HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٣٨٢

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَي بْنِ خَالِدٍ. حَدَّثَنَا مَعْنٌ. حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ أبي النضر، عن عبيد الله بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ؛ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ «عَبْدٌ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ زَهْرَةَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ. فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ» فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ. وَبَكَى. فَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا. قَالَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ الْمُخَيَّرُ. وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِهِ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي مَالِهِ وَصُحْبَتِهِ أَبُو بَكْرٍ. وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا. وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ. لَا تُبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خوخة إلا خوخة أبي بكر».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص108
ج ٤ ص ١٨٥٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر جامع الترمذي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٨ ص٣٥٣
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٥٠] (٢٣٨٢) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: «عَبْدٌ خَيَّرَهُ اللهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ زَهْرَةَ الدُّنْيَا، وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ»، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَبَكَى، فَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا، وَأُمَّهَاتِنَا، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- هُوَ الْمُخَيَّرَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِه، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي مَالِهِ، وَصُحْبَتِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ أخُوَّةُ الإِسْلَامِ، لَا تُبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ، إِلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ»). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدِ) بن بَرْمَك الْبَرْمكيّ، أبو محمد نشأ بالبصرة، ثم سكن بغداد، ثقةٌ [١١] (م د) تقدم في «قتل الحيات» ٤/ ٥٨٤٠. ٢ - (مَعْنُ) بن عيسى بن يحيى الأشجعيّ مولاهم، أبو يحيى المدنيّ القَزّاز، ثقةٌ ثبتٌ، قال أبو حاتم: هو أثبت أصحاب مالك، من كبار [١٠] (ت ١٩٨) (ع) تقدم في «الطهارة» ٧/ ٥٦٣. ٣ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قريبًا. ٤ - (أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أمية، مولى عُمَر بن عُبيد الله التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وكان يرسل [٥] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في «الطهارة» ٤/ ٥٥١. ٥ - (عُبَيْدُ بْنُ حُنَيْنٍ) -بنون مصغرًا- أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ قليل الحديث [٣] (ت ١٠٥) وله خمس وسبعون سنةً، ويقال أكثر من ذلك (ع) تقدم في «الطلاق» ٥/ ٣٦٩٢. ٦ - (أَبُو سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سِنَان الْخُدريّ -﵄-، تقدّم قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنف -﵀-، وأنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، كما أسلفته آنفًا، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد الخدريّ -﵁- من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريّ -﵁- هكذا في هذه الرواية، وفي الرواية التالية: «عن عبيد بن حُنين، وبُسر بن سعيد، عن أبي سعيد الخدريّ»، ووقع في رواية البخاريّ في «الصلاة»: «عن محمد بن سنان، عن فُليح، عن أبي النضر، عن عُبيد بن حُنين، عن بُسر بن سعيد، عن أبي سعيد الخدريّ»، قال في «الفتح»: هكذا في أكثر الروايات، وسقط في رواية الأصيليّ، عن أبي زيد ذِكر بسر بن سعيد، فصار: «عن عبيد بن حنين، عن أبي سعيد»، وهو صحيح في نفس الأمر، لكن محمد بن سنان، إنما حدّث به كالذي وقع في بقية الروايات، فقد نقل ابن السكن عن الْفِرَبْريّ، عن البخاريّ، أنه قال: هكذا حدّث به محمد بن سنان، وهو خطأ، وإنما هو: «عن عبيد بن حنين، وعن بسر بن سعيد»؛ يعني: بواو العطف، فعلى هذا يكون أبو النضر سمعه من شيخين، حدّثه كل منهما به عن أبي سعيد، وقد رواه مسلم كذلك، عن سعيد بن منصور، عن فليح، عن أبي النضر، عن عبيد وبسر جميعًا عن أبي سعيد، وتابعه يونس بن محمد، عن فليح، أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة عنه، ورواه أبو عامر الْعَقَديّ، عن فليح، عن أبي النضر، عن بسر وحده، أخرجه البخاريّ في «مناقب أبي بكر»، فكأنّ فليحًا كان يجمعهما مرّةً، ويقتصر مرّة على أحدهما، وقد رواه مالك عن أبي النضر، عن عبيد وحده، عن أبي سعيد، أخرجه البخاريّ أيضًا في «الهجرة»، وهذا مما يقوّي أن الحديث عند أبي النضر عن شيخين، ولم يبق إلا أن محمد بن سنان أخطأ في حذف الواو العاطفة، مع احتمال أن يكون الخطأ من فليح، حال تحديثه له به، ويؤيد هذا الاحتمال أن المعافَى بن سليمان الحرانيّ رواه عن فليح؛ كرواية محمد بن سنان، وقد نبَّه البخاريّ على أن حذف الواو خطأ، فلم يبق للاعتراض عليه سبيل، قال الدارقطنيّ: رواية من رواه عن أبي النضر، عن عبيد، عن بسر غير محفوظة. انتهى . (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ) زاد في حديث ابن عباس -﵄-: «في مرضه الذي مات فيه»، وفي حديث جندب -﵁-: «سمعت النبيّ -ﷺ- يقول قبل أن يموت بخمس ليال»، وفي حديث أُبَيّ بن كعب: «إن أحدث عهدي بنبيّكم قبل وفاته بثلاث. . .» فذكر الحديث في خطبة أبي بكر، وهو طَرَف من هذا، وكأن أبا بكر -﵁- فَهِم الرمز الذي أشار به النبيّ -ﷺ- من قرينة ذِكره ذلك في مرض موته، فاستشعر منه أنه أراد نفسه، فلذلك بكى . (فَقَالَ) -ﷺ- («عَبْدٌ) خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذا عبدٌ، أو مبتدأ حُذف خبره؛ أي: هنا عبد، وجملة (خَيَّرَهُ اللهُ) صفة لـ»عبدٌ«، وهو من التخيير، يقال: خيّرته بين الشيئين: فوّضت إليه الاختيار، فاختار أحدهما، وتخيّره، قاله الفيّوميّ . (بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ) بضمّ أوله، من الإيتاء؛ كالإعطاء وزنًا ومعنًى، (زَهْرَةَ الدُّنْيَا) بفتح الزاي، مثل تَمْرة: متاعها، وزينتها ، وقال النوويّ -﵀-: المراد بزَهْرة الدنيا: نعيمها، وأعراضها، وحدودها، وشبّهها بزهرة الرَّوْض. (وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ)؛ أي: عند الله تعالى، وهو نعيم الجنّة، وفي رواية مالك: «بين أن يؤتيه من زَهْرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده»، (فَاخْتَارَ) ذلك العبد الْمُخَيَّر (مَا عِنْدَهُ«)»ما«اسم موصول مفعول»اختار«، ولفظ البخاريّ:»إن الله خيّر عبدًا بين الدنيا، وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله«. (فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَبَكَى) قال النوويّ -﵁-: هكذا هو في جميع النسخ:«فبَكَى أبو بكر وبكى»؛ معناه: بكى كثيرًا، ثم بكى. زاد في رواية البخاريّ:«فَعَجِبْنا لبكائه»، وفي رواية:«فقلت في نفسي»، وفي رواية:«فقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يُخبر رسول الله -ﷺ- عن عبد، وهو يقول: فديناك»، ويُجمع بأن أبا سعيد حَدَّث نفسه بذلك، فوافق تحديث غيره بذلك، فنَقَلَ جميع ذلك . (فَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا، وَأُمَّهَاتِنَا) قال النوويّ: فيه دليل لجواز التفدية، وقد سبق بيانه مرّات، وكان أبو بكر -﵁- عَلِم أن النبيّ -ﷺ- هو العبد المخيَّر، فبكى حُزْنًا على فراقه، وانقطاع الوحي وغيره من الخير دائمًا، وإنما قال -ﷺ-:«إن عبدًا»، وأبهمه لِيَنْظُر فَهْم أهل المعرفة، ونباهة أصحاب الحذق. (قَالَ) أبو سعيد (فَكَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- هُوَ الْمُخَيَّرَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِهِ) في رواية مالك:«وكان أبو بكر هو أعلمنا به»؛ أي: بالنبيّ -ﷺ-، أو بالمراد من الكلام المذكور، زاد في رواية محمد بن سنان:«فقال: يا أبا بكر لا تبك». (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-:«إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي مَالِهِ، وَصُحْبَتِهِ أَبُو بَكْرٍ) قال العلماء: معناه: أكثرهم جُودًا، وسماحةً لنا بنفسه، وماله، وليس هو من الْمَنّ الذي هو الاعتداد بالصنيعة؛ لأنه أذى مبطل للثواب، ولأن المنّة لله تعالى ولرسوله -ﷺ- في قبول ذلك، وفي غيره، قاله النوويّ -﵀- . وقال القرطبيّ -﵀-: هو من الامتنان، والمراد أن أبا بكر له من الحقوق، ما لو كان لغيره نظيرها، لامْتَنَّ بها، يؤيده قوله في رواية ابن عباس: «ليس أحد أمنّ عليّ»، والله أعلم. انتهى . قال في «الفتح»: وفي رواية محمد بن سِنان: «إن مِن أمنّ الناس عليّ» بزيادة «مِن»، وقال فيها: «أبا بكر» بالنصب للأكثر، ولبعضهم: «أبو بكر» بالرفع، وقد قيل: إن الرفع خطأٌ، والصواب النصب؛ لأنه اسم «إنّ»، ووُجِّه الرفع بتقدير ضمير الشأن؛ أي: إنه، والجار والمجرور بعده خبر مقدّم، و«أبو بكر» مبتدأ مؤخّر، أو على أن مجموع الكنية اسم، فلا يُعرب ما وقع فيها من الأداة. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الوجه غريبٌ، فليُتأمل، والله تعالى أعلم. قال: أو «إنّ» بمعنى «نعم»، أو أن «مِنْ» زائدة على رأي الكسائيّ، وقال ابن بَرّيّ: يجوز الرفع إذا جُعلت «مِنْ» صفة لشيء محذوف، تقديره: إن رجلًا، أو إنسانًا، من أمنّ الناس، فيكون اسم «إنّ» محذوفًا، والجار والمجرور في موضع الصفة، وقوله: «أبو بكر» الخبر. وقوله: «أمنّ» أفعل تفضيل من المنّ، بمعنى العطاء، والبذل، بمعنى أنه أبذل الناس لنفسه وماله، لا من المنّة التي تفسد الصنيعة، وأغرب الداوديّ فشَرَحه على أنه من المنّة، وقال: تقديره: لو كان يتوجه لأحد الامتنان على نبيّ الله -ﷺ- لتوجه له، والأول أَولى. قال: وقوله: «أمنّ الناس» في رواية الباب يوافق حديث ابن عباس - ﵄- بلفظ: «ليس أحدٌ من الناس أمنّ عليّ في نفسه وماله من أبي بكر»، وأما الرواية التي فيها «مِنْ» فإن قلنا: زائدة فلا تخالُف، وإلا فتُحْمل على أن المراد أن لغيره مشاركةً ما في الأفضلية، إلا أنه مقدّم في ذلك بدليل ما تقدم من السياق وما تأخر. ويؤيده ما رواه الترمذيّ من حديث أبي هريرة -﵁- بلفظ: «ما لأحد عندنا يَدٌ إلا كافأناه عليها، ما خلا أبا بكر، فإن له عندنا يدًا يكافئه الله بها يوم القيامة»، فإن ذلك يدلّ على ثبوت يد لغيره، إلا أن لأبي بكر رجحانًا. فالحاصل: أنه حيث أَطلق أراد أنه أرجحهم في ذلك، وحيث لم يُطلق أراد الإشارة إلى من شاركه في شيء من ذلك. ووقع بيان ذلك في حديث آخر لابن عباس -﵄- رفعه، نحو حديث الترمذيّ، وزاد: «منه أعتق بلالًا، ومنه هاجر بنبيّه»، أخرجه الطبرانيّ. وعنه في طريق أخرى: «ما أحد أعظم عندي يدًا من أبي بكر، واساني بنفسه، وماله، وأنكحني ابنته»، أخرجه الطبراني. وفي حديث مالك بن دينار، عن أنس -﵁- رفعه: «إن أعظم الناس علينا مَنًّا أبو بكر، زوّجني ابنته، وواساني بنفسه، وإن خير المسلمين مالًا أبو بكر، أعتق منه بلالًا، وحملنى إلى دار الهجرة»، أخرجه ابن عساكر. وأخرج من رواية ابن حبان التيميّ عن أبيه، عن عليّ نحوه. وجاء عن عائشة -﵂- مقدار المال الذي أنفقه أبو بكر، فروى ابن حبان من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة -﵂- أنها قالت: «أنفق أبو بكر على النبيّ -ﷺ- أربعين ألف درهم». وروى الزبير بن بكار، عن عروة، عن عائشة: «أنه لما مات ما ترك دينارًا ولا درهمًا». (وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا) قال في «العمدة»: معنى الحديث: أن أبا بكر -﵁- متأهل لأن يتخذه خليلًا لولا المانع المذكور، وهو أنه امتلأ قلبه بما تخلله من معرفة الله تعالى، ومحبته، ومراقبته حتى كأنها مُزِجت أجزاءُ قلبه بذلك، فلم يتسع قلبه لخليل آخر، فعلى هذا لا يكون الخليل إلا واحدًا، ومن لم ينته إلى ذلك ممن تعلق القلب به فهو حبيب، ولذلك أثبت لأبي بكر، وعائشة -﵄- أنهما أحب الناس إليه، ونفى عنهما الخلة التي هي فوق المحبة. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «متخذًا»: اسم فاعل من اتَّخذ، وهو فعل يتعدَّى إلى مفعولين، أحدهما بحرف الجر، فيكون بمعنى: اختار، واصطفي، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ الآية [الأعراف: ١٤٨]، وقد سكت هنا عن أحد مفعوليها، وهو الذي دخل عليه حرف الجر، فكأنه قال: لو كنت متخذًا من النَّاس خليلًا لاتخذت منهم أبا بكر، ولِبَسْط الكلام في ذلك علم النحو، وحاصله: أن «اتَّخذ» استُعمِلت على ثلاثة أنحاء: أحدها: تتعدى لمفعولين بنفسها. وثانيها: تتعدى لأحدهما بحرف الجر. وثالثها: تتعدى لمفعول واحد، وكل ذلك موجود في القرآن. ومعنى هذا الحديث: أن أبا بكر -﵁- كان قد تأهل لأن يتخذه النبيّ -ﷺ- خليلًا، لولا المانع الذي منع النبيّ -ﷺ-، وهو أنه لما امتلأ قلبه بما تخلّله من معرفة الله تعالى، ومحبته، ومراقبته، حتى كأنه مُزجت أجزاء قلبه بذلك، لم يتسع قلبه لخليل آخر يكون كذلك فيه، وعلى هذا فلا يكون الخليل إلا واحدًا، ومن لم ينته إلى ذلك ممن تعلَّق القلب به فهو حبيب؛ ولذلك أثبت لأبي بكر وعائشة -﵄- أنهما أحبّ الناس إليه، ونفى عنهما الخلَّة، وعلى هذا فالخلَّة فوق المحبة. انتهى . وقال القاضي عياض: قيل: أصل الْخُلّة: الافتقار والانقطاع، فخليل الله: المنقطع إليه، وقيل: لِقَصْره حاجته على الله تعالى، وقيل: الخلة الاختصاص، وقيل: الاصطفاء، وسُمِّي إبراهيم -﵇- خليلًا؛ لأنه والى في الله تعالى، وعادى فيه، وقيل: سُمّي به؛ لأنه تخلّق بخلال حسنة، وأخلاق كريمة، وخُلّة الله تعالى له نَصْره، وجَعْله إمامًا لمن بعده. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «وخُلّة الله. . . إلخ» هذا مذهب المأوّلة؛ لأنهم لا يثبتون صفة الخلّة لله تعالى، ويفسّرونها بلازمها، وهو النصر ونحوه، كما هو مذهبهم في صفة المحبّة، ونحوها، وهذا مخالف لمذهب السلف؛ فإنهم يثبتون صفة الخلّة، والمحبّة، ونحوهما على معناها الحقيقيّ على ما يليق بجلاله -﷾-، دون تشبيه، ولا تعطيل، ولا تحريف، فاسلك سبيلهم، فإنه الحقّ، والصراط المستقيم، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. قال: وقال ابن فورك: الخلة صفاء المودّة بتخلل الأسرار، وقيل: أصلها المحبة، ومعناه الإسعاف والألطاف، وقيل: الخليل من لا يتسع قلبه لغير خليله. ومعنى الحديث أن حب الله تعالى لم يُبق في قلبه موضعًا لغيره. قال القاضي: وجاء في أحاديث أنه -ﷺ- قال: «ألا وأنا حبيب الله»، فاختلف المتكلمون هل المحبة أرفع من الخلة، أم الخلة أرفع، أم هما سواء؟ فقالت طائفة: هما بمعنًى، فلا يكون الحبيب إلا خليلًا، ولا يكون الخليل إلا حبيبًا، وقيل: الحبيب أرفع؛ لأنها صفة نبيّنا -ﷺ-، وقيل: الخليل أرفع، وقد ثبتت خلة نبينا -ﷺ- لله تعالى بهذا الحديث، ونفى أن يكون له خليل غيره، وأثبت محبته لخديجة، وعائشة، وأبيها، وأسامة، وأبيه، وفاطمة، وابنيها، وغيرهم، ومحبة الله تعالى لعبده تمكينه من طاعته، وعصمته، وتوفيقه، وتيسير ألطافه، وهدايته، وإفاضة رحمته عليه، هذه مباديها، وأما غايتها فكشف الحجب عن قلبه، حتى يراه ببصيرته، فيكون كما قال في الحديث الصحيح: «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره. . .» إلى آخره. انتهى كلام القاضي . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «ومحبة الله. . . إلخ» قد أسلفت لك آنفًا أن هذا تفسير باللام، ونفي لصفة المحبّة والخلّة، وهذا غير صحيح، فإن الصواب إثبات الصفتين لله تعالى على ظاهرهما، ثم تأتي اللوازم، فتنبّه لهذا، والله تعالى أعلم. قال: وأما قول أبي هريرة وغيره من الصحابة -﵃-: سمعت خليلي -ﷺ-، فلا يخالف هذا؛ لأن الصحابيّ يحسن في حقه الانقطاع إلى النبيّ -ﷺ-. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «لو كنت متخذًا خليلًا» زاد في حديث أبي سعيد: «غير ربي»، وفي حديث ابن مسعود عند مسلم: «وقد اتخذ الله صاحبكم خليلًا»، وقد تواردت هذه الأحاديث على نفي الخلة من النبيّ -ﷺ- لأحد من الناس. وأما ما رُوي عن أُبَيّ بن كعب -﵁- قال: «إن أحدث عهدي بنبيّكم قبل موته بخمس، دخلت عليه، وهو يقول: إنه لم يكن نبيّ إلا وقد اتخذ من أمته خليلًا، وإن خليلي أبو بكر، ألا وإن الله اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا»، أخرجه أبو الحسن الحربي في «فوائده»، وهذا يعارضه ما في رواية جندب عند مسلم، أنه سمع النبيّ -ﷺ- يقول قبل أن يموت بخمس: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل»، فإن ثبت حديث أُبَيّ أمكن أن يُجمع بينهما بأنه لمّا برئ من ذلك تواضعًا لربه، وإعظامًا له، أَذِن الله تعالى له فيه من ذلك اليوم، لِمَا رأى من تشوفه إليه، وإكرامًا لأبي بكر بذلك، فلا يتنافى الخبران، أشار إلى ذلك المحبّ الطبريّ. وقد رُوي من حديث أبي أمامة نحو حديث أُبَيّ بن كعب دون التقييد بالخمس، أخرجه الواحديّ في «تفسيره»، والخبران واهيان، والله أعلم. قال: واختُلف في المودّة والْخُلّة، والمحبة، والصداقة، هل هي مترادفة، أو مختلفة؟ قال أهل اللغة: الخلة أرفع رتبةً، وهو الذي يُشعر به حديث الباب، وكذا قوله -﵇-: «لو كنت متخذًا خليلًا غير ربي»، فإنه يُشعر بأنه لم يكن له خليل من بني آدم، وقد ثبتت محبته لجماعة من أصحابه؛ كأبي بكر، وفاطمة، وعائشة، والحسنين، وغيرهم، ولا يعكر على هذا اتصاف إبراهيم -﵇- بالخلة، ومحمد -ﷺ- بالمحبة، فتكون المحبة أرفع رتبة من الخلة؛ لأنه يجاب عن ذلك بأن محمدًا -ﷺ- قد ثبت له الأمران معًا، فيكون رجحانه من الجهتين، والله أعلم. وقال الزمخشريّ: الخليل هو الذي يوافقك في خلالك، ويسايرك في طريقك، أو الذي يسدّ خَلَلَك، وتسد خلله، أو يداخلك خلال منزلك. انتهى . وكأنه جوّز أن يكون اشتقاقه مما ذُكِر، وقيل: أصل الخلة انقطاع الخليل إلى خليله، وقيل: الخليل من يتخلله سرك، وقيل: من لا يسع قلبه غيرك، وقيل: أصل الخلة الاستصفاء، وقيل: المختص بالمودة، وقيل: اشتقاق الخليل من الْخَلّة -بفتح الخاء- وهي الحاجة، فعلى هذا فهو المحتاج إلى من يخاله، وهذا كله بالنسبة إلى الإنسان، أما خلة الله للعبد فبمعنى نَصْره له، ومعاونته. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت لك أن تفسير الخلّة بمعنى النصر خلاف الصواب، وخلاف ما عليه السلف، فالحقّ أن الخلّة صفة ثابتة لله حقيقة على ما يليق بجلاله -﷾-، فتنبّه، فإن هذا من مزالّ الأقدام، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى وليّ التوفيق. وقوله: (وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلَامِ) «أُخُوّة» مبتدأ خبره محذوف؛ أي: حاصلة، والأَولى تقديره بما يأتي في حديث ابن عبّاس -﵄-؛ أي: أفضل. وفي الرواية الآتية: «ولكن أخي وصاحبي، وقد اتخذ الله صاحبكم خليلًا»، وفي رواية البخاريّ: «ولكن أخوة الإسلام، ومودته». ووقع في حديث ابن عباس -﵄- بلفظ: «ولكن أخوّة الإسلام أفضل»، وكذا أخرجه الطبراني من طريق عبيد الله بن تمام، عن خالد الحذاء، بلفظ: «ولكن أخوة الإيمان والإسلام أفضل»، وأخرجه أبو يعلى من طريق يعلى بن حكيم، عن عكرمة، بلفظ: «ولكن خُلّة الإسلام أفضل». قال الحافظ: وفيه إشكال، فإن الخلة أفضل من أخوة الإسلام؛ لأنها تستلزم ذلك وزيادةً، فقيل: المراد أن مودة الإسلام مع النبيّ -ﷺ- أفضل من مودته مع غيره، وقيل: أفضل بمعنى فاضل، ولا يعكر على ذلك اشتراك جميع الصحابة في هذه الفضيلة؛ لأن رجحان أبي بكر عُرف من غير ذلك، وأخوة الإسلام ومودته متفاوتة بين المسلمين في نَصْر الدين، وإعلاء كلمة الحقّ، وتحصيل كثرة الثواب، ولأبي بكر من ذلك أعظمه، وأكثره، والله أعلم. ووقع في بعض الروايات: «ولكن خُوّة الإسلام» بغير ألف، فقال ابن بطال : لا أعرف معنى هذه الكلمة، ولم أجد خوّة بمعنى خَلّة في كلام العرب، وقد وجدت في بعض الروايات: «ولكن خُلّة الإسلام»، وهو الصواب. وقال ابن التين: لعل الألف سقطت من الرواية، فإنها ثابتة في سائر الروايات، ووجّهه ابن مالك بأنه نُقلت حركة الهمزة إلى النون، فحُذفت الألف، وجَوّز مع حذفها ضمّ نون «لكن»، وسكونها، قال: ولا يجوز مع إثبات الهمزة إلا سكون النون فقط. انتهى . [تنبيه]: نَقَل ابن التين عن بعضهم أن معنى قوله: «ولو كنت متخذًا خليلًا»: لو كنت أَخُصّ أحدًا بشيء من أمر الدِّين، لَخَصَصْت أبا بكر، قال: وفيه دلالة على كذب الشيعة في دعواهم أن النبيّ -ﷺ- كان خَصّ عليًّا بأشياء من القرآن، وأمور الدين، لم يخص بها غيره. قال الحافظ: والاستدلال بذلك متوقف على صحة التأويل المذكور، وما أبعدَها. انتهى . (لَا تُبْقَيَنَّ) بضمّ أوله، وبنون التوكيد المشدّدة، مبنيًّا للمفعول، من الإبقاء، وهو نهي عن الإبقاء، والمشهور في الرواية كما يشير إليه في «الفتح»: «لا يَبقين» بالبناء للفاعل، وعبارته: قوله: «لا يَبقينّ» بفتح أوله، وبِنون التأكيد، وفي إضافة النهي إلى الباب تجوّز؛ لأن عدم بقائه لازم للنهي عن إبقائه، فكأنه قال: لا تُبقوه حتى لا يبقى، وقد رواه بعضهم بضم أوله، وهو واضح. انتهى. (فِي الْمَسْجِدِ)؛ أي: النبويّ، (خَوْخَةٌ) بفتح الخاء، هي الباب الصغير بين البيتين، أو الدارين، ونحوه، وفيه فضيلة، وخِصِّيصة ظاهرة لأبي بكر -﵁-، وفيه أن المساجد تُصان عن تطرّق الناس إليها، قاله النوويّ . وقال في «الفتح»: «الْخَوْخة»: طاقة في الجدار، تُفتح لأجل الضوء، ولا يُشترط علوّها، وحيث تكون سفلى يمكن الاستطراق منها لاستقراب الوصول إلى مكان مطلوب، وهو المقصود هنا، ولهذا أُطلق عليها باب، وقيل: لا يُطلق عليها باب إلا إذا كانت تُغلق. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: «الْخَوْخة» -بفتح الخاء المعجمة-: باب صغير بين مسكنين، وكان أصحاب النبيّ -ﷺ- قد فتحوا بين مساكنهم وبين المسجد خَوْخات اغتنامًا لملازمة المسجد، وللكون فيه مع النبيّ -ﷺ- إذ كان فيه غالبًا؛ إلا أنه لمّا كان ذلك يؤدي إلى اتخاذ المسجد طريقًا، أمر النبيّ -ﷺ- بسدِّ كل خَوْخة كانت هنالك، واستثنى خوخة أبي بكر -﵁-؛ إكرامًا له، وخصوصية به؛ لأنَّهما كانا لا يفترقان غالبًا، وقد استُدِلّ بهذا الحديث على صحَّة إمامته، واستخلافه للصلاة، وعلى خلافته بعده. انتهى . (إِلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ»)؛ أي: فأبقوها، ولا تسدّوها، ولفظ البخاريّ:«لا يبقينّ في المسجد بابٌ إلا سُدّ، إلا باب أبي بكر»، قال في«الفتح»: قوله:«إلا باب أبي بكر»هو استثناء مفرّغ، والمعنى: لا تُبقوا بابًا غير مسدود، إلا باب أبي بكر، فاتركوه بغير سدّ. قال الخطابيّ، وابن بطال، وغيرهما: في هذا الحديث اختصاص ظاهر لأبي بكر -﵁-، وفيه إشارة قويّة إلى استحقاقه للخلافة، ولا سيما وقد ثبت أن ذلك كان في آخر حياة النبيّ -ﷺ- في الوقت الذي أمرهم فيه أن لا يؤمهم إلا أبو بكر. وقد ادَّعَى بعضهم أن الباب كناية عن الخلافة، والأمر بالسدّ كناية عن طلبها، كأنه قال: لا يطلبنّ أحد الخلافة إلا أبا بكر، فإنه لا حرج عليه في طلبها، وإلى هذا جنح ابن حبان، فقال بعد أن أخرج هذا الحديث: في هذا دليل على أنه الخليفة بعد النبيّ -ﷺ-؛ لأنه حَسَمَ بقوله: «سُدُّوا عني كل خَوخة في المسجد» أطماع الناس كلهم عن أن يكونوا خلفاء بعده، وقَوَّى بعضهم ذلك بأن منزل أبي بكر كان بالسُّنْح من عوالي المدينة، فلا يكون له خَوخة إلى المسجد. قال الحافظ: وهذا ضعيف؛ لأنه لا يلزم من كون منزله كان بالسُّنح أن لا يكون له دار مجاورة للمسجد، ومنزله الذي كان بالسنح هو منزل أصهاره من الأنصار، وقد كان له إذ ذاك زوجة أخرى، وهي أسماء بنت عميس بالاتفاق، وأم رومان على القول بأنها كانت باقية يومئذ. وقد تَعقَّب المحبّ الطبريّ كلام ابن حبان، فقال: وقد ذَكر عُمر بن شَبّة في «أخبار المدينة» أن دار أبي بكر التي أُذن له في إبقاء الْخَوخة منها إلى المسجد كانت ملاصقة للمسجد، ولم تزل بيد أبي بكر حتى احتاج إلى شيء يُعطيه لبعض من وفد عليه، فباعها، فاشترتها منه حفصة أم المؤمنين بأربعة آلاف درهم، فلم تزل بيدها إلى أن أرادوا توسيع المسجد في خلافة عثمان، فطلبوها منها ليوسعوا بها المسجد، فامتنعت، وقالت: كيف بطريقي إلى المسجد؟ فقيل لها: نعطيك دارًا أوسع منها، ونجعل لك طريقًا مثلها، فسَلَّمت، ورضيت. وقوله: «إلا باب أبي بكر» زاد الطبرانيّ من حديث معاوية في آخر هذا الحديث بمعناه: «فإني رأيت عليه نورًا» ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٦١٥٠ و٦١٥١] (٢٣٨٢)، و(البخاريّ) في «الصلاة» (٤٦٦) و«فضائل الصحابة» (٣٦٥٤) و«مناقب الأنصار» (٣٩٠٤)، و(الترمذيّ) في «المناقب» (٣٦٦٠)، و(النسائيّ) في «فضائل الصحابة» (٢)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٢/ ٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٥٩٤ و٦٨٦١)، و(ابن سعد) في «الطبقات» (٢/ ٢٢٧)، و(ابن أبي عاصم) في «السُّنَّة» (١٢٢٧)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٨٢١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضيلة ظاهرة لأبي بكر الصديق -﵁-، وأنه كان متأهلًا لِأنْ يتخذه النبيّ -ﷺ- خليلًا لولا المانع المذكور. ٢ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن للخليل صفةً خاصّةً تقتضي عدم المشاركة فيها. ٣ - (ومنها): أن المساجد تُصان عن تطرّق الناس إليها من خَوْخات ونحوها، إلا من أبوابها إلا مِن حاجة مهمة. ٤ - (ومنها): الإشارة بالعلم الخاصّ دون التصريح؛ لإثارة أفهام السامعين، وتفاوت العلماء في الفهم، وأن من كان أرفع في الفهم استَحَقّ أن يُطلق عليه أعلم. ٥ - (ومنها): أن فيه الترغيبَ في اختيار ما في الآخرة على ما في الدنيا. ٦ - (ومنها): أن فيه شكرَ المحسن، والتنويه بفضله، والثناء عليه. ٧ - (ومنها): ما قال ابن بطال -﵀-: فيه أن المرشح للإمامة يُخَصّ بكرامة تدلّ عليه، كما وقع في حقّ الصديق -﵁- في هذه القصة. ٨ - (ومنها): ما قاله الخطابيّ -﵀-: إن أمْره -ﷺ- بسد الأبواب غير الباب الشارع إلى المسجد إلا باب أبي بكر يدلّ على اختصاص شديد لأبي بكر، وإكرام له؛ لأنهما كانا لا يفترقان. ٩ - (ومنها): أن فيه دلالةً على أنه -ﷺ- قد أفرد أبا بكر في ذلك بأمر لا يُشَارَك فيه، فأَولى ما يُصرف إليه التأويل فيه أمر الخلافة، وقد أكثر الدلالة عليها بأمْره إياه بالإمامة في الصلاة التي بُنِي لها المسجد، قال الخطابيّ -﵀-: ولا أعلم أن إثبات القياس أقوى من إجماع الصحابة على استخلاف أبي بكر -﵁- مستدلين في ذلك باستخلافه إياه في أعظم أمور الدين، وهو الصلاة، فقاسوا عليها سائر الأمور. ١٠ - (ومنها): ما قال ابن بطال: فيه التعريض بالعلم للناس، وإن قلّ فهماؤهم خشية أن يدخل عليهم مساءة أو خزي. ١١ - (ومنها): أنه لا يستحقّ أخذ العلم حقيقة إلا من فَهِم، والحافظ لا يبلغ درجة الفهم، وإنما يقال للحافظ: عالم بالنصّ، لا بالمعنى. ١٢ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن أبا بكر -﵁- أعلم الصحابة. ١٣ - (ومنها): أن فيه ائتلافَ النفوس بقوله: «ولكن أخوة الإسلام أفضل». ١٤ - (ومنها): بيان أن الخليل فوق الصديق والأخ. ١٥ - (ومنها): ما قال القرطبيّ -﵀-: قوله -ﷺ-: «عبدٌ خيّره الله. . . إلخ» هذا قول فيه إبهام، قَصَد به النبيّ -ﷺ- اختبار أفهام أصحابه، وكيفية تعلق قلوبهم به، فظهر أن أبا بكر كان عنده من ذلك ما لم يكن عند أحد منهم، ولمّا فَهِم من ذلك ما لم يفهموا بادر بقوله: «فديناك بآبائنا وأمهاتنا»، ولذلك قالوا: «فكان أبو بكر أعلمنا»، وهذا يدلّ من أبي بكر -﵁- على أن قلبه ممتلئ من محبة رسول الله -ﷺ-، ومستغرق فيه، وشديد الاعتناء بأموره كلِّها من أقواله، وأحواله، بحيث لا يشاركه أحد منهم في ذلك، ولمّا عَلِم النبيّ -ﷺ- ذلك منه، وصدر منه في ذلك الوقت ذلك الفهم عنه اختصَّه بالخصوصيَّة العظمى التي لم يظفر بمثلها بشري في الأُولى ولا في الأخرى، فقال: «إن أَمَنَّ الناس عليَّ في صحبته، وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا»؛ فقد تضمَّن هذا الكلام: أن لأبي بكر من الفضائل، والحقوق ما لا يشاركه فيها مخلوق، ووزن أمَنَّ: أفعل، من المنَّة بمعنى الامتنان؛ أي: أكثر منَّة، ومعناه: أن أبا بكر -﵁- له من الحقوق ما لو كانت لغيره لامتنّ بها، وذلك: أنه -﵁- بادر النبيّ -ﷺ- بالتَّصديق، والناس كلهم مكذبون، وبنفقة الأموال العظيمة، والناس يبخلون، وبالملازمة والمصاحبة، والناس ينفرون، وهو مع ذلك بانشراح صدره، ورسوخ علمه يعلم: أن لله تعالى ولرسوله -ﷺ- الفضلَ والإحسانَ، والمنة والامتنان، لكن النبيّ -ﷺ- بكرم خُلُقِه، وجميل معاشرته اعترف بالفضل لمن صَدَر عنه، وشَكَر الصنيعة لمن وُجدت منه، عملًا بشكر المنعِم، لِيَسُنّ، وليُعَلِّم، وهذا مثل ما جرى له يوم حنين مع الأنصار، حيث جمعهم، فذكَّرهم بما عليهم من المنن، ثم اعترف لهم بما لهم من الفضل الجميل الحسن، وقد تقدم في الزكاة، وقد ذكر الترمذيّ من حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه عليها ما خلا أبا بكر، فإنَّ له عندنا يدًا يكافئه الله تعالى بها يوم القيامة، وما نفعني مال أحد كما نفعني مال أبي بكر» ، وذكر الحديث، وقال: هو حسن غريب. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- ، وهو بحث جيّد، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): جاء في سدّ الأبواب التي حول المسجد أحاديث يخالف ظاهرها حديث الباب: منها: حديث سعد بن أبي وقاص -﵁- قال: «أمرنا رسول الله -ﷺ- بسدّ الأبواب الشارعة في المسجد، وترك باب عليّ»، أخرجه أحمد، والنسائيّ، وإسناده قويّ، وفي رواية للطبرانيّ في «الأوسط» رجالها ثقات من الزيادة: «فقالوا: يا رسول الله سَدَدت أبوابنا، فقال: ما أنا سددتها، ولكن الله سَدَّها». وعن زيد بن أرقم -﵁- قال: «كان لنفر من الصحابة أبواب شارعة في المسجد، فقال رسول الله -ﷺ-: سُدُّوا هذه الأبواب إلا باب عليّ، فتكلم ناس في ذلك، فقال رسول الله -ﷺ-: إني والله ما سددت شيئًا، ولا فتحته، ولكن أُمرت بشيء، فاتبعته»، أخرجه أحمد، والنسائيّ، والحاكم، ورجاله ثقات. وعن ابن عباس -﵄- قال: «أَمَر رسول الله -ﷺ- بأبواب المسجد، فسُدّت إلا باب عليّ»، وفي رواية: «وأمر بسدّ الأبواب، غير باب عليّ، فكان يدخل المسجد، وهو جُنُب، ليس له طريق غيره»، أخرجهما أحمد، والنسائيّ، ورجالهما ثقات. وعن جابر بن سمرة قال: «أمرَنا رسول الله -ﷺ- بسدّ الأبواب كلها، غير باب عليّ، فربما مرّ فيه، وهو جنب»، أخرجه الطبرانيّ. وعن ابن عمر قال: «كنا نقول في زمن رسول الله -ﷺ-: رسول الله -ﷺ- خير الناس، ثم أبو بكر، ثم عمر، ولقد أُعطي عليّ بن أبي طالب ثلاث خصال؛ لَأنْ يكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حُمْر النَّعَم: زوّجه رسول الله -ﷺ- ابنته، ووَلَدت له، وسَدّ الأبواب إلا بابه في المسجد، وأعطاه الراية يوم خيبر»، أخرجه أحمد، وإسناده حسن. وأخرج النسائيّ من طريق العلاء بن عرار -بمهملات- قال: فقلت لابن عمر: أخبرني عن عليّ وعثمان. . . فذكر الحديث، وفيه: وأما عليّ فلا تسأل عنه أحدًا، وانظر إلى منزلته من رسول الله -ﷺ- قد سدّ أبوابنا في المسجد، وأقرّ بابه»، ورجاله رجال الصحيح، إلا العلاء، وقد وثقه يحيى بن معين، وغيره. قال الحافظ -﵀-: وهذه الأحاديث يُقَوّي بعضها بعضًا، وكل طريق منها صالح للاحتجاج، فضلًا عن مجموعها، وقد أورد ابن الجوزيّ هذا الحديث في«الموضوعات»، أخرجه من حديث سعد بن أبي وقاص، وزيد بن أرقم، وابن عمر، مقتصرًا على بعض طرقه عنهم، وأعلّه ببعض من تُكُلِّم فيه من رواته، وليس ذلك بقادح؛ لِمَا ذكرت من كثرة الطرق، وأعله أيضًا بأنه مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة في باب أبي بكر، وزعم أنه من وضع الرافضة، قابلوا به الحديث الصحيح في باب أبي بكر. انتهى، وأخطأ في ذلك خطأً شنيعًا، فإنه سلك في ذلك ردّ الأحاديث الصحيحة بتوهّمه المعارضة، مع أن الجمع بين القصتين ممكن، وقد أشار إلى ذلك البزار في «مسنده»، فقال: وَرَدَ من روايات أهل الكوفة بأسانيد حسان في قصة عليّ، وورد من روايات أهل المدينة في قصة أبي بكر، فإن ثبتت روايات أهل الكوفة فالجمع بينهما بما دلّ عليه حديث أبي سعيد الخدريّ -يعني: الذي أخرجه الترمذيّ- أن النبيّ -ﷺ- قال: «لا يحلّ لأحد أن يطرق هذا المسجد جُنُبًا غيري وغيرك»، والمعنى: أن باب عليّ كان إلى جهة المسجد، ولم يكن لبيته باب غيره، فلذلك لم يؤمَر بسدّه. ويؤيد ذلك ما أخرجه إسماعيل القاضي في «أحكام القرآن» من طريق المطّلب بن عبد الله بن حنطب أن النبيّ -ﷺ- لم يأذن لأحد أن يمر في المسجد، وهو جُنُب إلا لعليّ بن أبي طالب؛ لأن بيته كان في المسجد. ومُحَصَّل الجمع أن الأمر بسدّ الأبواب وقع مرتين، ففي الأُولى استُثْنِي عليّ؛ لِمَا ذَكَره، وفي الأخرى استُثْنِي أبو بكر، ولكن لا يتم ذلك إلا بأن يُحمل ما في قصة عليّ على الباب الحقيقيّ، وما في قصة أبي بكر على الباب المجازيّ، والمراد به الخوخة، كما صُرِّح به في بعض طرقه، وكأنهم لمّا أُمروا بسدّ الأبواب سدّوها، وأحدثوا خَوْخًا يستقربون الدخول إلى المسجد منها، فأُمروا بعد ذلك بسدّها، فهذه طريقة لا بأس بها في الجمع بين الحديثين، وبها جَمَع بين الحديثين المذكورين أبو جعفر الطحاويّ في «مشكل الآثار»، وهو في أوائل الثلث الثالث منه، وأبو بكر الكلاباذيّ في «معاني الأخبار»، وصرّح بأن بيت أبي بكر كان له باب من خارج المسجد، وخوخة إلى داخل المسجد، وبيت عليّ لم يكن له باب إلا من داخل المسجد، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ -﵀- ، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦١٥١] (. . .) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، وَبُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- النَّاسَ يَوْمًا، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورِ) بن شعبة، أبو عثمان الخراسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ مصنِّف، وكان لا يرجع عما في كتابه؛ لشدّة وثوقه به [١٠] (ت ٢٢٧) وقيل: بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٦١/ ٣٣٨. ٢ - (فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بن أبي المغيرة الْخُزاعيّ، أو الأسلميّ، أبو يحيى المدنيّ، ويقال: فُليح لقبٌ، واسمه عبد الملك، صدوقٌ كثير الخطأ [٧] (ت ١٦٨) (ع) تقدم في «الطهارة» ٩/ ٥٧٥. ٣ - (بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ) المدنيّ العابد، مولى ابن الحضرميّ، ثقةٌ جليلٌ [٢] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في «الصلاة» ٣١/ ١٠٠١. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية فُليح بن سُليمان عن سالم أبي النضر هذه ساقها ابن حبّان -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٦٥٩٤) - أخبرنا أبو خليفة، حدّثنا عليّ ابن المدينيّ، حدّثنا أبو داود، حدّثنا فُليح بن سليمان، حدّثنا سالم أبو النضر، عن بسر بن سعيد، وعبيد بن حنين، عن أبي سعيد الخدريّ، أن رسول الله -ﷺ- خَطَب، فقال: «إن الله خَيَّر عبدًا بين أن يؤتيه من زَهْرة الدنيا ما شاء، وبين لقائه، فاختار لقاء ربه»، فبكى أبو بكر، وقال: بل نفديك بآبائنا، وأبنائنا، فقال رسول الله -ﷺ-: «اسْكُت يا أبا بكر -ثم قال-: إن أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا من الناس لاتخذت أبا بكر، ولكن أُخُوّة الإسلام، ومودته، ألا لا يُبقينّ في المسجد خَوْخة، إلا سُدّت، إلا خوخة أبي بكر»، قال أبو سعيد: فقلت: العجب، يخبرنا رسول الله -ﷺ- أن عبدًا خيّره الله بين الدنيا والآخرة، وهذا يبكي، وإذا المخيَّر رسول الله -ﷺ-، وإذا الباكي أبو بكر، وإذا أبو بكر أعلَمُنا برسول الله -ﷺ-. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد ساق هذه الرواية البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، لكن وقع خطأ في السند، ولذلك عَدَلت عنه، ودونك نصّه: (٤٥٤) - حدّثنا محمد بن سنان، قال: حدّثنا فليح، قال: حدّثنا أبو النضر، عن عبيد بن حنين، عن بسر بن سعيد، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: خطب النبيّ -ﷺ-، فقال: «إن الله خيَّر عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله»، فبكى أبو بكر -﵁-، فقلت في نفسي: ما يُبكي هذا الشيخ؟ إن يكن الله خيَّر عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله، فكان
مصادر المؤلف (٢٤)

١. «الفتح» ٢/ ٢١٥ - ٢١٦، كتاب «الصلاة» رقم (٤٦٦).

٢. «الفتح»٨/ ٣٢٧، كتاب«المناقب»رقم (٣٦٥٤).

٣. «المصباح المنير»١/ ١٨٥.

٤. «المصباح المنير»١/ ٢٥٨.

٥. «الفتح»٨/ ٣٢٧.

٦. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٥٠.

٧. «المفهم» ٦/ ٢٤١.

٨. «عمدة القاري» ٤/ ٢٤٥.

٩. «المفهم» ٦/ ٢٤١ - ٢٤٢.

١٠. «إكمال المعلم» ٧/ ٣٨٣ - ٣٨٥.

١١. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٥١.

١٢. «الفتح» ٨/ ٣٤١ - ٣٤٢، كتاب «فضائل الصحابة» رقم (٣٦٥٦).

١٣. «شرح البخاري» لابن بطال ٢/ ١١٥.

١٤. «الفتح» ٨/ ٣٢٩، كتاب «فضائل الصحابة» رقم (٣٦٥٤).

١٥. «الفتح» ٨/ ٣٢٩.

١٦. أي: في رواية البخاريّ بلفظ:«باب»، وأما هنا فبلفظ:«خوخة»، فتنبّه.

١٧. «شرح النوويّ»١٥/ ١٥١ - ١٥٢.

١٨. «الفتح»٨/ ٣٣٠.

١٩. «المفهم» ٦/ ٢٤٣ - ٢٤٤.

٢٠. «الفتح» ٨/ ٣٣٠ - ٣٣١.

٢١. رواه الترمذيّ (٣٦٦١).

٢٢. «المفهم»٦/ ٢٤٠ - ٢٤١.

٢٣. «الفتح» ٨/ ٣٣١ - ٣٣٢، كتاب «فضائل الصحابة» رقم (٣٦٥٤).

٢٤. «صحيح ابن حبان» ١٤/ ٥٥٨ - ٥٥٩.