HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٣٤٧

حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ يَحْيَي. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ وَلَا بِالْقَصِيرِ. وَلَيْسَ بِالْأَبْيَضِ الْأَمْهَقِ وَلَا بِالْآدَمِ. وَلَا بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ وَلَا بِالسَّبِطِ. بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً. فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ. وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً. وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شعرة بيضاء.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص87
ج ٤ ص ١٨٢٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر جامع الترمذي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٧ ص٦٥٥
(٣١) - (بَابٌ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَمَبْعَثِهِ، وَمُدَّةِ عُمْرِهِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٠٧١] (٢٣٤٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ، وَلَا بِالْقَصِيرِ، وَلَيْسَ بِالأَبْيَضِ الأَمْهَقِ، وَلَا بِالآدَمِ، وَلَا بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ، وَلَا بِالسَّبِطِ، بَعَثَهُ اللهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ، وَتَوَفَّاهُ اللهُ عَلَى رَأسِ سِتِّينَ سَنَةً، وَلَيْسَ في رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قريبًا. ٣ - (رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) التيميّ مولاهم، أبو عثمان المدنيّ، المعروف بربيعة الرأي، واسم أبيه فَرُّوخ، ثقةٌ فقيهٌ مشهورٌ، قال ابن سعد: كانوا يتّقونه لموضع الرأي [٥] (ت ١٣٦) على الصحيح (ع) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ١١/ ١٦٥٢. ٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) -﵁-، تقدّم قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-؛ كالأسانيد الأربعة الماضية، وهو (٤٩١) من رباعيّات الكتاب، وهو مسلسل بالمدنيين غير شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة للأخذ من أهلها، وفيه أنس بن مالك -﵁-، وقد مضى القول فيه قريبًا. شرح الحديث: (عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) فَرُّوخ الفقيه المدنيّ المعروف بربيعة الرأي، (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁- (أَنَّهُ)؛ أي: أن ربيعة (سَمِعَهُ)؛ أي: سمع أنس بن مالك -﵁- (يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ)؛ أي: المُفْرِط في الطول، مع اضطراب القامة، قال الأخفش: هو عيب في الرجال والنساء، وفي رواية البخاريّ: «كان رَبْعةً من القوم»، وهو بفتح الراء، وسكون الموحدة؛ أي: مربوعًا، والتأنيث باعتبار النفس، يقال: رجلٌ رَبْعَةٌ، وامرأة ربعةٌ، وقد فسّره في الحديث المذكور بقوله: «ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير»، والمراد بالطويل البائن: المفرط في الطول مع اضطراب القامة، وقد تقدم في حديث البراء -﵁- قريبًا أنه قال: «كان النبيّ -ﷺ- مربوعًا»، ووقع في حديث أبي هريرة -﵁- عند الذُّهْليّ في «الزهريات» بإسناد حسن: «كان رَبْعَةً، وهو إلى الطول أقرب» . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «ليس بالطويل البائن»؛ أي: الذي يباين الناس بزيادة طوله، وهو طوله -ﷺ- الذي عبَّر عنه في الرواية الأخرى: «بالمشذَّب»، وفي الأخرى: «بالممغط» بالعين، والغين؛ أي: المتناهي في الطول، وهو عند العرب: العَشَنَّقُ، والعَشَنَّط. انتهى . (وَلَا بِالْقَصِيرِ)، وفي رواية: «ولا بالقصير المتردِّد» قال القرطبيّ: أي: الذي تداخل بعضه في بعض، وهو المسمَّى عند العرب بحنبل، وأقصر منه: الحنتل، وكِلا الطرفين مُستقبح عند العرب، وخير الأمور أوساطها، وكذلك كان النبيّ -ﷺ- في جميع أحواله. انتهى . (وَلَيْسَ بِالأَبْيَضِ الأَمْهَقِ) بالميم: شديد البياض كلون الْجِصّ، وهو كَرِيه المنظر، وربما توَهّمه الناظر أبرص، قاله النوويّ -﵀- . وقال القرطبيّ: الأبيض الأمهق؛ أي: الشديد البياض الذي لا يخالط بياضه حمرة، ولا غيرها، والعرب تكرهه؛ لأنَّه يشبه البرص. انتهى . ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: «ليس بأبيض أمهق»، قال في «الفتح»: كذا في الأصول، ووقع عند الداوديّ تبعًا لرواية المروزيّ: «أمهق، ليس بأبيض»، واعترضه الداوديّ، وقال عياض: إنه وَهَمٌ، قال: وكذلك رواية من روى: أنه «ليس بالأبيض، ولا الآدم» ليس بصواب، قال الحافظ: كذا قال، وليس بجيّد في هذا الثاني؛ لأن المراد: أنه ليس بالأبيض الشديد البياض، ولا بالآدم الشديد الأُدْمة، وإنما يخالط بياضه الحمرة، والعرب قد تُطلق على من كان كذلك أسمر، ولهذا جاء في حديث أنس -﵁- عند أحمد، والبزار، وابن منده بإسناد صحيح، وصححه ابن حبان: «أن النبيّ -ﷺ- كان أسمر»، وقد رَدّ المحبّ الطبريّ هذه الرواية بقوله في حديث الباب: «ولا بالأبيض الأمهق، وليس بالآدم»، والجمع بينهما ممكن. وأخرجه البيهقيّ في «الدلائل» من وجه آخر عن أنس، فذكر الصفة النبوية، قال: «كان رسول الله -ﷺ- أبيض، بياضه إلى السمرة»، وفي حديث يزيد الرقاشيّ عن ابن عباس في صفة النبيّ -ﷺ-: «رجلٌ بين رجلين جسمه، ولحمه أحمر»، وفي لفظ: «أسمر إلى البياض»، أخرجه أحمد، وسنده حسن. وتبيَّن من مجموع الروايات أن المراد بالسمرة الحمرة التي تخالط البياض، وأن المراد بالبياض المثبَت: ما يخالطه الحمرة، والمنفيّ: ما لا يخالطه، وهو الذي تكره العرب لونه، وتسميه أمهق. وبهذا تبيّن أن رواية المروزيّ: «أمهق، ليس بأبيض» مقلوبة، والله أعلم. على أنه يمكن توجيهها بأن المراد بالأمهق: الأخضر اللون الذي ليس بياضه في الغاية، ولا سمرته، ولا حمرته، فقد نُقِل عن رؤبة أن الْمَهَق خضرة الماء، فهذا التوجيه يتمّ على تقدير ثبوت الرواية. وقد تقدم في حديث أبي جحيفة -﵁- إطلاق كونه أبيض، وكذا في حديث أبي الطُّفيل عند مسلم، وفي رواية عند الطبرانيّ: «ما أنسى شدّة بياض وجهه، مع شدّة سواد شعره»، وكذا في شعر أبي طالب المتقدّم في «الاستسقاء»: وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ وفي حديث سُراقة عند ابن إسحاق: «فجعلت أنظر إلى ساقه؛ كأنها جُمّارة» ، ولأحمد من حديث مُحَرِّش الكعبيّ في عمرة الجعرانة، أنه قال: «فنظرت إلى ظهره؛ كأنه سَبِيكة فضة»، وعن سعيد بن المسيِّب، أنه سمع أبا هريرة يَصِف النبيّ -ﷺ-، فقال: «كان شديد البياض»، أخرجه يعقوب بن سفيان، والبزار بإسناد قويّ. والجمع بينهما بما تقدم، وقال البيهقيّ: يقال: إن المشَرَّب منه حمرة، وإلى السمرة ما ضحى منه للشمس والريح، وأما ما تحت الثياب فهو الأبيض الأزهر. قلت : وهذا ذكره ابن أبي خيثمة عقب حديث عائشة -﵂- في صفته -ﷺ- بأبسط من هذا، وزاد: «ولونه الذي لا يُشَكّ فيه الأبيض الأزهر». وأما ما وقع في زيادات عبد الله بن أحمد في «المسند» من طريق عليّ: «أبيض مشرَّب شديد الوضح»، فهو مخالف لحديث أنس: «ليس بالأمهق»، وهو أصحّ. ويمكن الجمع بحمل ما في رواية عليّ على ما تحت الثياب، مما لا يلاقي الشمس. انتهى كلام الحافظ -﵀-، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. (وَلَا بِالآدَمِ)؛ أي: الأسمر، والمراد أنه -ﷺ- ليس بأسمر، ولا بأبيض كريه البياض، بل أبيض بياضًا نَيِّرًا، كما قال في الحديث السابق: «أنه -ﷺ- كان أزهر اللون»، وكذا قال في الرواية التي بعده: «كان أزهر». وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «ليس بالآدم»؛ أي: الذي تغلب سمرتُهُ السوادَ، فإنَّ السُّمرة بياضٌ يميل إلى سواد، والسُّحْمة -بالسين- فوقه، ثم الصُّحْمة -بالصاد- فوقه، وهو غالب لون الحبشة، ثم الأُدْمَة فوقه، وهو غالب ألوان العرب، والنبيّ -ﷺ- كان بياضه مشربًا بحمرة في صفاء، فصَدَق عليه أنه أزهر، وأنه مُشْرَبٌ، وهذا اللون هو أعدل الألوان، وأحسنها. انتهى . (وَلَا بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ) قال القرطبيّ: يُرْوَى بفتح الطاء، وكسرها، وهو الشديد الجعودة الذي لا يطول إلا باليد، وهو حال شعور السودان، (وَلَا بِالسَّبِطِ)؛ أي: المسترسل الذي لا تَكَسّر فيه، وهو غالب شعور الروم، والرَّجِلُ هو الوسط بين ذينك. انتهى . ولفظ البخاريّ: «ليس بجعدٍ قَطَطٍ، ولا سَبِطِ»، قال في «الفتح»: بفتح أوله، وكسر الموحّدة، والجعودة في الشعر: أن لا يتكسر، ولا يسترسل، والسبوطة ضدّه، فكأنه أراد أنه وسط بينهما. ووقع في حديث عليّ عند الترمذيّ، وابن أبي خيثمة: «ولم يكن بالجعد القطط، ولا بالسبط، كان جَعْدًا، رجِلًا»، وقوله: «رجل» بكسر الجيم، ومنهم من يسكّنها؛ أي: مُتَسَرِّح، وهو مرفوع على الاستئناف؛ أي: هو رَجِل، ووقع عند الأصيليّ بالخفض، وهو وَهَمٌ؛ لأنه يصير معطوفًا على المنفيّ، وقد وُجِّه على أن خفضه على المجاورة، وفي بعض الروايات بفتح اللام، وتشديد الجيم، على أنه فعل ماض. انتهى . (بَعَثَهُ اللهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً)؛ أي: من مولده -ﷺ-؛ أي: عند كمالها بعثه الله رسولًا، وهذا هو أكثر الأقوال، وقد جاء عن ابن عباس -﵄-: أنه بُعِث على رأس ثلاث وأربعين سنة، وهو قول سعيد بن المسيِّب، قاله القرطبيّ . ولفظ البخاريّ: «أُنزل عليه، وهو ابن أربعين»، قال في «الفتح»: وهذا إنما يتمّ على القول بأنه بُعِث في الشهر الذي وُلد فيه، والمشهور عند الجمهور أنه وُلد في شهر ربيع الأول، وأنه بُعث في شهر رمضان، فعلى هذا يكون له حين بُعث أربعون سنة ونصفٌ، أو تسع وثلاثون ونصفٌ، فمن قال: أربعين ألغى الكسر، أو جَبَر، لكن قال المسعوديّ وابن عبد البرّ: إنه بُعث في شهر ربيع الأول، فعلى هذا يكون له أربعون سنة سواءً، وقال بعضهم: بُعِث، وله أربعون سنةً وعشرة أيام، وعند الجعابيّ: أربعون سنة وعشرون يومًا، وعن الزبير بن بكار أنه وُلد في شهر رمضان، وهو شاذّ، فإن كان محفوظًا، وضُمَّ إلى المشهور أن المبعث في رمضان، فيصحّ أنه بُعث عند إكمال الأربعين أيضًا، وأبعدُ منه قول من قال: بُعث في رمضان، وهو ابن أربعين سنةً وشهرين، فإنه يقتضي أنه وُلد في شهر رجب، قال الحافظ: ولم أر من صرَّح به، ثم رأيته كذلك مصرَّحًا به في تاريخ أبي عبد الرحمن العتقيّ، وعزاه للحسين بن عليّ، وزاد: لسبع وعشرين من رجب، وهو شاذّ. ومن الشاذّ أيضًا ما رواه الحاكم من طريق يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيِّب، قال: أُنزل على النبيّ -ﷺ-، وهو ابن ثلاث وأربعين، وهو قول الواقديّ، وتبعه البلاذريّ، وابن أبي عاصم، وفي تاريخ يعقوب بن سفيان وغيره، عن مكحول، أنه بُعث بعد ثنتين وأربعين. انتهى . (فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ)؛ يعني: بعد البعثة، وقبل الهجرة، وهذا مما اختُلِف فيه، فقيل: عشر، وقيل: ثلاث عشرة، وقيل: خمس عشرة، ولم يُختَلَف أنه أقام بالمدينة عشرًا . (وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ) ولا خلاف في هذا، كما مرّ آنفًا. (وَتَوَفَّاهُ اللهُ عَلَى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً) هذا أحد قَوْلي أنس -﵁-، وفي الرواية الأخرى عنه: «ثلاث وستين»، ووافقه على ذلك عبد الله بن عباس، ومعاوية، وعائشة -﵃-، وهو أصحُّ الأقوال، وأصحُّ الروايات، على ما ذكره البخاريّ، وقد ذُكر عن أنس: خمس وستين سنة، وهي الرواية الأخرى عن ابن عباس، ولا خلاف أنه -ﷺ- وُلد عام الفيل، قاله القرطبيّ -﵀- . وقال النوويّ -﵀-: ذَكَرَ في الباب ثلاث روايات: إحداها: أنه -ﷺ- تُوُفّيَ، وهو ابن ستين سنةً، والثانية: خمس وستون، والثالثة: ثلاث وستون، وهي أصحها، وأشهرها، رواه مسلم هنا من رواية عائشة، وأنس، وابن عباس -﵃-. واتَّفَقَ العلماء على أن أصحها ثلاث وستون، وتأوّلوا الباقي عليه، فرواية ستين اقتصر فيها على العقود، وترك الكسر، ورواية الخمس متأولة أيضًا، وحَصَل فيها اشتباه، وقد أنكر عروة على ابن عباس قوله: «خمس وستون»، وَنَسبه إلى الغلط، وأنه لم يُدرِك أول النبوة، ولا كثرت صحبته، بخلاف الباقين. واتَّفَقُوا أنه -ﷺ- أقام بالمدينة بعد الهجرة عشر سنين، وبمكة قبل النبوة أربعين سنة، وإنما الخلاف في قَدْر إقامته بمكة بعد النبوة، وقبل الهجرة، والصحيح أنها ثلاث عشرة، فيكون عمره ثلاثًا وستين، وهذا الذي ذكرناه أنه بُعث على رأس أربعين سنة، هو الصواب المشهور الذي أَطْبَقَ عليه العلماءُ، وحَكَى القاضي عياض عن ابن عباس، وسعيد بن المسيِّب روايةً شاذّةً أنه -ﷺ- بُعث على رأس ثلاث وأربعين سنة، والصواب أربعون كما سبق، ووُلد عام الفيل على الصحيح المشهور، وقيل: بعد الفيل بثلاث سنين، وقيل: بأربع سنين، وادَّعَى القاضي عياض الإجماع على عام الفيل، وليس كما ادَّعَى. واتَّفَقُوا أنه وُلد يوم الاثنين، في شهر ربيع الأول، وتُوفي يوم الاثنين، من شهر ربيع الأول، واختلفوا في يوم الولادة، هل هو ثاني الشهر، أم ثامنه، أم عاشره، أم ثاني عشرة؟ ويوم الوفاة ثاني عشرة ضُحًى، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ -﵀- . وقال في «الفتح» عند قوله: «لَبِث بمكة عشر سنين، ينزل عليه القرآن، وبالمدينة عشرًا» ما نصّه: هذا يخالف المرويّ عن عائشة عقبه أنه عاش ثلاثًا وستين إلا أن يُحْمَل على إلغاء الكسر، كما قيل مثله في حديث أنس -﵁-، وأكثر ما قيل في عمره: إنه خمس وستون سنةً، أخرجه مسلم من طريق عَمّار بن أبي عمّار، عن ابن عباس، ومثله لأحمد عن يوسف بن مِهْران، عن ابن عباس، وهو مغاير لحديث الباب؛ لأن مقتضاه أن يكون عاش ستين إلا أن يُحْمَل على إلغاء الكسر، أو على قول من قال: إنه بُعث ابن ثلاث وأربعين، وهو مقتضى رواية عمرو بن دينار، عن ابن عباس: أنه مكث بمكة ثلاث عشرة، ومات ابن ثلاث وستين، وفي رواية هشام بن حسان، عن عكرمة، عن ابن عباس: «لبث بمكة ثلاث عشرة، وبُعث لأربعين، ومات وهو ابن ثلاث وستين»، وهذا موافق لقول الجمهور. والحاصل: أن كل مَن رُوي عنه من الصحابة ما يخالف المشهور، وهو ثلاث وستون، جاء عنه المشهور، وهم ابن عباس، وعائشة، وأنس، ولم يُختلف على معاوية أنه عاش ثلاثًا وستين، وبه جزم سعيد بن المسيِّب، والشعبيّ، ومجاهد، وقال أحمد: هو الثبت عندنا، وقد جَمَع السهيليّ بين القولين المحكيين بوجه آخر، وهو أن من قال: مكث ثلاث عشرة عَدّ من أول ما جاءه الملك بالنبوة، ومن قال: مكث عشرًا أخذ ما بعد فترة الوحي، ومجيء الملَك بـ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١]، قال الحافظ: وهو مبنيّ على صحة خبر الشعبيّ الذي نقلته من تاريخ الإمام أحمد في بدء الوحي، ولكن وقع في حديث ابن عباس عند ابن سعد ما يخالفه. ومن الشذوذ ما رواه عمر بن شَبّة أنه عاش إحدى، أو اثنتين وستين، ولم يبلغ ثلاثًا وستين، وكذا رواه ابن عساكر من وجه آخر، أنه عاش اثنتين وستين ونصفًا، وهذا يصح على قول من قال: وُلد في رمضان، وهو شاذّ من القول، وقد جَمَع بعضهم بين الروايات المشهورة بأن من قال: خمس وستون جَبَر الكسر، وفيه نظر؛ لأنه يخرج منه أربع وستون فقط، وقَلّ من تنبّه لذلك. انتهى كلام الحافظ -﵀- . قال الجامع عفا الله عنه: قد تحصّل من مجموع ما ذُكر من الروايات أن أصحها أنه -ﷺ- بُعث وهو ابن أربعين سنةً، فعاش بمكة ثلاث عشرة، وبالمدينة عشرًا، وتُوفّي وهو ابن ثلاث وستون سنةً، والله تعالى أعلم. (وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ) قال القرطبيّ -﵀-: قد قلنا: إن هذا منه تقديرٌ على جهة التقليل، وذكرنا أن شيبة -ﷺ- كان أكثر من هذا. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء»؛ أي: بل دون ذلك، ولابن أبي خيثمة من طريق أبي بكر بن عياش: قلت لربيعة: جالستَ أنسًا؟ قال: نعم، وسمعته يقول: شاب رسول الله -ﷺ- عشرين شيبةً ها هنا؛ يعني: العنفقة، ولإسحاق بن راهويه، وابن حبان، والبيهقيّ من حديث ابن عمر: «كان شيب رسول الله -ﷺ- نحوًا من عشرين شعرة بيضاء في مقدمه»، وقد اقتضى حديث عبد الله بن بسر أن شيبة كان لا يزيد على عشر شعرات لإيراده بصيغة جمع القلة، لكن خَصّ ذلك بعنفقته، فيُحْمَل الزائد على ذلك في صدغيه، كما في حديث البراء، لكن وقع عند ابن سعد بإسناد صحيح عن حميد، عن أنس، في أثناء حديث، قال: «ولم يبلغ ما في لحيته من الشيب عشرين شعرة»، قال حميد: وأومأ إلى عنفقته سبع عشرة، وقد روى ابن سعد أيضًا بإسناد صحيح، عن ثابت، عن أنس، قال: «ما كان في رأس النبيّ -ﷺ- ولحيته إلا سبع عشرة، أو ثماني عشرة»، ولابن أبي خيثمة من حديث حميد، عن أنس: «لم يكن في لحية رسول الله -ﷺ- عشرون شعرة بيضاء»، قال حميد: كن سبع عشرة، وفي مسند عبد بن حميد، من طريق حماد، عن ثابت، عن أنس: «ما عددت في رأسه ولحيته إلا أربع عشرة شعرةً»، وعند ابن ماجه من وجه آخر، عن أنس: «إلا سبع عشرة، أو عشرين شعرةً»، وروى الحاكم في «المستدرك» من طريق عبد الله بن محمد بن عَقِيل، عن أنس، قال: «لو عددت ما أقبل عليّ من شيبة في رأسه ولحيته، ما كنت أزيدهنّ على إحدى عشرة شيبةً»، وفي حديث الهيثم بن دهر، عند ابن سعد: «ثلاثون عددًا» ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ٦٠٧١ و٦٠٧٢] (٢٣٤٧)، و(البخاريّ) في «المناقب» (٣٥٤٧ و٣٥٤٨) و«اللباس» (٥٩٠٠)، و(الترمذيّ) في «المناقب» (٣٦٢٣) وفي «الشمائل» (١/ ٢٨ و٣٢٥)، و(مالك) في «الموطّأ» (٢/ ٩١٩)، و(ابن سعد) في «الطبقات» (١/ ٩٠ و٢٢٤ و٤١٣ و٤٣٢ و٢/ ٣٠٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٣٨٧)، و(الطبريّ) في «تاريخه» (٢/ ٢٩١)، و(الطبرانيّ) في «الصغير» (١/ ٢٠٥)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٦/ ٣١٩)، و(الآجريّ) في «الشريعة» (ص ٤٣٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٢٠١ و٢٢٩) وفي «الدلائل» (٧/ ٢٣٦) و«شُعَب الإيمان» (٢/ ١٤٨)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٦٣٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان صفات النبيّ -ﷺ- الْخَلْقَيّة -بالفتح- وأنه مُعتدل الخلق، ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير المشذّب، بل هو بينهما، وهو الأكمل الممدوح في قامة الإنسان. ٢ - (ومنها): بيان شعره -ﷺ-، وأنه ليس بالجعد القَطَط، ولا بالسَّبِط، بل بينهما، وهو الأكمل الممدوح في أنواع الشعور. ٣ - (ومنها): بيان وقت مبعثه -ﷺ-، وهو أنه بُعث على رأس أربعين سنة من مولده، على أرجح الروايات. ٤ - (ومنها): بيان مدّة إقامته -ﷺ- بعد البعثة، فقد عاش بمكة ثلاثًا وعشرين سنة على الصحيح، وبالمدينة عشر سنين بلا خلاف، قال ابن عبد البرّ -﵀-: وأما قوله: «بالمدينة عشر سنين»، فمُجْمَع عليه، لا خلاف بين العلماء فيه. انتهى . ٥ - (ومنها): بيان وقت وفاته -ﷺ-، فقد تُوفّي وهو ابن ثلاث وستّين سنة على الصحيح، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٠٧٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ- (ح) وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، كِلَاهُمَا عَنْ رَبِيعَةَ - يَعْنِي: ابْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَزَادَ فِي حَدِيثِهِمَا: «كَانَ أَزْهَرَ»). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابري -بفتح الميم، والقاف، ثم موحّدة مكسورة- أبو زكريّاء البغداديّ العابد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) وله سبع وسبعون سنةً (عخ م د عس) تقدم في «الإيمان» ٢/ ١١٠. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ) بن إياس السَّعْديّ المروزيّ، أبو الحسن، نزيل بغداد، ثم مرو، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جازها (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢/ ١١٠. ٤ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان، ورُبّما نُسِب إلى جدّه، ثقةٌ [١١] مات في حدود الخمسين ومائتين (م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٨. ٥ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) القَطَوَانيّ، أبو الهيثم البَجَليّ مولاهم الكوفيّ، صدوقٌ يتشيع، وله أفراد، من كبار [١٠] (ت ٢١٣) وقيل: بعدها (خ م كد ت س ق) تقدم في «الإيمان» ٦٥/ ٣٦٧. ٦ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، وأبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٠. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ رَبِيعَةَ)؛ يعني: أن كلًّا من إسماعيل بن جعفر، وسليمان بن بلال رويا هذا الحديث عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن أنس بن مالك -﵁-. وقوله: (وَزَادَ فِي حَدِيثِهِمَا) هكذا النُّسخ التي بين أيدينا بإفراد فاعل «زاد»، وله وجه صحيح؛ أي: زاد الراوي عن كل من إسماعيل، وسليمان في حديثهما قوله: «كان أزهر»، ولا حاجة إلى إصلاح بعض الشرّاح بقوله: «وزادا» بالألف؛ لأن هذا تعدّ على المصنّف -﵀-، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (كَانَ أَزْهَرَ)، وتقدّم بلفظ: «كان أزهر اللون»؛ أي: نَيِّره، وحَسَنه، قال ابن الأثير -﵀-: الأزهر: الأبيض المستنير، والزَّهْر، والزَّهْرة البياض النيِّر، وهو أحسن الألوان. انتهى . وقال الطبريّ في «تهذيبه»: الزهراء: البيضاء النقية البياض في حُسن، يقال منه: هذه امرأة زهراء، وهذا رجل أزهر، وذلك إذا كان الغالب على ألوانهما البياض في حُسن، وبَهاء، ومنه قيل للسراج إذا كان يضيء: هو يزهر، قال: وأرى أن النجم الذي يسمى الزُّهْرة سُمّي زهرة؛ لإضاءته، وصفاء نوره. انتهى . [تنبيه]: رواية إسماعيل بن جعفر عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ساقها أبو يعلى -﵀- في «مسنده»، بسند المصنّف، فقال: (٣٦٤٣) - حدّثنا يحيى بن أيوب، حدّثنا إسماعيل، قال: وأخبرني ربيعة، أنه سمع أنس بن مالك يقول: «كان رسول الله -ﷺ- رَجِلَ الشعر، ليس بالسَّبِط، ولا الجعد القَطِطِ، كان أزهر، ليس بالآدم، ولا الأبيض الأمهق، كان رَبْعَةً من القوم، ليس بالقصير، ولا بالطويل البائن، بُعِث على رأس أربعين، أقام بمكة عشرًا، وبالمدينة عشرًا، وتُوُفّي على رأس ستين، ليس في رأسه ولحيته عشرون شعرةً بيضاءَ». انتهى . ورواية سليمان بن بلال ساقها أحمد -﵀- في «مسنده»، فقال: (١٣٥٤٣) - حدثنا أبو سلمة الْخُزَاعيّ، أنبأنا سليمان بن بلال، قال: حدّثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن، أنه سمع أنس بن مالك، ينعت النبيّ -ﷺ-
مصادر المؤلف (٢٣)

١. «عمدة القاري» ١٦/ ١٠٥.

٢. «المفهم» ٦/ ١٣٩.

٣. «المفهم» ٦/ ١٣٩.

٤. «شرح النوويّ» ١٥/ ٩٩.

٥. «المفهم» ٦/ ١٣٩.

٦. قال في «النهاية في غريب الأثر» ١/ ٢٩٤: الْجُمّارة: قلب النخلة، وشحمتها، شبّه ساقه ببياضها. انتهى.

٧. القائل: هو الحافظ ابن حجر.

٨. «المفهم» ٦/ ١٣٩.

٩. «المفهم» ٦/ ١٣٩.

١٠. «الفتح» ٨/ ٢٠٨، كتاب «المناقب» رقم (٣٥٤٨).

١١. «المفهم» ٦/ ١٣٩.

١٢. «الفتح» ٨/ ٢٠٨، كتاب «المناقب» رقم (٣٥٤٨).

١٣. «المفهم» ٦/ ١٣٩.

١٤. «المفهم» ٦/ ١٣٩.

١٥. «شرح النوويّ» ١٥/ ٩٩ - ١٠٠.

١٦. «الفتح» ٩/ ٦٢٠، كتاب «المغازي» رقم (٤٤٦٤).

١٧. «المفهم» ٦/ ١٣٩.

١٨. «الفتح» ٨/ ٢٠٨، كتاب «المناقب» رقم (٣٥٤٨).

١٩. «التمهيد» لابن عبد البر ٣/ ٩.

٢٠. هو: الشيخ الهرريّ، ومن الغريب قوله: إن قوله: «وزاد» وقع في أغلب النسخ؛ إيهامًا بأن هناك نُسخًا بلفظ: «وزادا»، وهكذا يفعل في كثير من مواضع الكتاب، فينبغي التنبّه له.

٢١. «النهاية في غريب الأثر» ٢/ ٣٢١.

٢٢. «تهذيب الآثار» ٢/ ٨٦٥ - ٨٦٦.

٢٣. «مسند أبي يعلى» ٦/ ٣١٩ - ٣٢٠.