HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٣٦١

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ. وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ. وَهَذَا حَدِيثُ قُتَيْبَةَ. قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَوْمٍ على رؤوس النَّخْلِ. فَقَالَ «مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟» فَقَالُوا: يُلَقِّحُونَهُ. يجعلون الذكر في الأنثى فيتلقح. فقال رسول الله ﷺ «مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا» قَالَ فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ. فَأُخْبِرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ فَقَالَ «إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ. فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا. فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ. وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ. فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى الله ﷿».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص95
ج ٤ ص ١٨٣٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد سنن ابن ماجه
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٨ ص٥١
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٧/ ٦١٠٧] (٢٣٦٠)، و(البخاريّ) في «العلم» (٩٢) و«الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة» (٧٢٩١)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٣/ ٢٨٨)، و(البزّار) في «مسنده» (٨/ ١٤٦)، و(البيهقيّ) في «المدخل إلى السنن الكبرى» (١/ ٢٢٠)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٨) - (بَابُ وُجُوبِ امْتِثَالِ مَا قَالَهُ -ﷺ- شَرْعًا، دُونَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ مَعَايِشِ الدُّنْيَا عَلَى سَبِيلِ الرَّأْيِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٠٨] (٢٣٦١) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ -وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ، وَهَذَا حَدِيثُ قُتَيْبَةَ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بِقَوْمٍ عَلَى رُؤُوسِ النَّخْلِ، فَقَالَ: «مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟»، فَقَالُوا: يُلَقِّحُونَهُ، يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الأُنْثَى، فَيَلْقَحُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا»، قَالَ: فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ، فَتَرَكُوهُ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ، فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظنًّا، فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ، وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللهِ شَيْئًا، فَخُذُوا بِه، فَإنِّي لَنْ أَكذِبَ عَلَى اللهِ -﷿-»). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ) هو: قُتيبة بن سعيد بن جَمِيل بن طَرِيف، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، يقال: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن تسعين سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٢ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حُسين بن طلحة البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) ولهَ أكثر من ثمانين سنةً (خت م د س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٧. ٣ - (أَبُو عَوَانَةَ) وَضّاح اليشكريّ الواسطيّ البزاز، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. ٤ - (سِمَاكُ) -سماك بكسر أوله، وتخفيف الميم- ابن حرب بن أوس بن خالد الذُّهْليّ البكريّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ، وقد تغير بأَخَرَةٍ، فكان ربّما تَلَقّن [٤] (ت ١٢٣) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦٤/ ٣٦٥. ٥ - (مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ) بن عبيد الله التيميّ، أبو عيسى، أو أبو محمد المدنيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ جليلٌ [٢]، ويقال: إنه ولد في عهد النبيّ -ﷺ-، مات سنة ثلاث ومائة، على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٣. ٦ - (أَبُوهُ) طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرّة التيميّ، أبو محمد المدنيّ، الصحابيّ المشهور، استُشْهِد يوم الجمل سنة ست وثلاثين، وهو ابن ثلاث وستين (ع) تقدم في «الإيمان» ٢/ ١٠٩. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأن فيه رواية الراوي عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة -﵃-، فهو أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وأحد الستة أهل الشورى -﵃-. شرح الحديث: (عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ) طلحة بن عبيد الله -﵁- أنه (قَالَ: مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بِقَوْمٍ)؛ أي: من الأنصار، وقوله: (عَلَى رُؤُوسِ النَّخْلِ) متعلّق بصفة لـ «قوم»، و«النخل»: شجَرُ التَّمرِ؛ كالنَّخيل، كأميرٍ، قاله المرتضى ، وقال الفيّوميّ -﵀-: النَّخْلُ: اسم جمع، الواحدة: نَخْلَةٌ، وكل جمع بينه وبين واحده الهاء، قال ابن السِّكِّيت: فأهل الحجاز يؤنثون أكثره، فيقولون: هي التمر، وهي البُرّ، وهي النحل، وهي البقر، وأهل نجد، وتميم يذكّرون، فيقولون: نَخْلٌ كريم، وكريمة، وكرائم، وفي التنزيل: ﴿نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾، و﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾، وأما النَّخِيلُ بالياء: فمؤنّثة، قال أبو حاتم: لا اختلاف في ذلك. انتهى . (فَقَالَ) -ﷺ- («مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟»، فَقَالُوا)؛ أي: القوم الحاضرون لديه حينما سأل، (يُلَقِّحُونَهُ) بتشديد القاف من التلقيح، أو بالتخفيف، من الإلقاح، وقد فسّره بقوله: (يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الأُنْثَى)؛ معناه: شقّ طَلْع النخلة الأنثى؛ لِيُذَرَّ فيه شيء من طلع النخلة الذَّكَر، قاله في «الفتح». وقال النوويّ -﵀-: قوله: «يُلقّحونه»؛ بمعنى: يَأْبِرُون في الرواية الأخرى، ومعناه: إدخال شيء من طلع الذكر في طلع الأنثى، فتَعْلَقُ بإذن الله تعالى. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: «يلقِّحونه» مضارع ألقحَ الفحلُ الناقةَ، والريحُ السحابَ، ورياحٌ لواقحُ، ولا يقال: مَلاقح، وهو من النوادر، وقد قيل: الأصل فيه: مُلْقِحة، ولكنها لا تُلْقِح إلا وهي في نفسها لاقح، ويقال: لَقِحَت الناقة -بالكسر- لَقَحًا ولَقَاحًا بالفتح، فهي لاقح، واللَّقَاحُ أيضًا -بالفتح- ما تُلْقَحُ به النخل. انتهى . وقال في «التاج: الإِلقَاحُ، والتَّلقيح: أَن يَدَعَ الكَافُورَ، وهو وِعاءُ طَلْع النَّخْل ليَلتَينِ، أَو ثلاثًا بعد انْفلاقه، ثمّ يَأْخذَ شِمْرَاخًا من الفُحَّال، قال الأَزهريّ: وأَجودُه ما عَتُقَ، وكانَ من عَامِ أَوّل، فيدُسُّونَ ذلك الشِّمْرَاخَ في جَوْفِ الطَّلْعَة، وذلك بقَدرٍ، قال: ولا يَفعل ذلك إِلّا رَجلٌ عالمٌ بِما يَفعَل منه؛ لأَنّه إِن كان جاهِلًا، فأَكْثَرَ منه أَحرَقَ الكَافُورَ، فأَفسدَه، وإِنْ أَقلَّ منه صارَ الكافُورُ كثيرَ الصِّيصاءِ؛ يعني بالصِّيصاءِ: ما لا نَوَى له، وإِن لم يَفعل ذلك بالنَّخلة لم يُنتَفع بطَلْعِها ذلك العامَ. انتهى . (فَيَلْقَحُ)؛ أي: تحمل تلك الأنثى، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «مَا) نافية، (أَظُنُّ يُغْنى ذَلِكَ شَيْئًا»)؛ أي: ما أظنّ أنه ينفع شيئًا، إنما قاله -ﷺ- على سبيل الظنّ؛ لأنه لم يمارس الفِلاحة والزراعة، قال النوويّ -﵀-: قالوا: ورأيه -ﷺ- في أمور المعاش، وظنّه كغيره، فلا يمتنع وقوع مثل هذا، ولا نَقْص في ذلك، وسببه تعلّق همّهم بالآخرة ومعارفها. انتهى. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «ما أظنّ ذلك يغني شيئًا»؛ يعني به: الإبار، إنما قال النبيّ -ﷺ- هذا؛ لأنه لم يكن عنده علم باستمرار هذه العادة، فإنَّه لم يكن ممن عانى الزراعة، ولا الفلاحة، ولا باشر شيئًا من ذلك، فخفيت عليه تلك الحالة، وتمسَّكَ بالقاعدة الكلية المعلومة التي هي: أنه ليس في الوجود، ولا في الإمكان فاعل، ولا خالق، ولا مؤثِّر إلا الله تعالى، فإذا نُسِب شيء إلى غيره نسبة التأثير فتلك النسبة مجازية، عرفيَّة، لا حقيقيَّة، فصدق قوله: «ما أظنّ ذلك يغني شيئًا»؛ لأن الذي يغني في الأشياء عن الأشياء بالحقيقة هو الله تعالى، غير أن الله تعالى قد أجرى عادته بأن سَتَر تأثير قدرته في بعض الأشياء بأسباب معتادة، فجعلها مقارنة لها، ومغطاة بها؛ لِيُؤْمِن من سبقت له السعادة بالغيب، وليضلّ من سبقت له الشقاوة بالجهل، والرَّيب: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢]. انتهى . (قَالَ) طلحة بن عبيد الله (فَأُخْبِرُوا)؛ أي: أصحاب النخل (بِذَلِكَ)؛ أي: بما قاله النبيّ -ﷺ-: «ما أظنّ يغني ذلك شيئًا»، (فَتَرَكُوهُ)؛ أي: تركوا التلقيح عملًا بظنّه -ﷺ-، (فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِذَلِكَ)؛ أي: بما حصل لهم من كون النخل أخرج شيصًا، ولم يُثمر ثمرًا طيّبًا. (فَقَالَ) -ﷺ- («إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ)؛ أي: التلقيح، (فَلْيَصْنَعُوهُ، فَإِنِّي إِنَّمَا ظنَنْتُ ظنًّا)؛ أي: إنما أشرت عليهم بتركه لأجل ظنّ مني أنه لا ينفع، (فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ)، وفي الأخرى:»إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم، فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي، فإنما أنا بشر«، قال القرطبيّ -﵀-: هذا كله منه -ﷺ- اعتذار لمن ضَعُف عقله مخافةَ أن يُزِلَّه الشيطان، فيُكَذِّب النبيّ -ﷺ-، فيكفر، وإلا فما جرى شيء يحتاج فيه إلى عذر، غايةُ ما جرى مصلحة دنيوية، خاصَّة بقوم مخصوصين، لم يعرفها من لم يباشرها، ولا كان من أهلها المباشرين لعملها، وأوضحُ ما في هذه الألفاظ المعتذَر بها في هذه القصة قوله:»أنتم أعلم بأمر دنياكم«، وكأنه قال: وأنا أعلم بأمر دينكم. انتهى . (وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللهِ شَيْئًا)؛ أي: عن الأحكام الشرعيّة، أو عن الأمور الغيبية التي تأتيني من عند الله تعالى وحيًا، (فَخُذُوا بِهِ) فإنه حقّ وصدق، لا يتخلّف، وهذا أمرٌ جزمٌ بوجوب الأخذ عنه -ﷺ- في كل أحواله: من الغضب، والرضا، والمرض، والصحة . (فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللهِ -﷿-»)؛ أي: لا يقع منه -ﷺ- فيما يبلّغه عن الله كذب، ولا غلط؛ لا سهوًا، ولا عمدًا، وقد قلنا: إنّ صِدْقه في ذلك هو مدلول المعجزة، وأما الكذب العمد المحض فلم يقع قط منه في خبر من الأخبار، ولا جُرِّب عليه شيء من ذلك، منذ أنشأه الله تعالى، وإلى أن توفاه الله تعالى، وقد كان في صغره معروفًا بالصدق والأمانة، ومجانبة أهل الكذب، والخيانة، حتى إنه كان يسمى بالصادق الأمين، يشهد له بذلك كل من عرفه، وإن كان من أعدائه، وقد خالفه ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث طلحة بن عبيد الله -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨/ ٦١٠٨] (٢٣٦١)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ١٦٦)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٢/ ١٢)، و(الشاشيّ) في «مسنده» (١/ ٧٠)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (١/ ٦٤)، و(أبو نعيم) في «الحلية» (٤/ ٣٧٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من عدم العناية بالأمور الدنيويّة، حيث لم يكن له علم بتلقيح النخل، فظنّ أنه لا ينفع، فتبيّن بخلاف ذلك، فأمر الناس أن يعملوا به؛ لخبرتهم به، وتجربتهم بكونه سببًا عاديًّا، أجرى الله تعالى به سُنَّته، كما أجرى ذلك في الحيوانات حيث تتناسل به، والله تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): بيان عصمة الله تعالى نبيّه -ﷺ- عن الخطأ فيما يبلّغه عن الله -﷿-، قال القرطبيّ -﵀- : هذا معلوم من حال النبيّ -ﷺ- قطعًا بدليل المعجزة، وذلك أن النبيّ -ﷺ- لَمّا قال للناس: أنا رسول الله -ﷺ- إليكم، أبلغكم ما أرسلني به إليكم من الأحكام، والأخبار عن الدار الآخرة، وغيرها، وأنا صادق في كل ما أخبركم به عنه، ويشهد لي على ذلك ما أيَّدني به من المعجزات، ثم وقعت المعجزات مقرونة بتحدِّيه، علمنا على القطع والبتات استحالة الخطأ والغلط عليه فيما يبلغه عن الله -﷿-؛ إما لأن المعجزة تنزلت منزلة قول الله تعالى لنا: صَدَق، أو لأنها تدل على أن الله تعالى أراد تصديقه فيما قاله عنه، دلالة على قرائن الأحوال، وعلى الوجهين فيحصل العلم الضروري بصدقه، بحيث لا يجوز عليه شيء من الخطأ في كل ما يبلغه عن الله تعالى بقوله: «ولكن إذا حدّثتكم عن الله شيئًا، فخذوا به، فإني لن أكذب على الله -﷿-»، وأما أمور الدنيا التي لا تعلق لها بالدِّين، فهو فيها واحد من البشر، كما قال: «إنما أنا بشر»، وكما قال: «أنتم أعلم بأمر دنياكم»؛ أي: وأنا أعلم بدينكم، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): ما قاله صاحب «التكملة»: إن قوله -ﷺ-: «ولكن إذا حدّثتكم عن الله شيئًا. . . إلخ» تمسّك بعض العلمانيين والإباحيين على أن أحكام السنّة النبويّة في المعاملات ليست من الدِّين، ولا يجب اتّباعها -والعياذ بالله- وهذا جهل وإلحاد صريحٌ، فإن ما قاله -ﷺ- في تأبير النخل لم يكن حكمًا منه، ولا قضاءً، ولا فتوى، وإنما كان ظنًّا في الأمور المباحة التي تتعلّق بالتجربة والمشاهدة، بدا له من غير رويّة، فأبداه، ولذلك لم ينه المؤبّرين عن التأبير، ولا أمر أحدًا بأن يمنعهم من ذلك، ولو كان يقصد نهيهم عنه شرعًا لخاطبهم بالنهي، أو أرسل إليهم بما يدلّ على النهي، فلما لم يفعل من ذلك شيئًا تبيّن أنه -ﷺ- اعتبر التأبير أمرًا مباحًا، فائدته مشكوكةٌ في ظنّه، بل قد صرّح الراوي في حديث الباب أن النبيّ -ﷺ- لَمّا عَلِم بانتهائهم عن هذه العمليّة أفصح عن مراده بقوله: «إن كان ينفعهم ذلك، فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنًّا، فلا تؤاخذوني بالظنّ». وكيف تقاس على مثل هذا الظنّ الأحكام الصريحة الجازمة التي صدرت منه -ﷺ- كفتوى، أو قضاء؟ فإنها ليست من ظنونه التي ظنها في الأمور المباحة، وإنما هي أحكام بُعث رسول الله -ﷺ- لتبليغها، وأُمرت الأمة باتباعها، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ الآية [الحشر: ٧]. قال الشيخ وليّ الله الدهلويّ -﵁- في كتابه «حجة الله البالغة»: اعلم أن ما رُوي عن النبيّ -ﷺ-، ودُوّن في كتب الحديث على قسمين: أحدهما: ما سبيله سبيل تبليغ الرسالة، وفيه قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ الآية [الحشر: ٧]، منه علوم المعاد، وعجائب الملكوت، وهذا كلّه مستند إلى الوحي، ومنها شرائع، وضَبْط للعبادات والارتفاقات بوجوه الضبط المذكورة فيما سبق، وهذه بعضها مستندة إلى الوحي، وبعضها مستندة الاجتهاد، واجتهاده -ﷺ- بمنزلة الوحي؛ لأن الله تعالى عصمه من أن يتقرّر رأيه على الخطأ. وثانيهما: ما ليس من باب تبليغ الرسالة، وفيه قوله -ﷺ-: «إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء فخذوا به، وأمرتكم بشيء من رأي، فإنما أنا بشر»، وقوله -ﷺ- في قصّة تأبير النخل: «فإني إنما ظننت ظنًّا، فلا تؤاخذوني بالظنّ، ولكن إذا حدّثتكم عن الله شيئًا، فخذوا به، فإني لن أكذب على الله»، فمنه الطبّ، ومنه باب قوله -ﷺ-: «عليكم بالأدهم الأقرح»، ومستنده التجربة، ومنه ما فعله النبيّ -ﷺ- على سبيل العادة دون العبادة، وبحسب الاتّفاق دون القصد، ومنه ما ذكره كما كان يذكّر قومه؛ كحديث أم زرع، وحديث خرافة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «ومنه ما فعله النبيّ -ﷺ- على سبيل العادة. . . إلخ» فيه نظر لا يخفى، فإن الحقّ أن ما فعله -ﷺ- على سبيل العادة، أو لم يقصده، فكله من سُنَّته التي أمرنا الله تعالى باتّباعها، وقد أشبعت البحث في هذا في «التحفة المرضيّة» ، في الأصول، فلتراجع ما هناك، وبالله تعالى التوفيق.
مصادر المؤلف (١٣)

١. «تاج العروس» ١/ ٧٥٤١.

٢. «المصباح المنير» ٢/ ٥٩٦ - ٥٩٧.

٣. من باب تَعِب؛ أي: تحمل.

٤. «شرح النوويّ» ١٥/ ١١٧.

٥. «المفهم» ٦/ ١٦٧ - ١٦٨.

٦. «تاج العروس» ١/ ١٧٣٤.

٧. »المفهم«٦/ ١٦٨.

٨. »المفهم«٦/ ١٦٨ - ١٦٩.

٩. «المفهم» ٦/ ١٦٩.

١٠. «المفهم» ٦/ ١٦٩.

١١. راجع: «المفهم» ٦/ ١٦٧.

١٢. «حجة الله البالغة» ١/ ١٢٨، و«تكملة فتح الملهم» ٤/ ٥٩٤ - ٥٩٥.

١٣. راجع: «التحفة المرضيّة» ص ٤٦ - ٤٨.