HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢٨٤

وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ أُمَّتِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا. فَجَعَلَتِ الدواب والفراش يقعن فيه. فأنا آخذ بحزكم وأنتم تقحمون فيه».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص63
ج ٤ ص ١٧٨٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين جامع الترمذي, صحيح البخاري
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٧ ص٢٧٧
من أمته، ومن عصاه بمن كذّب الرجل في إنذاره وصَدَّقه، وفي قول الرجل: «أنا النذير. . . إلخ» أنواع من التأكيد، أحدها: «بعيني»؛ لأن الرؤية لا يكون إلا بها، وثانيها: قوله: «وأنا»، وثالثها: قوله: «العريان»، فإنه دالّ على بلوغ النهاية في قرب العدوّ، وفي ذلك تنبيه على أنه الذي يختصّ في إنذاره بالصدف الذي لا شبهة فيه، وهو الذي يحرص جدًّا على خلاص قومه من الهلاك، قال في القرينة الأولى: «فأطاعني»، وقابله في الثانية: «بكذّب»؛ ليؤذن بأن الطاعة مسبوقة بالتصديق، ويُشعر أن التكذيب مستتبع للعصيان؛ كأنه جَمَع في كلّ من الفقرتين بين المعنَيَيْن، وإلى المعنيين أشار بقوله -ﷺ-: «من أطاعني» إلى آخره، وأتبع قوله: «فاجتاحهم» قوله: «وأهلكهم»؛ إعلامًا بأنه أهلكهم عن آخرهم، فلم يَبْقَ منهم أحدٌ، قال التوربشتيّ: ذِكْر المَعْنيَيْن إرشاد إلى أنه -ﷺ- تحقّق عنده جميع ما أخبر عنه تحقُّق من رأى شيئًا بعينه، لا يعتريه وهمٌ، ولا يخالطه شكّ. انتهى كلام الطيبيّ -﵀- ، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٩٤٠] (٢٢٨٤) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَاد، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ أُمَّتِي، كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَتِ الدَّوَابُّ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيه، فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ، وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيهِ »). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثَّقَفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، يقال: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن تسعين سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٢ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ) هو: المغيرة بن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن حزام -بحاء مهملة، وزاي- الحزاميّ المدني، لقبه قُصَيّ، ثقةٌ، له غرائب [٧] قال أبو داود: كان قد نزل عسقلان (ع) تقدم في «الطهارة» ٢٦/ ٦٥٣. ٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ، كنيته أبو عبد الرحمن المدنيّ، وأبو الزناد لقبه، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣٠. ٤ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقةٌ، ثبتٌ، فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٣. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الدَّوْسيّ الصحابي الجليل، حافظ الصحابة -﵃-، اختُلف في اسمه، واسم أبيه على عدّة أقوال، تقدّمت في «شرح المقدّمة»، والمشهور أنه عبد الرحمن بن صخر، وهو قول الأكثرين، وذهب جَمْع من النسّابين إلى أنه عمرو بن عامر، مات سنة سبع، وقيل: سنة ثمان، وقيل: تسع وخمسين، وهو ابن ثمان وسبعين سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، وقد دخل المدينة؛ للأخذ عن مشايخها، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في عصره، وفيه أنه مما قيل فيه: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة -﵁-. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّمَا مَثَلِي، وَمَثَلُ أُمَّتِي)؛ أي: في دعائي الناسَ إلى الإسلام المنقِذ لهم من النار، ومَثَلُ ما تُزَيِّن لهم أنفسهم، من التمادي على الباطل، (كَمَثَلِ رَجُلٍ … إلخ) والمراد تمثيل الجملة بالجملة، لا تمثيل فرد بفرد، قاله في»الفتح«. (اسْتَوْقَدَ نَارًا)؛ أي: أوقدها، وزيادة السين والتاء للإشارة إلى أنه عالج إيقادها، وسعَى في تحصيل آلاتها، ووقع في حديث جابر الآتي:»مثلي، ومثلكم، كمثل رجل أوقد نارًا«، وزاد رواية همام الآتية:»فلما أضاءت ما حوله«. (فَجَعَلَتِ الدَّوَابُّ) كالبرغوث، والبعوض، ونحوهما، وقوله: (وَالْفَرَاشُ) من عطف الخاصّ على العامّ، وهو بفتح الفاء، والشين المعجمة: معروفٌ، ويُطلق الفراش أيضًا على غَوْغاء الجراد الذي يَكْثُر، ويتراكم، وقال في«المحكم»: الفَرَاش: دوابّ مثل البعوض، واحدتها فراشةٌ، وقد شبّه الله تعالى الناس في المحشر بالفراش المبثوث؛ أي: في الكثرة والانتشار، والإسراع إلى الداعي، قاله في«الفتح». وقال في موضع آخر: قوله:«الفراش» جزم المازريّ بأنها الجنادب، وتعقبه عياض، فقال: الجندب هو الصرار، قلت : والحقّ أن الفراش اسم لنوع من الطير، مستقلّ، له أجنحة أكبر من جثته، وأنواعه مختلفة في الكبر والصغر، وكذا أجنحته، وعطف الدواب على الفراش يشعر بأنها غير الجنادب، والجراد، وأغرب ابن قتيبة، فقال: الفراش ما تهافت في النار، من البعوض، ومقتضاه أن بعض البعوض هو الذي يقع في النار، ويُسَمَّى حينئذ الفراش، وقال الخليل: الفراش كالبعوض، وإنما شبَّهه به؛ لكونه يُلقي نفسه في النار، لا أنه يشارك البعوض في القرص. انتهى. (يَقَعْنَ فِيهِ)؛ أي: فيما أوقده، وفي رواية: «يقعن فيها»؛ أي: في النار. (فَأَنَا آخِذٌ) قال النوويّ -﵀-: رُوي باسم الفاعل، ويروى بصيغة المضارعة من المتكلم، وقال الطيبيّ: الفاء فيه فصيحيّة؛ كأنه لما قال: «مثلي، ومثل الناس. . . إلخ»، أتى بما هو أهمّ، وهو قوله: «فأنا آخذ بحجزكم»، ومن هذه الدقيقة التفت من الغَيبة في قوله: «ومثل الناس» إلى الخطاب في قوله: «بحجزكم» كما أن من أخذ في حديث من له بشأنه عناية، وهو مشتغل في شيء يورطه في الهلاك، يجد لشدة حرصه على نجاته أنه حاضر عنده. (بِحُجَزِكُمْ) بضم الحاء المهملة، وفتح الجيم، بعدها زاي: جمع حُجْزة، وهي مَعْقِد الإزار، ومن السراويل موضع التِّكّة، ويجوز ضم الجيم في الجمع. (وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ) بفتح المثناة، والقاف، والمهملة المشدّدة، والأصل: تتقحمون، فحذفت إحدى التاءين، وفي بعض النسخ: «وأنتم تقتحمون»، وقوله: (فِيهِ)؛ أي: فيما استوقده، وفي بعض النسخ: «فيها»؛ أي: في النار. وحاصل هذا التمثيل: أنه شبّه تهافت أصحاب الشهوات في المعاصي التي تكون سببًا في الوقوع في النار بتهافت الفراش بالوقوع في النار؛ اتّباعًا لشهواتها، وشبّه ذَبّه العصاةَ عن المعاصي بما حَذَّرهم به، وأنذرهم بذبّ صاحب النار الفَرَاشَ عنها. وقال عياض: شَبَّه تساقط أهل المعاصي في نار الآخرة بتساقط الفَرَاش في نار الدنيا. وقال الطيبيّ: تحقيق التشبيه الواقع في هذا الحديث يَتوقف على معرفة معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وذلك أن حدود الله محارمه، ونواهيه، كما في الحديث الصحيح: «ألا إن حمى الله محارمه»، ورأس المحارم حبّ الدنيا، وزينتها، واستيفاء لذتها، وشهواتها، فشبَّه -ﷺ- إظهار تلك الحدود ببياناته الشافية الكافية، من الكتاب، والسُّنَّة باستنقاذ الرجال من النار، وشبّه فُشُوّ ذلك في مشارق الأرض ومغاربها بإضاءة تلك النار ما حول المستوقد، وشبّه الناس، وعدم مبالاتهم بذلك البيان والكشف، وتعدّيهم حدود الله، وحرصهم على استيفاء تلك اللذات والشهوات، ومَنْعه -ﷺ- إياهم عن ذلك بأخذ حُجَزهم بالفراش التي تقتحمن في النار، ويغلبن المستوقد على دفعهنّ عن الاقتحام، وكما أن المستوقد كان غَرَضه من فِعْله انتفاع الخلق به، من الاستضاءة، والاستدفاء، وغير ذلك، والفراش لجهلها جعلته سببًا لهلاكها، فكذلك كان القصد بتلك البيانات اهتداء الأمة، واجتنابها ما هو سبب هلاكهم، وهم مع ذلك لجهلهم جعلوها مقتضية لتردّيهم، وفي قوله: «آخذ بحجزكم» استعارة، مَثَّلت حالة مَنْعه الأُمَّةَ عن الهلاك بحالة رجل أخذ بحجزة صاحبه الذي يكاد يهوي في مَهْواة مُهلكة. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٥٩٤٠ و٥٩٤١ و٥٩٤٢] (٢٢٨٤)، و(البخاري) في «أحاديث الأنبياء» (٣٤٢٦) و«الرقاق» (٦٤٨٣)، و(همّام بن منبه) في «صحيفته» (١/ ٢٩)، و(الترمذيّ) في «الأمثال» (٢٨٧٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣١٢ و٥٣٩ - ٥٤٠)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٢/ ٤٤٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٤٠٨)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٣/ ٣١٨)، و(الرامهرمزيّ) في «الأمثال» (ص ٢٠)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٩٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من الرأفة، والرحمة، والحرص على نجاة الأمة، كما قال تعالى: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. ٢ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن الإنسان إلى النذير أحوج منه إلى البشير؛ لأن جِبِلّته مائلة إلى الحظ العاجل، دون الحظ الآجل. ٣ - (ومنها): ما قال القرطبيّ -﵀-: هذا مَثَل لاجتهاد نبينا -ﷺ- في نجاتنا، وحِرْصه على تخليصنا من الهلكات التي بين أيدينا، ولجهلنا بقدر ذلك، وغلبة شهواتنا علينا، وظَفَر عدوِّنا اللعين بنا؛ حتى صرنا أحقر من الفراش والجنادب، وأذل من الطين اللَّازب. انتهى . ٤ - (ومنها): ما قال النوويّ -﵀-: مقصود الحديث أنه -ﷺ- شبّه المخالفين له بالفَراش، وتساقطهم في نار الآخرة بتساقط الفراش في نار الدنيا، مع حرصهم على الوقوع في ذلك، ومَنْعه إياهم، والجامع بينهما اتّباع الهوى، وضعف التمييز، وحِرْص كل من الطائفتين على هلاك نفسه. وقال القاضي أبو بكر بن العربيّ: هذا مَثَل كثير المعاني، والمقصودُ أن الخلق لا يأتون ما يجرّهم إلى النار على قصد الهلكة، وإنما يأتونه على قصد المنفعة، واتباع الشهوة، كما أن الفراش يقتحم النار، لا لِيَهلك فيها، بل لِمَا يُعجبه من الضياء، وقد قيل: إنها لا تُبصر بحال، وهو بعيد، وإنما قيل: إنها تكون في ظُلمة، فإذا رأت الضياء اعتقدت أنها كوّة يظهر منها النور، فتقصده لأجل ذلك، فتحترق، وهي لا تشعر، وقيل: إن ذلك لِضَعف بصرها، فتظنّ أنها في بيت مظلم، وأن السراج مثلًا كوّة، فترمي بنفسها إليه، وهي من شدّة طيرانها تجاوزه، فتقع في الظُّلمة، فترجع إلى أن تحترق، وقيل: إنها تتضرر بشدة النور، فتقصد إطفاءه، فلشدة جهلها، تورّط نفسها فيما لا قدرة لها عليه، ذكر مغلطاي أنه سمع بعض مشايخ الطبّ يقوله. وقال الغزاليّ: التمثيل وقع على صورة الإكباب على الشهوات من الإنسان، بإكباب الفراش على التهافت في النار، ولكن جهل الآدميّ أشدّ من جهل الفراش؛ لأنها باغترارها بظواهر الضوء إذا احترقت انتهى عذابها في الحال، والآدمي يبقي في النار مدة طويلة، أو أبدًا، والله المستعان ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٩٤١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَاد، بِهَذَا الْإِسْنَاد، نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم أيضًا قريبًا. «وأبو الزناد» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد هذه ساقها الحميديّ -﵀- في «مسنده»، فقال: (١٠٣٨) - حدّثنا الحميديّ، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إنما مَثَلي ومَثَل الناس؛ كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت له جعل الدوابّ، والفراش، يقتحمون فيها، فأنا آخذ بحُجَزكم عن النار، وأنتم تقتحمون فيها». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٩٤٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «مَثَلِي كمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا، جَعَلَ الْفَرَاشُ، وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، وَجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ، وَيَغْلِبْنَهُ، فَيَتَقَحَّمْنَ فِيهَا، قَالَ: فَذَلِكُمْ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ، أَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّار، هَلُمَّ عَنِ النَّار، هَلُمَّ عَنِ النَّار، فَتَغْلِبُونِي، تَقَحَّمُونَ فِيهَا»). قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم هذا الإسناد نفسه قبل خمسة أبواب، فلا حاجة إلى إعادة الكلام فيه. وقوله: (اسْتَوْقَدَ نَارًا)؛ أي: أوقدها، فالسين والتاء زائدتان، قاله القرطبيّ ، وقال الطيبيّ: قوله: «استوقد»؛ بمعنى: أوقد، ولكن الأول أبلغ؛ كعَفّ، واستعفّ . وقوله: (فَلَمَّا أَضَاءَتْ) من الإضاءة، وهي فرط الإنارة، واشتقاقه من الضوء، وهو ما انتشر من الأجسام النيّرة، ويقال: أضاءت النار، وأضاءت غيرها، يتعدّى، ولا يتعدّى، فإن جُعل متعدّيًا يكون «ما حولها» مفعولًا به، وإن جُعل لازمًا يجوز أن يكون «ما حولها» فاعلًا له على تأويل الأماكن، ويجوز أن يكون فاعله ضمير النار، و«ما حوله» ظرفٌ، فيجعل حصول إشراق النار في جوانبها بمنزلة حصولها نفسها فيها مبالغةً، وحول الشيء جانبه الذي يمكن أن يحول إليه، أو سُمّي بذلك اعتبارًا بالدوران، والإطافة، ويقال للعام: حولٌ؛ لأنه يدور، قاله الطيبيّ -﵀- . وقوله: (مَا حَوْلَهَا) الضمير للنار، وفي رواية للبخاريّ: «ما حوله»، فالضمير للذي استوقد النار. وقوله: (جَعَلَ الْفَرَاشُ) بفتح الفاء، وتخفيف الراء، قال الفراء: هو غوغاء الجراد التي تنفرش وتتراكب، وقال غيره: هو الطير الذي يتساقط في النار، وهذا أشبه بما في الحديث، ذكره القرطبيّ -﵀- . وقوله: (وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي فِي النَّارِ)، وفي بعض النسخ: «وهذه الدوابّ التي تقع في النار»، قال القرطبيّ: قوله: «وهذه الدوابّ» كقوله تعالى: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ [المدثر: ٣١]، وقول عائشة -﵂- في حقّ عبد الله بن عمرو: «عَجِبتُ لابن عمرو هذا»، وتخصيص ذِكر الدوابّ، والفراشُ لا يسمّى دابّة عرفًا؛ لبيان جهلها، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ﴾ الآية [الأنفال: ٢٢]، كل ذلك تعريضٌ لطالب الدنيا المتهالك فيها، والتأنيث في «هذه» باعتبار الخبر؛ لأنه جمعٌ، ويجوز أن يراد بالفراش الجنس، فيؤنّث، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ الآية [النحل: ٦٨]، وفي جَعْل رسول الله -ﷺ- المهلكات نفس النار في قوله: «فأنا آخذ بحُجَزكم عن النار» وضعٌ للمسبَّب موضع السبب، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ الآية [النساء: ١٠]. انتهى . وقوله: (يَقَعْنَ فِيهَا)؛ أي: في النار. وقوله: (وَجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ)؛ أي: يمنعهنّ عن الوقوع فيها. وقوله: (فَيَتَقَحَّمْنَ فِيهَا) التقحّم: الإقدام والوقوع في الأمور الشاقّة من غير تثبّت . وقوله: (هَلُمَّ عَنِ النَّارِ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ) كرّره للتأكيد، قال الفيّوميّ -﵀-: «هَلُمَّ» كلمة بمعنى الدعاء إلى الشيء، كما يقال: تعال، قال الخليل: أصله لُمَّ، من الضم، والجمع، ومنه: لَمّ اللهُ شَعَثَهُ، وكأن المنادي أراد: لُمَّ نفسك إلينا، و«هَا» للتّنبيه، وحُذفت الألف؛ تخفيفًا لكثرة الاستعمال، وجُعِلا اسْمًا واحدًا، وقيل: أصلها هَلْ أُمَّ؛ أي: قُصِد، فنُقِلت حركة الهمزة إلى اللام، وسقطت، ثم جُعِلا كلمة واحدة للدعاء، وأهل الحجاز يُنادون بها بلفظ واحد للمذكر والمؤنث، والمفرد، والجمع، وعليه قوله تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]، وفي لغة نجد تلحقها الضمائر، وتُطَابَقُ، فيقال: هَلُمِّي، وهَلُمَّا، وهَلُمُّوا، وهَلْمُمْنَ؛ لأنهم يجعلونها فعلًا، فيُلحقونها الضمائر، كما يُلحقونها قُمْ، وقُوما، وقُوموا، وقُمْن، وقال أبو زيد: استعمالها بلفظ واحد للجميع من لغة عُقيل، وعليه قيسٌ بعدُ، وإلحاق الضمائر من لغة بني تميم، وعليه أكثر العرب، وتُستعمل لازمةً، نحو: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾؛ أي: أقبل، ومتعدية، نحو: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾؛ أي: أَحْضِروهم. انتهى . وقال الطيبيّ -﵀-: ومحلّ «هلمّ» نصبٌ على الحال من فاعل «آخذ»؛ أي: آخذ بحُجَزكم قائلًا: هلُمّ. انتهى . وقوله: (فَتَغْلِبُونِي) قال الطيبيّ -﵀-: بالنون المشدّدة؛ لأن أصله: فتغلبونني، فأُدغمت إحدى النونين في الأخرى، والفاء فيه سببيّة على التعكيس؛ كالكلام في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ الآية [القصص: ٨]، وتقديره: أنا آخذ بحُجَزكم لأخلّصكم عن النار، فعكستم، وجعلتم الغلبة مسبّبةً عن الأخذ، وقد ضرب رسول الله -ﷺ- المَثَل بوقوع الفراش إلى النار لجهله بما يُعْقِبه التقحّم فيها من الاحتراق والهلاك، ولتحقير شأنها. انتهى ، والله تعالى أعلم.
مصادر المؤلف (١٨)

١. «الكاشف عن حقائق السُّنن» ٢/ ٦١٢ - ٦١٣.

٢. وفي نسخة: «تقحّمون فيها».

٣. «الفتح»٨/ ٤٢، كتاب«أحاديث الأنبياء»رقم (٣٤٢٦).

٤. القائل: صاحب «الفتح».

٥. «الكاشف عن حقائق السُّنن» ٢/ ٦١٤ - ٦١٥.

٦. «المفهم» ٦/ ٨٧.

٧. «الفتح»٨/ ٤٣ - ٤٤، كتاب«أحاديث الأنبياء»رقم (٣٤٢٦).

٨. «المسند» ٢/ ٤٤٩.

٩. وفي نسخة: «وهذه الدوابّ التي تقع في النار».

١٠. «المفهم» ٦/ ٨٦.

١١. «الكاشف عن حقائق السُّنن» ٢/ ٦١٣.

١٢. «الكاشف عن حقائق السُّنن» ٢/ ٦١٣.

١٣. «المفهم» ٦/ ٨٦.

١٤. «الكاشف عن حقائق السُّنن» ٢/ ٦١٣.

١٥. «الكاشف عن حقائق السُّنن» ٢/ ٦١٣.

١٦. «المصباح المنير» ٢/ ٦٣٩ - ٦٤٠.

١٧. «الكاشف عن حقائق السُّنن» ٢/ ٦١٤.

١٨. «الكاشف عن حقائق السُّنن» ٢/ ٦١٤.