HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢٩٦

حدثنا قتيبة بن سعيد. حدثنا ليث عن يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عن عقبة بن عامر؛ أن رسول الله ﷺ خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ. ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ. فَقَالَ «إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ. وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ. وَإِنِّي، وَاللَّهِ! لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الْآنَ. وَإِنِّي قَدْ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الْأَرْضِ، أَوْ مَفَاتِيحَ الْأَرْضِ. وَإِنِّي، وَاللَّهِ! مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي. وَلَكِنْ أَخَافُ عليكم أن تتنافسوا فيها».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص67
ج ٤ ص ١٧٩٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٧ ص٣٤٠
وقال المجد -﵀-: وكففته عنه: دفعته، وصرفته، ككففته، فكفّ هو، لازم متعدّ. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: قولها: «كُفّي رأسي» هو بالكاف؛ أي: اجمعيه، وضُمِّي شعره بعضه إلى بعض. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: تفسير الكفّ بمعنى الجمع والضمّ ليس مشهورًا، فما قدّمته هو الأظهر، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِ بُكَيْرٍ. . . إلخ)؛ يعني: أن أفلح بن سعيد حدّث عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة -﵂- بنحو ما حدّث به القاسم بن عبّاس في السند الماضي عنه. [تنبيه]: رواية أفلح بن سعيد عن عبد الله بن رافع هذه ساقها الإمام أحمد -﵀- في «مسنده»، فقال: (٢٦٥٨٨) - حدثنا أبو عامر، ثنا أفلح بن سعيد، قال: ثنا عبد الله بن رافع، قال: كانت أم سلمة تُحَدّث أنها سمعت النبيّ -ﷺ- يقول على المنبر، وهي تمتشط: «أيها الناس»، فقالت لماشطتها: لُفِّي رأسي، قالت: فقالت: فَدَيْتُك، إنما يقول: «أيها الناس»، قلت: ويحك أَوَ لسنا من الناس؟ فَلَفَّت رأسها، وقامت في حجرتها، فسمعته يقول: «أيها الناس، بينما أنا على الحوض، جيء بكم زُمَرًا، فتفرّقت بكم الطُّرُق، فناديتكم، ألا هَلُمّوا إلى الطريق، فناداني منادٍ من بعدي، فقال: إنهم قد بَدّلوا بعدك، فقلت: ألا سُحْقًا، ألا سُحْقًا». انتهى. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٩٥٩] (٢٢٩٦) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- خَرَجَ يَوْمًا، فَصَلَّى عَلى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيْتِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: «إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وَإِنِّي وَاللهِ لأنظُرُ إِلَى حَوْضِي الآنَ، وَإِنِّي قَدْ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ، أَو مَفَاتِيحَ الأَرْضِ، وَإِنِّي وَاللهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تتَنَافَسُوا فِيهَا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (لَيْثُ) بن سعد الإمام المشهور المصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) المصريّ، أبو رجاء، واسم أبيه سُويد، واختُلِف في ولائه، ثقةٌ فقيهٌ، وكان يُرسل [٥] (ت ١٢٨) وقد قارب الثمانين (ع) ١٥/ ١٦٧. ٣ - (أَبُو الْخَيْرِ) مرْثَد بن عبد الله الْيَزَنيّ -بفتح التحتانية، والزاي، بعدها نون- المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١١/ ٦٨٦. ٤ - (عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ) الْجُهَنيّ الصحابيّ المشهور، اختُلِف في كنيته على سبعة أقوال، أشهرها أنه أبو حماد، وُلِّي إِمْرة مصر لمعاوية ثلاث سنين، وكان فقيهًا فاضلًا، مات في قرب الستين (ع) تقدم في «الطهارة» ٦/ ٥٥٩. و«قُتيبة» ذُكر في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالمصريين، وشيخه، وإن كان بَغْلانيًّا، إلا أنه دخل مصر للأخذ عن أهلها، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأنه معدود من أصحّ الأسانيد، كما قاله في «الفتح» . شرح الحديث: (عَنْ أَبِي الْخَيْرِ) مرثَد بن عبد الله الْيَزَني (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) الْجُهَنيّ -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- خَرَجَ يَوْمًا، فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ) -بضمّتين- الجبل المعروف بالمدينة الذي وقعت فيه الغزوة المشهورة. (صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيْتِ) بنصب «صلاته»، على أنه مفعول مطلق نوعيّ؛ أي: مثْل صلاته، زاد في رواية للبخاريّ: «بعد ثمان سنين»، وزاد مسلم في الرواية التالية، وهي أيضًا عند البخاريّ: «كالْمُوَدِّع للأحياء والأموات»، وزادا فيه أيضًا: «فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله -ﷺ-»، وكانت أُحد في شوّال سنة ثلاث، ومات -ﷺ- في ربيع الأول سنة إحدى عشرة، فعلى هذا ففي قوله: «بعد ثمان سنين» تجوّز على طريق جبر الكسر، وإلا فهي سبع سنين، ودون النصف، كما في «الفتح» . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «فصلى على أهل أُحد صلاته على الميت»؛ أي: دعا لهم بدعاء الموتى، وكأنه -ﷺ- كان قد استقبل القبلة، ودعا لهم، واستغفر، وهذا كما فعل حيث أمره الله تعالى أن يستغفر لأهل البقيع، فقام عليهم ليلًا، واستغفر لهم، ثم انصرف، كما تقدم في «الجنائز». انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: حَمْل الصلاة على الدعاء، وإن قال به كثير من العلماء، إلا أنه ضعيف، فالصواب حمله على حقيقته، ومما يردّ التأويل المذكور قوله: «صلاته على الميت»، فهو صريح في أن المراد حقيقة الصلاة على الجنازة، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ)، وقد وقع في مرسل أيوب بن بشر من رواية الزهريّ عنه عند ابن أبي شيبة: «خرج عاصبًا رأسه حتى جلس على المنبر، ثم كان أول ما تكلم به أنه صلى على أصحاب أُحد، واستغفر لهم، فأكثر الصلاة عليهم»، وهذا يُحْمَل على أن المراد أول ما تكلم به؛ أي: عند خروجه قبل أن يصعد المنبر . (فَقَالَ) -ﷺ- («إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ) بفتحتين بمعنى فارط، كتَبَعٍ بمعنى تابع، وهو الذي يتقدّم الواردة، فيُهيّئ لهم الأرشاء، والدلاء، ويستقي لهم، يريد أنه شفيع لأمته يتقدّمهم؛ إذ الشفيع يتقدّم المشفوع له، وقال في»العمدة«: معنى»فرط لكم«: سابقكم إليه؛ كالمهيئ له . (وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وَإِنِّي وَاللهِ) فيه الحلف لتأكيد الخبر، وتعظيمه، (لأنظُرُ إِلَى حَوْضِي الآنَ) هو على ظاهره، وكأنه كُشف له عنه في تلك الحالة، قاله في»الفتح«، وقال أيضًا في موضع آخر: قوله:«لأنظر إلى حوضي الآن»يَحْتَمِل أنه كُشف له عنه لَمّا خَطَب، وهذا هو الظاهر، ويَحْتَمِل أن يريد رؤية القلب، وقال ابن التين: النكتة في ذِكره عقب التحذير الذي قبله أنه يشير إلى تحذيرهم من فِعْل ما يقتضي إبعادهم عن الحوض، وفي الحديث عِدّة أعلام من أعلام النبوة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله:«رؤية القلب»، لا داعي إلى هذا الاحتمال، بل هو بعيد، فالصواب أنه على ظاهره، وأنه -ﷺ- نظر إلى حوضه في وقت إخباره الصحابة بهذا الحديث، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (وَإِنِّي قَدْ أُعْطِيتُ) بالبناء للمفعول، (مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في جميع النسخ:«مفاتيح»في اللفظين بالياء، قال القاضي: ورُوي«مفاتح» بحذفها، فمن أثبتها فهو جمع مِفتاح، ومن حذفها فجَمْع مِفْتَح على وزن مِنْبر، وهما لغتان فيه. انتهى . (أَوْ) للشكّ من الراوي، (مَفَاتِيحَ الأَرْضِ) قال القرطبيّ -﵀-: يعني: أنه بُشِّر بفتح البلاد، وإظهار الدِّين، وإعلاء كلمة المسلمين، وتمليكه جميع ما كان في أيدي ملوكها من الصفراء، والبيضاء، والنفائس، والذخائر، فقد ملَّكه الله تعالى ديارهم، ورقابهم، وأرضهم، وأموالهم. كلُّ ذلك وفاءً بمضمون: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ الآية [التوبة: ٣٣] . (وَإِنِّي وَاللهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ)؛ أي: على مجموعكم؛ لأن ذلك وقع من البعض -أعاذنا الله تعالى منه- (أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي) قال القرطبيّ -﵀-: يعني: أنه قد أَمِنَ على جملة أصحابه أن يُبدِّلوا دين الإسلام بدين الشرك، ولا يلزم من ذلك أن لا يقع ذلك من آحادٍ منهم؛ فإنَّ الخبر عن الجملة لا يلزم صِدْقه على كل واحد من آحادها دائمًا؛ كيف لا؟! وهو الذي أخبر بأن منهم من يرتدّ بعد موته -ﷺ-، كما جاء نصًّا في غير ما موضع من أحاديث الحوض وغيرها، وقد ظهر في الوجود ردَّة كثيرٍ ممن صحب النبيّ -ﷺ-، وصلَّى معه، وجاهد، ثم كفر بعد موته، وقد تقدم قول ابن إسحاق وحكايته أنه لم يبق بعد موت النبيّ -ﷺ- مسجد من مساجد المسلمين إلا كان في أهله ردَّة، إلا ما كان من ثلاثة مساجد، وقتال أبي بكر -﵁- لأهل الردة معلوم متواتر، وإذا كان كذلك فيتعيَّن حمل هذا الحديث على ما ذكرناه. ويَحْتَمِل أن يكون هذا خبرًا عن خصوص أصحابه الذين أعلمه الله تعالى بمآل حالهم، وأنهم لا يزالون على هدي الإسلام، وشرعه، إلى أن يلقوا الله تعالى، ورسوله -ﷺ- على هديه؛ إذ قد شَهِد رسول الله -ﷺ- لكثير منهم بذلك، وشوهدت استقامة أحوالهم حتى توفاهم الله تعالى عليه. ويَحْتَمِل أن يُحْمَل هذا الخبر على جميع الأمة، فيكون معناه الإخبارَ عن دوام الدين، واتصال ظهوره إلى قيام الساعة، وأنه لا ينقطع بغلبة الشرك على جميع أهله، ولا بارتدادهم، كما قد شَهِد بذلك الكتاب، والسُّنَّة، وإجماع الأمة، والأول أظهر من الحديث، والله أعلم. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- ، وهو بحث حسنٌ، والله تعالى أعلم. (وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَتَنَافَسُوا فِيهَا») وفي الرواية التالية:«ولكنّي أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها، وتقتتلوا، فتَهْلَكوا كما هلك من كان قبلكم»، فقوله:«أن تنافسوا فيها»بفتح المثناة، والأصل أن تتنافسوا، فحُذفت إحدى التائين، والتنافس من المنافسة، وهي الرغبة في الشيء، ومحبة الانفراد به، والمغالبة عليه، وأصلها من الشيء النفيس في نوعه، يقال: نافست في الشيء مُنافسةً، ونَفَاسةً، ونِفاسًا، ونَفُس الشيء بالضم نَفاسةً: صار مرغوبًا فيه، ونَفِست به بالكسر: بَخِلت، ونَفِست عليه: لم أره أهلًا لذلك. وقوله:«فتهلكوا»؛ أي: لأن المال مرغوب فيه، فترتاح النفس لِطَلَبه، فتمْنَع منه، فتقع العداوة المقتضية للمقاتلة المفضية إلى الهلاك . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله:«ولكني أخشى عليكم الدنيا. . . إلخ»هذا الذي توقعه النبيّ -ﷺ- هو الذي وقع بعده؛ فعمَّت الفتن، وعَظُمت الْمِحَن، ولم ينج منها إلا من عُصِم، ولا يزال الْهَرْج إلى يوم القيامة، فنسأل الله تعالى عاقبة خير وسلامة. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عقبة بن عامر -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ٥٩٥٩ و٥٩٦٠] (٢٢٩٦)، و(البخاريّ) في«الجنائز»(١٣٤٤) و«المناقب»(٣٥٩٦) و«المغازي»(٤٠٤٢ و٤٠٨٥) و«الرقاق»(٦٤٢٦ و٦٥٩٠)، و(أبو داود) في«الجنائز»(٣٢٢٣ و٣٢٢٤)، و(النسائيّ) في«المجتبى»(٤/ ٦١ - ٦٢) و«الكبرى»(٢٠٨١)، و(أحمد) في«مسنده»(٤/ ١٥٤)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٣١٩٨)، و(الطبرانيّ« في »الكبير« (١٧/ ٧٦٧)، و(الطحاويّ) في »شرح الآثار« (١/ ٥٠٤)، و(الدارقطنيّ) في »سننه« (٢/ ٧٨)، و(البيهقيّ) في »الكبرى« (٤/ ١٤)، و(البغويّ) في »شرح السُّنَّة« (٣٢٢ و٣٨٢٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): إثبات حوض النبيّ -ﷺ-، وأنه حوض حقيقيّ على ظاهره، مخلوقٌ موجود اليومَ، وهو كذلك عند أهل السُّنَّة والجماعة، لا يتأولونه، ويجعلون الإيمان به فرضًا، وأحاديثه قد بلغت التواتر، قال القاضي عياض -﵀- بعد الإشارة إلى كثير منها: وفي بعض هذا ما يقتضي كون الحديث متواترًا. انتهى. ٢ - (ومنها): بيان مشروعيّة الصلاة على الشهداء، قال الخطابيّ -﵀-: فيه أنه -ﷺ- قد صلى على أهل أحد بعد مُدّة، فدلّ على أن الشهيد يصلى عليه، كما يصلى على من مات حتف أنفه، وإليه ذهب أبو حنيفة، وأوَّلَ الخبر في ترك الصلاة علمهم يوم أُحد على معنى إشتغاله عنهم، وقلّة فراغه لذلك، وكان يومًا صعبًا على المسلمين، فعُذروا بترك الصلاة عليهم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد استوفيت البحث في هذه المسألة في «شرح النسائيّ» في «كتاب الجنائز» (٦١/ ١٩٥٣) ، ورجّحت هناك ما ذهب إليه القائلون بمشروعيّة الصلاة على الشهيد؛ لوضوح أدلّته، ثم هو على الجواز لا على الوجوب؛ لثبوت عدم صلاته -ﷺ- على قتلى أُحد يوم موتهم، فدلّ على الجواز، ولذا قال الإمام أحمد -﵀-: الصلاة عليه أجْوَد، وإن لم يصلّوا عليه أجزأ، وقال ابن حزم -﵀-: إن صُلّي على الشهيد فحسنٌ، وإن لم يُصلّ عليه فحسن، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): بيان فضل هذه الأمة، حيث كان نبيّها -ﷺ- فَرَطًا لها، يتقدّمها، وينتظرها على حوضه الشريف، لتشرب من يده الكريمة، فلها البشرى العظيمة. ٤ - (ومنها): ما قاله وليّ الدين العراقيّ -﵀-: في هذا الحديث معجزات للنبيّ -ﷺ-، فإن معناه الإخبارُ بأن أمته تملك خزائن الأرض، وقد وقع ذلك، وأنها لا ترتدّ جملة، وقد عصمهم الله تعالى من ذلك، وأنها تتنافس في الدنيا، وتقتتل عليها، وقد وقع ذلك -عصمنا الله تعالى منه آمين- . وقال في «الفتح»: في هذا الحديث معجزات للنبيّ -ﷺ-، ولذلك أورده البخاريّ في «علامات النبوة»، والله تعالى أعلم. قال ابن بطال: فيه أن زهرة الدنيا ينبغي لمن فُتحت عليه أن يحذر من سوء عاقبتها وشرّ فتنتها، فلا يطمئن إلى زخرفها ولا ينافس غيره فيها. ويستدل به على أن الفقر أفضل من الغنى؛ لأن فتنة الدنيا مقرونة بالغنى، والغنى مظنة الوقوع في الفتنة، التي قد تجر إلى هلاك النفس غالبًا، والفقير آمن من ذلك. ٥ - (ومنها): ما قاله في «العمدة»: وفيه معجزة للنبيّ -ﷺ- حيث نظر إلى حوضه وهو في الدنيا، وأخبر عنه، وفيه معجزة أخرى أنه أعطي مفاتيح خزائن الأرض، ومَلَكَتْها أمّته بعده، وأن أمته لا يُخاف عليهم من الشرك، وإنما يُخاف عليهم من التنافس، ويقع منهم التحاسد، والتباخل. انتهى . ٦ - (ومنها): أن فيه جوازَ الحلف من غير استحلاف؛ لتفخيم الشيء، وتوكيده. ٧ - (ومنها): ما قاله في «الفتح»: فيه إنذار بما سيقع، فوقع كما قال -ﷺ-، وقد فُتِحت عليهم الفتوح بعده، وآل الأمر إلى أن تحاسدوا، وتقاتلوا، ووقع ما هو المشاهد المحسوس لكل أَحد مما يشهد بمصداق خبره -ﷺ-، ووقع من ذلك في هذا الحديث إخباره بأنه فَرَطهم؛ أي: سابقهم، وكان كذلك، وأن أصحابه لا يُشركون بعده، فكان كذلك، ووقع ما أنذر به من التنافس في الدنيا، وفي حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- في معناه: «إن أكثر ما أخاف عليكم ما يُخرج الله لكم من بركات الأرض. . .» الحديث، فوقع كما أخبر به، وفُتِحَت عليهم الفتوح الكثيرة، وصُبّت عليهم الدنيا صَبًّا ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّل الكتاب قال: [٥٩٦٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا وَهْبٌ -يَعْنِي: ابْنَ جَرِيرٍ- حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَيُّوبَ، يُحَدِّثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ مَرْثَدٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ؛ كَالْمُوَدِّعِ لِلأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ، فَقَالَ: «إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، وَإِنَّ عَرْضَهُ كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ إِلَى الْجُحْفَةِ، إِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا، أَنْ تنافَسُوا فِيهَا، وَتَقْتَتِلُوا، فَتَهْلِكُوا كمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»، قَالَ عُقْبَةُ: فَكَانَتْ آخِرَ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- عَلَى الْمِنْبَرِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ) بن حازم بن زيد، أبو العباس الأزديّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٠/ ٣١٥. ٢ - (أَبُوهُ) جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزديّ، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ، لكن في حديثه عن قتادة ضَعف، وله أوهام إذا حَدّث من حفظه [٦] مات سنة مائة وسبعين بعدما اختَلَط، لكنه لم يحدّث في حال اختلاطه (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨١. ٣ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الغافقيّ -بمعجمة، ثم فاء، وقاف- أبو العباس المصريّ، صدوقٌ ربما أخطأ [٧] (ت ١٦٨) (ع) تقدم في «الحيض» ٢٦/ ٨٢٠. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ) بفتح الصاد، وكسر العين المهملتين، يقال: صَعِد في السلّم -كسمِعَ- صُعُودًا: إذا رَقِي . وقوله: (كَالْمُوَدِّعِ لِلأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ) قال في «الفتح»: توديع الأحياء ظاهر؛ لأن سياقه يُشعر بأن ذلك كان في آخر حياته -ﷺ-، وأما توديع الأموات، فيَحْتَمِل أن يكون الصحابيّ أراد بذلك انقطاع زيارته الأموات بجسده؛ لأنه بعد موته، وإن كان حيًّا، فهي حياة أُخروية، لا تُشبه الحياة الدنيا، والله أعلم. ويَحْتَمِل أن يكون المراد بتوديع الأموات: ما أشار إليه في حديث عائشة -﵂- من الاستغفار لأهل البقيع. انتهى . وقال النوويّ -﵀- عند قوله: «إن رسول الله -ﷺ- خرج يومًا، فصلّى. . . إلخ»: معناه: خرج إلى قتلى أُحُد، ودعا لهم دُعاء مُوَدِّع، ثم دخل المدينة، فَصَعِد المنبرَ، فخطب الأحياء خُطبة مُوَدِّع، كما قال النَّوّاس بن سمعان، قلنا: يا رسول الله؛ كأنها موعظة مُوَدِّع، وفيه معنى المعجزة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «ودعا لهم دُعاء مودِّع» قد عرفت أن الصحيح حَمْل الصلاة على أنها صلاة جنازة حقيقيةً، لا كناية عن الدعاء؛ لِمَا أسلفناه من التحقيق. وأما قوله: «كما قال النوّاس بن سمعان»، الظاهر أنه مصحَّف من العِرْباض بن سارية -﵁-، فإن هذا الحديث مشهور به، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.
مصادر المؤلف (٢٠)

١. «القاموس المحيط»ص ١١٣٩.

٢. «شرح النوويّ»١٥/ ٥٨.

٣. «الفتح»٤/ ١٢٢، كتاب«الجنائز»رقم (١٣٤٤).

٤. «الفتح»٤/ ١٢٢، كتاب«الجنائز»رقم (١٣٤٤).

٥. «المفهم»٦/ ٩٣.

٦. «الفتح»٩/ ١١٢، كتاب«المغازي»رقم (٤٠٤٢).

٧. «عمدة القاري»٨/ ١٥٧.

٨. «الفتح» ١٥/ ١٨٢، كتاب «الرقاق» رقم (٦٥٩٣).

٩. «شرح النوويّ» ١٥/ ٥٩.

١٠. «المفهم» ٦/ ٩٣.

١١. «المفهم»٦/ ٩٣.

١٢. «الفتح»١٥/ ١٨٢، كتاب«الرقاق»رقم (٦٥٩٣).

١٣. «المفهم»٦/ ٩٤.

١٤. راجع: «ذخيرة العقبى على المجتبى» ١٩/ ٢٠٧ - ٢١٣.

١٥. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٤/ ٣١٠.

١٦. «عمدة القاري» ٨/ ١٥٧.

١٧. «الفتح» ٦/ ٦١٤.

١٨. راجع: «القاموس المحيط» ص ٧٣٩.

١٩. «الفتح» ٩/ ١١٤، كتاب «المغازى» رقم (٤٠٤٢).

٢٠. «شرح النوويّ» ١٥/ ٥٩ - ٦٠.