HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٣٧٣

حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ الْهَاشِمِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا يَهُودِيٌّ يَعْرِضُ سِلْعَةً لَهُ أُعْطِيَ بِهَا شَيْئًا، كَرِهَهُ أَوْ لَمْ يَرْضَهُ - شَكَّ عَبْدُ الْعَزِيزِ - قَالَ: لَا. وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى ﵇ عَلَى الْبَشَرِ! قَالَ فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَلَطَمَ وَجْهَهُ. قَال: تَقُولُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى ﵇ عَلَى الْبَشَرِ! وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا؟ قَالَ فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ. فقال: يا أَبَا الْقَاسِمِ! إِنَّ لِي ذِمَّةً وَعَهْدًا. وَقَالَ: فُلَانٌ لَطَمَ وَجْهِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ؟» قَالَ: قَالَ (يَا رَسُولَ اللَّهِ!): وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى ﵇ عَلَى الْبَشَرِ! وَأَنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا. قَالَ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى عُرِفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ. ثُمَّ قَالَ «لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ. فَإِنَّهُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَيَصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى. فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ. أَوْ فِي أَوَّلِ مَنْ بُعِثَ. فَإِذَا مُوسَى ﵇ آخِذٌ بِالْعَرْشِ. فَلَا أَدْرِي أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّورِ. أَوْ بُعِثَ قَبْلِي. وَلَا أَقُولُ: إِنَّ أَحَدًا أَفْضَلُ مِنْ يونس بن متى ﵇».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص100
ج ٤ ص ١٨٤٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٨ ص١٦٢
وقوله: (فالآن من قريب رب أمتني … إلخ) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في معظم النسخ: «أمتني» بالميم، والتاء، والنون، من الموت، وفي بعضها: «أدنني» بالدال، ونونين، وكلاهما صحيح. انتهى . وقوله: (قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ … إلخ) هو إبراهيم بن محمد بن سفيان تلميذ مسلم، وراوية كتابه، وقد تقدّم قبل بابين، وغرضه بيان علوّ إسناده على روايته بإسناد مسلم المذكور، حيث إنه وصل إلى عبد الرزّاق في هذا بواسطة واحدة، وهو محمد بن يحيى، وقد وصل إليه في روايته عن مسلم بواسطتين: مسلم، وشيخه محمد بن رافع. و(مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى) هو: محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذُؤيب الذُّهْليّ النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ جليلٌ [١١] (ت ٢٥٨) على الصحيح، وله ست وثمانون سنةً (خ ٤)، ولم يرو عنه مسلم في «صحيحه»، وإنما روى عنه تلميذه أبو إسحاق؛ لعلوّ سنده، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أَوَّلَ الكتاب قال: [٦١٣٢] (٢٣٧٣) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْفَضْلِ الْهَاشِمِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا يَهُودِيٌّ يَعْرِضُ سِلْعَةً لَهُ، أُعْطِيَ بِهَا شَيْئًا كَرِهَهُ، أَو لَمْ يَرْضَهُ -شَكَّ عَبْدُ الْعَزِيزِ- قَالَ: لَا، وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى -﵇- عَلَى الْبَشَر، قَالَ: فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الأنصَار، فَلَطَمَ وَجْهَهُ، قَالَ: تَقُولُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى -﵇- عَلَى الْبَشَر، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْنَ أَظْهُرِنَا، قَالَ: فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِم، إِنَّ لِي ذِمَّةً وَعَهْدًا، وَقَالَ: فُلَانٌ لَطَمَ وَجْهِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ؟»، قَالَ: قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى -﵇- عَلَى الْبَشَر، وَأَنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى عُرِفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِه، ثُمَّ قَالَ: «لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ الله، فَإِنَّهُ يُنْفَخُ فِي الصُّور، فَيَصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْض، إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ، قَالَ: ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَي، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ، أَو فِي أَوَّلِ مَنْ بُعِثَ، فَإِذَا مُوسَى -﵇- آخِذٌ بِالْعَرْش، فَلَا أَدْرِي، أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّور، أَو بُعِثَ قَبْلِي؟، وَلَا أَقُولُ: إِنَّ أَحَدًا أفضَلُ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى -﵇-»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى) اليماميّ، أبو عمر سكن بغداد، وَوَليَ قضاء خُرَاسان، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٥) وقيل: بعد ذلك (خ م د ت س) تقدم في«الإيمان»٨١/ ٤٣٧. ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ) الماجِشون -بكسر الجيم، بعدها شين معجمة مضمومة- المدنيّ، نزيل بغداد، مولى آل الْهُدَير، ثقةٌ فقيهٌ مصنفٌ [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في«الإيمان»٨١/ ٤٣٧. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْفَضْلِ الْهَاشِمِيُّ) هو: عبد الله بن الفضل بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ع) تقدم في«الإيمان» ٨١/ ٤٣٧. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالمدنيين من عبد العزيز، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة - ﵁ -، والكلام فيه مشهور. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: بَيْنَمَا يَهُودِيٌّ)؛ أي: رجل منسوب إلى قبيلة يهود، قال الفيّوميّ -﵇-: يقال: هم يهود، غير منصرف؛ للعَلَميّة، ووزن الفعل، ويجوز دخول الألف واللام، فيقال: اليهود، وعلى هذا فلا يمتنع التّنوين؛ لأنه نُقِل عن وزن الفعل إلى باب الأسماء، والنِّسبة إليه: يَهُودِيٌّ، وقيل: اليهوديُّ نسبة إلى يهودا بن يعقوب -﵇-، هكذا أورد الصغانيّ يَهُودَا، في باب المهملة. انتهى . [تنبيه]: قال الحافظ -﵀-: ولم أقف على اسم هذا اليهوديّ في هذه القصّة، وزعم ابن بشكوال أنه فِنْحاص -بكسر الفاء، وسكون النون، ومهملتين- وعزاه لابن إسحاق، والذي ذكره ابن إسحاق لفِنحاص مع أبي بكر الصديق - ﵁ - في لطمه إياه قصة أخرى، في نزول قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ الآية [آل عمران: ١٨١]، وأما كون اللاطم في هذه القصة هو الصدّيق فهو مصرَّح به فيما أخرجه سفيان بن عيينة في «جامعه» وابن أبي الدنيا في «كتاب البعث» من طريقه، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، وابن جُدْعان، عن سعيد بن المسيِّب، قال: «كان بين رجل من أصحاب النبيّ - ﷺ - وبين رجل من اليهود كلام في شيء -فقال عمرو بن دينار: هو أبو بكر الصديق- فقال اليهوديّ: والذي اصطفى موسى على البشر، فلطمه المسلم. . .» الحديث. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «وأما كون اللاطم … إلخ» ففيه نظر؛ لأنه في هذه القصّة صرّح بأنه رجل من الأنصار، وأبو بكر - ﵁ - مهاجريّ، وليس أنصاريًّا، فليُتأمل، والله تعالى أعلم. (يَعْرِضُ) بكسر الراء، من باب ضرب؛ أي: يُظهره للناس ليشتروه، وقال في «العمدة»؛ أي: يُبرز متاعه للناس؛ ليرغبوا في شرائه، فأُعطي له به ثمنًا بَخْسًا«. (سِلْعَةً لَهُ) بكسر السين، وإسكان اللام: الْبِضاعة، وجَمْعها: سِلَعٌ، مثلُ سِدْرة وسِدَرٍ، وأما السَّلْعَة بالفتح، فهي الشَّجّة، ولا تناسب هنا، وجَمْعها سَلَعاتٌ، مثلُ سَجْدة وسَجَدَات . (أُعْطِيَ) بالبناء للمفعول، (بِهَا شَيْئًا كَرِهَهُ)؛ أي: ثمنًا استقلّه، وقوله: (أَو لَمْ يَرْضَهُ)»أو«للشك، كما بيّن الشاكّ هنا بقوله: (شَكَّ عَبْدُ الْعَزِيزِ) بن عبد الله الراوي عن عبد الله بن الفضل. (قَالَ) ذلك اليهوديّ (لَا)؛ أي: لست أبيعه بما أعطيتني؛ لكونه قليلًا، ثم حلف على ذلك بقوله: (وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى -﵇- عَلَى الْبَشَرِ)، وفي الرواية التالية:«وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى -﵇- عَلَى الْعَالَمِينَ»؛ أي: على جميعهم، حتى على محمد - ﷺ -، ولذا غضب المسلم؛ لأنه يعتقد أن محمدًا - ﷺ - أفضل من موسى وغيره. (قَالَ) أبو هريرة - ﵁ - (فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) فيه أنه ردّ على من قال: إنه أبو بكر الصديّق، فتنبّه. (فَلَطَمَ وَجْهَهُ) يقال: لَطَمت المرأة وجهها لطْمًا، من باب ضرب: ضَرَبته بباطن كفّها . وقال في«الفتح»: قوله:«فلطم اليهودي»؛ أي: عند سماعه قول اليهوديّ:«والذي اصطفى موسى على العالمين»، وإنما صنع ذلك لِمَا فهمه من عموم لفظ:«العالمين»، فدخل فيه محمد - ﷺ -، وقد تقرر عند المسلم أن محمدًا - ﷺ - أفضل، وقد جاء ذلك مبيَّنًا في حديث أبي سعيد أن الضارب قال لليهوديّ حين قال ذلك: أي خبيثُ على محمد؟ فدلّ على أنه لطم اليهوديّ عقوبةً له على كذبه عنده، ووقع في رواية إبراهيم بن سعد:«فلطم وجه اليهوديّ»، ووقع عند أحمد من هذا الوجه:«فلطم على اليهوديّ»، وفي رواية عبد الله بن الفضل:«فسمعه رجل من الأنصار، فلطم وجهه، وقال: أتقول هذا ورسول الله - ﷺ - بين أظهرنا؟ »، وكذا وقع في حديث أبي سعيد أن الذي ضربه رجل من الأنصار، وهذا يعكّر على قول عمرو بن دينار أنه أبو بكر الصديق، إلَّا إن كان المراد بالأنصار المعنى الأعم، فإن أبا بكر الصديق - ﵁ - من أنصار رسول الله - ﷺ - قطعًا، بل هو رأس مَن نَصَره، ومقدَّمهم، وسابقهم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أنهما واقعتان، واقعة كان الضارب فيها رجلٌ من الأنصار، وواقعة كان الضارب فيها أبا بكر الصدّيق - ﵁ -، وأما قوله: إن أبا بكر من الأنصار، فلا يخفى بُعده، فإن هذا اللفظ عندهم إذا أطلق يُطلق على الأنصار بخلاف المهاجرين، فتأمل بالإنصاف، والله تعالى أعلم. (قَالَ) ذلك المسلم اللاطم لليهوديّ (تَقُولُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى -﵇- عَلَى الْبَشَر، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْنَ أَظْهُرِنَا)؛ أي: بيننا، قال الفيّوميّ -﵀-: يقال: هو نازل بين ظَهْرَانَيْهِمْ -بفتح النون- قال ابن فارس: ولا تُكسَر، وقال جماعة: الألف، والنون زائدتان للتأكيد، وبين ظَهْرَيْهِمْ، وبين أَظْهُرِهِمْ، كلها بمعنى: بينهم، وفائدة إدخاله في الكلام، أن إقامته بينهم على سبيل الاستظهار بهم، والاستناد إليهم، وكأن المعنى أن ظَهْرًا منهم قُدَّامه، وظَهْرًا وراءه، فكأنه مكنوف من جانبيه، هذا أصله، ثم كَثُر، حتى استُعْمِل في الإقامة بين القوم، وإن كان غير مكنوف بينهم. انتهى . وقال في «العمدة»: قوله: «أظهرنا» مُقْحَم، وقد يُوَجَّه عدم إقحامه، وهو أنه جَمْع ظَهْر، ومعناه أنه بينهم على سبيل الاستظهار، كأن ظهرًا منهم قُدّامه، وظهرًا وراءه، فهو مكنوف من جانبيه؛ إذا قيل: «بين ظهرانيهم»، ومن جوانبه، إذا قيل: «بين أظهرهم». انتهى . (قَالَ) أبو هريرة - ﵁ - (فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِم) كنيته - ﷺ -، (إِنَّ لِي ذِمَّةً) بكسر الذال المعجمة؛ أي: عهدًا، فقوله: (وَعَهْدًا) عَطْف تفسير؛ يعني: أن لي مع المسلمين عهدًا أن لا يؤذونني، فَلِمَ أُخْفَر ذمتي، ويُنقض عهدي باللطم؟ وقال الأبيّ -﵀-: قوله: «إن لي ذمّةً وعهدًا» قاله تمهيدًا، وتوطئةً لشكواه. انتهى . (وَقَالَ: فُلَانٌ)؛ يعني: الرجل المسلم (لَطَمَ وَجْهِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) للمسلم اللاطم («لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ؟») قال الأبيّ -﵀-: هذا إن كان سؤالًا عن وقوع اللطم، فهو الأصل؛ أعني: سؤال المدَّعَى عليه أَوّلًا، هل يُقِرّ، أو يُنكِر؟ وإن كان عن سبب اللطم، فهو الأظهر للقرائن الدالّة على أنه لَطَمه، أو لإقرار الصحابيّ بذلك، وإلا فلا يُقبل قول اليهوديّ. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «فلا يُقبل … إلخ» فيه نظر؛ لأنه خلاف ما أفاده ظاهر الحديث، فليُتأمّل بالإمعان، والله تعالى أعلم. (قَالَ) اللاطم: (قَالَ)؛ يعني: اليهوديّ، وقوله: (يَا رَسُولَ اللهِ) جملة معترضة بين القول ومقوله، وهو قوله: (وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى -﵇- عَلَى الْبَشَرِ) وقوله: (وَأَنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا) جملة في محل نصب على الحال، وفي رواية إبراهيم بن سعد: «فدعا النبيّ - ﷺ - المسلم، فسأله عن ذلك، فأخبره»، وفي حديث أبي سعيد: «فقال: ادعوه لي، فجاء، فقال: أضربته؟ قال: سمعته بالسوق يحلف»، فذكر القصة. (قَالَ) أبو هريرة (فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى عُرِفَ) بالبناء للمفعول، (الْغَضَبُ)؛ أي: أَثَره، من الاحمرار ونحوه، (فِي وَجْهِهِ) - ﷺ -، قال الأبيّ -﵀-: الرجل إنما قام بتغيير منكر في اعتقاده، لاسيّما أَنْ فَهِم عن اليهوديّ أنه عرّض بغير موسى، وحينئذ فغضبه - ﷺ - يَحْتَمِل؛ لأنَّ المسألة علميّة، وقد تتوقّف على أمور لا يعلمها إلَّا العلماء، وما كان كذلك فالتغيير فيه مصروف إلى الإمام، فلما افتات عليه غَضِب، ويَحْتَمِل؛ لأنه فضّل النبيّ - ﷺ - تفضيلًا يؤدّي إلى اهتضام موسى -﵇-، ويَحْتَمِل؛ لأنه عَدَلَ عن وجه التغيير؛ لأنَّ التغيير إنما يكون أَوّلًا بالقول. [فإن قلت]: لا يتعيّن في اليهوديّ أن يكون أتى منكرًا؛ لاحتمال أن يكون مستنَده في التفضيل أن عندهم في التوراة ما هو بمعنى ما هو في القرآن من قوله تعالى: ﴿يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ الآية [الأعراف: ١٤٤]. [والجواب]: أنه وإن سُلّم ذلك فهو عامّ، والعمل بالعامّ قبل البحث عن المخصّص منكَر. انتهى كلام الأبيّ -﵀- . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «والعمل بالعامّ … إلخ» هذا خلاف المرجّح في الأصول؛ إذ الصحيح أنه يُعمل بالعام قبل البحث عن المخصّص، وإليه أشرت في «التحفة المرضيّة»، حيث قلت: وَالْحَقُّ أَن الْعَامَ مَحْمُولٌ عَلَى … عُمُومِهِ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ حَصَلَا وَإِنْ أَتَى مُخَصِّصٌ صَحَّ عُمِلْ … بهِ وَإِنْ فِي رُتْبَةٍ كَانَ سَفِلْ فراجعها مع شرحها «المِنحة الرضيّة» تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (ثُمَّ قَالَ) - ﷺ - («لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللهِ) ، وفي الرواية التالية:»لا تخيّروني على موسى«، وفي حديث أبي سعيد:»لا تخيّروا بين الأنبياء«. قال النوويّ -﵀-: هذا الحديث مُتَأَوَّلٌ؛ لأنَّ نبيَّنا - ﷺ - أفضل المخلوقين فيَحْتَمِل أن هذا الكلام قبل أن يَعلم أنه أفضلُ، فلما علمِ قال:«أنا سيد ولد آدم»، ويَحْتَمِل أن يكون قاله تواضعًا، ويَحْتَمِل أن يكون نهَى عن تخييرٍ يؤدي إلى الخصومة والفتنة، ويَحْتَمل أن النهي عن تخيير يؤدي إلى الإزراء ببعضهم، ويَحْتَمِل: لا تخيّروني في نفس النبوة، فإنها لا تتفاوت، وإنما الفضائل بأمور أخرى معها. انتهى . وقال الطيبيّ -﵀- نقلًا عن التوربشتيّ -﵀-: قوله:«لا تخيّروني على موسى»؛ أي: لا تفضّلوني عليه، وهذا قولٌ قاله على سبيل التواضع أوّلًا، ثم لِرَدْع أمته عن التخيير بين أنبياء الله من تلقاء أنفسهم ثانيًا، فإن ذلك يفضي بهم إلى العصبيّة، فينتهز الشيطان عند ذلك فُرصة، فيدعوهم إلى الإفراط والتفريط، فيُطرون الفاضل فوق حقّه، ويَبخسون المفضول حقّه، فيقعون في مَهواة الغيّ، ولهذا قال:«لا تخيّروا بين الأنبياء»؛ أي: لا تُقدِموا على ذلك بأهوائكم وآرائكم، بل بما آتاكم من الله من البيان، وعلى هذا النحو قول النبيّ - ﷺ -:«ولا أقول إن أحدًا خير من يونس بن متّى»؛ أي: لا أقول من تلقاء نفسي، ولا أفضّل أحدًا عليه من حيث النبوّة والرسالة، فإن شأنهما لا يختلف باختلاف الأشخاص، بل أقول: كلُّ من أُكرم بالنبوّة، فإنهم سواء فيما جاءوا به عن الله تعالى، وإن اختلفت مراتبهم، وكذلك من أُكرم بالرسالة، وإليه قال الجامع عفا الله عنه: قوله:«بالصاد المهملة»يحتاج إلى ثبوت الرواية به، فإن الروايات في الكتب عندنا بالضاد المعجمة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقعت الإشارة بقوله -﷾-: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وإنما خَصّ يونس -﵇- بالذِّكر من بين الرسل؛ لِمَا قصّ الله عليه في كتابه من أمْر يونس، وتولّيه عن قومه، وضجره عند تثبّطهم في الإجابة، وقلّة الاحتمال، والاحتفال بهم حين أرادوا التنصّل، فقال -﷿-: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨]، وقال: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢]، فلم يأمَن - ﷺ - أن يُخامر بواطن الضعفاء من أمته ما يعود إلى نقيصة في حقّه، فنبّههم أن ذلك ليس بقادح فيما آتاه الله من فضله، وأنه مع ما كان من شأنه كسائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين. انتهى ما ذكره الطيبيّ -﵀-، وهو بحث نفيسٌ . وقال في «العمدة»: معناه: لا تفضلوا بعضًا بحيث يلزم منه نقص المفضول، أو يؤدي إلى الخصومة والنزاع، أو لا تفضلوا بجميع أنواع الفضائل، وإن كان رسول الله - ﷺ - أفضل منهم مطلقًا؛ إذ الإمام أفضل من المؤذِّن مطلقًا، وإن كانت فضيلة التأذين غير موجودة فيه، أو لا تفضلوا من تلقاء أنفسكم وأهوائكم. [فإن قلت]: نَهَى - ﷺ - عن التفضيل، وقد فَضّل هو بنفسه موسى -﵇-. [قلت]: لَمْ يُفَضِّل؛ إذ معناه: وأنا لا أدري أن هذا البعث فضيلة له، أم لا؟ أو جاز له ما لَمْ يجز لغيره. [فإن قلت]: السياق يقتضي تفضيل موسى على النبيّ - ﷺ -. [قلت]: لئن سلّمنا لا يقتضي إلَّا تفضيله بهذا الوجه، وهذا لا ينافي كونه أفضل مطلقًا من موسى -﵇-. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «لا تفضلوا بين الأنبياء»؛ أي: لا تقولوا فلان أفضل من فلان، وفي الرواية الأخرى: «لا تخيّروا بين الأنبياء»؛ أي: لا تقولوا: فلان خير من فلان، يقال: خيَّر فلان بين فلان وفلان، وفضَّل -مشدَّدًا-: إذا قال ذلك. واختَلَف العلماء في تأويل هذا الحديث على أقوال، فمنهم من قال: إن هذا كان قبل أن يوحى إليه بالتفضيل، ويتضمَّن هذا الكلام أن الحديث معارض لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، ولِمَا في معنى ذلك من الأحاديث، وأن القرآن ناسخ للمنع من التفضيل، وهذا لا يصح حتى تتحقق المعارضة حيث لا يمكن الجمع بوجه، وحتى يُعرف التاريخ، وكل ذلك غير صحيح على ما يأتي، فليس هذا القول بصحيح. ومنهم من قال: إنما قال ذلك النبيّ - ﷺ - على جهة التواضع، والأدب مع الأنبياء، وهذا فيه بُعدٌ؛ لأنَّ السبب الذي خرج عليه هذا النهي يقتضي خلاف ذلك، فإنَّه إنما قال ذلك ردعًا وزجرًا للذي فضَّل، ألا ترى أنه قد غَضِب عليه حتى احمّر وجهه، ونهى عن ذلك، فدلَّ على أنَّ التفضيل يحرم، ولو كان من باب الأدب والتواضع لَمَا صدر منه ذلك. ومنهم من قال: إنما نهى عن الخوض في ذلك؛ لأنَّ ذلك ذريعة إلى الجدال في ذلك، فيؤدي إلى أن يُذكر منهم ما لا ينبغي أن يُذكر، ويقلّ احترامهم عند المماراة، وهذا كما نهي عنه من الجدال في القرآن والمماراة. ومنهم من قال: مقتضى هذا النهي: إنما هو المنع من تفضيل معيَّن من الأنبياء على معيَّن، أو على ما يقصد به معيَّن، وإن كان اللفظ عامًا؛ لأنَّ ذلك قد يُفهم منه نقص في المفضول كما بيَّنَّاه، فيما تقدَّم. قال القرطبيّ: ويدلّ على ذلك أنه قد جاء في بعض روايات هذا الحديث في مسلم: «لا تفضلوني على موسى -﵇-، وبدليل قوله:»ولا أقول: إن أحدًا أفضل من يونس بن متّى«. [فإنْ قيل]: فالحديث يدلّ على خلاف هذا، فإنَّ اليهوديّ فضّل موسى على البشر، والمسلم قال: والذي اصطفى محمدًا على البشر، وعند ذلك قال النبيّ - ﷺ -:«لا تفضلوا بين الأنبياء»، و«لا تخيروا بين الأنبياء»؛ فاقتضى ذلك المنع من التفضيل مطلقًا معيّنًا، وغير معيّن. [فالجواب]: أن مراد اليهوديّ كان إذ ذاك أن يصرّح بأن موسى أفضل من محمد - ﷺ -، لكنَّه لَمْ يَقْدِر على ذلك خوفًا على نفسه، إلا ترى أن المسلم فهم ذلك عنه، فأجابه بما يقتضي أن محمدًا - ﷺ - أفضل من موسى -﵇-، غير أنه قابل لفظ اليهوديّ بمثله، وقد بيَّن ذلك غاية البيان قوله - ﷺ -:«لا تفضلوني على موسى»، فنهاهم عن ذلك، ثم إنا قد وجدنا نبيَّنا - ﷺ - قال:«أنا أكرم ولد آدم على ربي»، و«أنا سيد ولد آدم»، ولم يذهب أحدٌ من العلماء إلى أن هذا منسوخ، ولا مرجوح. قال القرطبيّ: وهذا الوجه، وإن كان حسنًا، فأَولى منه أن يُحْمَل الحديث على ظاهره من منع إطلاق لفظ التفضيل بين الأنبياء، فلا يجوز في المعيَّن منهم، ولا في غيره، فلا يقال: فلان النبي أفضل من الأنبياء كلهم، ولا من فلان، ولا خير، كما هو ظاهر هذا النهي، لِمَا ذُكر من توهّم النقص في المفضول، وإن كان غير معيَّن؛ ولأن النبوة خصلة واحدة لا تفاضل فيها؛ وإنَّما تفاضلوا بأمور غيرها كما بيَّناه قبل هذا الباب. ثم إن هذا النهي يقتضي منع إطلاق ذلك اللفظ، لا منع اعتقاد ذلك المعنى، فإنَّ الله تعالى قد أخبرنا بأن الرسل متفاضلون، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وكما قد علمنا أن نبيّنا قد خُصَّ بخصائص من الكرامات والفضائل بما لَمْ يُخصّ به أحدٌ منهم، ومع ذلك فلا نقول: نبيّنا خير من الأنبياء، ولا من فلان النبيّ - ﷺ - لِمَا نهى عنه، وتأدبًا بأدبه، وعملًا باعتقاد ما تضمّنه القرآن من التفضيل، ورفعًا لِمَا يُتوهّم من المعارضة بين السُّنَّة والتنزيل. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- . قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأرجح قول من قال: إن النهي إنما هو عن التفضيل الذي يلزم منه نقص المفضول، أو يؤدي إلى الخصومة والنزاع، وهذا هو الأظهر، والله تعالى أعلم. (فَإِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو الذي تفسّره جملة بعده، كما قال ابن مالك -﵀- في «الكافية الشافية»: وَمُضْمَرُ الشَّأْنِ ضَمِيرٌ فُسِّرَا … بِجُمْلَةٍ كَـ«إِنَّهُ زَيْدٌ قَرَى» (يُنْفَخُ) بالبناء للمفعول، (فِي الصُّورِ) قيل: إنه جمع صورة، والصحيح ما قد صحّ عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «الصُّور قرن يُنفخ فيه»، وسيأتي له مزيد بيان، واختُلِف في عدد النفخات، فقيل: ثلاثة: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة البعث، وقيل: هما نفختان: نفخة الفزع هي نفخة الصعق؛ لأنَّ الأمرين لا زمان لها، والله تعالى أعلم، قاله القرطبيّ -﵀- . (فَيَصْعَقُ) بفتح أوله وثالثه، يقال: صَعِق صَعَقًا، من باب تَعِبَ: إذا مات، وصَعِقَ أيضًا: إذا غُشِيَ عليه لصوت سَمِعه، ذكره الفيّوميّ ، وقال في «الفتح»: والمراد بالصعق: غَشْيٌ يَلحَق من سمع صوتًا، أو رأى شيئًا يُفْزَع منه. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: أصل الصعق، والصعقة: الصوت الشديد المنكر، كصوت الرعد، وصوت الحمار، وقد يكون معه موت؛ لشدَّته، وهو المراد بقوله: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [الزمر: ٦٨]، وقد تكون معه غشية، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فإنْ كان معه نار فهو: الصاعقة، والعرب كلها تقدم العين على القاف، إلَّا بني تميم؛ فإنَّهم يقدمون القاف على العين، فيقولون: الصاقعة، حكاها القاضي عياض. انتهى . (مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ، إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ) قد اختُلِف في المستثني، من هو؟ فقيل: الملائكة، وقيل: الأنبياء، وقيل: الشهداء، قال القرطبيّ -﵀-: والصحيح أنه لَمْ يَرِد في تعيينهم خبر صحيح، والكل محتمل، والله تعالى أعلم. انتهى . (قَالَ) - ﷺ - (ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أخْرَى)؛ أي: نفخة أخرى، (فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ) بالبناء للمفعول؛ أي: أُحيي من صَعْقته، وفي الرواية التالية: «فأكون أول من يُفيق»، قال في «الفتح»: لَمْ تختلف الروايات في «الصحيحين» في إطلاق الأولية، ووقع في رواية إبراهيم بن سعد عند أحمد، والنسائيّ: «فأكون في أول من يفيق»، أخرجه أحمد، عن أبي كامل، والنسائي من طريق يونس بن محمد، كلاهما عن إبراهيم، فعُرف أن إطلاق الأولية في غيرها محمول عليها، وسببه التردد في موسى -﵇-، كما سيأتي، وعلى هذا يُحْمَل سائر ما ورد في هذا الباب، كحديث أنس عند مسلم، رفعه: «أنا أول من تنشق عنه الأرض»، وحديث عبد الله بن سلام عند الطبرانيّ. انتهى . وقوله: (أَوْ فِي أَوَّلِ مَنْ بُعِثَ) قال القرطبيّ: هذا شكّ من الراوي تزيله الرواية الأخرى التي قال فيها: «فأكون أول من يُفيق»، وكذلك الحديث المتقدم الذي قال فيه: «أنا أول من ينشق عنه القبر، ويُبعث»؛ يعني به: يُحيا بعد موته، وهو الذي عبَّر عنه في الرواية الأخرى بـ«أفيق»، وإن كان المعروف أن الإفاقة إنما هي من الغشية، والبعث من الموت؛ لكنهما لِتقارُب معناهما أطلق أحدهما مكان الآخر، ويَحْتَمِل أن يراد بالبعث الإفاقة على ما يأتي بعد هذا -إن شاء الله تعالى-. انتهى . وقال في «الفتح»: هذه الرواية ظاهرة في أن الإفاقة بعد النفخة الثانية، وأصرح من ذلك رواية الشعبيّ، عن أبي هريرة - ﵁ - في «تفسير الزمر» بلفظ: «إني أول من يرفع رأسه بعد النفخة الأخيرة»، وأما ما وقع في حديث أبي سعيد: «فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من تنشق عنه الأرض»، كذا وقع بهذا اللفظ في «كتاب الإشخاص» من البخاريّ، ووقع في غيرها: «فأكون أول من يُفيق». وقد استُشْكِل، وجزم المزيّ فيما نقله عنه ابن القيم في «كتاب الروح» أن هذا اللفظ وَهَمٌ من راويه، وأن الصواب ما وقع في رواية غيره: «فأكون أول من يفيق»، وأن كونه - ﷺ - أول من تنشق عنه الأرض صحيح، لكنه في حديث آخر، ليس فيه قصة موسى -﵇-. انتهى. قال الحافظ: ويمكن الجمع بأن النفخة الأولى يعقبها الصعق من جميع الخلق، أحيائهم وأمواتهم، وهو: الفزع، كما وقع في «سورة النمل»: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [النمل: ٨٧]، ثم يعقب ذلك الفزع للموتى زيادة فيما هم فيه، وللأحياء موتًا، ثم ينفخ الثانية للبعث، فيفيقون أجمعين، فمن كان مقبورًا انشقت عنه الأرض، فخرج من قبره، ومن ليس بمقبور لا يحتاج إلى ذلك، وقد ثبت أن موسى -﵇- ممن قُبر في الحياة الدنيا، ففي «صحيح مسلم» أنس - ﵁ -: «أن النبيّ - ﷺ - قال: مَرَرتُ على موسى ليلة أُسري بي عند الكثيب الأحمر، وهو قائم يصلي في قبره»، أخرجه عقب حديث أبي هريرة، وأبي سعيد المذكورين، ولعله أشار بذلك إلى ما قررته. انتهى كلام الحافظ -﵀- . [تنبيه]: قد استُشكِل كون جميع الخلق يَصعقون، مع أن الموتى لا إحساس لهم، فقيل: المراد أن الذين يصعقون هم الأحياء، وأما الموتى فهم في الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨]؛ أي: إلَّا من سبق له الموت قبل ذلك، فإنه لا يُصعق، وإلى هذا جنح القرطبيّ، ولا يعارضه ما ورد في هذا الحديث أن موسى -﵇- ممن استثنى الله؛ لأنَّ الأنبياء أحياء عند الله، وإن كانوا في صورة الأموات بالنسبة إلى أهل الدنيا، وقد ثبت ذلك للشهداء، ولا شك أن الأنبياء أرفع رتبة من الشهداء، وورد التصريح بأن الشهداء ممن استثنى الله، أخرجه إسحاق بن راهويه، وأبو يعلى، من طريق زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -. وقال عياض: يَحْتَمِل أن يكون المراد صعقة فزع بعد البعث، حين تنشق السماء والأرض، وتعقّبه القرطبيّ بأنه صرّح - ﷺ - بأنه حين يخرج من قبره يَلْقَى موسى، وهو متعلق بالعرش، وهذا إنما هو عند نفخة البعث. انتهى، ويردّه قوله صريحًا كما تقدم: «إن الناس يصعقون، فأصعق معهم. . .» إلى آخر ما تقدم قال: ويؤيده أنه عَبَّر بقوله: «أفاق»؛ لأنه إنما يقال: أفاق من الغشي، وبُعث من الموت، وكذا عبّر عن صعقة الطور بالإفاقة؛ لأنَّها لَمْ تكن موتًا بلا شكّ، وإذا تقرر ذلك كله ظهر صحة الحمل على أنَّها غشية تحصل للناس في الموقف، هذا حاصل كلامه، وتعقُّبه. انتهى . (فَإِذَا مُوسَى -﵇- آخِذٌ بِالْعَرْشِ)، وفي الرواية التالية: «فإذا موسى باطش بجانب العرش»؛ أي: آخذ بشيء من العرش بقوّة، والبطش: الأخذ بقوّة، وفي حديث أبي سعيد: «آخذ بقائمة من قوائم العرش»، وكذا في رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -. قال القرطبيّ -﵀-: قوله: «فإذا موسى آخذ بالعرش» هذا من موسى تعلُّق فَزَع لهول المطلع، وكأنه متحرِّم بذلك المحلّ الشريف، ومتمسِّك بالفضل المنيف . (فَلَا أَدْرِي، أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّور، أَو بُعِثَ قَبْلِي؟)، وفي الرواية التالية: «فلا أدري، أكان ممن صَعِقَ فأفاق قبلي، أو كان ممن استثنى الله»؛ أي: فلم يكن ممن صَعِق؛ أي: فإن كان أفاق قبلي فهي فضيلة ظاهرة، وإن كان ممن استثنى الله، فلم يُصعق فهي فضيلة أيضًا. ووقع في حديث أبي سعيد: «فلا أدري كان فيمن صُعق»؛ أي: فأفاق قبلي، أم حوسب بصعقته الأولى؛ أي: التي صَعِقها لمّا سأل الرؤية، وبيّن ذلك ابن الفضل في روايته، بلفظ: «أحوسب بصعقته يوم الطور». قال النوويّ: الصعق، والصعقة: الهلاك، والموت، ويقال منه: صَعِق الإنسانُ، وصُعِق، بفتح الصاد، وضمّها، وأنكر بعضهم الضم، وصَعَقتهم الصاعقة، بفتح الصاد والعين، وأصعقتهم، وبنو تميم يقولون: الصاقعة بتقديم القاف. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «فلا أدري أحوسب بصعقة الطور، أو بعث قبلي؟» هذا مشكل بالمعلوم من الأحاديث الدَّالة على أنَّ موسى - ﷺ -، قد توفي وأن النبيّ - ﷺ - قد رآه في قبره، وبأن المعلوم المتواتر أنه تُوُفّي بعد أن ظهر دينه، وكثرت أمَّته، ودُفن بالأرض، ووجه الإشكال أن نفخة الصَّعق إنما يموت بها من كان حيًّا في هذه الدار، فأمَّا من مات فيستحيل أن يموت مرّة أخرى؛ لأنَّ الحاصل لا يستحصل، ولا يُبتغَى؛ وإنما ينفخ في الموتى نفخة البعث، وموسى قد مات، فلا يصحُّ أن يموت مرَّة أخرى، ولا يصحُّ أن يكون مستثنى ممن صُعق؛ لأنَّ المُسْتَثْنِين أحياء لَمْ يموتوا، ولا يموتون، فلا يصحُّ استثناؤهم من الموتى، وقد رام بعضهم الانفصال عن هذا الإشكال، فقال: يَحْتَمِل أن يكون موسى ممن لَمْ يمت من الأنبياء، وهذا قول باطل قطعًا بما ذكرناه، قال القاضي عياض: يَحْتَمِل أن المراد بهذه الصعقة: صعقة فزع بعد النشر حين تنشق السماوات والأرضون، قال: فتستقل الأحاديث والآيات. قال القرطبيّ: وهذه غفلة عن مساق الحديث؛ فإنَّه يدلّ على بطلان ما ذكر دلالة واضحة، فإنَّ النبيّ - ﷺ - قال: إنه حين يخرج من القبر، فيلقى موسى، وهو متعلق بالعرش، وهذا كان عند نفخة البعث، ثم إن النبيّ - ﷺ - عندما يرى موسى يقع له تردد في موسى على ظاهر هذا الحديث، هل مات عند نفخة الصعق المتقدِّمة على نفخة البعث؟ فيكون قد بُعث قبله، أو لَمْ يمت عند نفخة الصعق لأجل الصعقة التي صعقها على الطور، جُعلت له تلك عوضًا من هذه الصعقة؟ وعلى هذا فكان حيًّا حالة نفخة الصعق، ولم يُصعق، ولم يمت، وحينئذ يبقى الإشكال؛ إذ لَمْ يحصل عنه انفصال. قال القرطبيّ: والذي يُزيحه -إن شاء الله تعالى- أن يقال: إن الموت ليس بعدم؛ وإنَّما هو انتقال من حالٍ إلى حال، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدَّم، ويدل على ذلك أن الشهداء بعد قَتْلهم، وموتهم أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين مستبشرين، فهذه صفات الأحياء في الدُّنيا، وإذا كان هذا في الشهداء كان الأنبياء بذلك أحقّ وأَولي، مع أنه قد صحَّ عن النبيّ - ﷺ -: «أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء»، وأن النبيّ - ﷺ - قد اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس، وفي السماء، وخصوصًا بموسى - ﷺ -، وقد أخبرنا النبيّ - ﷺ - بما يقتضي أن الله تعالى يَرُدّ عليه روحه حتى يردّ السلام على كل من يسلِّم عليه، إلى غير ذلك مما ورد في هذا المعنى، وهو كثير بحيث يحصل من جملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أنهم غُيِّبوا عنا، بحيث لا ندركهم، وإن كانوا موجودين أحياء، وذلك كالحال في الملائكة، فإنَّهم موجودون أحياء، ولا يراهم أحدٌ من نوعنا إلَّا من خصَّه الله بكرامة من أوليائه، وإذا تقرر أنهم أحياء، فهم فيما بين السماء والأرض، فإذا نُفخ في الصور نفخة الصعق صُعق كل من في السماوات والأرض، إلَّا من شاء الله، فأمَّا صَعْق غير الأنبياء فموت، وأما صعق الأنبياء، فالأظهر أنه غشية، فإذا نفخ في الصور نفخة البعث فمن مات حيي، ومن غُشي عليه أفاق، ولذلك قال - ﷺ -: «فأكون أول من يفيق»، وهي رواية صحيحة، وحسنة، فهذا الذي ظهر لي، والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. وقد تحصَّل من هذا الحديث أن نبيَّنا محمدًا - ﷺ - مُحَقَّقٌ أنه أول من يُفيق، وأول من يخرج من قبره قبل الناس كلهم؛ الأنبياءِ وغيرهم، إلَّا موسى - ﷺ -، فإنَّه حصل له فيه تردد، هل بُعث قبله، أو بقي على الحالة التي كان عليها قبل نفخة الصعق؟ وعلى أي الحالين كان، فهي فضيلة عظيمة لموسى - ﷺ - ليست لغيره. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وقال في «الفتح»: والجمع بينه وبين قوله: «أو كان ممن استثنى الله» أن في رواية ابن الفضل، وحديث أبي سعيد بيانَ السبب في استثنائه، وهو أنه حوسب بصعقته يوم الطور، فلم يُكَلَّف بصعقة أخرى، والمراد بقوله: «ممن استثنى الله» قوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾. وأغرب الداودي الشارح، فقال: معنى قوله: «استثنى الله»؛ أي: جعله ثانيًا، كذا قال، وهو غلط شنيع. وقد وقع في مرسل الحسن في «كتاب البعث» لابن أبي الدنيا في هذا الحديث: «فلا أدري، أكان ممن استثنى الله أن لا تصيبه النفخة، أو بُعِث قبلي؟». وزعم ابن القيم في «كتاب الروح» أن هذه الرواية، وهو قوله: «أكان ممن استثنى الله» وهَمٌ من بعض الرواة، والمحفوظ: «أو جوزي بصعقة الطور»، قال: لأنَّ الذين استثنى الله قد ماتوا من صعقة النفخة، لا من الصعقة الأخرى، فظنّ بعض الرواة أن هذه صعقة النفخة، وأن موسى داخل فيمن استثنى الله، قال: وهذا لا يلتئم على سياق الحديث، فإن الإفاقة حينئذ هي: إفاقة البعث، فلا يحسن التردد فيها، وأما الصعقة العامة، فإنها تقع إذا جمعهم الله تعالى لفصل القضاء، فيصعق الخلق حينئذ جميعًا، إلَّا من شاء الله، ووقع التردد في موسى -﵇-. قال: ويدل على ذلك قوله: «فأكون أول من يفيق»، وهذا دالّ على أنه ممن صَعِق، وتردد في موسى، هل صعق، فأفاق قبله، أم لَمْ يصعق؟ قال: ولو كان المراد الصعقة الأولى للزم أن يكون النبيّ - ﷺ - جزم بأنه مات، وتردد في موسى، هل مات أم لا؟ والواقع أن موسى قد كان مات، لِمَا تقدم من الأدلة، فدل على أنَّها صعقة فَزَع، لا صعقة موت، والله أعلم. ووقع في رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عند ابن مردويه: «أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، فأنفض التراب عن رأسي، فآتي قائمة العرش، فأجد موسى قائمًا عندها، فلا أدري أَنَفَض التراب عن رأسه قبلي، أو كان ممن استثنى الله؟». ويَحْتَمِل قوله في هذه الرواية: «أنفض التراب قبلي» تجويز المعية في الخروج من القبر، أو هي كناية عن الخروج من القبر، وعلى كل تقدير، ففيه فضيلة لموسى -﵇-، كما تقدم. انتهى . [تكميل]: زعم ابن حزم أن النفخات يوم القيامة أربع: الأولى: نفخة إماتة، يموت فيها من بقي حيًّا في الأرض. والثانية: نفخة إحياء، يقوم بها كل ميت، وينشرون من القبور، ويجمعون للحساب. والثالثة: نفخة فزع، وصَعْق، يفيقون منها؛ كالمغشي عليه، لا يموت منها أحد. والرابعة: نفخة إفاقة من ذلك الغشي. قال الحافظ: وهذا الذي ذكره من كون الثنتين أربعًا ليس بواضح، بل هما نفختان فقط، ووقع التغاير في كل واحدة منهما باعتبار من يستمعها، فالأُولى يموت بها كل من كان حيًّا، ويغشى على من لَمْ يمت، ممن استثنى الله، والثانية يعيش بها من مات، ويفيق بها من غُشي عليه، والله تعالى أعلم . (وَلَا أَقُولُ: إِنَّ أَحَدًا أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى -﵇-»)، وفي حديث ابن مسعود - ﵁ -:«لا يقولنّ أحدكم: إني خير من يونس بن متّى»، وفي حديث ابن عباس -﵄-:«لا ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس بن متّي، ونسبه إلى أبيه»، ووقع في حديث عبد الله بن جعفر عند الطبرانيّ بلفظ:«لا ينبغي لنبيّ أن يقول. . .»إلخ، قال في«الفتح»: وهذا يؤيد أن قوله في الطريق الأُولى:«إني»المراد به النبيّ - ﷺ -، وفي رواية للطبراني في حديث ابن عباس:«ما ينبغي لأحد أن يقول: أنا عند الله خير من يونس»، وفي رواية للطحاويّ:«سبَّح الله في الظلمات»، فأشار إلى جهة الخيرية المذكورة. قال ابن مالك -﵀-: استَعمل في هذا الحديث«أحدًا» في الإثبات لمعنى العموم؛ لأنه في سياق النفي، كأنه قيل: لا أحد أفضل من يونس، والشيء قد يُعطى حكم ما هو في معناه، وإن اختَلَف في اللفظ، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ﴾ الآية [الأحقاف: ٣٣]، فأجرى في دخول الباء على الخبر مجرى ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ﴾ الآية [يس: ٨١]؛ لأنه بمعناه. قال: ومن إيقاع «أحد» في الإيجاب المؤوّل بالنفي قول الفرزدق: وَلَوْ سُئِلَتْ عَنِّي نَوَارِ وَأَهْلُهَا … إِذَا أَحَدٌ لَمْ تَنْطِقِ الشَّفَتَانِ فإن «أحد» وإن وقع مثبتًا، لكنه في الحقيقة منفيّ؛ لأنه مؤخّر معنى، كأنه قال: إذا لَمْ ينطق أحد. انتهى . [تنبيه]: يونس بن مَتّى -بفتح الميم، وتشديد المثناة، مقصورًا- ومتّى اسم أبيه، ووقع في تفسير عبد الرزاق أنه اسم أمه، وهو مردود بما في حديث ابن عباس -﵄-: «ونسبه إلى أبيه»، فهذا أصح، قال الحافظ -﵀-: ولم أقف في شيء من الأخبار على اتصال نَسَبه، وقد قيل: إنه كان في زمن ملوك الطوائف من الفرس. انتهى . قال العلماء: إنما قال ذلك تواضعًا، إن كان قاله بعد أن أُعلم أنه أفضل الخلق، وإن كان قاله قبل عِلمه بذلك، فلا إشكال، وقيل: خَصّ يونس بالذِّكر؛ لِمَا يُخْشَى على من سمع قصته أن يقع في نفسه تنقيص له، فبالغ في ذِكر فَضْله، لسدّ هذه الذريعة. انتهى. وقال النوويّ -﵀-: قوله - ﷺ -: «ولا أقول: إن أحدًا أفضل من يونس بن متّى»، وفي رواية: «إن الله تعالى قال: لا ينبغي لعبد لي يقول: أنا خير من يونس بن متّى»، وفي رواية: «عن النبيّ - ﷺ - قال: ما ينبغي لعبد يقول: أنا خير من يونس بن متّى»، قال العلماء: هذه الأحاديث تَحْتَمِل وجهين: أحدهما: أنه - ﷺ - قال هذا قبل أن يعلم أنه أفضل من يونس، فلمّا عَلِم ذلك قال: «أنا سيد ولد آدم»، ولم يقل هنا: إن يونس أفضل منه، أو من غيره من الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم-. والثاني: أنه - ﷺ - قال هذا زجرًا عن أن يتخيل أحد من الجاهلين شيئًا من حطِّ مرتبة يونس - ﷺ - من أجل ما في القرآن العزيز من قصته، قال العلماء: وما جرى ليونس - ﷺ - لَمْ يَحُطّه من النبوة مثقال ذرّة، وخَصَّ يونس بالذِّكر؛ لِمَا ذكرناه، مِن ذِكره في القرآن بما ذُكِر. وأما قوله - ﷺ -: «ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس»، فالضمير في «أنا» قيل: يعود إلى النبيّ - ﷺ -، وقيل: يعود إلى القائل؛ أي: لا يقول ذلك بعض الجاهلين، من المجتهدين في عبادة، أو عِلم، أو غير ذلك من الفضائل، فإنه لو بلغ من الفضائل ما بلغ لَمْ يبلغ درجة النبوة، ويؤيد هذا التأويل الرواية التي قبله، وهي قوله تعالى: «لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متّى»، والله أعلم. انتهى . [تنبيه]: روى قصةَ يونس -﵇- هذه السّدّيُّ -﵀- في «تفسيره» بأسانيده عن ابن مسعود وغيره: أن الله بعث يونس إلى أهل نِينَوَي، وهي: من أرض الموصل، فكذّبوه، فوعدهم بنزول العذاب في وقت معيَّن، وخرج عنهم مغاضبًا لهم، فلمّا رأوا آثار ذلك خَضَعوا، وتضرعوا، وآمنوا، فرحمهم الله، فكشف عنهم العذاب، وذهب يونس، فركب سفينةً، فلججت به، فاقترعوا فيمن يطرحونه منهم، فوقعت القرعة عليه ثلاثًا، فالتقمه الحوت. ورَوَى ابن أبي حاتم من طريق عمرو بن ميمون، عن ابن مسعود، بإسناد صحيح إليه، نحو ذلك، وفيه: «وأصبح يونس، فأشرف على القرية، فلم ير العذاب وقع عليهم، وكان في شريعتهم مَن كَذَب قُتل، فانطلق مغاضبًا حتى ركب سفينة -وقال فيه-: فقال لهم يونس: إن معهم عبدًا آبقًا من ربه، وإنها لا تسير حتى تلقوه، فقالوا: لا نُلقيك يا نبي الله أبدًا، قال: فاقترعوا، فخرج عليه ثلاث مرات، فألقوه، فالتقمه الحوت، فبلغ به قرار الأرض، فسمع تسبيح الحصي، ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ﴾ الآية [الأنبياء: ٨٧] ». ورَوَى البزار، وابن جرير، من طريق عبد الله بن نافع، عن أبي هريرة، رفعه:«لمّا أراد الله حَبْس يونس في بطن الحوت، أمر الله الحوت أن لا يكسر له عظمًا، ولا يَخْدِش له لحمًا، فلما انتهى به إلى قعر البحر سبَّح الله، فقالت الملائكة: يا ربنا إنا نسمع صوتًا ضعيفًا بأرض غريبة، قال: ذاك عبدي يونس، فشفعوا له، فأمر الحوت، فقذفه في الساحل -قال ابن مسعود-: كهيئة الفرخ، ليس عليه ريش». وروى ابن أبي حاتم من طريق السديّ، عن أبي مالك، قال:«لبث في بطن الحوت أربعين يومًا»، ومن طريق جعفر الصادق، قال:«سبعة أيام»، ومن طريق قتادة، قال:«ثلاثًا»، ومن طريق الشعبيّ، قال:«التقمه ضُحًى، ولَفَظَه عشية». انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢/ ٦١٣٢ و٦١٣٣ و٦١٣٤ و٦١٣٥] (٢٣٧٣)، و(البخاريّ) في«الخصومات»(٢٤١١) و«الأنبياء»(٣٤٠٨ و٣٤١٤) و«التفسير»(٤٨١٣) و«الرقاق»(٦٥١٧ و٦٥١٨)، و(أبو داود) في«السُّنَّة»(٤٦٧١)، و(الترمذيّ) في«التفسير»(٣٢٤٥)، و(النسائيّ) في«الكبرى»(٤/ ٤١٨ و٦/ ٤٤٨)، و(ابن ماجه) في«الزهد»(٤٢٧٤)، و(الطيالسيّ) في«مسنده»(٢٣٦٦)، و(أحمد) في«مسنده»(٢/ ٢٦٤ و٤٥٠ - ٤٥١)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٦٢٣٨ و٧٣١١)، و(الطبرانيّ) في«مسند الشاميين»(٤/ ١٧١)، و(الطحاويّ) في«شرح معاني الآثار»(٤/ ٣١٥)، و(البيهقيّ) في«الأسماء والصفات»(ص ١٤٩ - ١٥٠)، و(البغويّ) في«شرح السُّنَّة» (٤٦٧١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن تفضيل بعض الأنبياء على بعض، قال العلماء: نهيه - ﷺ - عن التفضيل بين الأنبياء إنما هو إذا كان ممن يقوله بالرأي والهوي، لا من يقوله بدليل، أو من يقوله بحيث يؤدي إلى تنقيص المفضول، أو يؤدي إلى الخصومة والتنازع، أو المراد: لا تفضلوا بجميع أنواع الفضائل، بحيث لا يترك للمفضول فضيلة، فالإمام مثلًا؛ إذا قلنا: إنه أفضل من المؤذن، لا يستلزم نقص فضيلة المؤذن بالنسبة إلى الأذان، وقيل: النهي عن التفضيل إنما هو في حق النبوة نفسها؛ كقوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٥]، ولم ينه عن تفضيل بعض الذوات على بعض؛ لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٣]، وقال الحليميّ: الأخبار الواردة في النهي عن التخيير إنما هي في مجادلة أهل الكتاب، وتفضيل بعض الأنبياء على بعض بالمخايرة؛ لأنَّ المخايرة إذا وقعت بين أهل دينين لا يؤمَن أن يخرج أحدهما إلى الازدراء بالآخر، فيفضي إلى الكفر، فأما إذا كان التخيير مستندًا إلى مقابلة الفضائل؛ لتحصيل المرجحان، فلا يدخل في النهي، قاله في «الفتح». ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من كمال التوضع، وكمال الاحترام لإخوانه الأنبياء -صلوات الله، وسلامه عليهم- فكان يحترمهم ويُجلّهم، ويدافع عنهم، مع أنه سيّدهم، وإمامهم، وحامل لواء الحمد، فآدم ومَن دونه كلهم تحت لوائه - ﷺ -، وهو المراد في قوله -﷿-: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. ٣ - (ومنها): أن فيه بيان فضيلة موسى -﵇-، حيث اختصّ بهذه الفضيلة، وقد يختصّ المفضول بما ليس في الأفضل، ولا يكون بسببها مساويًا له، ولا أفضل منه. ٤ - (ومنها): استعداء الذمي على المسلم، ورَفْعه إلى الحاكم، وسماع الحاكم دعواه. ٥ - (ومنها): تَعَلُّم من لَمْ يعرف الحكم ما خفي عليه منه، والاكتفاء بذلك في حقّ المسلم. ٦ - (ومنها): ما قاله الأبّيّ -﵀-: فيه القول بالعموم، وأن العامّ في الأشخاص عامّ في الأزمنة، والأمكنة، والأحوال؛ لأنَّ الصحابيّ العربيّ فَهِم ذلك، وأقرّه رسول الله - ﷺ - على ذلك. انتهى . ٧ - (ومنها): أن الذميّ إذا أقدم على القول بما لا علم له به، جاز للمسلم المعروف بالعلم تعزيره على ذلك، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في بيان الاختلاف في إسناد هذا الحديث: قال في «الفتح» عند قوله: «أخبرني أبو سلمة بن عبد الرَّحمن، وسعيد بن المسيِّب» ما حاصله: كذا قال شعيب، عن الزهريّ، وتابعه محمد بن أبي عتيق، عن ابن شهاب، وقال إبراهيم بن سعد: عن الزهريّ، عن أبي سلمة، والأعرج، قال: والحديث محفوظ للزهري على الوجهين، وقد جمع البخاريّ بين الروايتين في «التوحيد» إشارةً إلى ثبوت ذلك عنه على الوجهين، وله أصل من حديث الأعرج، من رواية عبد الله بن الفضل عنه -يعني: رواية مسلم هذه- ومن طريق أبي الزناد عنه، ومن طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة، أخرجه الترمذيّ، وابن ماجه، من طريق محمد بن عمرو عنه، ورواه مع أبي هريرة أبو سعيد. انتهى . وفي «العلل» للدارقطنيّ -﵀- ما نصّه: (١٤١٧) - وسئل -يعني: الدارقطنيّ- عن حديث سعيد، وأبي سلمة، والأعرج، عن أبي هريرة: «استبّ رجل من المسلمين، ورجل من اليهود. . .» الحديث، فقال: يرويه الزهريّ، واختُلِف عنه، فرواه شعيب بن أبي حمزة، وعُقيل، ومحمد بن أبي عتيق، عن الزهريّ، عن سعيد، وأبي سعيد، عن أبي هريرة، وخالفهم إبراهيم بن سعد، فرواه عن الزهريّ، عن أبي سلمة، وعبد الرَّحمن الأعرج، عن أبي هريرة، وقد روى هذا الحديث عبدُ الله بن الفضل بن العباس بن ربيعة الهاشميّ، وأبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، والقولان صحيحان، والله أعلم. انتهى كلام الدارقطنيّ -﵀- . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن حديث أبي هريرة - ﵁ - صحيح محفوظ بالطرق المذكورة كلّها، ولذا اتّفق عليه الشيخان، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٣٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ سَوَاءً). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون البغداديّ السَّمِين، صدوقٌ، رُبّما وَهِم، وكان فاضلًا [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٤. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) بن زاذان السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٥. و«عبد العزيز» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية يزيد بن هارون عن عبد العزيز الماجشون هذه لَمْ أجد من ساقها، فليُنْظَر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٣٤] (. . .) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ: رَجُلٌ مِنَ الْيَهُود، وَرَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ الْمُسْلِمُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا - ﷺ - عَلَى الْعَالَمِينَ، وَقَالَ الْيَهُودِيُّ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى -﵇- عَلَى الْعَالَمِينَ، قَالَ: فَرَفَعَ الْمُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِيِّ، فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِه، وَأَمْرِ الْمُسْلِم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْش، فَلَا أَدْرِي، أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ، فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَمْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللهُ؟»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ) بن أبي النضر البغداديّ، وقد يُنسب لجده، اسمه وكنيته واحد، وقيل: اسمه محمد، وقيل: أحمد، وأبو النضر هو هاشم بن القاسم مشهور، وأبو بكر ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٥) (م ت س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٦. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٣ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ تُكُلّم فيه بلا قادح [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. وقوله: (فَلَا أَدْرِي، أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ، فَأَفَاقَ قَبْلِي) قال القاضي عياض -﵀-: هذا مِن أشكل الأحاديث؛ لأنَّ موسى -﵇- قد مات، فكيف تُدركه الصعقة؟، وإنما تَصْعَق الأحياء، وقوله: (أَمْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللهُ) يدلّ على أنه كان حيًّا، ولم يأت أن موسى رجع إلى الحياة، ولا أنه حي، كما جاء في عيسى -﵇-، وقد قال - ﷺ -: «لو كنت ثَمَّ لأريتكم قبره، إلى جانب الطريق»، قال القاضي: يَحْتَمِل أن هذه الصعقة صعقة فَزَع بعد البعث، حين تنشق السماوات والأرض، فتنتظم حينئذ الآياتِ والأحاديث، ويؤيده قوله - ﷺ -: «فأفاق»؛ لأنه إنما يقال: أفاق من الغشي، وأما الموت، فيقال: بُعِث منه، وصعقة الطور لَمْ تكن موتًا. وأما قوله - ﷺ -: «فلا أدري أفاق قبلي؟» فيَحْتَمِل أنه - ﷺ - قاله قبل أن يعلم أنه أول من تنشقّ عنه الأرض، إن كان هذا اللفظ على ظاهره، وأن نبيّنا - ﷺ - أول شخص تنشقّ عنه الأرض على الإطلاق، قال: ويجوز أن يكون معناه أنه من الزمرة الذين هم أول من تنشقّ عنهم الأرض، فيكون موسى من تلك الزمرة، وهي -والله أعلم- زمرة الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم. انتهى كلام القاضي عياض -﵀- . والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله قبله، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٣٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَان، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَرَجُلٌ مِنَ الْيَهُود، بِمِثْلِ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق بن جعفر الصّغَانيّ -بفتح الصاد المهملة، ثم الغين المعجمة- نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٧٠) (م ٤) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٦. والباقون ذُكروا في الباب، والبابين قبله، و«أبو اليمان» هو: الحكم بن نافع الحمصيّ، و«شُعيب» هو: ابن أبي حمزة الحمصيّ. [تنبيه]: رواية شعيب بن أبي حمزة عن الزهريّ هذه ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٣٢٢٧) - حَدَّثَنَا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرَّحمن، وسعيد بن المسيِّب، أن أبا هريرة - ﵁ - قال: استَبَّ رجل من المسلمين، ورجل من اليهود، فقال المسلم: والذي اصطفى
مصادر المؤلف (٤٠)

١. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٣٠.

٢. وقول الشيخ الهرري: غرضه بيان متابعة محمد بن يحيى لمحمد بن رافع، فيه نَظَر لا يخفي، بل غرضه ما ذكرته من بيان علوّ إسناد، فتأمله بالإمعان، وبالله تعالى التوفيق.

٣. «المصباح المنير»٢/ ٦٤٢.

٤. «الفتح»٨/ ٩، كتاب«الأنبياء»رقم (٣٤٠٨).

٥. «عمدة القاري»١٦/ ٤.

٦. «المصباح المنير»١/ ٢٨٥.

٧. «المصباح المنير» ٢/ ٥٥٣.

٨. «المصباح المنير» ٢/ ٣٨٧.

٩. «عمدة القاري» ١٦/ ٤.

١٠. «شرح الأبّيّ» ٦/ ١٦٥.

١١. «شرح الأبّيّ» ٦/ ١٦٥ - ١٦٦.

١٢. «شرح الأبيّ» ٦/ ١٦٦.

١٣. راجع: «المنحة الرضيّة» ٣/ ٢٨٢ - ٢٨٣.

١٤. قال الطيبيّ -﵀-: قوله:«لا تفضّلوا بين أنبياء الله»بالصاد المهملة ظاهر؛ أي: لا تفرّقوا بينهم، وبالضاد المعجمة؛ معناه: لا توقعوا الفضل بين أنبياء الله؛ أي: لا تفضّلوا بعض الأنبياء على بعض، نحو قوله تعالى: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤]؛ أي: وقع التقطّع بينكم، كما تقول: جمع بين الشيئين، تريد: أوقع الجمع بينهما. انتهى.«الكاشف عن حقائق السُّنن»١١/ ٣٦١٠.

١٥. «تهذيب الأسماء واللغات» ٢/ ٤٢٠.

١٦. «الكاشف عن حقائق السُّنن» ١١/ ٣٦٠٩.

١٧. «عمدة القاري» ١٦/ ٤.

١٨. «المفهم» ٦/ ٢٢٨ - ٢٣١.

١٩. «المفهم» ٦/ ٢٣١.

٢٠. راجع: «المصباح المنير» ١/ ٣٤٠.

٢١. «الفتح» ٨/ ١٠.

٢٢. «المفهم» ٦/ ٢٣١.

٢٣. «المفهم» ٦/ ٢٣١.

٢٤. «الفتح» ٨/ ١٢.

٢٥. «المفهم» ٦/ ٢٣١ - ٢٣٢.

٢٦. «الفتح» ٨/ ١٠ - ١١.

٢٧. «الفتح» ٨/ ١١ - ١٢.

٢٨. «المفهم» ٦/ ٢٣٣.

٢٩. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٣٠.

٣٠. «المفهم»٦/ ٢٣٢ - ٢٣٤.

٣١. «الفتح»٨/ ١٢ - ١٣.

٣٢. «الفتح»٨/ ١٣.

٣٣. «شواهد التوضيح» ص ٢١٦، و«الكاشف عن حقائق السُّنن» ١١/ ٣٦١٠.

٣٤. «الفتح» ٦/ ٤٥١.

٣٥. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٣٢ - ١٣٣.

٣٦. «الفتح»٦/ ٤٥٢.

٣٧. «شرح الأبيّ» ٦/ ١٦٥.

٣٨. «الفتح» ٦/ ٤٤٣.

٣٩. «العلل الواردة في الأحاديث النبوية» ٨/ ٦٧ - ٦٨.

٤٠. «إكمال المعلم» ٧/ ٣٥٥ - ٣٥٧، و«شرح النوويّ» ١٥/ ١٣١ - ١٣٢.