HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٣٨١

حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعَبْدُ بْنُ حميد وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا. وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا) حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ. حَدَّثَنَا ثَابِتٌ. حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ حَدَّثَهُ قَالَ: نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ المشركين على رؤوسنا وَنَحْنُ فِي الْغَارِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ. فَقَالَ «يَا أَبَا بَكْرٍ! مَا ظنك باثنين الله ثالثهما».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص108
ج ٤ ص ١٨٥٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين جامع الترمذي, صحيح البخاري
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٨ ص٣٤٥
تقديم عثمان، وقد روي عن مالك أنه توقف في ذلك، وروي عنه أنه رجع إلى ما عليه الجمهور، وهو الأصح إن شاء الله، والمسألة اجتهادية لا قطعية، ومستنَدها الكلِّي أن هؤلاء الأربعة: هم الذين اختارهم الله تعالى لخلافة نبيِّه»، ولإقامة دينه، فمراتبهم عنده بحسب ترتيبهم في الخلافة، إلى ما ينضافُ إليه مما يشهد لكل واحدٍ منهم من شهادات النبيّ -ﷺ- له بذلك تأصيلًا وتفصيلًا، على ما يأتي إن شاء الله تعالى، وهذا الباب بحر لا يُدرك قعره، ولا يُنزف غمره، وفيما ذكرناه كفاية، والله الموفق للهداية. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٤٩] (٢٣٨١) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ حَدَّثَهُ، قَالَ: نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رُؤُوسِنَا، وَنَحْنُ فِي الْغَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ) أبو حبيب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٥/ ٣٢٢. ٢ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ، رُبّما وَهِمَ [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٠. ٣ - (أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ) عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرّة التيميّ أبو بكر بن أبي قحافة الصدّيق الأكبر، خليفة رسول الله -ﷺ-، مات في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة، وله ثلاث وستون سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٣. والباقون كلهم تقدّموا قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قَرَن بينهم، ثم فصّل؛ لِمَا أسلفناه غير مرّة، وأنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره، وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّ -﵄-. شرح الحديث: (عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁- (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ) -﵁- (حَدَّثَهُ، قَالَ: نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رُؤُوسِنَا) وقوله: (وَنَحْنُ فِي الْغَارِ) جملة في محلّ نَصْب على الحال، والغار: ثُقْب في الجبل، والمراد هنا: غار ثور، وفي رواية للبخاريّ: «فرفعت رأسي، فإذا أنا بأقدام القوم». [تنبيه]: قصّة الغار أنه لمّا رأت قريش أن المسلمين قد صاروا إلى المدينة قالوا: هذا شرّ شاغل، لا يطاق، فأجمعوا أمرهم على قَتْل رسول الله -ﷺ-، فبيَّتوه، ورصدوه على باب منزلة طول ليلتهم ليقتلوه إذا خرج، فأمر النبيّ -ﷺ- عليّ بن أبي طالب أن ينام على فراشه، ودعا الله أن يُعمي عليهم أثره، فطمس الله على أبصارهم فخرج وقد غشيهم النوم، فوضع على رؤوسهم ترابًا ونهض، فلما أصبحوا خرج عليهم عليّ -﵁-، وأخبرهم أن ليس في الدار أحد، فعلموا أن رسول الله -ﷺ- قد فات ونجا. وتواعد رسول الله -ﷺ- مع أبي بكر الصديق للهجرة، فدفعا راحلتيهما إلى عبد الله بن أرقط، ويقال: ابن أُريقط، وكان كافرًا لكنهما وَثِقَا به، وكان دليلًا بالطرق، فاستأجراه ليدل بهما إلى المدينة. وخرج رسول الله -ﷺ- من خَوْخَة في ظهر دار أبي بكر التي في بني جُمَح، ونهضا نحو الغار في جبل ثور، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يستمع ما يقول الناس، وأمر مولاه عامر بن فُهيرة أن يرعى غنمه ويريحها عليهما ليلًا فيأخذا منها حاجتهما، ثم نهضا، فدخلا الغار. وكانت أسماء بنت أبي بكر الصديق تأتيهما بالطعام، ويأتيهما عبد الله بن أبي بكر بالأخبار، ثم يتلوهما عامر بن فُهيرة بالغنم، فيعفي آثارهما. فلما فقدته قريش جعلت تطلبه بقائف معروف بقفاء الأثر، حتى وقف على الغار، فقال: هنا انقطع الأثر، فنظروا، فإذا بالعنكبوت قد نَسَج على فم الغار من ساعته، ولهذا نهى النبيّ -ﷺ- عن قَتْله، فلما رأوا نَسْج العنكبوت أيقنوا أن لا أحد فيه، فرجعوا، وجعلوا في النبيّ -ﷺ- مائة ناقة لمن ردّه عليهم. الخبر مشهور، وقصة سراقة بن مالك بن جعشم في ذلك مذكورة. وقد رُوي من حديث أبي الدرداء وثوبان -﵄- أن الله -﷿- أمر حمامة، فباضت على نسج العنكبوت، وجعلت ترقد على بيضها، فلما نظر الكفار إليها ردّهم ذلك عن الغار . وقال أبو العبّاس القرطبيّ -﵀-: كان من قصة الغار أن المشركين اجتمعوا لقتل رسول الله -ﷺ-، فبيّتوه في داره، فأمَر عليًّا -﵁-، فرقد على فراشه، وقال له: «إنهم لن يضروك»، فخرج عليهم رسول الله -ﷺ-، وهم على بابه، فأخذ الله أبصارهم عنه، ولم يَرَوْه، ووضع على رأس كل واحد منهم ترابًا، وانصرف عنهم خارجًا إلى غار ثور، فاختفى فيه، فأقاموا كذلك حتى أخبرهم مُخْبِرٌ أنه قد خرج عليهم، وإنه وضع على رؤوسهم التراب، فمدُّوا أيديهم إلى رؤوسهم، فوجدوا التراب، فدخلوا الدَّار، فوجدوا عليًّا على الفراش، فلم يتعرضوا له، ثم خرجوا في كل وجه يطلبون النبيّ -ﷺ-، ويقتصّون أثره بقائف كان معروفًا عندهم، إلى أن وصلوا إلى الغار، فوجدوه قد نسجت عليه العنكبوت من حينه، وفَرَخت فيه الحمام بقدرة الله تعالى، فلما رأوا ذلك قالوا: إن هذا الغار ما دخله أحدٌ، ثم إنهم صَعِدوا إلى أعلى الغار، فحينئذ رأى أبو بكر -﵁- أقدامهم، فقال بلسان مقاله مفصحًا عن ضَعف حاله: لو نظر أحدهم إلى قدميه أبصرنا، فأجابه من تدلَّى، فدنا بما يُذهب عنه الخوف والضَّنى، بقوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]؛ أي: بالحفظ والسلامة، والصَّون والكرامة، ثم إن النبيّ -ﷺ- أقام في الغار ثلاثة حتى تجهَّز، ومنه هاجر إلى المدينة، وكلّ ذلك من النبيّ -ﷺ- ثقة بوعد الله تعالى، وتوكُّل عليه، ودليل على خصوصيَّة أبي بكر من الخلَّة، وملازمة الصُّحبة في أوقات الشدة بما لم يُسْبَق إليه. انتهى . وروى البخاريّ عن عائشة -﵂- قالت: استأجر رسول الله -ﷺ- وأبو بكر رجلًا من بني الديل هاديًا خِرِّيتًا ، وهو على دِين كفار قريش، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبيحة ثلاث، فارتحلا، وارتحل معهما عامر بن فُهيرة، والدليل الدِّيليّ، فأخذ بهم طريق الساحل. قال أبو بكر: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ) فيه مجيء «لو» الشرطية للاستقبال، خلافًا للأكثر، واستَدَلّ من جوّزه بمجيء الفعل المضارع بعدها، كقوله تعالى: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ الآية [الحجرات: ٧]، وعلى هذا فيكون قاله حالة وقوفهم على الغار، وعلى القول الأكثر يكون قاله بعد مضيّهم؛ شكرًا لله تعالى على صيانتهما منهم. وقوله أيضًا: (لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ)، وفي رواية للبخاريّ: «لو أن بعضهم طأطأ بصره»، ووقع في رواية بلفظ: «رفع قدميه»، ووقع مثله في حديث حُبْشيّ بن جُنادة، أخرجه ابن عساكر، وهي مشكلة، فإن ظاهرها أن باب الغار استتر بأقدامهم، وليس كذلك، إلا أن يُحمل على أن المراد أنه استتر بثيابهم. ووقع في مغازي عروة بن الزبير في قصة الهجرة قال: وأتى المشركون على الجبل الذي فيه الغار الذي فيه النبيّ -ﷺ- حتى طلعوا فوقه، وسمع أبو بكر أصواتهم، فأقبل عليه الهمّ والخوف، فعند ذلك يقول له النبيّ -ﷺ-: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ودعا رسول الله -ﷺ-، فنزلت عليه السكينة، وفي ذلك يقول الله -﷿-: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ الآية [التوبة: ٤٠]، وهذا يقوّي أنه قال ما في حديث الباب حينئذ، ولذلك أجابه بقوله: ﴿لَا تَحْزَنْ﴾. وفيه أن باب الغار كان منخفضًا، إلا أنه كان ضيقًا، فقد جاء في «السِّيَر» للواقديّ أن رجلًا كشف عن فرجه، وجلس يبول، فقال أبو بكر: قد رآنا يا رسول الله، قال: لو رآنا لم يكشف عن فرجه . (فَقَالَ) -ﷺ- («يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا»)، وفي رواية: «فقال: اسكت يا أبا بكر، اثنان الله ثالثهما»، وقوله: «اثنان» خبر مبتدأ محذوف، تقديره: نحن اثنان، والله تعالى ثالثنا علمًا، ونصرًا، وعونًا، فنحن منصورون محفوظون من كيدهم، فلا تخف، ولا تحزن. وقال في «الفتح» : قوله: «الله ثالثهما»؛ أي: معاونهما، وناصرهما، وإلا فهو مع كل اثنين بعلمه، كما قال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٧]. وقال النوويّ -﵀-: قوله -ﷺ-: «الله ثالثهما» معناه: بالنصر، والمعونة، والحفظ، والتسديد، وهو داخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨] والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي بكر الصدّيق -﵁- هذا متّفقٌ عليه. [تنبيه]: قال الحافظ -﵀-: اشتَهَر أن حديث الباب تفرَّد به همّام، عن ثابت، وممن صرّح بذلك الترمذيّ، والبزار، وقد أخرجه ابن شاهين في: الأفراد من طريق جعفر بن سليمان، عن ثابت بمتابعة همام، وقد قدّمت له شاهدًا من حديث حُبْشي بن جُنادة، ووجدت له آخر عن ابن عباس -﵄-، أخرجه الحاكم في «الإكليل». انتهى. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٦١٤٩] (٢٣٨١)، و(البخاريّ) في «فضائل الصحابة» (٣٦٥٣) و«هجرة النبيّ -ﷺ-» (٣٩٢٢) و«التفسير» (٤٦٦٣)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣٠٩٦)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٢/ ٧)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٤)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (١/ ٣٠)، و(ابن سعد) في «الطبقات» (٣/ ١٧٣ - ١٧٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٢٧٨ و٦٨٦٩)، و(الطبريّ) في «تفسيره» (١٦٧٢٩)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٦٦)، و(البزّار) في «مسنده» (١/ ٩٦ و١٩٣)، و(أبو بكر المروزيّ) في «مسند أبي بكر» (٧٢)، و(البيهقيّ) في «الدلائل» (٢/ ٤٨٠)، و(البغويّ) في «تفسيره» (٢/ ٢٩٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه بيانَ عظيمِ توكّل النبيّ -ﷺ- حتى في هذا المقام. ٢ - (ومنها): أن فيه منقبةً ظاهرةً لأبي بكر الصدّيق -﵁-، قال النوويّ -﵀-: وفيه فضيلةٌ لأبي بكر -﵁-، وهي من أجلّ مناقبه، والفضيلةُ من أوجه: منها هذا اللفظ، ومنها بَذْله نَفْسه، ومفارقته أهله، وماله، ورياسته في طاعة الله تعالى، ورسوله -ﷺ- وملازمة النبيّ -ﷺ-، ومعاداة الناس فيه، ومنها: جعله نفسه وقايةً عنه، وغير ذلك. انتهى . وقال القرطبيّ المفسّر -﵀-: هذه الآية تضمَّنت فضائل الصدّيق -﵁-، روى أصبغ وأبو زيد عن ابن القاسم عن مالك: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ هو الصدّيق، فحقّق الله تعالى قوله له بكلامه، ووَصْف الصحبة في كتابه. قال بعض العلماء: من أنكر أن يكون عمر وعثمان أو أحد من الصحابة صاحب رسول الله -ﷺ- فهو كذّاب مبتدع، ومن أنكر أن يكون أبو بكر -﵁- صاحب رسول الله -ﷺ- فهو كافر؛ لأنه ردّ نصَّ القرآن. انتهى . ٣ - (ومنها): بيان قوّة توكّل النبيّ -ﷺ- على ربّه، وشدّة وثوقه بوعده الذي بيّنه بقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]، وقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]. ٤ - (ومنها): شدة حرص أبي بكر -﵁- على رسول الله -ﷺ-، فقد فزع في ذلك المحلّ، وأصابه الحزن والخوف، وما ذلك إلا لِأَجْله -ﷺ-، فإنه إن أصابه شيء من الكفّار انقطعت الدعوة إلى الله، ولم يَقُمْ بعده غيره. قال ابن العربيّ -﵀-: قالت الإمامية قبَّحها الله: حُزن أبي بكر في الغار دليل على جهله، ونقصه، وضَعف قلبه، وخُرقه . وأجاب علماؤنا عن ذلك بأن إضافة الحزن إليه ليس بنقص، كما لم ينقص إبراهيم -﵇- حين قال عنه: ﴿نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ [هود: ٧٠]، ولم ينقص موسى قوله: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ﴾ الآية [طه: ٦٧، ٦٨]، وفي لوط: ﴿وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ الآية [العنكبوت: ٣٣]. فهؤلاء العظماء -صلوات الله عليهم- قد وُجدت عندهم التقية نصًّا، ولم يكن ذلك طعنًا عليهم، ووصفًا لهم بالنقص، وكذلك في أبي بكر. ثم هي عند الصديق احتمال، فإنه قال: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا. جواب ثان: إن حزن الصديق إنما كان خوفًا على النبيّ -ﷺ- أن يصل إليه ضرر، ولم يكن النبيّ -ﷺ- في ذلك الوقت معصومًا، وإنما نزل عليه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ الآية [المائدة: ٦٧] بالمدينة. انتهى . ٥ - (ومنها): بيان جواز الفرار بالدين خوفًا من العدو، والاستخفاء في الْغِيران وغيرها، ولا يُلقي الإنسان بيده إلى العدوّ؛ توكلًا على الله تعالى، واستسلامًا له، ولو شاء الله لعصمه -ﷺ- مع كونه معهم، ولكنها سُنَّة الله في الأنبياء وغيرهم، ولن تجد لسُنَّة الله تبديلًا. قال القرطبيّ: وهذا أدلّ دليل على فساد من منع ذلك، وقال: من خاف مع الله سواه كان ذلك نقصًا في توكله، ولم يؤمن بالقَدَر، وهذا كله في معنى الآية، ولله الحمد والهداية. ٦ - (ومنها): ما قال المهلّب: في قصّة الهجرة من الفقه ائتمان أهل الشرك على السرّ، والمال إذا عُلم منهم وفاء ومروءة، كما ائتَمَن النبيّ -ﷺ- هذا المشرك على سرّه في الخروج من مكة، وعلى الناقتين. وقال ابن المنذر: فيه استئجار المسلمين الكفار على هداية الطريق. وقال البخاري في «صحيحه»: «باب استئجار المشركين عند الضرورة، أو إذا لم يوجد أهل الإسلام»، قال ابن بطال: إنما قال البخاري في ترجمته: «أو إذا لم يوجد أهل الإسلام» من أجل أن النبيّ -ﷺ- إنما عامل أهل خيبر على العمل في أرضها إذ لم يوجد من المسلمين من ينوب منابهم في عمل الأرض، حتى قَوِي الإسلام، واستُغني عنهم أجلاهم عمر. وعامة الفقهاء يجيزون استئجارهم عند الضرورة وغيرها. وفيه: استئجار الرجلين الرجل الواحد على عمل واحد لهما . [فائدة]: أخرج الترمذيّ -﵀- من حديث نُبَيط بن شَرِيط عن سالم بن عبيد -له صحبة- قال: أُغمي على رسول الله -ﷺ-. . . الحديث، وفيه: واجتمع المهاجرون يتشاورون، فقالوا: انطلقوا بنا إلى إخواننا من الأنصار نُدخلهم معنا في هذا الأمر، فقالت الأنصار: منا أمير، ومنكم أمير، فقال عمر -﵁-: من له مثل هذه الثلاث: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾؛ من «هما»؟ قال: ثم بسط يده فبايعه وبايعه الناس بيعة حسنة جميلة . [فائدة أخرى]: قال ابن العربيّ -﵀-: قال لنا أبو الفضائل العدل: قال لنا جمال الإسلام أبو القاسم: قال موسى -ﷺ-: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]، وقال في محمد -ﷺ-: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ لا جرم لمّا كان الله مع موسى وحده ارتدّ أصحابه بعده، فرجع من عند ربه، ووجدهم يعبدون العجل، ولمّا قال محمد -ﷺ-: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ بقي أبو بكر مهتديًا موحِّدًا عالمًا جازمًا قائمًا بالأمر، ولم يتطرق إليه اختلال. انتهى ، والله تعالى أعلم.
مصادر المؤلف (١٣)

١. «المفهم» ٦/ ٢٣٦ - ٢٣٩.

٢. «تفسير القرطبيّ» ٨/ ١٤٥.

٣. «المفهم» ٦/ ٢٣٩ - ٢٤٠.

٤. بكسر الخاء، وتشديد الراء؛ أي: ماهرًا.

٥. «الفتح» ٨/ ٣٢٥.

٦. «الفتح» ٨/ ٧١٥.

٧. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٥٠.

٨. «تفسير القرطبيّ» ٨/ ١٤٦.

٩. الخُرق بالضمّ: الْحُمق، وضعف الرأي.

١٠. «تفسير القرطبيّ» ٨/ ١٤٦ - ١٤٧.

١١. «تفسير القرطبيّ» ٨/ ١٤٦.

١٢. «تفسير القرطبيّ» ٨/ ١٤٧.

١٣. «تفسير القرطبيّ» ٨/ ١٤٧.