HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٣١٧

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كُرَيْبٍ. قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: قَدِمَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَالُوا أَتُقَبِّلُونَ صِبْيَانَكُمْ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. فَقَالُوا: لَكِنَّا، وَاللَّهِ! مَا نُقَبِّلُ. فقال رسول الله ﷺ «وَأَمْلِكُ إِنْ كَانَ اللَّهُ نَزَعَ مِنْكُمُ الرَّحْمَةَ» وقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ «مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ».
ج ٤ ص ١٨٠٨

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٧ ص٤٧٢
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب فال: [٦٠٠٩] (٢٣١٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَثْ: قَدِمَ نَاسٌ مِنَ الأَعْرَابِ عَلَى رَسُول اللهِ -ﷺ-، فَقالُوا: أَتقَبِّلُونَ صِبْيَانَكُمْ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَالُوا: لَكِنَّا وَاللهِ مَا نُقَبِّلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «وَأَمْلِكُ أَنْ كَانَ اللهُ نَزَعَ مِنْكُمُ الرَّحْمَةَ؟»، وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: «مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٤ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (هِشَامُ) بن عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، ثقةٌ فقيهٌ، ربّما دَلّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) وله سبع وثمانون سنةً (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٥٠. ٦ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام بن خُويلد الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ٩٤) على الصحيح، ومولده في أوائل خلافة عثمان (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٠٧. ٧ - (عَائِشَةُ) بنت أبي بكر الصديق -﵄-، أم المؤمنين، أفقه النساء مطلقًا، وأفضل أزواج النبيّ -ﷺ- إلا خديجة، ففيهما خلاف شهير، ماتت سنة سبع وخمسين على الصحيح (ع) تقدّمت في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣١٥. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من هشام، والباقون كلهم كوفيّون، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ، وفيه عروة -﵀- أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة -﵄- من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) -﵄- أنها (قَالَتْ: قَدِمَ) بكسر الدال، (نَاسٌ مِنَ الأَعْرَابِ) وفي رواية البخاريّ: «جاء أعرابيّ»، فقال في «الفتح»: يَحْتَمِل أن يكون هو الأقرع المذكور في الحديث التالي، وَيحْتَمِل أن يكون قيس بن عاصم التميميّ، ثم السعديّ، فقد أخرج أبو الفرج الأصبهانيّ في «الأغاني» ما يُشعر بذلك، ولفظه: «عن أبي هريرة أن قيس بن عاصم دخل على النبيّ -ﷺ-»، فذكر قصة فيها: «فهل إلا أن تُنْزَع الرحمة منك»، فهذا أشبه بلفظ حديث عائشة -﵄-، ووقع نحو ذلك لعيينة بن حِصْن بن حُذيفة الفزاريّ، أخرجه أبو يعلى في «مسنده» بسند رجاله ثقات، إلى أبي هريرة: «قال: دخل عيينة بن حصن على رسول الله -ﷺ-، فرآه يقبّل الحسن والحسين، فقال: أتقبّلهما يا رسول الله؟ إن لي عشرة فما قبّلت أحدًا منهم»، وَيحْتَمِل أن يكون وقع ذلك لجميعهم، فقد وقع في رواية مسلم: «قَدِم ناس من الأعراب». انتهى . (عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالُوا)؛ أي: الأعراب للنبيّ -ﷺ-، ومن معه، (أتقَبِّلُونَ صِبْيَانَكُمْ؟ فَقَالُوا)؛ أي: النبيّ -ﷺ-، ومن معه، (نَعَمْ) نُقبّلهم، (فَقَالُوا)؛ أي: الأعراب، (لَكِنَّا وَاللهِ مَا نُقَبِّلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «وَأَمْلِكُ؟) هكذا النسخ، فيكون بتقدير همزة الاستفهام الإنكاريّ؛ أي: أَوَ أملك لكم؟، ومعناه النفي؛ أي: لا أملك لكم؛ أي: لا أقدر أن أجعل الرحمة في قلوبكم بعد أن نزعها الله منها، ووقع في بعض النسخ:«أو أملك لك؟ »، وقال في«العمدة»: الهمزة للاستفهام الإنكاريّ، والواو للعطف على مقدَّر بعد الهمزة، نحو: تقول. انتهى . وقوله: (أَنْ كانَ اللهُ نَزَعَ مِنْكُمُ الرَّحْمَةَ؟») «أن» بفتح الهمزة مصدريّة، فيكون المصدر المؤوّل مفعول «أملك» على حذف مضاف؛ أي: لا أملك دفعَ كون الله نزع منكم الرحمة، ونفى القرطبيّ صحة كسر الهمزة روايةً، وعلى تقدير الصحّة، فهي شرطيّة، وجوابها محذوف يدلّ عليه ما قبله؛ أي: إن نزع الله من قلبكم الرحمة، فلا أملك دفع ذلك عنكم. وفي رواية البخاريّ: «أن نزع الله من قلبك الرحمة»، قال في «العمدة»: قوله: «أن نزع» بفتح الهمزة مفعول «أملك»، أي: لا أملك النزع، وحاصل المعنى: لا أقدر أن أجعل الرحمة في قلبك، بعد أن نزعها الله منه، وقيل: كلمة «إن» مكسورة، على أنها شرطٌ، والجزاء محذوف، وهو من جنس ما تقدم؛ أي: إنْ نزع الله الرحمة من قلبك، فلا أملك لك ردّها إليه. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «وأملك أن كان الله نزع الرَّحمة من قلبك؟!» كذا وقع هذا اللفظ محذوف همزة الاستفهام، وهي مرادة، تقديره: أوَ أملك؟ وكذا جاء هذا اللفظ في البخاريّ بإثباتها، وهو الأحسن؛ لقلة حذف همزة الاستفهام. و«أن» مفتوحة، وهي مع الفعل بتأويل المصدر، تقديرها: أوَ أملك كون الله نزع الرَّحمة من قلبك؟! وقد أبعد مَنْ كَسَرها، ولم تصح رواية الكسر، ومعنى الكلام: نفي قدرته -ﷺ- عن الإتيان بما نزع الله من قلبه من الرحمة. قال: والرحمة في حقِّنا هي رقَّة، وحُنُوّ يجده الإنسان في نفسه عند مشاهدة مبتلى، أو ضعيف، أو صغير، يحمله على الإحسان إليه، واللطف به، والرفق، والسعيِ في كشف ما به، وقد جعل الله تعالى هذه الرحمة في الحيوان كله، عاقلِهِ وغير عاقله، فبها تعطف الحيوانات على نوعها، وأولادها، فتحنو عليها، وتَلْطُف بها في حال ضعفها وصغرها. وحكمة هذه الرحمة تسخير القويّ للضعيف، والكبير للصغير حتى ينحفظ نوعه، وتتمّ مصلحته، وذلك تدبير اللطيف الخبير، وهذه الرحمة التي جعلها الله في القلوب في هذه الدار، وتحصل عنها هذه المصلحة العظيمة، هي رحمة واحدة من مائة رحمة ادَّخرها الله تعالى ليوم القيامة؛ فيرحم بها عباده المؤمنين وقت أهوالها، وشدائدها حتى يخصَّهم منها، ويدخلهم في جنته، وكرامته، ولا يُفهم من هذا أن الرحمة التي وَصَفَ الحقُ بها نفسه هي رقَّة وحُنُو، كما هي في حقِّنا؛ لأنَّ ذلك تغيُّر يوجب للمتصف به الحدوث، والله تعالى منزه، ومقدَّس عن ذلك، وعن نقيضه الذي هو القسوة، والغلظ؛ وإنما ذلك راجعٌ في حقِّنا إلى ثمرة تلك الرأفة، وفائدتها، وهي اللطف بالمبتلى، والضعيف، والإحسان إليه، وكشف ما هو فيه من البلاء، فإذا هي في حقه -﷾- من صفات الفعل، لا من صفات الذات، وهذا كما تقدَّم في غضبه تعالى، ورضاه في غير موطن. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله القرطبي فيه صواب وخطأ، أما صوابه، فقوله: إن الرحمة التي وصف الله تعالى بها نفسه ليست كرحمتنا، فهذا حقّ، وأما الباطل فحمله الرحمة على الثمرة، وأنها ليست من صفات الذات، بل من صفات الفعل، فهذا تأويل لصفة الرحمة عن حقيقتها، والحقّ أنها صفة ثابتة لله -﷿-، كما أثبتها -﷾- لنفسه في آيات كثيرة، وأثبتها له الرسول -ﷺ- في أحاديث كثيرة، فنعتقد أنها ثابتة على ما يليق بجلاله -﷾-، ولا نشبّه، ولا نعطّل، ولا نكيّف، بل نقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. ثمّ رأيت لبعض المحقّقين تحقيقًا نفيسًا في المسألة، حيث قال: دلّت النصوص من الكتاب والسُّنَّة على أن الرحمة المضافة إلى الله تعالى رحمتان: رحمة هي صفته، وصفاته غير مخلوقة، وإضافتها إلى الله هي من إضافة الصفة إلى الموصوف، كما قال تعالى عن نبيّ الله سليمان -﵇-: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]، وقال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فهذان الاسمان متضمّنان صفة الرحمة، فاسمه الرحمن يدلّ على الرحمة الذاتيّة التي لم يزل، ولا يزال موصوفًا بها، واسمه الرحيم يدلّ على الرحمة الفعليّة التابعة لمشيئته -﷾-، كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤]، وقال: ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت: ٢١]. وأهل السُّنَّة والجماعة يُثبتون الرحمة لله تعالى صفة قائمة به -﷾-، والمعطّلة ومن تَبِعَهم يُنفون حقيقة الرحمة عن الله تعالى، ومنهم الأشاعرة، ويؤوّلونها بالإرادة، أو النعمة. والرحمة الأخرى مما يضاف إليه تعالى رحمة مخلوقة، وإضافتها إليه من إضافة المخلوق إلى خالقه، ومن شواهدها قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥٠]، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾ [آل عمران: ١٠٧]، وقوله -﷾- للجنّة، كما في الحديث القدسيّ: «أنتِ رحمتي أرحم بك من أشاء»، والرحمة المذكورة في الحديث -يعني: حديث البخاريّ: «جعل الله الرحمة في مائة جزء. . .»- هي الرحمة المخلوقة، وهي التي جعلها الله -﷿- مائة جزء، والرحمة المخلوقة في الدنيا والآخرة هي أثر الرحمة التي هي صفته -﷾-، ومقتضاها. انتهى ما كتبه ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. قال القرطبيّ: وإذا تقرر هذا، فمن خَلَق الله تعالى في قلبه هذه الرحمة الحاملة له على الرفق، وكَشْف ضر المبتلى، فقد ﵀﷾- بذلك في الحال، وجعل ذلك علامة على رحمته إياه في المآل، ومن سَلَب الله ذلك المعنى منه، وابتلاه بنقيض ذلك من القسوة والغلظ، ولم يلطف بضعيف، ولا أشفق على مبتلى، فقد أشقاه في الحال، وجعل ذلك عَلَمًا على شقوته في المآل، نعوذ بالله من ذلك، ولذلك قال النبيّ -ﷺ-: «الراحمون يرحمهم الرحمن» ، وقال: «لا يرحم الله من عباده إلا الرحماء» ، وقال: «لا تُنْزَع الرحمة إلا من شقيّ» ، وقال: «من لا يَرحم لا يُرحم» . (وَقَالَ) عبد الله (بْنُ نُمَيْرٍ) في روايته: («مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ») بإفراد الخطاب للذي باشر الكلام معه -ﷺ-، والمراد جميعهم، ووقع في قصّة الأقرع بن حابس التالية: «إِنَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ»، وفي حديث جرير -﵁- الآتي: «مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ لَا يَرْحَمْهُ اللهُ -﷿-»، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٦٠٠٩] (٢٣١٧)، و(البخاريّ) في «الأدب» (٥٩٩٨) وفي «الأدب المفرد» (١/ ٤٦)، و(ابن ماجه) في «الأدب» (٣٦٦٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٥٦ و٧٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ١٠٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من شدّة الرأفة، والشفقة، والرحمة للصغير والكبير، وهذا من فضل الله تعالى عليه، كما قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]، فكان ذلك مصداق قوله -﷿-: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. ٢ - (ومنها): بيان ما عليه الأعراب من بقايا الجفاء، وغلظ الطبع، وقسوة القلب الذي كانوا عليه قبل الإسلام، كما أخبر الله -﷿- عن ذلك بقوله: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧)﴾ [التوبة: ٩٧]. ٣ - (ومنها): أن من لا يرحم الناس لا يرحمهم الله تعالى، ومن يرحمهم يرحمه جزاء وفاقًا، ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠]. ٤ - (ومنها): ما قال القرطبيّ -﵀-: وفي هذه الأحاديث ما يدلّ على جواز تقبيل الصغير على جهة الرحمة، والشفقة، وكراهة الامتناع من ذلك على جهة الأَنفَة، وهذه القُبلة هي على الفم. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «على الفم» مما لا دليل عليه، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم. قال: ويُكره مثل ذلك في الكبار؛ إذ لم يكن ذلك معروفًا في الصدر الأول، ولا يدلّ على شفقة، فأما تقبيل الرأس، فإكرام عند من جرت عادتهم بذلك كالأب والأم، وأما تقبيل اليد فكرهه مالك، ورآه من باب الكِبْر، وإذا كان ذلك مكروهًا في اليد كان أحرى وأَولى في الرِّجْل، وقد أجاز تقبيل اليد والرِّجل بعض الناس، مستدلًّا بأن اليهود قبَّلوا يد رسول الله -ﷺ-، ورجليه حين سألوه عن مسائل، فأخبرهم بها، ولا حجة في ذلك؛ لأنَّ النبيّ -ﷺ- قد نزهه الله عن الكِبْر، وأُمِنَ ذلك عليه، وليس كذلك غيره؛ ولأن ذلك أظهر من اليهود تعظيمه، واعتقادهم صدقه، فأقرَّهم على ذلك ليبيِّن للحاضرين -بإذلالهم أنفسهم له- ما عندهم من معرفتهم بصدقه، وأن كفرهم بذلك عناد وجحد، ولو فَهِمت الصحابة -﵃- جواز تقبيل يده، ورِجله لكانوا أوَّل سابق إلى ذلك، فيفعلون ذلك به دائمًا، وفي كل وقت، كما كانوا يتبركون ببزاقه، ونخامته، ويدلكون بذلك وجوههم، ويتطيّبون بعرقه، ويقتتلون على وَضُوئه، ولم يُرْوَ قطُّ عن واحد منهم بطريق صحيح أنه قبّل له يدًا ولا رجلًا؛ فصحَّ ما قلناه، والله وليّ التوفيق. انتهى كلام القرطبيّ . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ من نفيه ثبوت تقبيل اليد والرِّجل ليس كما زعم، بل هو ثابت عنه -ﷺ-، من وجوه كثيرة. قال ابن بطّال -﵀-: اختلفوا في تقبيل اليد فأنكره مالك، وأنكر ما روي فيه، وأجازه آخرون واحتجوا بما رُوي عن ابن عمر أنهم لما رجعوا من الغزو حيث فَرّوا قالوا: نحن الفرارون، فقال: بل أنتم العَكّارون، أنا فئة المؤمنين، قال: فقبّلنا يده، قال: وقبّل أبو لبابة، وكعب بن مالك، وصاحباه يد النبيّ -ﷺ- حين تاب الله عليهم، ذكره الأبهريّ، وقبّل أبو عبيدة يد عمر حين قدم، وقبّل زيد بن ثابت يد ابن عباس حين أخذ ابن عباس بركابه. قال الأبهريّ: وإنما كرهها مالك إذا كانت على وجه التكبر والتعظم، وأما إذا كانت على وجه القربة إلى الله لدِينه، أو لِعلمه، أو لِشرفه، فإن ذلك جائز، قال ابن بطال: وذكر الترمذيّ من حديث صفوان بن عسال: «أن يهوديين أتيا النبيّ -ﷺ-، فسألاه عن تسع آيات. . . الحديث، وفي آخره: فقبّلا يده ورجله»، قال الترمذيّ: حسن صحيح. قال الحافظ -﵀-: حديث ابن عمر أخرجه البخاريّ في «الأدب المفرد»، وأبو داود، وحديث أبي لبابة أخرجه البيهقيّ في «الدلائل»، وابن المقرئ، وحديث كعب وصاحبيه أخرجه ابن المقرئ، وحديث أبي عبيدة أخرجه سفيان في «جامعه»، وحديث ابن عباس أخرجه الطبريّ، وابن المقرئ، وحديث صفوان أخرجه أيضًا النسائيّ، وابن ماجه، وصححه الحاكم. قال: وقد جمع الحافظ أبو بكر بن المقرئ جزءًا في تقبيل اليد، سمعناه، أورد فيه أحاديث كثيرةً وآثارًا. فمن جَيِّدها حديث الزارع العبديّ، وكان في وفد عبد القيس: «قال: فجعلنا نتبادر من رواحلنا، فنقبّل يد النبيّ -ﷺ- ورِجله»، أخرجه أبو داود ، ومن حديث مزيدة العَصَريّ مثله، ومن حديث أسامة بن شريك: «قال: قمنا إلى النبيّ -ﷺ-، فقبّلنا يده»، وسنده قويّ، ومن حديث جابر أن عمر قام إلى النبيّ -ﷺ-، فقبّل يده، ومن حديث بُريدة في قصة الأعرابيّ والشجرة: «فقال: يا رسول الله ائذن لي أن أقبّل رأسك، ورجليك، فأذن له». وأخرج البخاريّ في «الأدب المفرد» من رواية عبد الرحمن بن رزين: قال: أخرج لنا سلمة بن الأكوع كفًّا له ضخمة؛ كأنها كف بعير، فقمنا إليها، فقبّلناها. وعن ثابت أنه قبّل يد أنس، وأخرج أيضًا أن عليًّا قبّل يد العباس، ورِجله، وأخرجه ابن المقرئ، وأخرج من طريق أبي مالك الأشجعيّ قال: قلت لابن أبي أوفى: ناولني يدك التي بايعت بها رسول الله -ﷺ-، فناوَلنيها، فقبّلتها . قال الجامع عفا الله عنه: قد ثبت بما ذُكر مشروعيّة تقبيل اليد والرِّجل؛ فإن هذه الأحاديث منها ما هو صحيح حجة بنفسه، ومنها ما هو ضعيف شاهد للصحيح، وإنما كرهه من كرهه كمالك إذا كان للتكبّر والتعظيم، كما سبق عن
مصادر المؤلف (١٢)

١. وفي نسخة: «أو أملك؟».

٢. «الفتح» ١٣/ ٥٤٠، كتاب «الأدب» رقم (٥٩٩٨).

٣. «عمدة القاري» ٢٢/ ١٠٠.

٤. «عمدة القاري» ٢٢/ ١٠٠، بزيادة من «الفتح» ١٣/ ٥٤١.

٥. المحقّق المذكور: الشيخ البرّاك، راجع ما كتبه في هامش: «فتح الباري»، في كتاب «التوحيد» ١٣/ ٥٤٤ - ٥٤٥ رقم الحديث (٦٠٠٠).

٦. حديث صحيح، رواه أبو داود (٤٩٤١)، والترمذيّ (١٩٢٥).

٧. متّفقٌ عليه.

٨. حديث حسن، رواه أبو داود، والترمذيّ.

٩. متّفقٌ عليه.

١٠. «المفهم»٦/ ١١٠.

١١. حديث حسن، رواه أبو داود.

١٢. «الفتح» ١١/ ٥٧.