HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٣٣٧

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. قالا: حدثنا محمد بن جعفر. حدثنا شعبة قال: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ. قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مَرْبُوعًا. بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ. عَظِيمَ الْجُمَّةِ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ. عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ ﷺ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص83
ج ٤ ص ١٨١٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٧ ص٥٨٦
«القول الثبت، في الصوم يوم السبت». انتهى كلام الحافظ -﵀- ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٠٤٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ). قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم هذا الإسناد نفسه قريبًا، و«أبو الطاهر» هو: أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ، و«يونس» هو: ابن يزيد المصريّ. [تنبيه]: رواية يونس عن ابن شهاب هذه ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٣٣٦٥) - حدّثنا يحيى بن بكير، حدّثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس -﵄-: «أن رسول الله -ﷺ- كان يَسْدُلُ شعره، وكان المشركون يَفْرِقون رؤوسهم، وكان أهل الكتاب يَسدلون رؤوسهم، وكان رسول الله -ﷺ- يُحِبّ موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثم فرق رسول الله -ﷺ- رأسه». انتهى . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٥) - (بَابٌ فِي حُسْنِ أَوْصَافِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وصِفَةِ شَعْرِهِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٠٤٦] (٢٣٣٧) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ: كَانَ رَسُول اللهِ -ﷺ- رَجُلًا، مَرْبُوعًا، بُعَيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، عَظِيمَ الْجُمَّة، إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ، عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، ما رَأَيْتُ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ -ﷺ-). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمْرو بن عبد الله بن عُبيد، الْهَمْدانيّ السَّبِيعيّ، ثقةٌ، مكثرٌ، عابدٌ، اختلط بأخرة [٣] (ت ١٢٩) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١١. ٢ - (الْبَرَاءُ) بن عازب بن الحارث بن عَدِيّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ، استصغر يوم بدر، نزل الكوفة، وكان هو وابن عمر لِدَةً، مات سنة اثنتين وسبعين (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٤. والباقون تقدّموا قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأن شيخيه من مشايخ الجماعة بلا واسطة، وأنه مسلسل بالتحديث، والسماع، ومسلسلٌ بالبصريين إلى شعبة، والباقيان كوفيّان. شرح الحديث: عن أبي إِسْحَاقَ السَّبيعيّ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ) بن عازب -﵄-، قال في «الفتح»: كذا قال أكثر أصحاب أبي إسحاق، وخالفهم أشعث، فقال: عن أبي إسحاق، عن جابر بن سَمُرة، أخرجه النسائيّ، وأعله الترمذيّ، وحسّنه، ونَقَل عن البخاريّ أنه قال: حديث أبي إسحاق عن البراء، وعن جابر بن سمرة صحيحان، وصححه الحاكم. انتهى . (يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- رَجُلًا) قيل: هو بفتح الراء، وكسر الجيم؛ أي: رَجِل الشعر، وهو الذي بين الجعودة والسبوطة، قاله الأصمعيّ وغيره، وفي «الجامع»: شعرٌ رَجِلٌ إذا لم يكن شديد الجعودة، ولا شديد السبوطة، بل بينهما، وذكر بعضهم أنه وقع في الروايات المعتمدة بضمّ الجيم، فيَحْتَمِل أن يكون المراد به المعنى المتبادَر المتعارف الذي يراد بلفظ الرجل، وهو المقابل للمرأة، ومعناه واضحٌ، وهو موطِّئ؛ لأن الخبر في الحقيقة هو قوله: «مربوعًا»؛ إذ هو يفيد الفائدة المعتدّ بها، والمراد به أنه كان لا طويلًا، ولا قصيرًا، ويَحْتَمل أن يراد به شَعْره -ﷺ- الأطهرُ؛ إذ الرجل بكسر الجيم، وفتحها، وضمّها، وسكونها بمعنى واحد، وهو الذي في شعره تكسّر يسير، ويؤيّد ما صحّ في بعض النُّسخ بكسر الجيم، وسكونها، وحينئذ لا يحتاج إلى توطئة الخبر، وكأن هذا المعنى أصوب؛ إذ لا يليق بحال الصحابيّ أن يصف النبيّ -ﷺ- بكونه رجلًا بالمعنى المتبادر منه، ولم يُسمع في غير هذا الخبر ذكر أحد من الصحابة رسول الله -ﷺ- بعنوان كان رجلًا، بل الظاهر أنه من زيادات بعض الرواة، ممن دون الصحابيّ، لكن الطعن في الرواة مستبعد؛ والأحسن أن يُحمل على المعنى المرادف، أو على المتعارف، ويراد به كامل الرجوليّة، أو موطئ للخبر، وهو كثير في العرف، يقال: فلان رجل كريمٌ، وقد جاء في القرآن قوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥]، فقوله: «مربوعًا»: صفة لـ «رجلًا» على هذا المعنى، وخبر آخر لـ «كان» على ذلك المعنى، وكذا إعراب قوله: «بعيد ما بين المنكبين». انتهى منقولًا من «جمع الوسائل» باختصار وتصرّف . (مَرْبُوعًا)؛ أي: بين الطويل والقصير، يقال: رجل رَبْعَةٌ، ومربوع. وقال النوويّ: قوله كان «مربوعًا» هو بمعنى قوله في الرواية الثانية: «ليس بالطويل، ولا بالقصير». انتهى . (بَعِيدَ) قيل: رُويَ مكبرًا، ومصغّرًا . (مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ)؛ أي: عريض أعلى الظهر، ووقع في حديث أبي هريرة -﵁- عند ابن سعد: «رَحْبَ الصدر»، قاله في «الفتح» . وقال المناويّ: قوله: «المنكبين»: تثنية منكب: مُجتمع عظم العضد والمنكب، وهو لفظ مشترك يُطلق على ما ذُكِر، وعلى المحل المرتفع من الأرض، وعلى ريشة من أربع في جناح الطير. انتهى . (عَظِيمَ الْجُمَّةِ) -بضم الجيم-، قيل: الجمة أكبر من الوَفْرة، وذلك إذا سقطت على المنكبين، والوفرة إلى شحمة الأذن، واللِّمّة بينهما تُلِمّ بالمنكبين، قاله في «المشارق» . وقال ابن منظور: الْجُمّة بالضم: مُجتَمَع شعر الرأس، وهي أكثر من الْوَفْرة، وقال أيضًا: الجمة من شعر الرأس: ما سقط على المنكبين. انتهى . (إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ) قال ابن الأثير -﵀-: شحمة الأذن: موضع خرق القُرْط، وهو ما لان من أسفلها. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: قوله: «عظيم الجمة إلى شحمة أذنيه»، وفي رواية: «ما رأيت من ذي لِمّة أحسن منه»، وفي رواية: «كان يضرب شعره منكبيه»، وفي رواية: «إلى أنصاف أذنيه»، وفي رواية: «بين أذنيه وعاتقه». قال أهل اللغة: الجمة أكثر من الوفرة، فالجمة: الشعر الذي نزل إلى المنكبين، والوفرة: ما نزل إلى شحمة الأذنين، واللِّمّة: التي ألمت بالمنكبين. قال القاضي عياض -﵀-: والجمع بين هذه الروايات أن ما يلي الأذن هو الذي يبلغ شحمة أذنيه، وهو الذي بين أذنيه وعاتقه، وما خَلْفه هو الذي يضرب منكبيه، قال: وقيل: بل ذلك لاختلاف الأوقات، فإذا غفل عن تقصيرها بلغت المنكب، وإذا قصّرها كانت إلى أنصاف الأذنين، فكان يقصّر ويطوّل بحَسَب ذلك، والعاتق ما بين المنكب والعنق، وأما شحمة الأذن فهو اللين منها في أسفلها، وهو مُعَلَّق القُرْط منها، وتُوَضِّح هذه الروايات رواية إبراهيم الحربيّ: «كان شعر رسول الله -ﷺ- فوق الْوَفْرة ودون الْجُمّة». انتهى . (عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ)، ومثله في حديث أبي جحيفة -﵁-، ولأبي داود من حديث هلال بن عامر عن أبيه: «رأيت النبيّ -ﷺ- يخطب بمنى على بعير، وعليه بُرْد أحمر»، وإسناده حسنٌ، وللطبراني بسند حسن، عن طارق المحاربيّ نحوه، لكن قال: «بسوق ذي المجاز». قال في «العمدة»: «الْحُلَّة» -بالضمّ-: ثوبان: إزار ورداء، وقيل: أن يكون ثوبين من جنس واحد، سُمِّيا بذلك؛ لأن كل واحد منهما يَحُلّ على الآخر، وقيل: أصل تسميتها بهذا إذا كان الثوبان جديدين، ما حُلّ طيّهما، فقيل لهما: حُلّة لهذا، ثم استمرّ عليهما الاسم، وقال ابن الأثير: الحلة: واحدةُ الْحُلَل، وهي بُرود اليمن، ولا تسمى حُلّة، إلا أن تكون ثوبين من جنس واحد، وقال غيره: والجمع: حُلَلٌ، وحِلالٌ، وحَلّله الْحُلّة: ألبسه إياها. انتهى . (مَا) نافية، (رَأَيْتُ شَيْئًا قَطُّ)؛ أي: فيما مضى من الزمان، فقط ظرف مستغرق لِمَا مضى من الزمان، متعلّق بالنفي؛ أي: ما رأيت فيما مضى من عمري شيئًا أحسن منه -ﷺ- خَلْقًا، وخُلُقًا . وقوله: (أَحْسَنَ مِنْهُ -ﷺ-) قال الأبيّ -﵀-: هو مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧] في نفي الأحسن، والمساوي. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث البراء بن عازب -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٥/ ٦٠٤٦ و٦٠٤٧ و٦٠٤٨] (٢٣٣٧)، و(البخاريّ) في «المناقب» (٣٥٥١) و«اللباس» (٥٨٤٨ و٥٩٠١)، و(أبو داود) في «اللباس» (٤٠٧٢) و«الترجّل» (٤١٨٣ و٤١٨٤)، و(الترمذيّ) في «المناقب» (٣٦٣٥) وفي «الشمائل» (٣ و٤)، و(النسائيّ) في «المجتبى» (٨/ ١٨٣) و«الكبرى» (٩٣٢٥ و٩٣٢٦ و٩٣٢٧ و٩٣٢٨)، و(ابن ماجه) في «اللباس» (٣٥٩٩)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٧٢١)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٨/ ٣٦٥ و٤٥٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٢٩٠ و٢٩٥ و٣٠٠ و٣٠٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٢٨٤ و٦٢٨٥)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٧٠٠ و١٧٠٥)، و(ابن سعد) في «الطبقات» (١/ ٤٢٧ و٤٢٨)، و(البيهقيّ) في «دلائل النبوّة» (١/ ٢٢٢ - ٢٢٣)، و(أبو الشيخ) في «أخلاق النبيّ -ﷺ-» (ص ١١٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان صفات النبيّ -ﷺ- الْخَلْقيّة، فقد زيّنه الله تعالى أكمل تزيين، وجعله أحسن الناس أجمعين، فهو -ﷺ-. ولقد أجاد من قال: وَأَجْمَلَ مِنْكَ لَمْ تَرَ عَيْنِي وَلَا … أَحْسَنَ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النِّسَاءُ ومن قال: خُلِقْتَ مُبَرَّءًا مِنْ كُلِّ عَيْبٍ … كَأَنَّكَ خُلِقْتَ كَمَا تَشَاءُ ٢ - (ومنها): جواز اتّخاذ الجمّة، وهو الشعر الذي نزل إلى المنكبين، والوفرة ما كان إلى شحمة الأذنين. ٣ - (ومنها): جواز لباس الحلّة الحمراء، قال القرطبيّ -﵀-: وقد أخطأ من كَرِه لباسه مطلقًا، غير أنه قد يختص بلباسه في بعض الأوقات أهل الفسق والدعارة والمجون، فحينئذ يُكره لباسه؛ لأنَّه إذ ذاك تشبَّه بهم، وقد قال -ﷺ-: «من تشبَّه بقومٍ فهو منهم»، لكن ليس هذا مخصوصًا بالحمرة، بل هو جار في كل الألوان والأحوال، حتى لو اختص أهل الظلم والفسق بشيء مما أصله سُنَّة كالخاتم والخضاب والفرق لكان ينبغي لأهل الدين ألا يتشبهوا بهم؛ مخافة الوقوع فيما كرهه الشرع من التشبه بأهل الفسق، ولأنه قد يَظن به من لا يعرفه أنه منهم، فيعتقد ذلك فيه، وينسبه إليهم، فيظن به ظن السوء، فيأثم الظانّ بذلك والمظنون بسبب المعونة عليه. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «مما أصله سنّة. . . إلخ» فيه نظر لا يخفى؛ إذ فيه فساد كبير؛ لأنه لو تركنا السُّنَّة لأجل أن بعض الفسقة يفعلها لضاعت السنن، فالحقّ أن ما ثبت شرعًا لا يُترك لأجل موافقته لأهواء بعض الكفرة، والفسقة، ومن ذلك ما سمعته من بعض الناس ممن يحلقون لحاهم لمّا سئلوا عن ذلك قالوا: إن القساوسة عندنا يوفّرون لحاهم، فنريد مخالفتهم، فهكذا تضيع السنن، وهكذا يُلقي الشيطان شُبَهًا إلى أوليائه ليجادلوا بها أهل الحقّ، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وبالجملة فشُبَهُ هذا الباب واسعة، فينبغي التنبّه لها، والتصديّ لأهل الأهواء بالردّ عليهم، ومناصحتهم، وأن لا يُخضَع لِمَا يُلقونه من الشُّبه والترّهات. ومما يقطع دابر هذه الشبهة أنه -ﷺ- لمّا نزل قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٢] أمر الصحابة -﵃- أن يباشروا المرأة في حال حيضها، ويجتنبوا جماعها في الفرج مخالفةً لليهود، فإنهم كانوا لا يساكنونها في بيت واحد فضلًا عن مباشرتها، فلما سمعت اليهود ذلك عابوا عليه ذلك، فقال بعض الصحابة -﵃-: يا رسول الله أفلا نجامعهنّ؛ أي: إدخالًا للغيظ عليهم، فغضب رسول الله -ﷺ- من ذلك، فقد تبيَّن بهذا أنه لا يجوز إغاظة العدوّ بارتكاب ما حرّم الله تعالى. وخلاصة القول أن ترك السُّنن، أو ارتكاب بعض المنهيّات بالشبهة المذكورة من أخطر الفساد في الدين، ومن أكبر مدخل للشيطان في تلبيس الحقّ على المسلمين، وحَمْلهم على الانحراف عن هدي نبيّهم -ﷺ-، وهدي صحابته الأكرمين -﵃-، كما قال الله -﷿-: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٠٤٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ، أَحْسَنَ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ، مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، شَعْرُهُ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْه، بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ، وَلَا بِالْقَصِيرِ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: لَهُ شَعَرٌ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب. ٣ - (وَكِيعُ) بنَ الجرّاح الرؤاسيّ، تقدّم قريبًا. ٤ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (مِنْ ذِي لِمَّةٍ) بكسر اللام، وتشديد الميم، قال الجزريّ في «النهاية»: الجمة من شعر الرأس ما سقط على المنكبين، واللِّمة من شعر الرأس دون الجمة، سُمّيت بذلك؛ لأنها ألمَّت بالمنكبين، والوفرة من شعر الرأس إذا وصل إلى شحمة الأذن. انتهى . وقوله: (أَحْسَنَ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) قال المجد: الحلة بالضم: إزار ورداء، بُرْدٌ أو غيره، ولا يكون حلة إلا من ثوبين، أو ثوب له بطانة. انتهى . وفي رواية النسائيّ: «ما رأيت أحدًا أحسن فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ من رسول الله -ﷺ-»، وقلت في «شرحي»: الظاهر أن الجارّ والمجرور حال من «رسول الله -ﷺ-»، وهذا بيان الحال التي رآه عليها، متفكّرًا في جماله، ويَحْتَمِل أنه حال من «أحد»؛ لكونه في حيّز النفي، فصحّ وقوعه ذا حال، أو متعلّق بـ «رأيت»، لا لكون الرؤية كانت في الحلّة، بل لكون مفعولها كان في الحلّة، حال الرؤية، مثلُ: رأيت زيدًا في المسجد، ومثله كثير. وقوله: (شَعْرُهُ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ)، ولفظ النسائيّ: «وَجُمَّتُهُ تَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ» بضم الجيم، وتشديد الميم قال الفيّوميّ: الجمّة من الإنسان: مُجتمع شَعْر ناصيته، يقال: هي التي تبلغ المنكبين، والجمع جُمَم، مثل غُرْفة وغُرَف. انتهى. وفي رواية البخاريّ من طريق شعبة، عن أبي إسحاق: «له شعر يبلغ شحمة أذنيه»، وهو مغاير لهذه الرواية، وجُمع بينهما بأن المراد: أن معظم شعره، كان عند شحمة أذنه، وما استرسل منه متّصل إلى المنكب، أو يُحمل على حالتين. وقد وقع نظير ذلك في حديث أنس الآتي من رواية قتادة عنه أن شعره: «كان بين أذنيه وعاتقه»، وفي حديث حميد، عن ثابت، عنه: «إلى أنصاف أذنيه»، ومثله عند الترمذيّ من رواية ثابت عنه. وعند ابن سعد من رواية حمّاد، عن ثابت عنه: «لا يُجاوز شَعْره أذنيه»، وهو محمول على ما تقدّم، أو على أحوال متغايرة. وروى أبو داود من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة -﵂- قالت: «كان شعر رسول الله -ﷺ- فوق الوفرة، ودون الجمّة»، وفي حديث هند بن أبي هالة في صفة رسول الله -ﷺ- عند الترمذيّ وغيره: «فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه، إذا هو وفّره»؛ أي: جعله وفرة، فهذا القيد يؤيّد الجمع المتقدّم. قاله في «الفتح» . وقوله: (لَيْسَ بِالطَّوِيل، وَلَا بِالْقَصِيرِ)، وفي الرواية الآتية: «ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير»، وتقدم: أنه «كان مربوعًا»، وفي لفظ: «رَبْعةً»، ووقع في حديث عائشة عند ابن أبي خيثمة: «لم يكن أحدٌ يماشيه من الناس يُنسب إلى الطول إلا طاله رسول الله -ﷺ-، ولربما اكتنفه الرجلان الطويلان، فيطولهما، فإذا فارقاه نُسبا إلى الطول، ونُسب رسول الله -ﷺ- إلى الربعة» . وقوله: (قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: لَهُ شَعَرٌ) بيّن به اختلاف شيخيه عمرو الناقد، وأبي كريب، حيث قال عمرو: «شعره يضرب منكبيه»، وقال أبو كريب: «له شعر يضرب منكبيه»، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٠٤٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا، وَأَحْسَنَهُ خَلْقًا، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الذَّاهِب، وَلَا بِالْقَصِيرِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) السَّلُوليّ -بفتح المهملة- مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ تُكُلّم فيه للتشيع [٩] (ت ٢٠٤) وقيل: بعدها (ع) تقدم في «الطهارة ٢٢/ ٦٣٨. ٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ) بن إسحاق بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ، صدوقٌ يَهِمُ [٨] (ت ١٩٨) (خ م د س ق) تقدم في«الحج»٧/ ٢٨٣٨. ٣ - (أَبُوهُ) يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الكوفيّ، وقد يُنسب لجدّه، ثقةٌ [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في«الحج»٧/ ٢٨٣٨. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا، وَأَحْسَنَهُ) وقع في النسخة الهنديّة هكذا:«وأحسنه»بالإفراد، ووقع في غيرها:«وأحسنهم»بالجمع، وقوله: (خَلْقًا) قال القاضي عياض: ضبطناه:«خَلْقًا»-بفتح الخاء، وإسكان اللام- هنا؛ لأن مراده صفات جسمه، قال: وأما في حديث أنس فرويناه بالضم؛ لأنه إنما أخبر عن حسن معاشرته. قال: وأما قوله:«وأحسنه»، فقال أبو حاتم السجستانيّ وغيره: هكذا تقوله العرب: وأحسنه، يريدون: وأحسنهم، ولكن لا يتكلمون به، وإنما يقولون: أجمل الناس، وأحسنه، ومنه الحديث:«خير نساءٍ رَكِبْن الإبلَ نساءُ قريشٍ، أشفقه على وَلَد، وأعطفه على زوج»، وحديث أبي سفيان:«عندي أحسن نساء العرب، وأجمله». انتهى . وقال في«الفتح»: قوله:«وأحسنه خَلْقًا»-بفتح الخاء المعجمة- للأكثر، وضَبَطه ابن التين بضم أوله، واستشهد بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، ووقع في رواية الإسماعيلي بالشك:«وأحسنه خَلْقًا، أو خُلُقًا»، ويؤيده قوله قبله:«أحسن الناس وجهًا»، فإن فيه إشارة إلى الحُسْن الحسيّ، فيكون في الثاني إشارةٌ إلى الحسن المعنويّ. انتهى . وقال في موضع آخر: قوله:«كان النبيّ -ﷺ- أحسن الناس وجهًا، وأحسنه خَلْقًا»بالإفراد في الثاني، وحديث ابن عباس في قول أبي سفيان:«عندي أحسن العرب، وأجمله أم حبيبة»بالإفراد في الثاني أيضًا، قال أبو حاتم السجستانيّ: لا يكادون يتكلمون به إلا مفردًا، قال النحويون: معناه:
مصادر المؤلف (٢٤)

١. «الفتح» ١٣/ ٤٢٩ - ٤٣٠، كتاب «اللباس» رقم (٥٩١٧).

٢. «صحيح البخاريّ» ٣/ ١٣٠٥.

٣. «الفتح» ١٣/ ٣٣٦، كتاب «اللباس» رقم (٥٨٤٨).

٤. راجع: «هامش النسخة التركيّة» ٧/ ٨٣.

٥. «شرح النوويّ» ١٥/ ٩١.

٦. «تحفة الأحوذيّ» ٥/ ٣١٩.

٧. «الفتح» ٨/ ٢١١، كتاب «المناقب» رقم (٣٥٥١).

٨. «فيض القدير» ٥/ ٧٨.

٩. «مشارق الأنوار» ١/ ١٥٣.

١٠. «لسان العرب» ١٢/ ١٠٧.

١١. «النهاية في غريب الأثر» ٢/ ٤٤٩.

١٢. «شرح النوويّ» ١٥/ ٩١ - ٩٢.

١٣. «عمدة القاري»٤/ ١٠٠.

١٤. راجع:«شرح الشيخ الهرري»حفظه الله تعالى ٢٣/ ١٨١.

١٥. «شرح الأبيّ»٦/ ١٣١.

١٦. «المفهم» ٦/ ١٢٧ - ١٢٩.

١٧. «تحفة الأحوذيّ» ٥/ ٣١٨.

١٨. «القاموس المحيط» ص ٣١٥.

١٩. «الفتح»٨/ ٢١١ - ٢١٢، كتاب«المناقب»رقم (٣٥٥١).

٢٠. «الفتح»٨/ ٢١٠، كتاب«المناقب»رقم (٣٥٥١).

٢١. وفي نسخة:«وأحسنهم».

٢٢. هذا هو الظاهر، وأما في«التقريب»أنه من السابعة، فلا يخفى بُعده.

٢٣. «شرح النوويّ»١٥/ ٩٢.

٢٤. «الفتح» ٨/ ٢١٠، رقم (٣٥٥١).