HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢٤٩

حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر. قالوا: حدثنا إسماعيل (وهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ) عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي. كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ. وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إِمَاءُ اللَّهِ. ولكن ليقل: غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي».
ج ٤ ص ١٧٦٤

سلسلة الرواة

التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٤٠
[٦٨٥] وفي حديث (لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَأَمَتِي) ؛ أي: العُبُودة والأُمُوَّة موجودتان في كل ذي روح من البشر، إذ كلهم مستعبد، وذلك في كل إنسان على الحقيقة، وأما ما يحدث في بعض الناس بسبب الاسترقاق فذلك مجاز.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٦ ص٥٧٩
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بن فارس العبديّ البصريّ، بخاريّ الأصل، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧٩/ ٤١٧. والباقون ذُكروا قبله. والحديث من أفراد المصنّف - ﵀ -، وقد سبق شرحه، ومسألتاه في الحديث الماضي، ولله الحمد. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣) - (بَابُ حُكْمِ إِطْلَاقِ لَفْظَةِ الْعَبْدِ، وَالأَمَةِ، وَالْمَوْلَى، وَالسَّيِّدِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٨٦٠] (٢٢٤٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي، وَأَمَتِي، كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللهِ، وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إِمَاءُ اللهِ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: غُلَامِي، وَجَارِيَتِي، وَفَتَايَ، وَفَتَاتِي»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ، أبو زكريّاء البغداديّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (ابْنُ حُجْرٍ) عليّ بن حجر السعديّ المروزيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ المدنيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن الْحُرَقيّ المدنيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الحرقيّ المدنيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقيان ذُكرا قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتّحاد كيفيّة التحمّل والأداء، فكلهم سمعوا من لفظ العلاء مع جماعة، ولذا قالوا: حدّثنا العلاء، وأنه مسلسل بالمدنيين من العلاء، وفيه رواية الراوي عن أبيه، وفيه أبو هريرة - ﵁ - سبق القول فيه قريبًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي، وَأَمَتِي) لأن حقيقة العبودية إنما يستحقها الله تعالى، (كلُّكُمْ عَبِيدُ اللهِ، وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إِمَاءُ اللهِ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: غُلَامِي، وَجَارِيَتِي، وَفَتَايَ، وَفَتَاتِي») هما بمعنى الشابّ والشابة؛ بناءً على الغالب في الْخَدَم، أو القويّ، والقوية، ولو باعتبار ما كان . وقال في «شرح السُّنَّة»: قيل: إنما منع أن يقول: ربي؛ لأن الإنسان مربوب، مُتَعَبَّدٌ بإخلاص التوحيد، فكره المضاهاة بالاسم؛ لئلا يدخل في معنى الشرك، والعبد والحرّ فيه بمنزلة واحدة، ولم يمنع العبد أن يقول: سيّدي، ومولاي؛ لأن مرجع السيادة إلى معنى الرئاسة له، وحسن التدبير لأمره، ولذلك سُمّي الزوج سيّدًا، وقيل في كراهة هذه الأسماء: هو أن يقول ذلك على طريق التطاول على الرقيق، والتحقير لشأنه، وإلا فقد جاء به القرآن، قال تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، وقال: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥]، وقال: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]، وقال أيضًا: ﴿سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥]، ومعنى هذا راجع إلى البراءة من الكِبْر، والتزام الذلّ، والخضوع، فلم يحسن لأحد أن يقول: فلان عبدي، بل يقول: فتاي، وإن كان قد مَلَك فتاه؛ ابتلاءً، وامتحانًا من الله تعالى لخلقه، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ [الفرقان: ٢٠]، وعلى هذا امتحان الله تعالى أنبياءه، وأولياءه، ابتلى يوسف - ﵇ - بالرقّ. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: هذا كله من باب الإرشاد إلى إطلاق اسم الأَولى؛ لا أن إطلاق ذلك الاسم محرَّم، ألا ترى قول يوسف - ﷺ -: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] و﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٥٠]، و﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف: ٢٣]، وقول النبيّ - ﷺ -: «أن تلد الأمة ربَّها، وربَّتها»! فكأن محل النهي في هذا الباب ألا تُتَّخذ هذه الأسماء عادة، فيُترك الأَولى، والأحسن، قال ابن شعبان في «الزاهي»: لا يقل السَّيد: عبدي، وأمتي، ولا يقل المملوك: ربِّي، ولا ربَّتي، قال القاضي عياض: ولم ينه عنه نهي وجوبٍ، وحظرٍ، بل نهي أدبٍ، وحضٍّ، ثم خاطبهم أحيانًا بما فُهم عنهم من صحة استعمالهم له في لغتهم، وعلى غير الوجه المذموم، وقد تقدَّم أنه يقال على المالك والسَّيد: ربٌّ، وأن أصله مِنْ رَبَّ الشيءَ والولد، يربُّه، وربَّاه، يُرَبِّيه: إذا قام عليه بما يُصلحه، ويُكمِّله، فهو ربٌّ، ورابٌّ، ولمّا كان ابتداءُ التربية، وكمالها من الله تعالى بالحقيقة، لا من غيره، كان الأَولى بالإنسان أن لا يَنْسُب تربية نفسه إلا إلى مَن إليه الربوبية الحقيقية، وهو الله تعالى، فإنْ فَعَل ذلك؛ كان متجوِّزًا في اللفظ، مخالفًا للأَولى، كما تقدَّم. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٥٨٦٠ و٥٨٦١ و٥٨٦٢ و٥٨٦٣] (٢٢٤٩)، و(البخاريّ) في «العتق» (٢٥٥٢) وفي «الأدب المفرد» (٢٠٩ و٧٩٥)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٦/ ٦٩) و«عمل اليوم والليلة» (٢٤١ و٢٤٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٤٤٤ و٤٦٣ و٤٨٤ و٤٩٦)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١١/ ٣٩١)، و(البيهقيّ) في «شُعَب الإيمان» (٦/ ٣٧٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن قول الإنسان: عبدي، وأمتي، ولكن يقول: غلامي، وفتاي، وفتاتي، وجاريتي، قال القرطبيّ - ﵀ -: أمره أن يقول هذه الألفاظ دون ما قبلها؛ لأن هذه تنطلق على الحر والعبد، وليس فيها من معنى الملك، ولا من التعاظم شيء مما في: عبدي، وأمتي، وأصل الفُتُوّة: الشباب، وهو الفتاء - بالمد - ثم قد استُعْمِل الفتى فيمن كَمُلت فضائله، ومكارمه، كما قالوا: لا فتًى إلا عليٌّ، قال: ومن هذا أخذ الصُّوفيَّة الفتوّة المتعارفة بينهم، وأصل الغلوميَّة في بني آدم، وهي للصغير، فينطلق على الصغير اسم غلام من حين يولد إلى أن يبلغ، فينقطع عنه ذلك الاسم، وكذلك الجارية في النِّساء. انتهى . ٢ - (ومنها): ما قال النوويّ - ﵀ -: قال العلماء: مقصود الأحاديث شيئان: أحدهما: نهي المملوك أن يقول لسيده: ربي؛ لأن الربوبية إنما حقيقتها لله تعالى؛ لأن الربّ هو المالك، أو القائم بالشيء، ولا يوجد حقيقةُ هذا إلا في الله تعالى. فإن قيل: فقد قال النبيّ - ﷺ - في أشراط الساعة: «أن تلد الأمة ربتها، أو ربها». فالجواب من وجهين: أحدهما: أن الحديث الثاني لبيان الجواز، وأن النهي في الأول للأدب، وكراهة التنزيه، لا للتحريم. والثاني: أن المراد: النهي عن الإكثار من استعمال هذه اللفظة، واتخاذها عادةً شائعةً، ولم ينه عن إطلاقها في نادر من الأحوال، واختار القاضي هذا الجواب، ولا نهي في قول المملوك: سيدي؛ لقوله - ﷺ -: «وليقل: سيدي»؛ لأن لفظة السيد غير مختصة بالله تعالى اختصاصَ الربّ، ولا مستعملة فيه كاستعمالها حتى نقل القاضي عن مالك أنه كَرِهَ الدعاء بسيدي، ولم يأت تسمية الله تعالى بالسيد في القرآن، ولا في حديث متواتر، وقد قال النبيّ - ﷺ -: «إن ابني هذا سيد»، و«قوموا إلى سيدكم»؛ يعني: سعد بن معاذ، وفي الحديث الآخر: «اسمعوا ما يقول سيدكم»؛ يعني: سعد بن عُبادة، فليس في قول العبد: سيدي إشكال، ولا لَبْسٌ؛ لأنه يستعمله غير العبد والأمة، ولا بأس أيضًا أن يقول العبد لسيده: مولاي، فإن المولى وقع على ستة عشر معنى، سبق بيانها، منها: الناصر، والمالك. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «على ستّة عشر معنى» بل هي واحد وعشرون معنى، وقد تقدّم أنْ ذَكَرْتُها نظمًا، فلا تَنْسَ، والله تعالى وليّ التوفيق. قال: الثاني: يكره للسيد أن يقول لمملوكه: عبدي، وأمتي، بل يقول: غلامي، وجاريتي، وفتاي، وفتاتي؛ لأن حقيقة العبودية إنما يستحقها الله تعالى، ولأن فيها تعظيمًا بما لا يليق بالمخلوق استعماله لنفسه، وقد بيَّن النبيّ - ﷺ - العلة في ذلك، فقال: «كلكم عبيد الله»، فنهى عن التطاول في اللفظ، كما نهى عن التطاول في الأفعال، وفي إسبال الإزار، وغيره، وأما غلامي، وجاريتي، وفتاي، وفتاتي، فليست دالة على الْمِلك؛ كدلالة عبدي، مع أنها تُطلق على الحرّ، والمملوك، وإنما هي للاختصاص، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ [الكهف: ٦٠]، وقال: ﴿لِفِتْيَانِهِ﴾ [يوسف: ٦٢]، وقال: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ﴾ [الكهف: ١٣]، ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٠]، وأما استعمال الجارية في الحرّة الصغيرة فمشهور معروف في الجاهلية، والإسلام، والظاهر أن المراد بالنهي مِن استعماله على جهة التعاظم، والارتفاع، لا للوصف، والتعريف، والله تعالى أعلم. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٨٦١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي، فَكُلُّكُمْ عَبِيدُ اللهِ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: فَتَايَ، وَلَا يَقُلِ الْعَبْدُ : رَبِّي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: سَيِّدِي»). رجال هذا الإسناد: خمسة: كلهم ذُكروا في الباب، وقبل باب، غير «الأعمش»، فقد تقدّم قريبًا، و«جرير» هو: ابن عبد الحميد. وقوله: (وَلَا يَقُلِ الْعَبْدُ: رَبِّي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: سَيِّدِي)، قال القرطبيّ - ﵀ -: إنما فرَّق بينهما؛ لأن الربَّ من أسماء الله تعالى المستعملة بالاتفاق، واختُلف في السَّيِّد: هل هو من أسماء الله تعالى، أم لا؟ فإذا قلنا: ليس من أسمائه، فالفرق واضح؛ إذ لا التباس، ولا إشكال يلزم من إطلاقه، كما يلزم من إطلاق الرَّبِّ، وإذا قلنا: إنه من أسمائه؛ فليس في الشهرة والاستعمال كلفظ الربِّ؛ فيحصل الفرق بذلك، وأما من حيث اللغة: فالربُّ مأخوذٌ مما ذكرناه، والسَّيِّد من السؤدد، وهو التقدُّم، يقال: ساد قومه: إذا تقدَّمهم، ولا شكَّ في تقدُّم السَّيِّد على غلامه، فلما حصل الافتراق جاز الإطلاق. انتهى . [تنبيه]: إذا أطلق «ربّ» على غير الله تعالى، فإنما يُطلق مضافًا، فيقال: ربُّ الدَّار، وربُّ الفرس، ولا يُطلق، وفيه الألف واللام إلا إذا أريد به الله تعالى، قاله الجوهري، وغيره . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٨٦٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِهِمَا: «وَلَا يَقُلِ الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ: مَوْلَايَ»، وَزَادَ فِي حَدِيثِ أَبي مُعَاوِيَةَ: «فَإِنَّ مَوْلَاكُمُ اللهُ - ﷿ -»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد بن حُصين الكنديّ الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٧. والباقون كلهم تقدّموا قريبًا. وقوله: (وَلَا يَقُلِ الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ: مَوْلَايَ. . . إلخ) قال القاضي عياض - ﵀ -: وأما قوله في كتاب مسلم في رواية وكيع، وأبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، رفعه: «ولا يقل العبد لسيده: مولاي»، فقد اختَلَف الرواة عن الأعمش في ذِكر هذه اللفظة، فلم يذكرها عنه آخرون، وحَذْفُها أصحّ، والله أعلم. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: وقوله: «ولا يقل أحدُكم: ربِّي، وليقل: سيِّدي، ومولاي»: هذا اللفظُ متفقٌ عليه عند أكثر الرواة، وفي رواية أبي سعيدٍ الأشجِّ، وأبي معاوية عن الأعمش مرفوعًا: «ولا يقل العبدُ لسيِّده: مولاي»، وانفرد أبو معاوية، فزاد: «وإن الله مولاكم»، وقد رواه عن الأعمش جرير، ولم يذكر ذلك، وقد رُوي من طرق متعددة مشهورة، وليس ذلك مذكورًا فيها، بل اللفظ الأول؛ فظهر بهذا: أن اللفظ الأول أرجح، وإنما صرنا للترجيح؛ للتعارض بين الحديثين، فإنَّ الأول يقتضي إباحة قول العبد: مولاي، والثاني يقتضي مَنْعه من ذلك، والجمع متعذر، والعلم بالتاريخ مفقود، فلم يَبْقَ إلا الترجيح؛ كما ذكرناه، والله تعالى أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي في تضعيف رواية: «ولا يقل: مولاي» نظرٌ، فقد اتفق أبو معاوية، ووكيع عليها، وهما من الحفظ بمكان، ولا سيّما أبو معاوية فإنه أحفظ مَن روى عن الأعمش، بعد الثوريّ، فلا وجه لتضعيفها، فتأمل بالإمعان. ويُجمع بينها وبين رواية: «وليقل: سيدي مولاي» بحمل النهي على التنزيه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية أبي معاوية عن الأعمش ساقها النسائيّ - ﵀ - في «الكبرى»، فقال: (١٠٠٧١) - أخبرنا محمد بن العلاء أبو كريب، قال: حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يقولنّ أحدكم: عبدي، فإن كلكم عبد، ولكن ليقل: فتاي، ولا يقل أحدكم: مولاي، فإن مولاكم الله، ولكن ليقل: سيدي». انتهى . ورواية وكيع عن الأعمش ساقها ابن عساكر - ﵀ - في «تاريخ دمشق»، فقال: أخبرنا أبو محمد بن الأكفانيّ، نا عبد العزيز بن أحمد الكتانيّ، أنبأ أبو الحسن عليّ بن أحمد بن محمد بن عليّ الشرابيّ قراءةً عليه، نا خيثمة بن سليمان، نا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله العبسيّ، نا وكيع بن الجراح، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يقولنّ أحدكم لعبده: عبدي، ولكن ليقل: فتاي، ولا يقول العبد لسيده: مولاي، ولكن ليقل: سيدي». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٨٦٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ ابْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمُ: اسْقِ رَبَّكَ، أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ، وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: رَبِّي، وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي، مَوْلَايَ ، وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي، أَمَتِي، وَلْيَقُلْ: فَتَايَ، فَتَاتِي، غُلَامِي»). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد نفسه تقدّم في الباب الماضي. شرح الحديث: (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) الأبناوي الصنعانيّ أنه (قَالَ: هَذَا) مشيرًا إلى مجموعات أحاديث في صحيفة واحدة، وهذي صحيفة همّام بن منبّه المشهورة، فيها (١٣٨) حديثًا. (مَا) اسم موصول خبر «هذا» (حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرَ)؛ أي: همّام (أَحَادِيثَ) تقدّم أنها (١٣٨) حديثًا، وقوله: (مِنْهَا) خبر مقدّم لقوله: (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) فهو مبتدأ مؤخّر محكيّ؛ لقصد لفظه، («لَا يَقُلْ أَحَدُكُمُ: اسْقِ رَبَّكَ، أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ) قال في»الفتح«: هي أمثلة، وإنما ذُكرت دون غيرها؛ لِغَلَبة استعمالها في المخاطبات، ويجوز في أَلِف»اسق«الوصل، والقطع، وفيه نهي العبد أن يقول لسيده: ربي، وكذلك نهي غيره، فلا يقول له أحد: ربك، ويدخل في ذلك أن يقول السيد ذلك عن نفسه، فإنه قد يقول لعبده: أسق ربك، فيضع الظاهر موضع الضمير على سبيل التعظيم لنفسه، والسبب في النهي أن حقيقة الربوبية لله تعالى؛ لأن الرب هو المالك، والقائم بالشيء، فلا توجد حقيقة ذلك إلا لله تعالى. قال الخطابيّ - ﵀ - : سبب المنع أن الإنسان مربوبٌ، متعبدٌ بإخلاص التوحيد لله تعالى، وتَرْك الإشراك معه، فكَرِه له المضاهاة في الاسم؛ لئلا يدخل في معنى الشرك، ولا فرق في ذلك بين الحرّ والعبد، فأما ما لا تعبّد عليه من سائر الحيوانات، والجمادات، فلا يُكره إطلاق ذلك عليه عند الإضافة، كقوله: رب الدار، ورب الثوب. وقال ابن بطال - ﵀ -: لا يجوز أن يقال لأحد غيرِ الله تعالى: ربّ، كما لا يجوز أن يقال له: إله. انتهى. والذي يختصّ بالله تعالى إطلاق الرب بلا إضافة، أما مع الإضافة فيجوز إطلاقه، كما في قوله تعالى حكايةً عن يوسف - ﵇ -: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]، وقوله: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٥٠]، وقوله - ﷺ - في أشراط الساعة: «أن تلد الأمة ربها»، فدلّ على أن النهي في ذلك محمول على الإطلاق. ويَحْتَمِل أن يكون النهي للتنزيه، وما ورد من ذلك فلبيان الجواز، وقيل: هو مخصوص بغير النبيّ - ﷺ -، ولا يَرِد ما في القرآن، أو المراد: النهي عن الإكثار من ذلك، واتخاذ استعمال هذه اللفظة عادةً، وليس المراد النهي عن ذِكرها في الجملة. انتهى . (وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: رَبِّي، وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي، مَوْلَايَ) ووقع في بعض النسخ»:«ومولاي»بالعطف، وفيه جواز إطلاق العبد على مالكه: سيدي، قال القرطبيّ وغيره: إنما فَرَّق بين الرب والسيد؛ لأن الرب من أسماء الله تعالى اتفاقًا، واختُلف في السيد، ولم يَرِدْ في القرآن أنه من أسماء الله تعالى، فإن قلنا: إنه ليس من أسماء الله تعالى فالفرق واضح؛ إذ لا التباس، وإن قلنا: إنه من أسمائه فليس في الشهرة والاستعمال كلفظ الربّ، فيحصل الفرق بذلك أيضًا. وقد رَوى أبو داود، والنسائيّ، وأحمد، والبخاريّ في«الأدب المفرد»من حديث عبد الله بن الشِّخِّير، عن النبيّ - ﷺ - قال:«السيد الله». وقال الخطابي: إنما أطلقه؛ لأن مرجع السيادة إلى معنى الرياسة على من تحت يده، والسياسة له، وحُسن التدبير لأمره، ولذلك سُمِّي الزوج سيدًا، قال: وأما المولى فكثير التصرف في الوجوه المختلفة، مِن وَلِيّ، وناصر، وغير ذلك، ولكن لا يقال: السيد، ولا المولى على الإطلاق من غير إضافة، إلا في صفة الله تعالى. انتهى . قال في«الفتح»: وفي الحديث جواز إطلاق مولاي أيضًا، وأما ما أخرجه مسلم، والنسائيّ، من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة في هذا الحديث نحوه، وزاد:«ولا يقل أحدكم: مولاي، فإن مولاكم الله، ولكن ليقل: سيدي»، فقد بَيَّن مسلم الاختلاف في ذلك على الأعمش، وأن منهم من ذَكر هذه الزيادة، ومنهم من حَذَفها، وقال عياض: حَذْفها أصحّ، وقال القرطبيّ المشهور حذفها، قال: وإنما صِرْنا إلى الترجيح للتعارض مع تعذّر الجمع، وعدم العلم بالتاريخ. انتهى. قال الحافظ: ومقتضى ظاهر هذه الزيادة أن إطلاق السيد أسهل من إطلاق المولى، وهو خلاف المتعارَف، فإن المولى يُطلق على أوجه متعددة، منها الأسفل، والأعلى، والسيد لا يطلق إلا على الأعلى، فكان إطلاق المولى أسهل، وأقرب إلى عدم الكراهة، والله أعلم. وقد رواه محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، فلم يتعرض للفظ المولى إثباتًا، ولا نفيًا، أخرجه أبو داود، والنسائيّ، والبخاريّ في «الأدب المفرد» بلفظ: «لا يقولنّ أحدكم: عبدي، ولا أمتي، ولا يقل المملوك: ربي، وربتي، ولكن ليقل المالك: فتاي، وفتاتي، والمملوك: سيدي، وسيدتي، فإنكم المملوكون والرب الله تعالى». ويَحْتَمِل أن يكون المراد: النهي عن الإطلاق، كما تقدم من كلام الخطابيّ، ويؤيد كلامَهُ حديث ابن الشِّخِّير المذكور، والله أعلم. وعن مالك تخصيص الكراهة بالنداء، فيُكره أن يقول: يا سيدي، ولا يكره في غير النداء. انتهى . (وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي، أَمَتِي) زاد في رواية العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، المتقدّمة: «كلكم عبيد الله، وكل نسائكم إماء الله»، فأرشد - ﷺ - إلى العلة في ذلك؛ لأن حقيقة العبودية إنما يستحقها الله تعالى، ولأن فيها تعظيمًا لا يليق بالمخلوق استعماله لنفسه، قال الخطابيّ: المعنى في ذلك كله راجع إلى البراءة من الكِبْر، والتزام الذلّ، والخضوع لله - ﷿ -، وهو الذي يليق بالمربوب. (وَلْيَقُلْ: فَتَايَ، فَتَاتِي، غُلَامِي») زاد في رواية العلاء المذكورة:«وجاريتي»، فأرشد - ﷺ - إلى ما يؤدي المعنى، مع السلامة من التعاظم؛ لأن لفظ الفتى والغلام ليس دالًّا على محض المُلك، كدلالة العبد، فقد كثر استعمال الفتى في الحرّ، وكذلك الغلام والجارية. قال النوويّ: المراد بالنهي من استعمله على جهة التعاظم، لا من أراد التعريف. انتهى . قال الحافظ: ومحلّه ما إذا لم يحصل التعريف بدون ذلك استعمالًا للأدب في اللفظ، كما دلَّ عليه الحديث. انتهى . والحديث متّفق عليه، وقد مضى تمام البحث فيه في رواية العلاء المذكورة أول الباب، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (١٩)

١. «عون المعبود» ١٣/ ٢١٩.

٢. «الكاشف عن حقائق السُّنن» ١٠/ ٣٠٨٨.

٣. «المفهم» ٥/ ٥٥٢ - ٥٥٣.

٤. «المفهم» ٥/ ٥٥٤.

٥. «شرح مسلم» ١٥/ ٦ - ٧.

٦. وفي نسخة: «ولا يقول العبد».

٧. «المفهم» ٥/ ٥٥٤.

٨. «المفهم» ٥/ ٥٥٤.

٩. «إكمال المعلم» ٧/ ١٩٠، و«شرح النوويّ» ١٥/ ٧.

١٠. «المفهم» ٥/ ٥٥٣ - ٥٥٤.

١١. «السُّنن الكبرى» للنسائيّ ٦/ ٦٩.

١٢. «تاريخ مدينة دمشق»٤١/ ٢٣٣.

١٣. وفي نسخة:«سيدي ومولاي».

١٤. «الأعلام»٢/ ١٢٧٢.

١٥. «الفتح»٦/ ٣٨٥ - ٣٨٦، كتاب«العتق»رقم (٢٥٥٢).

١٦. «الأعلام» ٢/ ١٢٧٣.

١٧. «الفتح» ٦/ ٣٨٥ - ٣٨٦، كتاب «العتق» رقم (٢٥٥٢).

١٨. «شرح النوويّ» ١٥/ ٧.

١٩. «الفتح» ٦/ ٣٨٥ - ٣٨٦، كتاب «العتق» رقم (٢٥٥٢).