين، وشيخه، وإن كان بغلانيًّا إلا أنه دخل المدينة للأخذ عن مالك، وفيه اثنان اشتهرا بالكنية، أبو صالح، وأبو هريرة - ﵁ -، وفيه أبو هريرة أكثر من روى الحديث في دهره. شرح الحديث: (عَنْ سُمَيٍّ) بضم السين المهملة، وفتح الميم، وشدّ التحتية، (مَوْلَى أَبِي بَكْرِ) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (السَّمَّانِ) ويقال له: الزيّات؛ لأنه كان يجلب السمن والزيت إلى الكوفة، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَمَا) قد ذكرنا غير مرّة أن أصله»بين«الظرفيّة، فزيدت عليه»ما«، ويقال:»بينا«، كما هو في الرواية الأخرى، أُشبعت فتحة النون، فصار»بينا«، ويضافان إلى جملة، وهي هنا قوله:»رجل يمشي«. (رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ) وفي رواية الدارقطني في«الموطآت»من طريق رَوْح، عن مالك:«يمشي بفلاة»، وله من طريق ابن وهب، عن مالك:«يمشي بطريق مكة». (اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ) وفي رواية البخاريّ:«فاشتد عليه»، والفاء فيه وقعت موقع«إذا»، تقديره: بينما رجل يمشي إذا اشتد عليه العطش، وهو جواب«بينما»، وقال في«العمدة»: وقد ذكرنا فيما مضى أن الأفصح أن يقع جواب«بينا»، و«بينما»بلا كلمة«إذ»، و«إذا»، ولكن وقوعه بهما كثير. انتهى . (اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ) قال في«الفتح»: كذا للأكثر، وكذا هو في«الموطأ»، ووقع في رواية المستملي:«العطاش»، قال ابن التين: العطاش: داء يصيب الغنم، تَشْرَب، فلا تَرْوَى، وهو غير مناسب هنا، قال: وقيل: يصحّ على تقدير أن العطش يحدث منه هذا الداء، كالزكام، قال الحافظ: وسياق الحديث يأباه، وظاهره أن الرجل سَقَى الكلب، حتى رَوِي، ولذلك جُوزي بالمغفرة. انتهى . (فَوَجَدَ بِئْرًا، فَنَزَلَ فِيهَا، فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ) - بفتح الهاء - اللَّهَثُ: بفتح الهاء: هو ارتفاع النفَس من الإعياء، وقال ابن التين: لَهَثَ الكلبُ: أخرج لسانه من العطش، وكذلك الطائر، ولَهَثَ الرجل: إذا أعيا، ويقال: إذا بحث بيديه، ورجليه. انتهى . وقال النوويّ: ويقال: لَهِثَ بفتح الهاء، وكسرها، يَلْهَث بفتحها، لا غيرُ لَهْثًا بإسكانها، والاسم اللَّهَث بفتحها، واللُّهاث بضم اللام، ورَجُلٌ لَهْثان، وامرأة لَهْثَى، كعطشان، وعطشى، وهو الذي أخرج لسانه من شدّة العطش، والحرّ. انتهى . (يَأْكُلُ الثَّرَى)؛ أي: يَكْدِم بفمه الأرض النديّة، وهي إما صفة، وإما حال، وليس بمفعول ثان لرأى، قاله في «الفتح». وقال في «التاج»: الثَّرَى: النَّدَى، والتراب النِّيُّ، أو الذي إذا بُلَّ لم يَصِر طينا لازبًا، كالثَّرْياء ممدودة، وأنشد أبو عبيد [من الرجز]: لَمْ يَبْقَ هَذَا الدَّهْرُ مِنْ ثَرْيَائِهِ … غَيْرُ أَثَافِيهِ وَأَرْمِدَائِهِ وقوله - ﷿ -: ﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه: ٦]: جاء في التفسير أنه ما تحت الأرض، وهما ثَرَيَان، وثَرَوَان، جَمْعه: أثراء. انتهى . (مِنَ الْعَطَشِ) «من» تعليليّة؛ أي: إنما يأكل الثرى لأجل شدّة عطشه. وقال في «العمدة»: فإن قلت: «يأكل الثرى» ما محله من الإعراب؟ قلت: نَصْبٌ، إما حالٌ، من «كلبًا»، أو صفةٌ له، قال الكرمانيّ: قلت: لا يجوز أن يكون حالًا؛ لأن الشرط أن يكون ذو الحال معرفةً، وههنا نكرةٌ، ولا يجوز أيضًا أن يكون مفعولًا ثانيًا؛ لأن الرؤية بمعنى الإبصار. انتهى . (فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبُ) ضَبَطه بعضهم بالنصب على أنه مفعول «بَلَغَ»، وفاعله: «مثلُ الذي بلغ منّي»؛ يعني: أن الكلب أصابه مثلُ ما أصابني، وضَبَطه بعضهم برفع «الكلبُ» على أنه فاعل «بلغ»، ومفعوله «مثلَ»؛ يعني: أن هذا الكلب قد بلغ مبلغًا مثلَ الذي بلغ مني . وقال الزرقانيّ - ﵀ -: و«مثل» ضَبَطه الحافظ وغيره بالنصب نعتًا لمصدر محذوف؛ أي: بلغ مبلغًا مثلَ الذي بلغ مني، قال في «المصابيح»: ولا يتعيَّن؛ لجواز أن المحذوف مفعول به؛ أي: عَطَشًا، وضَبَطه الحافظ الدمياطيّ وغيره بالرفع، على أنه فاعل «بلغ»، فهما روايتان. انتهى . (مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي)؛ أي: بلغ مبلغًا مثلَ الذي بلغ بي، وزاد ابن حبان من وجه آخر عن أبي صالح: «فرحمه»، (فَنَزَلَ) الرجل (الْبئْرَ، فَمَلأَ خُفَّهُ) في رواية ابن حبّان: «فنزع أحد خفيّه»، (مَاءً، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ)؛ أي: أحدَ خُفَّيه الذي فيه الماء، وإنما احتاج إلى ذلك؛ لأنه كان يعالج بيديه ليصعد من البئر، وهو يُشعر بأن الصعود منها كان عَسِرًا. (حَتَّى رَقِيَ) بفتح الراء، وكسر القاف، كصَعِد وزنًا، ومعنًى، وذكره ابن التين بفتح القاف، بوزن مَضَى، وأنكره، وقال عياض في «المشارق»: هي لغة طيّء، يفتحون العين فيما كان من الأفعال معتلّ اللام، والأول أفصح، وأشهر. انتهى. وقال الزرقانيّ: رَقِي بفتح الراء، وكسر القاف، كصَعِد وزنًا ومعنًى، ومقتضى كلام ابن التين أن الرواية رَقَى بفتح القاف، فإنه قال: كذا وقع، وصوابه رَقِيَ، على وزن عَلِمَ، ومعناه: صَعِد، قال تعالى: ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ [الإسراء: ٩٣]، وأما رَقَى بفتح القاف، فمن الرَّقْية، وليس هذا موضعه، وخَرَّجه على لغة طيّء في مثل بَقِيَ يَبْقَى، ورَضِيَ يَرْضَى، يأتون بالفتحة مكان الكسرة، فتقلب الياء ألفًا، وهذا دأبهم في كل ما هو من هذا الباب. انتهى . قال في المصابيح: ولعل المقتضي لإيثار الفتح هنا إن صح: قصد المزاوجة بين رقى وسقى، وهي من مقاصدهم التي يعتمدون فيها تغيير الكلمة عن وضعها الأصلي. (فَسَقَى الْكَلْبَ) زاد عبد الله بن دينار، عن أبي صالح: «حتى أرواه»؛ أي: جعله رَيّانًا، (فَشَكَرَ اللهُ لَهُ)؛ أي: أثنى عليه، أو قَبِل عمله، أو جازاه بفعله، وعلى الأخير فالفاء في قوله: (فَغَفَرَ لَهُ«) تفسيرية، أو من عطف الخاصّ على العام، وقال القرطبيّ: معنى قوله:»فشكر الله له«؛ أي: أظهر ما جازاه به عند ملائكته، ووقع في رواية عبد الله بن دينار بدل»فغفر له«:»فأدخله الجنة«، وكذا في رواية ابن حبان . وقال في«العمدة»: قوله:«فشكر الله له» والشكر: هو الثناء على المحسن بما أَوْلاه من المعروف، يقال: شكرته، وشكرت له، وباللام أفصح، والمراد ههنا مجرد الثناء؛ أي: فأثنى الله تعالى عليه، أو المراد منه الجزاء؛ إذ الشكر نوع من الجزاء؛ أي: فجزاه الله تعالى. فإن قلت: إدخال الجنة هو نفس الجزاء، فما معنى الثناء؟. قلت: هو من باب عطف الخاصّ على العامّ، أو الفاء تفسيريّة، نحو قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] على ما فُسِّر به من أن القتل كان نفس توبتهم. فإن قلت: هذه القصة متى وقعت؟. قلت: هذه من الوقائع التي وقعت في زمن بني إسرائيل، فلذلك قال: إن رجلًا، ولم يُسَمَّ. انتهى . (قَالُوا) مِن هؤلاء السائلين: سُراقة بن مالك بن جُعْشم، رواه أحمد، وابن ماجه، وابن حبان. (يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنَّ) بتقدير همزة الاستفهام، كما في الرواية الأخرى؛ أي: أوَ إنّ (لَنَا فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ لأَجْرًا؟)؛ أي: ثوابًا، قال في «الفتح»: قوله: «وإن لنا» هو معطوف على شيء محذوف، تقديره: الأمر كما ذَكَرتَ، وإن لنا في البهائم؛ أي: في سقي البهائم، أو الإحسان إلى البهائم أجرًا؟ (فَقَالَ) - ﷺ - («فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ)»الكبد«بفتح الكاف، وكسر الموحّدة، ويجوز سكونها، وكسر الكاف، وسكون الموحّدة، رطبة برطوبة الحياة من جميع الحيوان، أو لأن الرطوبة لازمة للحياة، فيكون كناية عنها، أو هو من باب وَصْف الشيء باعتبار ما يؤول إليه، فيكون معناه في كل كبد حَرَّى لِمَن سقاها، حتى تصير رطبة. انتهى . وقال في«الفتح»؛ أي: في كل كبد حيّة، والمراد رطوبة الحياة، أو لأن الرطوبة لازمة للحياة، فهو كناية، ومعنى الظرفية هنا أن يقدَّر محذوف؛ أي: الأجر ثابت في إرواء كل كبد حيّة، والكبد يُذَكّر، ويُؤَنَّث، ويَحْتَمِل أن تكون«في»سببيةً، كقولك: في النفس الديةُ، قال الداوديّ: المعنى في كل كبد حيّ أجر، وهو عامّ في جميع الحيوان. انتهى. وقوله: (أَجْرٌ») بالرفع مبتدأ قُدِّم خبره؛ أي: حاصل، وكائن في إرواء كل ذي كبد حية، ويَحْتَمِل أن تكون «في» سببيةً، كقولك: في النفس الديةُ، قال الداوديّ: المعنى في كل كبد حيّ، وهو عام في جميع الحيوان، قال الأُبّيّ: حتى الكافر، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ [الإنسان: ٨]؛ لأن الأسير إنما يكون في الأغلب كافرًا. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٥٨٤٥] (٢٢٤٤)، و(البخاريّ) في «الوضوء» (١٧٣) و«المساقاة» (٢٣٦٣) و«المظالم» (٢٤٦٦) و«الأدب» (٦٠٠٩) وفي «الأدب المفرد» (٣٧٨)، و(أبو داود) في «الجهاد» (٢٥٥٠)، و(مالك) في «الموطّأ» (٢/ ٩٢٩ - ٩٣٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٧٥ و٥١٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٤٣ و٥٤٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ١٨٥ و٨/ ١٤) و«شُعَب الإيمان» (٣/ ٢١٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن الإساءة إلى البهائم والحيوان لا تجوز، وأن فاعلها يأثم فيها؛ لأن النصّ إذا ورد بأن في الإحسان إليهنّ أجرًا وحسنات، قام الدليل بأن في الإساءة إليهنّ وِزْرًا وذنوبًا، والله يعصم من يشاء، وهذا ما لا شك فيه، ولا مَدْفَع له، قاله ابن عبد البرّ - ﵀ - . ٢ - (ومنها): بيان جواز السفر منفردًا، وبغير زاد، ومحلّ ذلك في شرعنا ما إذا لم يَخَفْ على نفسه الهلاك. ٣ - (ومنها): الحثّ على الإحسان إلى الناس؛ لأنه إذا حصلت المغفرة بسبب سقي الكلب، فسَقْيُ المسلم أعظم أجرًا. ٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز صدقة التطوع للمشركين، وينبغي أن يكون محله ما إذا لم يوجد هناك مسلم، فالمسلم أحقّ، وكذا إذا دار الأمر بين البهيمة والآدميّ المحترَم، واستويا في الحاجة فالآدميّ أحقّ، والله أعلم. ٥ - (ومنها): الإحسان إلى كل حيوان بِسَقْيه، أو نحوه، وهذا في الحيوان المحترَم، وهو ما لا يؤمَر بقتله، ولا يناقض هذا ما أُمرنا بقتله، أو أبيح قتله، فإن ذلك إنما شُرع لمصلحة راجحة، ومع ذلك فقد أُمرنا بإحسان القِتْلة. وقال أبو عبد الملك: هذا الحديث كان في بني إسرائيل، وأما الإسلام فقد أَمر بقتل الكلاب، وأما قوله: «في كل كبد» فمخصوص ببعض البهائم، مما لا ضرر فيه؛ لأن المأمور بقتله كالخنزير لا يجوز أن يُقَوَّى ليزداد ضرره، وكذا قال النوويّ أن عمومه مخصوص بالحيوان المحترم، وهو ما لم يؤمر بقتله، فيحصل الثواب بسقيه، ويلتحق به إطعامه، وغير ذلك من وجوه الإحسان إليه، وقال ابن التين: لا يمتنع إجراؤه على عمومه؛ يعني: فيُسْقَى، ثم يُقْتَل؛ لأنّا أُمرنا بأن نُحسن القِتْلة، ونُهينا عن المثلة. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن التين من إجراء الحديث على عمومه هو الحقّ؛ لوضوح حجته، والله تعالى أعلم. ٦ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على طهارة سؤر الكلب، وتُعُقّب بأنه فِعل بعض الناس، ولا يُدْرَى هل هو كان ممن يُقتدَى به أم لا؟. وأجيب بأنّا لم نحتجّ بمجرد الفعل المذكور، بل على القول الراجح من أن شرع من قبلنا شرعٌ لنا، فإنا لا نأخذ بكل ما ورد عنهم، بل إذا ساقه إمام شرعنا مساق المدح، ولم يقيّده بقيد، أفاده في «الفتح» ، وسيأتي تحقيق القول في شرع من قبلنا في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. (المسألة الرابعة): في الحديث بيان واضح لمسألة مشهورة طال النزاع فيها، وهي أن شرع من قبلنا هل هو شرع لنا أم لا؟، فقد اختَلف أهل العلم في ذلك: فذهب بعضهم إلى أنه ليس شرعًا لنا، واستدلوا على ذلك بأنه - ﷺ - لَمّا بعث معاذًا - ﵁ - إلى اليمن لم يُرشده إلا إلى العمل بالكتاب والسُّنَّة، ثم اجتهاد الرأي، وصحح هذا القول ابن حزم، واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]. وذهب بعضهم إلى أنه شَرْع لنا إلا ما نُسخ منه، نقله ابن السمعاني عن أكثر الشافعية، وأكثر الحنفية، وطائفة من المتكلمين، قال ابن القشيريّ: هو الذي صار إليه الفقهاء، واختاره الرازيّ، وقال: إنه قول أصحابهم، وحكاه الأستاذ أبو منصور عن محمد بن الحسن، واختاره الشيخ أبو إسحاق، وابن الحاجب، قال ابن السمعاني: وقد أومأ إليه الشافعي في بعض كتبه، قال القرطبي: وذهب إليه معظم المالكية، قال القاضي عبد الوهاب: إنه الذي تقتضيه أصول مالك. قال الجامع عفا الله عنه: هذ القول الثاني هو الحقّ، وحاصله أن شرع من قبلنا شرع لنا، لكن بشرط أن تتوافَر فيه ثلاثة أمور: [الأول]: أن يثبُت أنه شرع لمن قبلنا بطريق صحيح، وهو الكتاب والسنّة الصحيحة، ولو كانت آحادًا، فإن ورد بطريق غير صحيح لم يكن شرعًا لنا بلا خلاف. [الثاني]: أن لا يَرِد في شرعنا ما يؤيّده ويقرّره، فإن وَرَدَ في شرعنا ما يؤيّده كان شرعًا لنا بلا خلاف. [الثالث]: أن لا يَرِد في شرعنا ما ينسخه ويُبطله، فإن ورد ذلك لم يكن شرعًا لنا بلا خلاف، ومن المعلوم أن ذلك لا يكون في أصول الدين، وأمور العقيدة؛ لأنه لا اختلاف بين الأنبياء في التوحيد. والأدلّة لهذا المذهب كثيرة: (منها): أن الله تعالى أنزل علينا هذا الكتاب العزيز لنعمل بكلّ ما دلّ عليه من الأحكام، سواء كان شرعًا لمن قبلنا، أم لا. (ومنها): أن الله - ﷿ - ما قصّ علينا أخبار الماضين إلا لنعتبر بها، فنجتنب سبب هلاكهم، ونلتزم سبب نجاتهم. والآيات الدّالّة على الاعتبار بأحوال الماضين كثيرة جدًّا، كقوله - ﷿ -: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٧)﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨]، وقوله: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦)﴾ [الحجر: ٧٦]، وقوله: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]. (ومنها): قوله - ﷿ -: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية [المائدة: ٤٥]، فإن ذلك مما استُدِلّ به في شرعنا على وجوب القصاص. (ومنها): أنه - ﷺ - لَمّا قال: «من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلّها إذا ذَكرها»، قرأ قوله تعالى: (وأقم الصلاة للذِّكْرَى)، رواه مسلم، وهي مقولةٌ لموسى - ﵇ -، وهذا من أوضح الأدلّة لهذه المسألة، ووجه ذلك أنه لو لم يكن شرع من قبلنا شرعًا لنا لَمَا استدلّ به - ﷺ - على وجوب القضاء على الناسي، والنائم، ولَمَا كان لتلاوة الآية عند ذلك فائدة. (ومنها): ما ثبت عن ابن عباس - ﵄ - أنه سجد في سورة ﴿ص﴾ وقرأ قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، رواه البخاريّ، فاستنبط التشريع من هذه الآية . (ومنها): حديث الباب، وهو متّفقٌ عليه، ووجه الدلالة منه أن الصحابة - ﵃ - فَهِموا أن النبيّ - ﷺ - ما يريد بإخباره بمثل هذه القصص إلا أن يقتدوا بها، ويعملوا بمثلها، ولذلك «قالوا: وإن لنا في البهائم أجرًا؟»، فأقرّهم على هذا الفهم، ولم يعارضهم فيه، بل أجابهم بقوله: «نعم»، فدلّ على أن شَرْع من قبلنا شَرْع لنا. وقلت في «التحفة المرضيّة» مشيرًا إلى ما سبق: وشَرْعُ مَنْ قَبْلُ ثَلَاثَةً يُرَى … شَرْعٌ لَنَا بِلَا خِلَافٍ قَدْ جَرَى وَهُوَ مَا صَحَّ لَدَيْنَا شَرْعَا … وَعِنْدَهُمْ كَالصَّوْمِ خُذْهُ قَطْعَا وَالثَّانِ مَا لَيْسَ لَنَا بِشَرْعِ … بِلَا خَلَافٍ بَيْنِ أَهْلِ الْقَطْعِ وَهُوَ مَا لَيْسَ لَدَيْنَا مُثْبَتَا … كَوْنُهُ شَرْعَهُمْ بِنَقْلٍ ثَبَتَا مِثْلُ الَّذِي نُقِلَ مِمَّا سَلَفَا … مِنْ كُتُبٍ تَحْرِيفُهُمْ لَهَا وَفَا أَوْ هُوَ ثَابِتٌ وَلَكِنْ وُضِعَا … كَالإِصْرِ وَالأَغْلَالِ إِذْ قَدْ رُفِعَا ثَالِثُهَا فِيهِ اخْتِلَافٌ مَا اشْتَمَلْ … عَلَى ثَلَاثَةِ ضَوَابِطَ اكْتَمَلْ أَوَّلُهَا كَوْنُهُ شَرْعَ مَنْ سَبَقْ … ثَبَتَ بِالنَّصِّ الصَّحِيحِ فَاتَّسَقْ وَثَانِهَا أَنْ لَا يَجِي فِي شَرْعِنَا … مُؤَيِّدٌ لَهُ وَإِلَّا شَرْعُنَا ثَالِثُهَا أَنْ لَا يَجِي مَا يُبْطِلُهْ … فِي شَرْعِنَا فَإنْ يَجِي لَا نَقْبَلُهْ فَذِي الضَّوَابِطُ إِذَا تَوَفَّرَتْ … بِهْ احْتِجَاجُ الأَكْثَرِينَ قَدْ ثَبَتْ وَهْوَ الصَّوَابُ إِذْ إِلَاهُنَا عَلَا … مَا قَصَّ الاخْبَارَ سِوَى أَنْ نَعْمَلَا كَذَلِكَ الرَّسُولُ لَمَّا أَخْبَرَا … عَنْ رَجُلٍ بِسَقِيِ كَلْبٍ أُجِرَا سُئِلَ هَلْ نُؤْجَرُ فِي الْبَهَائِمِ … قَالَ نَعَمْ مُقَرِّرًا لِلْهَائِمِ والله تعالى أعلم بالصواب.
مصادر المؤلف (١٩)

١. هو الشيخ الهرريّ، راجع: شرحه (٢٢/ ٣٧٧)، وهو دائمًا يعارض هذا الاستعمال، ويخطّئ نُسَخ «صحيح مسلم»، فلا تغترّ به.

٢. أي: تأكل.

٣. «عمدة القاري» ١٢/ ٢٠٦.

٤. «الفتح» ٦/ ١٧٣، كتاب «المساقاة» رقم (٢٣٦٣).

٥. «الفتح» ٦/ ١٧٣، كتاب «المساقاة» رقم (٢٣٦٣).

٦. «شرح النوويّ» ١٤/ ٢٤١ - ٢٤٢.

٧. «تاج العروس» ١/ ٨٣١٢.

٨. «عمدة القاري» ٣/ ٤٣.

٩. راجع: «تكملة فتح الملهم» ٤/ ٤٠٧.

١٠. «شرح الزرقانيّ» ٤/ ٣٨٧.

١١. «شرح الزرقانيّ» ٤/ ٣٨٨.

١٢. «الفتح» ٦/ ١٧٤، كتاب «المساقاة» رقم (٢٣٦٣).

١٣. «عمدة القاري» ٣/ ٤٣.

١٤. «شرح الزرقانيّ» ٤/ ٣٨٨.

١٥. «شرح الزرقانيّ» ٤/ ٣٨٨.

١٦. «التمهيد» لابن عبد البرّ ٢٢/ ٨.

١٧. «الفتح» ٦/ ١٧٤، كتاب «المساقاة» رقم (٢٣٦٣).

١٨. راجع: «إرشاد الفحول» ٢/ ٢٥٦ - ٢٦٠.

١٩. راجع: «المنحة الرضيّة في شرح التحفة المرضيّة» ٢/ ٢١١ - ٢٢٢.