HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢٤٦

وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سمعت رسول الله ﷺ يَقُولُ «قَالَ اللَّهُ ﷿: يَسُبُّ ابْنُ آدَمَ الدَّهْرَ. وَأَنَا الدَّهْرُ. بِيَدِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص45
ج ٤ ص ١٧٦٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, صحيح البخاري, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٣٨
[٦٨٢] وقال أبو عبيد : هذا مما لا ينبغي لأحد من أهل الإسلام أن يجهل وجهه، لأن أهل التعطيل يحتجون به على المسلمين، وقد رأيت من نتَّهِم بالزندقة والدهرية؛ يحتج بهذا الحديث، يقول: ألا تراه يقول: (فَإِنَّ الله هُوَ الدَّهْرُ) ؛ فقلت: وهل كان أحد يسب الله في آباد الدهر، قد قال الأعشى: اسْتَأْثَرَ الله بالوفاءِ وبالْـ … ـحَمْدِ وَوَلَّى المَلامَةَ الرَّجُلا وإنما تأويله عندي - والله أعلم - أن العرب كان شأنها أن تذم الدهر وتسبه عند المصائب التي تنزل بها؛ من موت؛ أو هرم؛ أو تلف مال؛ أو غير ذلك، فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر وأبادهم الدهر، فيجعلونه الذي يفعل ذلك؛ فيذمونه عليه، وقد ذكروه في أشعارهم، قال الشاعر يذكر قوما هلكوا: فَاسْتَأْثَرَ الدَّهْرُ الْغَدَاةَ بِهِمْ … وَالدَّهْرُ يَرْمِينِي وَلَا أَرْمِي يَا دَهْرُ قَدْ أَكْثَرْتَ فَجْعَتَنَا … بِسَرَاتِنَا وَوَقَرْتَ فِي الْعَظْمِ وَسَلَبْتَنَا مَا لَسْتَ تُعْقِبُنَا … يَا دَهْرُ مَا أَنْصَفْتَ فِي الْحُكْمِ وقال عمرو بن قميئة : رَمَتْنِي بَنَاتُ الدَّهْرِ مِنْ حَيْثُ لَا أَرَى … فَكَيْفَ بِمَنْ يُرْمَى وَلَيْسَ بِرَامِ فَلَو أَنَّهَا أنبل إِذًا لَاتَّقَيتُهَا … ولكنَّما أُرمَى بِغَيْر سِهَامِ عَلَى الرَّاحَتَين مرّة وعَلَى الْعَصَا … أَنُوء ثَلَاثًا بَعدَهُن قِيَامِي فأخبر أن الدهر فَعَل ذلك، يصف الهَرَم، وقد أخبر الله تعالى بذلك عنهم في كتابه، ثم كذبهم بقولهم، فقال: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]، قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [نفس الآية]، فقال النبي ﷺ: (لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ) على تأويل: لا تسبوا الذي يفعل بكم هذه الأشياء، ويصيبكم بهذه المصائب، فإنكم إذا سببتم فاعلها؛ فإنما يقع السب على الله تعالى؛ لأنه هو الفاعل لها، لا الدهر، فهذا وجه الحديث إن شاء الله تعالى، لا أعرف له وجها غيره. قال بعض العلماء: الدهر مرور الأيام، ولا فعل له على الحقيقة، إنما الفعل الله الذي خلق الدهر، وقد ذم الله من أثبت للدهر فعلًا، وفي الحديث دلالة أن الذي يخلق ويحيي ويميت ويفني هو الله ﷿. * * * ومن باب كراهية أن يقال للعنب كرم [٦٨٣ - ٦٨٤] حديث أبي هريرة ﵁ : الكَرْمَ على الحقيقة هو قلب المؤمن، وأن الكَرْم إنما هو لقلب المؤمن؛ لما جعل الله فيه من الهدى والنور الذي يؤدي إلى الكرم الدائم، والعز المقيم، و(الحَبْلَة) و(الحَبَلَة)؛ بسكون الباء وفتحها: الكَرْم، وأما: (الحُبْلة) بضم الحاء وسكون الباء فثَمَر العَضَاه، وفي حديث أنس ﵁ أنه كان له حبلة تَحْمِل كُرًّا، وكان يسميها أمَّ العِيال ، قال صاحب الغريبين : الحبلة هي الأَصَلَة من الكرْم، يقال: حَبَلَة مخففة، وحَبَلَة مثقلة. قال ابن الأنباري : الكرْمُ كرمًا لأن الخمر المتخذة منه تحث على السخاء والكَرَم، فاشتقوا اسما للكرْم من الكَرَم الذي يتولد منه، فكره النبي ﷺ أن يسمى الخمر باسم مأخوذ من الكرم، وجعل المؤمن أولى بهذا الاسم الحسن، فأسقط الخمر عن هذه الرتبة تحقيرا لها؛ وتأكيدا لحرمته. * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٦ ص٥٥٨
٤٢ - (كِتَابُ الأَلْفَاظِ، مِنَ الأَدَبِ، وَغَيْرِهِ) (١) - (بَابُ النَّهْيِ عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٨٤٨] (٢٢٤٦) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «قَالَ اللهُ - ﷿ -: يَسُبُّ ابْنُ آدَمَ الدَّهْرَ، وَأنَا الدَّهْرُ، بِيَدِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: وقد تقدّم السند نفسه قبل بابين. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أنه قال: (أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «قَالَ اللهُ - ﷿ -: يَسُبُّ ابْنُ آدَمَ الدَّهْرَ) ولفظ البخاريّ:»بنو آدم الدهر«. قال في»الفتح«: قوله:»قال الله: يسبّ بنو آدم الدهر. . . إلخ«هذه رواية يونس بن يزيد، عن الزهريّ، ورواية معمر بعدها بلفظ:»ولا تقولوا: يا خيبة الدهر، فإن الله هو الدهر«، وأوله:»لا تُسمّوا العنب الكرم«. وقد اختُلف على معمر في شيخ الزهريّ، فقال عبد الأعلى بن عبد الأعلى: عن معمر، عنه، عن أبي سلمة، وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، ولفظه:«قال الله: يؤذيني ابن آدم، يقول: يا خيبة الدهر. . .»الحديث، أخرجه مسلم، وهكذا قال سفيان ابن عيينة، عن الزهريّ، عن سعيد، أخرجه أحمد، عنه، ولفظه:«يؤذيني ابن آدم، يسبّ الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أُقَلِّب الليل والنهار»، وهكذا أخرجه مسلم وغيره، من رواية سفيان بن عيينة. قال ابن عبد البرّ: الحديثان للزهريّ عن أبي سلمة، وعن سعيد بن المسيِّب جميعًا صحيحان. وقال النسائيّ: كلاهما محفوظ، لكن حديث أبي سلمة أشهرهما. ولعبد الرزاق فيه عن معمر إسناد آخر، أخرجه مسلم أيضًا من طريقه، فقال: عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، بلفظ:«لا يسب أحدكم الدهر، فإن الله هو الدهر، ولا يقولنّ أحدكم للعنب: الكرم. . .»الحديث، وأخرجه أحمد من رواية همام، عن أبي هريرة، بلفظ:«لا يقل ابن آدم: يا خيبة الدهر، إني أنا الدهر، أُرسل الليل والنهار، فإذا شئت قبضتهما». وأخرجه مالك في«الموطأ»عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، بلفظ:«لا يقولنّ أحدكم. . .»، والباقي مثل رواية عبد الأعلى عن معمر، لكن وقع في رواية يحيى بن يحيى الليثيّ عن مالك في آخره:«فإن الدهر هو الله»، قال ابن عبد البرّ: خالف جميع الرواة عن مالك، وجميع رواة الحديث مطلقًا، فإن الجميع قالوا:«فإن الله هو الدهر»، وأخرجه أحمد من وجه آخر، عن أبي هريرة، بلفظ:«لا تسبوا الدهر، فإن الله قال: أنا الدهر، الأيام والليالي لي، أُجدّدها، وأُبليها، وآتي بملوك بعد ملوك»، وسنده صحيح. انتهى . (وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ») قال النوويّ - ﵀ -: قوله: «وأنا الدهر» برفع الراء، هذا هو الصواب المعروف الذي قاله الشافعيّ، وأبو عبيد، وجماهير المتقدمين والمتأخرين، وقال أبو بكر، ومحمد بن داود الأصبهانيّ الظاهريّ: إنما هو الدهرَ بالنصب، على الظرف؛ أي: أنا مُدّة الدهر، أقلب ليله، ونهاره، وحكى ابن عبد البرّ هذه الرواية عن بعض أهل العلم، وقال النحاس: يجوز النصب؛ أي: فإن الله باقٍ مقيم أبدًا لا يزول، قال القاضي: قال بعضهم: هو منصوب على التخصيص، قال: والظرف أصحّ وأصوب، أما رواية الرفع وهي الصواب، فموافقة لقوله: «فإن الله هو الدهر»، قال العلماء: وهو مجازٌ، وسببه أن العرب كان شأنها أن تسبّ الدهر عند النوازل، والحوادث، والمصائب النازلة بها، من موت، أو هرم، أو تلف مال، أو غير ذلك، فيقولون: يا خيبة الدهر، ونحو هذا من ألفاظ سبّ الدهر، فقال النبيّ - ﷺ -: «لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر»؛ أي: لا تسبوا فاعل النوازل، فإنكم إذا سَبَبْتم فاعلها وقع السبّ على الله تعالى؛ لأنه هو فاعلها، ومنزلها، وأما الدهر الذي هو الزمان فلا فِعل له، بل هو مخلوق من جملة خلق الله تعالى، ومعنى فإن الله هو الدهر: أي: فاعل النوازل، والحوادث، وخالق الكائنات، والله أعلم. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «فإني أنا الدَّهر» الرواية الصحيحة المشهورة فيه برفع الدَّهرُ؛ على أنه خبر «إن» إن جعلنا «أنا» فضلًا، وإن جعلناها مبتدأ؛ فهو خبره، وقد قيّدها بعض الناس: «الدَّهر» بالنصب؛ على أن تكون ظرفًا يعمل فيه «أُقَلِّبُ»، فكأنه قال: أنا طولَ الدَّهر أُقلِّب الليل والنهار، ويكون «أُقلِّب» هو الخبر، والذي حَمَله على ذلك خوف أن يقال: إن الدَّهر من أسماء الله تعالى، وهذا عدول عمَّا صحَّ إلى ما لم يصح؛ مخافةَ ما لا يصح، فإنَّ الرواية الصحيحة عند أهل التحقيق بالضم، ولم يَرْوِ الفتح من يُعتمد عليه، ولا يلزم من ثبوت الضم أن يكون الدَّهر من أسماء الله تعالى؛ لأن أسماء الله تعالى لا بدَّ فيها من التوقيف عليها، أو استعمالها استعمال الأسماء من الكثرة والتكرار، فيخبر به، وعنه، وينادى به، كما اتَّفق في سائر أسماء الله تعالى؛ كالغفور، والشكور، والعليم، والحليم، وغير ذلك من أسمائه، فإنك تجدها في الشريعة، وفي لسان أهلها، تارة يخبر بها، وأخرى يخبر عنها، وأخرى يُدعى، ويُنادى بها، ولم يوجد للدَّهر شيء من ذلك، فلا يكون اسمًا من أسمائه تعالى، ثمَّ لو سُلِّم أن النصب يصح في ذلك اللفظ على ذلك الوجه، فلا يصح شيء من ذلك في الرِّواية التي قال فيها: «لا تسبُّوا الدَّهر، فإنَّ الله هو الدَّهر»، ولم يذكر: «أقلِّب الليل والنهار»، ولا يصح أن يقال: إن هذه الرواية مطلقة، والأولى مقيَّدة؛ لأنَّا إن صرنا إلى ذلك لزم نصب «الدَّهر» بعامل محذوف ليس في الكلام ما يدلّ عليه، ولزم حذف الخبر، ولا دليل عليه. وكل ذلك باطل من اللسان قطعًا، وإذا ثبت ذلك، فاعلم: أنه لمّا كان اعتقاد الجاهلية أن الدَّهر هو الذي يفعل الأفعال، ويذمُّونه إذا لم تحصل أغراضهم، أعلمهم النبيّ - ﷺ - أن الله هو الذي يفعل كل شيء، فإذا سبُّوا الدَّهر من حيث إنه الفاعل، ولا فاعل إلا الله، فكأنَّهم سبُّوا الله تعالى، فلذلك قال الله تعالى: «يسبُّ ابن آدم الدَّهر، وأنا الدَّهر»؛ أي: أنا الذي أفعل ما ينسبونه للدَّهر، لا الدَّهر، فإنَّه ليل ونهار، وأنا أقلّبهما؛ أي: أتصرف فيهما بالإطالة، والإقصار، والإضاءة، والإظلام، وفيه تنبيه على أن ما يُفعل، ويُتصرَّف فيه لا يصلح لأن يَفعل، وهذا المعنى هو الذي عبَّر عنه الحكماء بقولهم: ما له طبيعة عدميَّة يستحيل أن يفعل فعلًا حقيقيًّا، والله تعالى أعلم. انتهى . وقال في «الفتح»: معنى النهي عن سبّ الدهر أن من اعتقد أنه الفاعل للمكروه، فسبَّه أخطأ، فإن الله هو الفاعل، فإذا سَبَبْتم من أنزل ذلك بكم رجع السب إلى الله. قال: ومحصَّل ما قيل في تأويله ثلاثة أوجه: أحدها: أن المراد بقوله: «إن الله هو الدهر»؛ أي: المدبِّر للأمور. ثانيها: أنه على حَذْف مضاف؛ أي: صاحب الدهر. ثالثها: التقدير: مُقَلِّب الدهر، ولذلك عقّبه بقوله: «بيدي الليل والنهار». ووقع في رواية زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، بلفظ: «بيدي الليل والنهار، أُجَدِّده، وأُبليه، وأذْهَبُ بالملوك»، أخرجه أحمد. وقال المحققون: من نسب شيئًا من الأفعال إلى الدهر حقيقةً كفر، ومن جرى هذا اللفظ على لسانه غير معتقد لذلك، فليس بكافر، لكنه يُكره له ذلك؛ لِشَبَهه بأهل الكفر في الإطلاق، وهو نحو التفصيل الماضي في قولهم: «مُطِرنا بكذا». وقال عياض: زعم بعض من لا تحقيق له أن الدهر من أسماء الله تعالى، وهو غلط، فإن الدهر مدة زمان الدنيا، وعرّفه بعضهم بأنه أمد مفعولات الله في الدنيا، أو فعِله لِمَا قبل الموت. وقد تمسَّك الجهلة من الدهرية، والمعطلة، بظاهر هذا الحديث، واحتجوا به على من لا رسوخ له في العلم؛ لأن الدهر عندهم حركات الفلك، وأمد العالم، ولا شيء عندهم، ولا صانع سواه، وكفى في الردّ عليهم قوله في بقية الحديث: «أنا الدهر، أُقَلِّب ليله، ونهاره»، فكيف يقلب الشيء نفسه؟ تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا. وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: لا يخفى أن من سبّ الصنعة فقد سبّ صانعها، فمن سبّ نَفْس الليل والنهار، أقدم على أمر عظيم بغير معنى، ومن سبَّ ما يجري فيهما من الحوادث، وذلك هو أغلب ما يقع من الناس، وهو الذي يعطيه سياق الحديث، حيث نفى عنهما التأثير، فكأنه قال: لا ذنب لهما في ذلك، وأما الحوادث فمنها ما يجري بوساطة العاقل المكلف، فهذا يضاف شرعًا ولغة إلى الذي جرى على يديه، ويضاف إلى الله تعالى؛ لكونه بتقديره، فأفعال العباد من أكسابهم، ولهذا ترتبت عليها الأحكام، وهي في الابتداء خَلْق الله، ومنها ما يجري بغير وساطة، فهو منسوب إلى قدرة القادر، وليس لليل والنهار فعل، ولا تأثير، لا لغةً، ولا عقلًا، ولا شرعًا، وهو المعنى في هذا الحديث، ويلتحق بذلك ما يجري من الحيوان غير العاقل، ثم أشار بأن النهي عن سبِّ الدهر تنبيه بالأعلى على الأدنى، وأن فيه إشارةً إلى ترك سبِّ كل شيء مطلقًا، إلا ما أَذِن الشرع فيه؛ لأن العلة واحدة، والله أعلم. انتهى ملخصًا ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٥٨٤٨ و٥٨٤٩ و٥٨٥٠ و٥٨٥١ و٥٨٥٢] (٢٢٤٦)، و(البخاريّ) في «الأدب» (٦١٨١ و٦١٨٢)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٦/ ٤٥٧)، و(مالك) في «الموطّأ» (٢/ ٩٨٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٧٢ و٣١٨ و٣٩٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٧١٣ و٥٧١٤)، و(الطبريّ) في «تفسيره» (٢٥/ ١٥٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ٣٦٥) وفي «الأسماء والصفات» (١/ ٢٤٧)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٣٣٨٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن سبّ الدهر. ٢ - (ومنها): بيان أن الأمر كلّه بيد الله تعالى يتصرّف فيه كيف يشاء، وأنه لا دخل لشيء سواه، لا الدهر، ولا غيره، فمن زعم ذلك فقد افترى على الله كذبًا، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا. ٣ - (ومنها): ما قال في «الفتح»: واستُنبط منه مَنْع الحيلة في البيوع، كالعينة؛ لأنه نُهِي عن سب الدهر لِمَا يؤول إليه من حيث المعنى، وجَعْله سبًّا لخالقه. انتهى . ٤ - (ومنها): ما قال أبو عمر بن عبد البرّ: المعنى عند جماعة العلماء في هذا الحديث أنه ورد نهيًا عن ما كان أهل الجاهلية يقولونه من ذمّ الدهر وسبّه لِما ينزل من المصائب في الأموال والأنفس، وكانوا يضيفون ذلك إلى الدهر، ويسبّونه، ويذمونه بذلك، على أنه الفاعل ذلك بهم، وإذا وقع سبُّهم على من فعل ذلك بهم وقع على الله - ﷿ -، فجاء النهي عن ذلك تنزيهًا لله تعالى، وإجلالًا له؛ لِمَا فيه من مضارعة سب الله، وذمه، تعالى الله عما يقول الجاهلون علوًّا كبيرًا. قال امرؤ القيس [من الطويل]: أَلَا إِنَّمَا ذَا الدَّهْرُ يَوْمٌ وَلَيْلَةُ … وَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ قَوِيمٍ بِمُسْتَمِرّْ قال: وهو شيء لم يكن يَسْلَم منه أحد، ولم ينه عنه إلا من عصمه الله - ﷿ - بتوفيقه، ويسّره للعمل بعلمه، بل هو كثير جارٍ في الإسلام، كما كان في الجاهلية يذم الدهر مرةً، ويذم الزمان تارةً، وتذم الليالي والأيام مرةً، وتذم الدنيا أيضًا، وكل ذلك لا يجوز على معنى ما وصفنا، وبالله التوفيق، إلا أن أهل الإيمان إذا ذموا الدهر والزمان، لم يقصدوا بذلك إلا الدهر على قبيح ما يُرى منه، كما قال حكيم من شعرائهم [من الوافر]: يَذُمُّ النَّاسُ كُلُّهُمُ الزَّمَانَا … وَمَا لِزَمَانِنَا عَيْبٌ سِوَانَا نَذُمُّ زَمَانَنَا وَالْعَيْبُ فِينَا … وَلَوْ نَطَقَ الزَّمَانُ بِنَا هَجَانَا وقد أورد أبو عمر في «الاستذكار» هنا أشعارًا كثيرة من هذا القبيل، ثم قال: وقد أنشدنا في «التمهيد» أشعارًا كثيرة من أشعار الجاهلية، وأشعارًا أيضًا كثيرةً إسلاميةً، فيها ذم الزمان، وذم الدنيا، وذم الدهر، إلا أن المؤمن الموحد العالم بالتوحيد ينزِّه الله - ﷾ - عن كل سوء، ينوي ذلك، ويعتقده، فإن جرى على لسانه شيء على عادة الناس استغفر الله، وراجع الحقّ، وراضَ نفسه عن العودة إليه، كما قال بعض الفضلاء العقلاء [من البسيط]: يَا دَهْرُ وَيْحَكَ مَا أَبْقَيْتَ لِي أَحَدًا … وَأَنْتَ وَالِدُ سَوْءٍ تَأْكُلُ الَوَلَدَا أَسْتَغْفِرُ اللهَ بَلْ ذَا كُلُّهُ قَدَرٌ … رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا وَاحِدًا صَمَدَا لَا شَيْءَ يَبْقَى سِوَى خَيْرٍ تُقَدِّمُهُ … مَا دَامَ مِلْكٌ لإِنْسَانٍ وَلَا خَلَدَا والأشعار في هذا أكثر من أن يحيط بها كتاب لو أُفرد لها، وأكثر ما يَعني المسلمُ إذا ذم دهره، ودنياه، وزمانه، خَتْل الزمان، وأهله، وسلطانه. والأصل في هذا المعنى في الإسلام وأهله قول رسول الله - ﷺ -: «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ما كان لله، أو آوى إلى الله». وأما أهل الجاهلية فإنهم كانوا منهم دهرية زنادقة، لا يعقلون، ولا يعرفون الله، ولا يؤمنون، وفي قريش منهم قوم وصفهم أهل الأخبار، كَرِهتُ ذكرهم، وقد حَكَى الله تعالى عنهم، أو عن بعضهم قولهم: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤]. قال أبو عمر: قال أئمة العلماء معنى ما ذكرنا، ثم أخرج بسنده عن الشافعيّ قال في قول الله - ﷿ -: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤]، وقولَ رسول الله - ﷺ -: «لا تسبوا الدهر، فإن الله - ﷿ - هو الدهر» قال الشافعيّ: تأويل ذلك - والله أعلم - أن العرب كان شأنها أن تسب الدهر، وتذمه عند المصائب التي تنزل بهم من موت، أو هدم، أو ذهاب مال، أو غير ذلك من المصائب، وتقول: أصابتنا قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، والليل والنهار يفعل ذلك بهم، فيذمون الدهر بذلك، ويسبّونه، قال رسول الله - ﷺ -: «لا تسبوا الدهر» على أنه الذي يفعل بكم ذلك، فإنكم إذا سببتم فاعل ذلك وقع سبّكم على الله - ﷿ -، فهو الفاعل لذلك كله، وهو فاعل الأشياء، ولا شيء إلا ما شاء الله العليّ العظيم. انتهى كلام ابن عبد البرّ - ﵀ - ، وهو بحث مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٨٤٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي عُمَرَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «قَالَ اللهُ - ﷿ -: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: وبعضهم ذُكروا في الباب، وبعضم تقدّم قريبًا. و«إسحاق» هو ابن راهويه، و«سفيان» هو ابن عيينة. وقوله: (يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ) قال القرطبيّ - ﵀ -؛ أي: يخاطبني من القول بما يتأذى به من يصحُّ في حقه التأذي، لا أن الله تعالى يتأذى؛ لأنَّ التأذي ضرر، وأَلَمٌ، والله تعالى منزَّه عن ذلك، وهذا يجري مجرى ما جاء من محاربة الله ومخادعته، وهذه كلها توسعات يُفهم منها: أن من يعامل الله تعالى بتلك المعاملات تعرَّض لعقاب الله تعالى، ولمؤاخذته الشديدة، فليحذر ذلك. ويراد بابن آدم هنا: أهل الجاهلية، ومن جرى مجراهم؛ ممن يُطْلِقُ هذا اللفظ، ولا يتحرز منه، فإنَّ الغالب من أحوال بني آدم إطلاق نسبة الأفعال إلى الدَّهر، فيذمُّونه، ويُسفِّهونه إذا لم تحصل لهم أغراضهم، ويمدحونه إذا حصلت لهم، وأكثر ما يُوجد ذلك في كلام الشعراء والفصحاء، ولا شكَّ في كفر من نسبَ تلك الأفعال، أو شيئًا منها للدَّهر حقيقة، واعتقد ذلك، وأما من جرت هذه الألفاظ على لسانه، ولا يعتقد صحة تلك، فليس بكافر، ولكنه قد تشبَّه بأهل الكفر، وبالجاهلية في الإطلاق، وقد ارتكب ما نهاه رسول الله - ﷺ - عنه. فَلْيتُب، وليستغفر الله تعالى، والدَّهر، والزمان، والأبد كلها بمعنى، وهو راجع إلى حركات الفلك؛ وهي: الليل والنهار. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٨٥٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «قَالَ اللهُ - ﷿ - يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَقُولُ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ، فَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ، فَإِنِّي أنَا الدَّهْرُ، أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ، فَإِذَا شِئْتُ قَبَضْتُهُمَا»). رجال هذا الإسناد: ستةٌ: وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل باب. وقوله: (فَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ) وفي رواية البخاريّ: «ولا تقولوا: خيبة الدهر»، وفي غير البخاريّ: «واخيبة الدهر». «الخيبة» بفتح الخاء المعجمة، وإسكان التحتانية، بعدها موحّدة: الحرمان، وهي بالنصب على النُّدبة، كأنه فقد الدهر لِمَا يصدر عنه مما يكرهه، فنَدَبه مُتَفَجِّعًا عليه، أو مُتَوَجِّعًا منه، وقال الداوديّ: هو دعاء على الدهر بالخيبة، وهو كقولهم: قحط الله نوءها، يَدْعُون على الأرض بالقحط، وهي كلمة هذا أصلها، ثم صارت تقال لكل مذموم، ووقع في رواية العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عند أحمد بلفظ: «وا دهراه، وا دهراه» . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٨٥١] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ، فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: وقد تقدّم السند نفسه قبل بابين. وقوله: (لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ) بنون التوكيد الثقيلة. وقوله: (يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ) بمعجمة، وموحّدة مفتوحتين، بينهما تحتية ساكنة، وهي الحرمان، والخسران. وقوله: (فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ»)؛ أي: المدبِّر للأمور، الفاعلُ ما تنسبونه إلى الدهر، من جَلْب الحوادث، ودَفْعها، كان شأن الجاهلية ذمّ الدهر عند الحوادث، أو عدم حصول المطلوب، فقال ذلك ردًّا لاعتقادهم. وفي رواية:«فإن الدهر هو الله»؛ أي: فإن جالب الحوادث، ومتوليها هو الله، لا غيره. وقيل: إنه على حذف مضاف؛ أي: صاحب الدهر؛ أي: الخالق له، وقيل: تقديره: مقلِّب الدهر، ولذا عقّبه بقوله في رواية:«بيدي الله الليل والنهار»، فمعنى النهي عن سبّه: أن من اعتقد أنه فاعل للمكروه فسبَّه أخطأ، فإن الله هو الفاعل، فإذا سبّه رجع إلى الله. انتهى . والحديث سبق الكلام فيه، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٨٥٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ:«لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ، فَإِن اللهَ هُوَ الدَّهْرُ»).
مصادر المؤلف (١٠)

١. «الفتح» ١٤/ ٥١ - ٥٢، كتاب «الأدب» رقم (٦١٨١).

٢. «شرح النوويّ»١٥/ ٣ - ٤.

٣. «المفهم» ٥/ ٥٤٨ - ٥٤٩.

٤. «الفتح» ١٤/ ٥١ - ٥٢، كتاب «الأدب» رقم (٦١٨١).

٥. «الفتح» ١٤/ ٥١ - ٥٢، كتاب «الأدب» رقم (٦١٨١).

٦. «الاستذكار» ٨/ ٥٥٣.

٧. «المفهم» ٥/ ٥٤٧ - ٥٤٨.

٨. «الفتح» ١٤/ ٥٢، كتاب «الأدب» رقم (٦١٨١).

٩. ذكر ابن عبد البرّ هذه الرواية في«الاستذكار»٨/ ٥٥٠.

١٠. «شرح الزرقانيّ» ٤/ ٥١٤.