HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢٨٢

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ (وَاللَّفْظُ لِأَبِي عَامِرٍ). قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: « إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ ﷿ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أرضا. فكانت منه طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ. قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ. وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ. فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ. فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَرَعَوْا. وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى. إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً. فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ. وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا. وَلَمْ يَقْبَلْ هدى الله الذي أرسلت به».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص63
ج ٤ ص ١٧٨٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٧ ص٢٥٥
مُعَلَّق بشجرة، فأخذ سيف نبي الله -ﷺ-، فاخترطه، فقال لرسول الله -ﷺ-: «أتخافني؟ قال: لا، قال: فمن يمنعك مني؟ قال: الله يمنعني منك»، قال: فتهدّده أصحاب رسول الله -ﷺ-، فأغمد السيف، وعلَّقه، قال: فنودي بالصلاة، فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، قال: فكانت لرسول الله -ﷺ- أربع ركعات، وللقوم ركعتان. انتهى . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥) - (بَابُ بَيَانِ مَثَلِ مَا بُعِثَ بِهِ النَّبِيُّ -ﷺ- مِنَ الْهُدَي، وَالْعِلْمِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٩٣٨] (٢٢٨٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو عَامِرٍ الأَشْعَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ -وَاللَّفْظُ لأَبِي عَامِرٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَي، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ -﷿- مِنَ الْهُدَي، وَالْعِلْمِ، كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ، أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا مِنْهَا، وَسَقَوْا، وَرَعَوْا، وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَي، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ، لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللهِ، وَنَفَعَهُ اللهُ بِمَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ ، فَعَلِمَ، وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد تقدّم قبل خمسة أبواب، فلا حاجة إلى إعادة شرحه، و«أبو عامر الأشعريّ»هو: عبد الله بن برّاد الكوفي، و«أبو أسامة»هو: حمّاد بن أُسامة، و«بُريد»هو ابن عبد الله بن أبي بردة، وكنيته أبو بُردة، وهو الصغير، وجدّه هو الكبير، والأكبر هو أبو بُردة، أخو أبي موسى الأشعريّ. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قَرَن بينهم؛ لاتّحاد كيفيّة الأخذ والأداء، له ولهم، فهو أخذ منهم سماعًا مع جماعة، ولذا قال:«حَدَّثَنَا»، وهم أخذوا عن أبي أسامة كذلك سماعًا، ولذا قالوا:«حَدَّثَنَا»، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره، وفيه أبو كريب أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وفيه رواية الراوي، عن جدّه عن أبيه، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة -﵃-. شرح الحديث: (عَنْ بُرَيْدٍ) بصيغة التصغير، ابن عبد الله بن أبي بُردة (عَنْ) جدّه (أَبِي بُرْدَةَ) قيل: اسمه الحارث، وقيل: عامر، وقيل: اسمه كنيته، (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم الأشعريّ الصحابيّ الشهير المتوفّى سنة (٥٠ هـ) -﵁-، وقيل: بعدها. (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-) أنه (قَالَ: «إِنَّ مَثَلَ) -بفتح الميم، والثاء المثلثة- المراد به ههنا الصفة العجبية، لا القول السائر . (مَا بَعَثَنِي اللهُ -﷿- بِهِ مِنَ الْهُدَى) قال الجوهريّ: الهدى: الرَّشَاد، والدلالة، يُذَكَّر، ويؤنَّث، يقال: هداه الله للدين هُدًى، وهَدَيْته الطريقَ، والبيتَ هِدايةً؛ أي: عرّفته، هذه لغة أهل الحجاز، وغيرهم يقول: هديته إلى الطريق، وإلى الدار، حكاها الأخفش، وهَدَي، واهتدى بمعنًى، وفي الاصطلاح: الهدى هو الدلالة الموصلة إلى البغية . (وَالْعِلْمِ) هو صفة توجب تمييزًا لا يَحْتَمِل متعلَّقه النقيض، والمراد به ههنا: الأدلة الشرعية . وقال الطيبيّ -﵀-: قوله: «من الهدى والعلم»؛ أي: الطريقة والعمل، روي: «من ازداد علمًا، ولم يزدد هدى لَمْ يزدد من الله إلا بُعدًا». انتهى . وقال في «العمدة»: فيه عَطْف المدلول على الدليل؛ لأنَّ الهدى هو الدلالة، والعلم هو المدلول، وَجِهة الجمع بينهما هو النظر إلى أن الهدى بالنسبة إلى الغير؛ أي: التكميل، والعلم بالنسبة إلى الشخص؛ أي: الكمال، ويقال: الهدى الطريقة، والعلم هو العمل. انتهى . (كَمَثَلِ غَيْثٍ) الغَيْثُ: المطر، وغَاثَ اللهُ البلادَ غَيْثًا، من باب ضرب: أنزل بها الغَيْثَ، فالأرض مَغِيثَةٌ، ومَغْيُوثَةٌ، ويُبْنَى للمفعول، فيقال: غِيثَتِ الأرضُ تُغَاثُ، قال أبو عمرو بن العلاء: سمعت ذا الرُّمّة يقول: قاتل الله أَمَةَ بني فلان، ما أفصحها! قلت لها: كيف كان المطر عندكم؟ فقالت: غِثْنَا مَا شِئْنَا، وغَاثَ الغيثُ الأرضَ غَيْثًا، من باب ضرب أيضًا: نزل بها، وسُمِّي النبات غَيْثًا؛ تسميةً باسم السبب، فيقال: رَعَينا الغَيْثَ، قاله الفيّوميّ: -﵀- . وقال الطيبيّ -﵀-: واختير الغيث على سائر أسماء المطر؛ لِيُؤْذن باضطرار الخلق إليه حينئذ، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ الآية [الشورى: ٢٨]، وقد كان الناس قبل المبعث قد امتُحِنوا بموت القلوب، ونُضُوب العلم، حتى أصابهم الله برحمة من عنده، فأفاض عليهم سِجال الوحي السماويّ، فأشبهت حالهم حال من توالت عليهم السنون، وأخلفتهم المحامل، حتى تداركهم الله بلطفه، وأَرْخت عليهم السماء، غير أنه كان حظّ كلّ فريق من تلك الرحمة على ما ذكره من الأمثلة والنظائر، وإنما ضرب المثل بالغيث للمشابهة التي بينه وبين العلم، فإن الغيث يحيي البلد الميت، والعلم يحيى القلب الميت. انتهى . (أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَتْ مِنْهَا)؛ أي: من تلك الأرض التي أصابها الغيث (طَائِفَةٌ)؛ أي: قطعة (طَيِّبَةٌ)، أي: منبتة، قال النوويّ -﵀-: فهكذا هو في جميع نسخ مسلم: «طائفة طيبة»، ووقع في البخاريّ: «فكان منها نَقِيَّةٌ، قَبِلَت الماء» بنون مفتوحة، ثم قاف مكسورة، ثم ياء مثناة من تحتُ مُشَدَّدة، وهو بمعنى«طيبة»، هذا هو المشهور في روايات البخاريّ، ورواه الخطابيّ وغيره: «ثغبة» بالثاء المثلثة، والغين المعجمة، والباء الموحّدة، قال الخطابيّ: هو مستنقع الماء في الجبال، والصخور، وهو الثغب أيضًا، وجَمْعه ثغبان، قال القاضي، وصاحب «المطالع»: هذه الرواية غَلَطٌ من الناقلين، وتصحيفٌ، وإحالة للمعنى؛ لأنه إنما جُعلت هذه الطائفة الأُولى مَثَلًا لِمَا يُنبت، والثغبة لا تنبت. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «نقية» كذا عند البخاريّ في جميع الروايات التي رأيناها بالنون، من النقاء، وهي صفة لمحذوف، لكن وقع عند الخطابيّ، والحميديّ، وفي حاشية أصل أبي ذَرٍّ: «ثَغِبة» بمثلثة مفتوحة، وغين معجمة مكسورة، بعدها موحّدة خفيفة، مفتوحة، قال الخطابيّ: هي مُسْتَنْقَع الماء في الجبال، والصخور، قال القاضي عياض: هذا غَلَطٌ في الرواية، وإحالة للمعنى؛ لأنَّ هذا وَصْف الطائفة الأُولى التي تُنبت، وما ذَكَره يصلح وصفًا للثانية التي تُمسك الماء، قال: وما ضبطناه في البخاريّ من جميع الطرق إلا «نَقِيَّةٌ» بفتح النون، وكسر القاف، وتشديد الياء التحتانية، وهو مثل قوله في مسلم: «طائفة طيبة»، قال الحافظ: وهو في جميع ما وقفت عليه من المسانيد، والمستخرجات، كما عند مسلم، وفي كتاب الزركشيّ: ورُوي «بقعة»، قلت : هو بمعنى طائفة، لكن ليس ذلك في شيء من روايات «الصحيحين»، ثم قرأت في «شرح ابن رجب» أن في رواية بالموحدة، بدل النون، قال: والمراد بها القطعة الطيبة، كما يقال: فلان بقية الناس، ومنه: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ [هود: ١١٦]. انتهى . (قَبِلَتِ الْمَاءَ) بكسر الباء الموحّدة، يقال: قَبِلتُ العقدَ أقبَله، من باب تَعِبَ قَبُولًا بالفتح، والضمُّ لغةٌ حكاها ابن الأعرابيّ، وقَبِلتُ القولَ: صدّقته، وقَبِلتُ الهديّةَ: أخذتها، قاله الفيّوميّ -﵀- . وقال في «الفتح»: قوله: «قَبِلت» بفتح القاف، وكسر الموحّدة، من القَبول، كذا في معظم الروايات، ووقع عند الأصيليّ: «قَيَّلَت» بالتحتانية المشددة، وهو تصحيف. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «قبلت» لَمْ يختلف رواة مسلم في هذا الحرف أنه بالباء الموحّدة، من القبول؛ أي: شربت الماء، فانتفعت به، وقيَّده بعض رواة البخاريّ: «قيَّلت» -باثنتين من تحتها-. وقال الأصيليّ: إنه تصحيف، وقال غيره: ليس كذلك، ومعناه: جَمَعَت، تقول العرب: تقيَّل الماءُ في الموضع المنخفض: إذا اجتمع فيه. قال القرطبيّ: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّه قد ذكر بعد هذا الطائفة الممسكة الماء، الجامعة له، فعلى ما قاله تكون الطائفتان واحدة، ويفسد معنى الخبر، والتشبيه، وقيل: يكون معنى قيّلت: شربت، قال: والقَيْل: شُرب نصف النهار، وقيّلت الإبلُ: إذا شربت قائلة. قال: وهذا أيضًا ليس بشيء؛ لأنَّ مقصود الحديث لا يخصّ شرب القائلة من غيرها، والأظهر ما قاله الأصيليّ. انتهى . (فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ) بفتح الكاف، مهموزًا بلا مدّ، وقوله: (وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ) «الْعُشب» بضمّ، فسكون، من عَطْف الخاصّ على العامّ؛ لأنَّ الكلأ يُطلق على النبت الرطب واليابس معًا، والعشب للرطب فقط، قاله في «الفتح» . وقال في «العمدة»: الكلأ بفتح الكاف، واللام، وفي آخره همزة، بلا مَدّ، قال الصغانيّ: الكلأ: العشب، وقد كَلِئت الأرضُ، فهي كليئة، ثم قال في باب العشب: العشب: الكلأ الرطب، ولا يقال له: حشيش حتى يَهِيج، وأعشبت الأرضُ: إذا أنبتت العشب، وقال في باب الحشيش: الحشيس الكلأ اليابس، ولا يقال له: رطب حشيش. قال العينيّ -﵀-: عُلِم من كلامه أن الكلأ يُطلق على الرطب من النبات، واليابس منه، وكذا صَرّح به ابن فارس، والجوهريّ، والقاضي عياض: الكلأ يُطلق على الرطب واليابس من النبات، وفُهِم من قول الصغاني أيضًا أن الحشيش لا يُطلق على الرطب، كذا صرّح به الجوهريّ، وهو منقول عن الأصمعيّ، ذكره البطليوسي في «أدب الكتاب»، ونقل عن أبي حاتم إطلاقه عليه، وقال الكرمانيّ: الكلأ بالهمزة هو النبات يابسًا ورطبًا، وأما العشب والخلا -مقصورًا- فمختصان بالرَّطْب، والحشيش مختص باليابس. انتهى. وقال الجوهري: الخلا -مقصورًا- الحشيش اليابس، الواحدة خلاة، مثلُ حصى وحصاة، قال العينيّ: والصواب مع الكرمانيّ، فالجوهريّ سهى فيه؛ لأن الخلاء: الرَّطْب، فإذا يبس فهو حشيش. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: تعقّب العينيّ -﵀- هذا وجيه؛ قال الفيّوميّ: قال في «الكفاية»: الخلا: الرطب، وهو ما كان غَضًّا من الكلأ، وأما الحشيش فهو اليابس. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: وأما العشب، والكلأ، والحشيش: فكلها أسماء للنبات، لكن الحشيش مختصّ باليابس، والعشب والخلا -مقصورًا- مختصان بالرَّطْب، والكلأ بالهمز: يقع على اليابس والرَّطْب، وقال الخطابيّ، وابن فارس: الكلأ يقع على اليابس، وهذا شاذّ ضعيف. انتهى . (وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ) بالجيم، والدال المهملة: هي الأرض التي لا تُنبت كلأ، وقال الخطابيّ: هي الأرض التي تُمسك الماء، فلا يُسرع فيه النُّضُوب، قال ابن بطال، وصاحب «المطالع»، وآخرون: هو جمع جَدْب على غير قياس، كما قالوا في حُسْن: جمعه محاسن، والقياس أن محاسن جَمْع محسن، وكذا قالوا: مَشابِه جمع شَبَه، وقياسه أن يكون جمع مشبه، قال الخطابيّ: وقال بعضهم: «أحادب»، بالحاء المهملة، والدال، قال: وليس بشيء، قال: وقال بعضهم: «أجارد»، بالجيم، والراء، والدال، قال: وهو صحيح المعنى إن ساعدته الرواية، قال الأصمعيّ: الأجارد من الأرض ما لا ينبت الكلأ، معناه: أنها جرداء بارزة، لا يسترها النبات، قال: وقال بعضهم: إنما هي «إخاذات» بالخاء، والذال المعجمتين، وبالألف، وهو جمع إخاذة، وهي الغدير الذي يمسك الماء، وذكر صاحب «المطالع» هذه الأوجه التي ذكرها الخطابيّ، فجعلها روايات منقولة، وقال القاضي في «الشرح»: لَمْ يَرِدْ هذا الحرف في مسلم، ولا في غيره إلا بالدال المهملة، من الجدب الذي هو ضِدّ الْخِصْب، قال: وعليه شَرَح الشارحون. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «إخاذات»، كذا في رواية أبي ذَرّ بكسر الهمزة، والخاء، والذال المعجمتين، وآخره مثناة من فوقُ، قبلها ألف، جمع إخاذة، وهي الأرض التي تُمسك الماء، وفي رواية غير أبي ذرّ، وكذا في مسلم وغيره: «أجادب» بالجيم، والدال المهملة، بعدها موحّدةٌ: جمع جَدْب بفتح الدال المهملة، على غير قياس، وهي الأرض الصلبة التي لا يَنْضُب منها الماء، وضَبَطه المازريّ بالذال المعجمة، وَوَهَّمه القاضي، ورواها الإسماعيليّ عن أبي يعلي، عن أبي كريب: «أحارب» بحاء وراء مهملتين، قال الإسماعيليّ: لَمْ يضبطه أبو يعلي، وقال الخطابيّ : ليست هذه الرواية بشيء، قال: وقال بعضهم: «أجارد» بجيم، وراء، ثم دال مهملة: جَمْع جرداء، وهي البارزة التي لا تُنْبت، قال الخطابيّ: هو صحيح المعني، إن ساعدته الرواية، وأغرب صاحب «المطالع»، فجعل الجميع روايات، وليس في «الصحيحين» سوى روايتين فقط، وكذا جزم القاضي . انتهى . (أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ)؛ أي: بتلك الأجادب؛ أي: بمائها الذي أمسكته، وللأصيلي «به»؛ أي: بالماء. (فَشَرِبُوا مِنْهَا، وَسَقَوْا) قال أهل اللغة: سقي، وأسقى بمعنى لغتان، وقيل: سقاه: ناوله ليشرب، وأسقاه: جعل له سُقْيا . (وَرَعَوْا) قال النوويّ -﵀-: بالراء من الرعي، هكذا هو في جميع نُسخ مسلم، ووقع في البخاريّ: «وزرعوا»، وكلاهما صحيح. انتهى . وقال في «العمدة»: فيه حذف المفاعيل من قوله: «فشربوا، وسقوا، وزرعوا»، لكونها معلومةً، ولأنها فضلة في الكلام، والتقدير: فشربوا من الماء، وسقوا دوابهم، وزرعوا ما يصلح للزرع. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «وزرعوا» كذا له بزيادة زاي، من الزرع، ووافقه أبو يعلي، ويعقوب بن الأخرم، وغيرهما، عن أبي كريب، ولمسلم، والنسائيّ، وغيرهما، عن أبي كريب: «ورَعَوْا» بغير زاي، من الرعي، قال النوويّ: كلاهما صحيح، ورجّح القاضي رواية مسلم بلا مرجح؛ لأن رواية «زرعوا» تدل على مباشرة الزرع؛ لِتُطابِقَ في التمثيل مباشرةَ طلب العلم، وإن كانت رواية «رَعَوا» مطابقة لقوله: «أنبتت»، لكن المراد أنَّها قابلة للإنبات، وقيل: إنه رُوي: «وَوَعَوْا» بواوين، ولا أصل لذلك، وقال القاضي: قوله: «وَرَعَوْا» راجع للأُولي، لأن الثانية لَمْ يحصل منها نبات. انتهى. قال الحافظ: ويمكن أن يرجع إلى الثانية أيضًا، بمعنى أن الماء الذي استقرّ بها سُقيت منه أرض أخري، فأنبتت. انتهى . (وَأَصَابَ)؛ أي: الماء (طَائِفَةً مِنْهَا)؛ أي: قطعة من الأرض، ووقع في بعض النُّسخ: «وأصاب منها طائفة» (أُخْرَي، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ) بكسر القاف: جمع القاع، وهي الأرض المستوية، وقيل: الملساء، وقيل: التي لا نبات فيها، وهذا هو المراد في الحديث، قال في «العمدة»: أصل قيعان: قِوْعان، قُلبت الواو ياء، لسكونها، وانكسار ما قبلها، والقاع يُجمع أيضًا على أَقْوُع، وأقواع، والقِيعة بكسر القاف: بمعنى القاع. انتهى . وقال المجد -﵀-: القاع: أرض سهلةٌ مُطْمَئِنَّةٌ، قد انفرجت عنها الجبال، والآكام، جمعه: قِيعٌ، وقِيعَةٌ، وقِيعانٌ، بكسرهنّ، وأقواعٌ، وأَقْوُعٌ. انتهى . (لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلأً) قال القرطبيّ -﵀- عند قوله: «وأصاب طائفة أخرى» ما نصّه: هذا مَثَل للطائفة الثالثة التي بلغها الشرع، فلم تؤمن، ولم تقبل، وشبّهها بالقيعان السَّبخة التي لا تقبل الماء في نفسها، وتفسده على غيرها، فلا يكون منها إنبات، ولا يحصل بما حصل فيها نفع، و«القيعان»: جمع قاع، وهو ما انخفض من الأرض، وهو الْمُسْتَنْقَع أيضًا، وهذا يعم ما يفسد فيه الماء، وما لا يفسد، لكن مقصود الحديث: ما يفسد فيه الماء. انتهى . (فَذَلِكَ) الفاء فيه تفصيلية، و«ذلك» إشارة إلى ما ذكر من الأقسام الثلاثة، وهو في محل الرفع على الابتداء، وخبره قوله: (مَثَلُ مَنْ فَقُهَ) قال النوويّ -﵀-: رُوي هنا بالوجهين: بالضم، والكسر، والضم أشهر، وقال في «العمدة»: الفقه: الفهم، يقال: فَقِه بكسر القاف، كفَرِح يَفْرَح، وأما الفقه الشرعيّ، فقالوا: يقال منه: فَقُه بضم القاف، وقال ابن دُريد: بكسرها، والمراد به ههنا هو الثاني، فتضم القاف على المشهور، وعلى قول ابن دريد تُكسر. انتهى . (فِي دِينِ اللهِ) متعلّق بـ «فقه»، (وَنَفَعَهُ اللهُ بِمَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ) هكذا في النسخة الهنديّة، فيكون ذِكْر لفظ الجلالة ثانيًا من باب الإظهار في مقام الإضمار للتلذّذ، ووقع في معظم النسخ، ووقع في بعض النسخ: «ونفعه بما بعثني الله به»، ولفظ البخاريّ: «ونفعه ما بعثني الله به»، وهي واضحة، فـ «ما» موصولة فاعل «نفعه»، وعلى ما في معظم النسخ فيكون «نفع»، و«بعث» تنازعا لفظ الجلالة، أو الباء زائدة في الفاعل، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦]، و«ما» هي الفاعل. (فَعَلِمَ) بفتح العين، وكسر اللام ثلاثيًّا؛ أي: صار عالِمًا لنفسه، (وَعَلَّمَ) بفتح العين، وتشديد اللام؛ أي: علّم غيره، قال القرطبيّ: هذا مثال الطائفة الأُولى. (وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ) بالبناء للفاعل، (بِذَلِكَ)؛ أي: بما بعثه الله به، (رَأْسًا) كناية عن عدم قبوله، وقال في «العمدة»: قوله: «من لَمْ يرفع بذلك رأسًا»؛ يعني: تكبّر، يقال ذلك، ويراد به أنه لَمْ يلتفت إليه من غاية تكبّره. انتهى . (وَلَمْ يَقْبَلْ) بالبناء للفاعل أيضًا، (هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ) ببناء الفعل للمفعول، قال القرطبيّ: هذا مثال الطائفة الثالثة، وسكت عن الثانية، إما لأنَّها قد دخلت في الأُولى بوجه؛ لأنَّها قد حصل منها نَفْع في الدِّين، وإمَّا لأنه أخبر بالأهمّ، فالأهمّ، وهما الطائفتان المتقابلتان: العليا، والسفلي، والله تعالى أعلم. انتهى . قال النوويّ -﵀-: معنى الحديث، ومقصوده تمثيل الهدى الذي جاء به -ﷺ- بالغيث، ومعناه أن الأرض ثلاثة أنواع، وكذلك الناس. فالنوع الأول من الأرض: ينتفع بالمطر، فيَحْيَى بعد أن كان ميتًا، ويُنبت الكلأ، فينتفع بها الناس، والدوابّ، والزرع، وغيرها، وكذا النوع الأول من الناس يَبْلُغه الهدي، والعلم، فيحفظه، فيحيا قلبه، ويعمل به، ويعلّمه غيره، فينتفع، وينفع. والنوع الثاني من الأرض: ما لا تقبل الانتفاع في نفسها، لكن فيها فائدة، وهي إمساك الماء لغيرها، فينتفع بها الناس، والدوابّ، وكذا النوع الثاني من الناس، لهم قلوب حافظة، لكن ليست لهم أفهام ثاقبة، ولا رسوخ لهم في العقل، يستنبطون به المعاني، والأحكام، وليس عندهم اجتهاد في الطاعة، والعمل به، فهم يحفظونه، حتى يأتي طالبٌ محتاجٌ متعطِّشٌ لِمَا عندهم من العلم، أهل للنفع، والانتفاع، فيأخذه منهم، فينتفع به، فهؤلاء نفعوا بما بلغهم. والنوع الثالث من الأرض: السِّباخ التي لا تُنبت، ونحوها، فهي لا تنتفع بالماء، ولا تُمسكه لينتفع بها غيرها، وكذا النوع الثالث من الناس، ليست لهم قلوب حافظة، ولا أفهام واعية، فإذا سمعوا العلم لا ينتفعون به، ولا يحفظونه لِنَفْع غيرهم، والله أعلم. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٥٩٣٨] (٢٢٨٢)، و(البخاريّ) في «العلم» (٧٩)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٣/ ٤٢٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٣٩٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١/ ١٧٧)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٣/ ٢٩٦)، و(البزّار) في «مسنده» (٨/ ١٤٩)، و(البيهقيّ) في «دلائل النبوّة» (١/ ٣٦٨)، و(الرامهرمزيّ) في «الأمثال» (ص ٢٤)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (١٣٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ضرب الأمثال لتوضيح العلم، وتسهيل وصوله إلى أفهام الناس. ٢ - (ومنها): فضل العلم والتعليم، وشدّة الحثّ عليهما. ٣ - (ومنها): ذم الإعراض عن العلم، وعدم الاشتغال بتحصيله. ٤ - (ومنها): بيان انقسام الناس فيما أتى به النبيّ -ﷺ- من الهدى والعلم، فمنهم المؤمن به، والمنتفع لنفسه، والنافع لغيره، ومنهم المنتفع لنفسه، ولم يصل إلى درجة أن ينتفع به الناس، ومنهم المُعْرِض المُدْبِر، الذي أنزل الله تعالى فيه، وفي أمثاله قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾ [لقمان: ٧]، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)﴾ [الإسراء: ٤٦]، وقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤)﴾ [فصلت: ٤٤]. ٥ - (ومنها): ما قاله الطيبيّ -﵀-: في الحديث إشعار بأن الاستعدادات ليست مكتسبةً، بل هي مواهب ربّانيّة، يختصّ بها من يشاء، وكمالها أن يُفيض الله -﷿- عليها من المشكاة النبويّة، فإذا وُجِد من يشتغل بغير الكتاب والسُّنَّة، وما والاهما عُلم أن الله تعالى لَمْ يُرد به خيرًا، فلا يُعبأ باستعداده الظاهر، وأن الفقيه هو الذي عَلِمَ، وعَمِلَ، ثم عَلَّم، وأن فاقد أحدهما فاقد لهذا الاسم، وأن العالم العامل ينبغي أن يفيد الناس بعمله، كما يفيدهم بعلمه، ولو أفاد بالعمل فحسب لَمْ يَحظ منه بطائل؛ كأرض معشبة لا ماء فيها، فلا يمرأ مرعاها، ولو اقتصر على القول لأشبه السقي مجرّدًا عن الرعي، فيشبه أخذه المستسقي، ولو منعهما معًا كان كأرض ذات ماء وعشب حماها بعض الظلمة عن مستحقّيها، كما قال [من الطويل]: وَمَنْ مَنَحَ الْجُهَّالَ عِلْمًا أَضَاعَهُ … وَمَنْ مَنَعَ الْمُسْتَوْجِبِينَ فَقَدْ ظَلَمْ (المسألة الرابعة): فيما قاله العلماء في المَثَل المضروب في هذا الحديث: قد تقدّم ما قاله النوويّ -﵀- في «شرحه»، وقال القرطبيّ -﵀-: مقصود هذا الحديث ضَرْبُ مَثَل لِمَا جاء به النبيّ -ﷺ- من العلم والدِّين، ولمن جاءهم بذلك، فشبَّه ما جاء به بالمطر العام الذي يأتي الناس في حال إشرافهم على الهلاك يُحييهم، ويُغيثهم، ثم شبَّه السامعين له بالأرض المختلفة؛ فمنهم: العالم العامل المعلِّم، فهذا بمنزلة الأرض الطيبة شَرِبت، فانتفعت في نفسها، وأنبتت، فنفعت غيرها. ومنهم الجامع للعلم، الحافظ له، المستغرق لزمانه في جَمْعه ووعيه؛ غير أنه لَمْ يتفرغ للعمل بنوافله، ولا ليتفقه فيما جَمَع، لكنه أدَّاه لغيره كما سمعه، فهذا بمنزلة الأرض الصَّلبة التي يستقر فيها الماء فينتفع الناس بذلك الماء، فيشربون ويَسقون، وهذا القسم: هو الذي قال فيه النبيّ -ﷺ-: «نضَّر الله امرءًا سمع مني حديثًا، فبلَّغه غيره، فربَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه، وربَّ حامل فقه ليس بفقيه» . لا يقال: فتشبيه هذا القسم بهذه الأرض التي أمسكت على غيرها، ولم تشرب في نفسها يقتضي إلا تكون عملت بما لزمها من العلم ولا من الدِّين، ومن لَمْ يقم بما وجب عليه من أمور الدِّين، فلا يُنسب للعلماء، ولا للمسلمين؛ لأنَّا نقول: القيام بالواجبات ليس خاصًّا بالعلماء، بل: يستوي فيها العلماء، وغيرهم، ومن لَمْ يقم بواجبات عِلْمه كان من الطائفة الثالثة التي لَمْ تشرب، ولم تُمسك؛ لأنَّه لمّا لَمْ يعمل بما وجب عليه لَمْ ينتفع بعلمه، ولأنه عاص، فلا يصلح للأخذ عنه. انتهى . وقال في «الفتح»: قال القرطبيّ وغيره: ضرب النبيّ -ﷺ- لِمَا جاء به من الدين مَثَلًا بالغيث العام الذي يأتي الناس في حال حاجتهم إليه، وكذا كان حال الناس قبل مبعثه، فكما أن الغيث يحيي البلد الميت فكذا علوم الدين تحيي القلب الميت، ثم شبّه السامعين له بالأرض المختلفة التي ينزل بها الغيث، فمنهم العالم العامل المعلم فهو بمنزلة الأرض الطيبة شربت، فانتفعت في نفسها، وأنبتت، فنفعت غيرها، ومنهم الجامع للعلم المستغرق لزمانه فيه، غير أنه لَمْ يعمل بنوافله، أو لَمْ يتفقه فيما جَمَع، لكنه أداه لغيره، فهو بمنزلة الأرض التي يستقر فيها الماء، فينتفع الناس به، وهو المشار إليه بقوله: «نضر الله امرأ سمع مقالتي، فأداها كما سمعها»، ومنهم من يسمع العلم فلا يحفظه، ولا يعمل به، ولا ينقله لغيره، فهو بمنزلة الأرض السَّبْخَة، أو الملساء التي لا تقبل الماء، أو تفسده على غيرها، وإنما جَمَع في المَثَل بين الطائفتين الأُوليين المحمودتين؛ لاشتراكهما في الانتفاع بهما، وأفرد الطائفة الثالثة المذمومة؛ لعدم النفع بها، والله أعلم. قال الحافظ: ثم ظهر لي أن في كلّ مَثَل طائفتين، فالأول قد أوضحناه، والثاني الأُولى منه مَن دخل في الدين، ولم يسمع العلم، أو سمعه فلم يعمل به، ولم يعلّمه، ومثالها من الأرض: السباخ، وأشير إليها بقوله -ﷺ-: «من لم يرفع بذلك رأسًا»؛ أي: أعرض عنه، فلم ينتفع به، ولا نفع، والثانية منه من لَمْ يدخل في الدين أصلًا، بل بلغه، فكفر به، ومثالها من الأرض: الصمّاء الملساء المستوية التي يمر عليها الماء، فلا تنتفع به، وأشير إليها بقوله -ﷺ-: «ولم يقبل هدى الله الذي جئت به». وقال الطيبيّ: بقي من أقسام الناس قسمان: أحدهما الذي انتفع بالعلم في نفسه، ولم يعلّمه غيره، والثاني من لَمْ ينتفع به في نفسه، وعلّمه غيره. قال الحافظ: والأول داخل في الأول؛ لأنَّ النفع حصل في الجملة، وإن تفاوتت مراتبه، وكذلك ما تُنبته الأرض، فمنه ما ينتفع الناس به، ومنه ما يصير هشيمًا، وأما الثاني فإن كان عَمِل الفرائض، وأهمل النوافل، فقد دخل في الثاني، كما قررناه، وإنْ تَرَك الفرائض أيضًا فهو فاسق، لا يجوز الأخذ عنه، ولعله يدخل في عموم: «من لَمْ يرفع بذلك رأسًا»، والله أعلم. انتهى . وقال في «العمدة»: قال الخطابيّ: هذا مَثَل ضُرِب لمن قَبِل الهدي، وعَلِم، ثم عَلَّم غيره، فنفعه الله، ونفع به، ومن لَمْ يقبل الهدي، فلم ينفع بالعلم، ولم ينتفع به. قال العينيّ: فعلى هذا لَمْ يجعل الناس على ثلاثة أنواع، بل على نوعين. وقال الطيبيّ : القسمة الثنائية هي المنصورة، وذلك أن «أصاب منها طائفةً» معطوف على «أصاب أرضًا»، والضمير في «منها» يرجع إلى مطلق الأرض المدلول عليه بقوله: «أرضًا»، ثم قُسمت الأرض الأولى -بحرف التعقيب في «فكانت»، وعطف «كانت»، على «كانت»- قسمين، فليزم اشتمال الأرض الأُولى على الطائفة الطيّبة، وعلى الأجادب، والثانية على عكسها، فالواو في و«كانت» ضمّت وِتْرًا إلى وتر، وفي «وأصابت» شفعًا إلى شفع، نظيره قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ [فاطر: ١٩، ٢٠]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٥]. قال في «الكشّاف» : الفرق بين عطف الإناث على الذكور، وعطف الزوجين على الزوجين أن الإناث والذكر جنسان مختلفان، إذا اشتركا في حكم لَمْ يكن بُدّ من توسطة العاطف بينهما، وأما العطف الثاني، فمن عَطْف الصفة على الصفة بحرف الجمع، وكأن معناه أن الجامعين والجامعات بهذه الطاعات أعدّ الله لهم. فالحاصل: أنه قد ذُكِر في الحديث الطرفان: العالي في الاهتداء، والعالي في الضلال، فعبّر عمن قَبِل هدى الله والعلم بقوله: «فقه»، وعمن أبى قبولها بقوله: «لَمْ يرفع بذلك رأسًا»؛ لأن ما بعدها، وهو: نَفَعه … إلى آخره، في الأول، ولم يقبل هدى الله إلى آخره في الثاني عطفٌ تفسيريّ لـ «فقه»، ولقوله: «لم يرفع»، وذلك لأن الفقيه هو الذي عَلِم، وعَمِل، ثم عَلَّم غيره، وترك الوسط، وهو قسمان: أحدهما الذي انتفع بالعلم في نفسه، فَحَسْب، والثاني الذي لَمْ ينتفع هو بنفسه، ولكن نَفَع غيره. وقال المظهري في «شرح المصابيح»: اعلم أنه ذَكَر في تقسيم الأرض ثلاثة أقسام، وفي تقسيم الناس باعتبار قبول العلم قسمين: أحدهما مَنْ فقه، ونفع الغير، والثاني من لَمْ يرفع به رأسًا، وإنما ذكره كذلك؛ لأن القسم الأول، والثاني من أقسام الأرض كقسم واحد، من حيث إنه ينتفع به، والثاني هو ما لا ينتفع به، وكذلك الناس قسمان: من يقبل، ومن لا يقبل، وهذا يوجب جعل الناس في الحديث على قسمين: من ينتفع به، ومن لا ينتفع، وأما في الحقيقة فالناس على ثلاثة أقسام: فمنهم من يقبل من العلم بقدر ما يعمل به، ولم يبلغ درجة الإفادة، ومنهم من يقبل، ويبلّغ، ومنهم من لا يقبل. وقال الكرمانيّ: يَحْتَمِل لفظ الحديث تثليث القسمة في الناس أيضًا، بأن يقدّر قبل لفظة «نفعه» كلمة «مَنْ» بقرينة عطفه على «من فقه»، كما في قول حسان -﵁-[من الوافر]: أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللهِ مِنْكُمْ … وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ إذ تقديره: ومن يمدحه، وحينئذ يكون الفقيه بمعنى العالم بالفقه مثلًا في مقابلة الأجادب، والنافع في مقابلة النقية، على اللفّ والنشر غير المرتَّبِ، ومن لَمْ يرفع في مقابلة القِيعان. [فإن قلت]: لِمَ حَذَف لفظة مَنْ؟. [قلت]: إشعارًا بأنهما في حكم شيء واحد؛ أي: في كونه ذا انتفاع في الجملة، كما جَعَل للنقية والأجادب حكمًا واحدًا، ولهذا لم يَعطف بلفظ أصاب في الأجادب. انتهى. وقال النوويّ: معنى هذا التمثيل أن الأرض ثلاثة أنواع، فكذلك الناس، فالنوع الأول من الأرض ينتفع بالمطر، فتحيى بعد أن كانت ميتة، وتُنبت الكلأ، فينتفع به الناس، والدواب، والنوع الأول من الناس يبلغه الهدى والعلم، فيحفظه، ويَحيى قلبه، ويعمل به، ويعلّمه غيره، فينتفع، وينفع، والنوع الثاني من الأرض ما لا تقبل الانتفاع في نفسها، لكن فيها فائدة، وهي إمساك الماء لغيرها، فينتفع به الناس، والدوابّ، وكذا النوع الثاني من الناس، لهم قلوب حافظة، لكن ليست لهم أذهان ثاقبة، ولا رسوخَ لهم في العلم، يستنبطون به المعاني والأحكام، وليس لهم اجتهاد في العمل به، فهم يحفظونه، حتى يجيء أهل العلم للنفع والانتفاع، فيأخذه منهم، فينتفع به، فهؤلاء نفعوا بما بلغهم، والثالث من الأرض هو السباخ التي لا تنبت، فهي لا تنتفع بالماء، ولا تمسكه لينتفع به غيرها، وكذلك الثالث من الناس ليست لهم قلوب حافظة، ولا أفهام واعية، فإذا سمعوا العلم لا ينتفعون به، ولا يحفظونه، لِنَفْع غيرهم، الأول المنتفع النافع، والثاني النافع غير المنتفع، والثالث غير النافع، وغير المنتفع، فالأول إشارة إلى العلماء، والثاني إلى النَّقَلَة، والثالث إلى من لا علم له، ولا عقل. قال العينيّ: الصواب مع الطيبيّ؛ لأن تقسيم الأرض، وإن كان ثلاثة بحسب الظاهر، ولكنه في الحقيقة قسمان؛ لأن النوعين محمودان، والثالث مذموم، وتقسيم الناس نوعان: أحدهما ممدوح، أشار إليه بقوله: «مثل من فقه في دين الله تعالى … إلخ»، والآخر مذموم، أشار إليه بقوله: «ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا»، وما ذكره الكرمانيّ تعسّف، وهذا التقدير الذي ذكره غير سائغ في الاختيار، وباب الشعر واسع، وأيضًا يلزمه أن يكون تقسيم الناس
مصادر المؤلف (٤٢)

١. «صحيح مسلم»١/ ٥٧٦.

٢. وفي نسخة:«وأصاب منها».

٣. وفي بعض النسخ:«ونفعه بما بعثني الله به».

٤. «عمدة القاري» ٢/ ٧٧.

٥. «عمدة القاري» ٢/ ٧٧.

٦. «عمدة القاري» ٢/ ٧٧.

٧. «الكاشف عن حقائق السُّنن» ٢/ ٦١٦.

٨. «عمدة القاري» ٢/ ٧٩.

٩. «المصباح المنير» ٢/ ٤٥٨.

١٠. «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٦١٦.

١١. «شرح النوويّ» ١٥/ ٤٧.

١٢. القائل: هو الحافظ ابن حجر.

١٣. «الفتح» ١/ ٣٠٨ - ٣٠٩، كتاب «العلم» رقم (٧٩).

١٤. «المصباح المنير» (٢/ ٤٨٨).

١٥. «الفتح» ١/ ٣٠٨ - ٣٠٩، كتاب «العلم» رقم (٧٩).

١٦. «المفهم» ٦/ ٨٢.

١٧. «الفتح» ١/ ٣٠٨ - ٣٠٩، كتاب «العلم» رقم (٧٩).

١٨. «عمدة القاري» ٢/ ٧٧.

١٩. «المصباح المنير» ١/ ١٨١.

٢٠. «شرح النوويّ» ١٥/ ٤٦.

٢١. «شرح النوويّ» ١٥/ ٤٦.

٢٢. «المعلم» ٣/ ١٢٣.

٢٣. «الأعلام» ١/ ١٩٨.

٢٤. «مشارق الأنوار» ١/ ١٤٢.

٢٥. «الفتح» ١/ ٣٠٨ - ٣٠٩، كتاب «العلم» رقم (٧٩).

٢٦. «عمدة القاري» ٢/ ٧٨.

٢٧. «شرح النوويّ» ١٥/ ٤٧.

٢٨. «عمدة القاري» ٢/ ٧٩.

٢٩. «الفتح» ١/ ٣٠٨ - ٣١٠، كتاب «العلم» رقم (٧٩).

٣٠. «عمدة القاري» ٢/ ٧٨.

٣١. «القاموس المحيط» ص ١١٠٤.

٣٢. «المفهم» ٦/ ٨٤.

٣٣. «عمدة القاري» ٢/ ٧٨.

٣٤. «عمدة القاري» ٢/ ٨٠.

٣٥. «المفهم» ٦/ ٨٤.

٣٦. «شرح النوويّ» ١٥/ ٤٧ - ٤٨.

٣٧. «الكاشف عن حقائق السُّنن» ٢/ ٦١٨.

٣٨. حديث صحيح، رواه أحمد ١/ ٤٣٧، والترمذيّ (٢٦٥٧)، وابن ماجة (٢٣٢).

٣٩. «المفهم» ٦/ ٨٣ - ٨٤.

٤٠. «الفتح» ١/ ٣١٠ - ٣١١، كتاب «العلم» رقم (٧٩).

٤١. راجع: «الكاشف عن حقائق السُّنن» ٢/ ٦١٧ - ٦١٨.

٤٢. راجع: «الكشّاف» ٣/ ٢٣٦.