HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٤٢٠

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ (وَاللَّفْظُ لابن المثنى). قالا: حدثنا محمد بن جعفر. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: جَاءَ أَهْلُ نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ابْعَثْ إِلَيْنَا رَجُلًا أَمِينًا. فَقَالَ «لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ. حَقَّ أَمِينٍ» قَالَ، فَاسْتَشْرَفَ لَهَا النَّاسُ. قَالَ، فَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بن الجراح.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص129
ج ٤ ص ١٨٨٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٤٤
[٦٩٥] في حديث أبي عبيدة : دليل أن الاختيار؛ أن يُختار لنشر العلم وللنظر في أمور المسلمين من كان أمينًا، وفي قوله: (فَاسْتَشرَفَ لَهَا النَّاسُ) دلالة على طلب نباهة الذِّكر، واستحباب الذِّكر الجميل. ومن باب فضل الحسن والحسين ﵄ -
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٨ ص٦٧١
«أهل اليمن»؛ لِقُرب نجران من اليمن، وإلا فهما واقعتان، والأول أرجح. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هكذا رجّح في «الفتح» الوجه الأول، وعندي أن الثاني، وهو تعدد الواقعة هو الأرجح؛ لأن قولهم: «يُعَلِّمْنَا السُّنَّةَ، وَالإِسْلَامَ) يدلّ على أنهم مسلمون، وأما أهل نجران فإنما طلبوا من يأخذ عنهم الجزية، فتأمّل بالإمعان، والله تعالى أعلم. والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف -﵀-، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٣٤] (٢٤٢٠) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: جَاءَ أَهْلُ نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، ابْعَثْ إِلَيْنَا رَجُلًا أَمِينًا، فَقَالَ: «لأَبْعَثَنَّ إِلَيْكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ، حَقَّ أَمِينٍ»، قَالَ: فَاسْتَشْرَفَ لَهَا النَّاسُ، قَالَ: فَبَعَثَ أَبا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله بن عُبيد، ويقال: عليّ الهمدانيّ، السَّبِيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مكثرٌ عابدٌ اختلط بأخرة، ويدلّس [٣] (ت ١٢٩)، وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١١. ٢ - (صِلَةُ بْنُ زُفَرَ) -بكسر أوله، وفتح اللام الخفيفة - ابن زُفَر -بضم الزاي، وفتح الفاء -العبسيّ -بالموحّدة - أبو العلاء، أوأبو بكر الكوفيّ، تابعيّ كبيرٌ ثقةٌ جليلٌ [٢] مات في حدود السبعين (ع) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ٢٩/ ١٨١٤. ٣ - (حُذَيْفَةُ) بن اليمان، واسم اليمان: حُسَيل -بمهملتين مصغرًا - ويقال: حِسْل -بكسر، ثم سكون - الَعَبْسيّ - بالموحدة - حليف الأنصار، الصحابي الجليل من السابقين الأولين، وأبوه صحابي أيضًا استُشهد بأُحُد، ومات حذيفة في أول خلافة عليّ - ﵄ - سنة ستّ وثلاثين (ع) تقدم في «شرح المقدمة» جـ ٢ ص ٤٥٧. والباقون تقدّموا قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، ونصفه الثاني بالكوفيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه حذيفة - ﵁ - الصحابيّ الشهير، ذو مناقب جمّة، فقد صحّ في «صحيح مسلم» عنه أن رسول الله - ﷺ - أعلمه بما كان، وما يكون إلى أن تقوم الساعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ صِلَةَ) بكسر الصاد، وفتح اللام، (ابْنِ زُفَرَ) بضمّ الزاي، وفتح الفاء، (عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان - ﵄ - أنه (قَالَ: جَاءَ أَهْلُ نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) بفتح النون، وسكون الجيم: بلدة من بلاد هَمْدَان من اليمن، قال البكريّ: سُمّيت بِاسم بانيها: نَجْران بن زيد بن يَشْجُب بن يَعْرُب بن قحطان. قاله الفيّوميّ . وقال في «الفتح»: «نجران» -بفتح النون، وسكون الجيم -: بلدٌ كبيرٌ، على سبع مراحل من مكة إلى جهة اليمن، يشتمل على ثلاثة وسبعين قريةً، مسيرة يوم للراكب السريع، كذا في زيادات يونس بن بكير بإسناد له في «المغازي»، وذكر ابن إسحاق أنهم وَفَدوا على رسول الله - ﷺ - بمكة، وهم حينئذ عشرون رجلًا، لكن أعاد ذِكرهم في الوفود بالمدينة، فكأنهم قدموا مرتين، وقال ابن سعد: كان النبيّ - ﷺ - كتب إليهم، فخرج إليه وَفْدهم في أربعة عشر رجلًا، من أشرافهم، وعند ابن إسحاق أيضًا من حديث كرز بن علقمة: أنهم كانوا أربعة وعشرين رجلًا، وسَرَد أسماءهم. انتهى . وقال في «العمدة»: «نجران» -بفتح النون، وسكون الجيم، وبالراء- بلد باليمن، وأهلها العاقب، واسمه عبد المسيح، والسيد، وأبو الحارث بن علقمة، وأخوه كرز، وأوس، وزيد بن قيس، وشيبة، وخويلد، وعمرو، وعبيد الله، وكان وفد نجران سنة تسع، كما ذكره ابن سعد، وكانوا أربعة عشر رجلًا من أشرافهم، وكانوا نصارى، ولم يُسْلموا إذ ذاك، ثم لم يلبث السيد والعاقب إلا يسيرًا حتى أتيا إلى النبيّ -ﷺ-، فأسلما، وقال ابن إسحاق: قَدِم وفد نصارى نجران ستون راكبًا، منهم أربعة وعشرون رجلًا من أشرافهم، وثلاثة منهم يؤول إليهم أمرهم، وهم العاقب، والسيد، وأبو حارثة، أحد بني بكر بن وائل أسقُفّهم، وصاحب مدارسهم، ولمّا دخلوا المسجد النبويّ دخلوا في تجمّل، وثياب حسان، وقد حانت صلاة العصر، فقاموا يصلّون إلى المشرق، فقال رسول الله - ﷺ -: «دعوهم»، وكان المتكلم أبا حارثة، والسيد، والعاقب، وسألوه أن يرسل معهم أمينًا، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح، وكان أبو حارثة يعرف أمر رسول الله - ﷺ -، ولكن صدّه الشرف والجاه عن اتباع الحقّ . (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، ابْعَثْ إِلَيْنَا رَجُلًا أَمِينًا، فَقَالَ) - ﷺ - «لأَبْعَثَنَّ إِلَيْكُمْ رَجُلًا أَمِينًا) قال القرطبيّ -﵀-: الأمانة ضدّ الخيانة، وهي عبارة عن قوّة الرجل على القيام بحفظ ما يوكَلُ إلى حفظه، ويُخلَّى بينه وبينه، وهي مأخوذة من قولهم: ناقة أَمُون؛ أي: قويّة على الحمل والسير، فكأن الأمين: هو الذي يوثَق به في حِفظ ما يُوكَلُ إلى أمانته حتى يؤدّيه لقوّته على ذلك. انتهى . (حَقَّ أَمِينٍ، حَقَّ أَمِينٍ») هكذا مكررًا، ونصب «حقّ» على أنه مصدر مضاف، وهو في موضع الصفة، تقديره: أمينًا محَقَّقًا في أمانته، قاله القرطبيّ ، وقال غيره -﵀- أي: بلغ في الأمانة الغاية القصوى، قيل: الأمانة كانت مشتركة بينه وبين غيره من الصحابة، لكن النبيّ - ﷺ - خصّ بعضهم بصفات غلبت عليه، وكان أخصّ بها، وقيل: خصّه بالأمانة؛ لكمال هذه الصفة فيه، قاله السنديّ . (قَالَ) حذيفة (فَاسْتَشْرَفَ لَهَا النَّاسُ)، وفي رواية: «فاستشرف لها أصحاب رسول الله - ﷺ -»؛ أي: تطلّعوا للولاية، ورَغِبوا فيها حرصًا على تحصيل الصفة المذكورة، وهي الأمانة، لا على الولاية من حيث هي، والله أعلم. وقال القرطبيّ -﵀-: أي: تشوّفوا، وتعرّضوا لمن هو الموجّه معهم، وكلهم يحرص على أن يكون هو المعنيّ؛ إذ كل واحد منهم أمين. انتهى . (قَالَ) حذيفة (فَبَعَثَ) - ﷺ - (أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ)، وفي رواية أبي يعلى: «قم يا أبا عبيدة، فأرْسَله معهم»، ووقع في رواية لأبَي يعلى من طريق سالم، عن أبيه، سمعت عمر يقول: ما أحببت الإمارة قط إلا مرّة واحدةً -فذكر القصة، وقال في الحديث -: فتعرضتُ أن تصيبني، فقال: «قم يا أبا عبيدة» . [تنبيه]: وقد أخرج البخاريّ في «المغازي» من «صحيحه» هذا الحديث مطوّلًا، فقال: (٤٣٨٠) - حدثني عباس بن الحسين، حدثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن صِلَة بن زُفَر، عن حذيفة قال: جاء العاقب، والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله - ﷺ - يريدان أن يُلاعننا، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن كان نبيًّا فلاعننا لا نفلح نحن ولا عَقِبنا من بعدنا، قالا: إنا نُعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلًا أمينًا، ولا تبعث معنا إلا أمينًا، فقال: «لأبعثنّ معكم رجلًا أمينًا حَقَّ أمين»، فاستشرف له أصحاب رسول الله - ﷺ -، فقال: «قم يا أبا عبيدة بن الجراح»، فلما قام قال رسول الله - ﷺ -: «هذا أمين هذه الأمة». وقوله: «جاء السيد والعاقب صاحبا نجران»، أما السيد فكان اسمه: الأيهم -بتحتانية ساكنة - ويقال: شُرَحبيل، وكان صاحب رحالهم، ومجتمعهم، ورئيسهم في ذلك، وأما العاقب فاسمه عبد المسيح، وكان صاحب مَشُورتهم، وكان معهم أيضًا أبو الحارث بن علقمة، وكان أُسْقُفَّهم، وحِبْرهم، وصاحب مِدْراسهم. قال ابن سعد: دعاهم النبي - ﷺ - إلى الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فامتنعوا، فقال: «إن أنكرتم ما أقول، فهَلُمّ أُبَاهِلكم»، فانصرفوا على ذلك. وذكر ابن إسحاق بإسناد مرسل أن ثمانين آية من أول سورة آل عمران نزلت في ذلك، يشير إلى قوله تعالى: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١]. وفي رواية يونس بن بكير أنه صالَحَهم على ألفيّ حُلّة: ألفٍ في رجب، وألفٍ في صفر، ومع كل حلة أُوقِيّة، وساق الكتاب الذي كَتَبه بينهم مطوَّلًا. وذكر ابن سعد أن السيد والعاقب رجعا بعد ذلك فأسلما ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حُذيفة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ٦٢٣٤ و٦٢٣٥] (٢٤٢٠)، و(البخاريّ) في «فضائل الصحابة» (٣٧٤٥) و«المغازي» (٤٣٨١) و«أخبار الآحاد» (٧٢٥٤)، و(الترمذيّ) في «المناقب» (٣٧٩٦)، و(النسائيّ) في «الفضائل» (٩٥)، و(ابن ماجه) في «المقدّمة» (١٣٥)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٤١٢)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٢/ ١٣٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٣٨٥ و٤٠١) وفي «الفضائل» (١٢٧٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٩٩٩ و٧٠٠٠)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٣/ ٢٦٧)، و(ابن سعد) في «الطبقات» (٣/ ٤١٢)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٩٢٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده : ١ - (منها): بيان فضل أبي عبيدة بن الجرّاح - ﵁ -، ففيه منقبة ظاهرة له - ﵁ -، فقد خصّه الله تعالى بالحظ الأكبر والنصيب الأكثر من الأمانة، بحيث شهِد له بذلك الرسول المعصوم الذي لا يفعل إلا حقًّا، ولا يقول إلا صدقًا، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤]، وصار له ذلك الاسمَ والعَلَمَ المعلوم، وقد ظهر ذلك من حاله للعيان ، حتى استوى في معرفته كل إنسان، وذلك أن عمر - ﵁ - لَمّا قَدِم الشام مُتفقّدًا أحوال الناس والأُمراء، ودخل منازلهم، وبحث عنهم أراد أن يدخل منزل أبي عبيدة، وهو أمير على الشام قد فُتحت عليه بلاده، وترادفت عليه فتوحاته وخيراته، واجتمعت له كنوزه وأمواله، فلما كلّمه عمر - ﵁ - في ذلك، قال له: يا أمير المؤمنين والله لئن دخلت منزلي لتعصِرَنّ عينيك، فلما دخل منزلة لم يجد فيه شيئًا يرُدّ البصر أكثر من سلاحه، وأداة رَحْل بعيره، فبكى عمر - ﵁ -، وقال: صدق رسول الله - ﷺ -: «أنت أمين هذه الأمة»، أو كما قال. وكان النبيّ - ﷺ - قد أخبر كل أحد من أعيان أصحابه - ﵃ - بما غلب عليه من أوصافه، وإن كانوا كلّهم فضلاء علماء حكماء مختارين لمختار، فقد صحّ عنه - ﷺ - فيما رواه الترمذيّ، وابن ماجه من حديث أنس بن مالك - ﵁ - مرفوعًا: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدّهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأعْلَمهم بالحلال والحرام معاذ، وأفرضهم زيد، وأقرؤهم أُبيّ، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة» . وأخرج الترمذيّ (٣٨٠١)، وابن ماجه (١٥٦) أيضًا من حديث عبد الله بن عمرو: «ما أظلّت الخضراء، ولا أقلّت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذرّ» . ٢ - (ومنها): أن في قصة أهل نجران هذه أن إقرار الكافر بالنبوة لا يُدخله في الإسلام، حتى يلتزم أحكام الإسلام. ٣ - (ومنها): بعثُ الإمام الرجل العالم الأمين إلى أهل الْهُدْنة في مصلحة الإسلام. ٤ - (ومنها): جواز مجادلة أهل الكتاب، وقد تجب إذا تَعَيَّنت مصلحته. ٥ - (ومنها): مشروعية مباهلة المخالف إذا أصرّ بعد ظهور الحجة، وقد دعا ابنُ عباس إلى ذلك، ثم الأوزاعيّ، ووقع ذلك لجماعة من العلماء، قال الحافظ: ومما عُرِف بالتجربة أن من باهَلَ، وكان مُبطِلًا لا تمضي عليه سنة من يوم المباهلة، ووقع لي ذلك مع شخص كان يتعصب لبعض الملاحدة، فلم يُقِمْ شهرين. ٦ - (ومنها): مصالحة أهل الذمة على ما يراه الإمام من أصناف المال، وَيجرِي ذلك مَجْرَى ضرب الجزية عليهم، فإن كُلًّا منها مال يؤخذ من الكفار على وجه الصَّغَار في كل عام. [فإن قلت]: ذكر ابن إسحاق أن النبي -ﷺ- بعث عليًّا إلى أهل نجران ليأتيه بصدقاتهم وجِزْيتهم، فكيف يُجمع بينها وبين قصّة أبي عبيدة هذه؟. [أجيب]: بأن قصة أبي عبيدة -﵁ - هذه غير قصّة عليّ -﵁ -؛ لأن أبا عبيدة توجه معهم، فقَبَض مال الصلح، ورَجَع، وأما عليّ فأرسله النبي -ﷺ- بعد ذلك يَقْبِض منهم ما استُحِقّ عليهم من الجزية، ويأخذ ممن أسلم منهم ما وجب عليه من الصدقة. أفاده في «الفتح» . والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٣٥] (…) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ) -بفتح الحاء المهملة، والفاء -: نسبة إلى موضع بالكوفة، وهو: عمر بن سَعْد بن عُبيد، ثقةٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٣) (م ٤) تقدم في «النكاح» ١٥/ ٣٤٩٨. والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي. [تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ عن أبي إسحاق هذه ساقها النسائيّ ﵀ في «الكبرى» بسند المصنّف، فقال: (٨١٩٧) - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا أبو داود الحفريّ، قالْ ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن صلة، عن حذيفة، قال: جاء العاقب والسيد، وهما صاحبا نجران إلى رسول الله -ﷺ-، فقالا: ابعث معنا رجلًا أمينًا حقَّ أمين، فجثا الناس، فقال: «قم يا أبا عبيدة». انتهى . وساقها الترمذيّ أيضًا في «جامعه»، فقال: (٣٧٩٦) - حدّثنا محمود بن غَيلان، حدّثنا وكيع، حدّثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة بن اليمان، قال: جاء العاقب والسيد إلى النبيّ -ﷺ-، فقالا: ابعث معنا أمينًا، فقال: فإني سأبعث معكم أمينًا حقّ أمين، فأشرف لها الناس، فبعث أبا عبيدة بن الجراح -﵁-. قال: وكان أبو إسحاق إذا حدّث بهذا الحديث عن صلة قال: سمعته منذ ستين سنةً، قال: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ، وقد رُوي عن ابن عمر، وأنس -﵄ - عن النبيّ -ﷺ- قال: «لكل أمة أمينٌ، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح». انتهى . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٨) - (بَابُ فَضَائِلِ الْحَسَن، وَالْحُسَيْنِ -﵄-) أما الحسن: فهو ابن عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشميّ سِبْط رسول الله -ﷺ- وريحانته، أمير المؤمنين، أبو محمد، وُلد في نصف شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة، قاله ابن سعد، وابن الْبَرْقيّ، وغير واحد، وقيل: في شعبان منها، وقيل: وُلد سنة أربع، وقيل: سنة خمس، والأول أثبت. رَوَى عن النبيّ -ﷺ- أحاديث حفظها عنه. وقال ابن أبي خيثمة: حدّثنا هارون بن معروف، حدّثنا ضمرة عن ابن شَوْذب قال: لمّا قُتل عليّ سار الحسن في أهل العراق، ومعاوية في أهل الشام، فالتقوا، فكَرِه الحسن القتال، وبايع معاوية على أن يجعل العهد له من بَعده، فكان أصحاب الحسن يقولون له: يا عار أمير المؤمنين، فيقول: العار خير من النار. وأخرج ابن سعد من طريق مجالد، عن الشعبي وغيره قال: بايع أهل العراق بعد عليّ الحسن بن عليّ، فسار إلى أهل الشام، وفي مقدمته قيس بن سعد في اثني عشر ألفًا، يسمّون شرطة الجيش، فنزل قيس بمسكن من الأنبار، ونزل الحسن المدائن، فنادى منادٍ في عسكر الحسن: ألا إن قيس بن سعد قُتل، فوقع الانتهاب في العسكر، حتى انتهبوا فسطاط الحسن، وطعنه رجل من بني أسد بخنجر، فدعا عمرو بن سلمة الأرحبيّ، وأرسله إلى معاوية يَشترط عليه، وبعث معاوية عبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن عامر، فأعطيا الحسن ما أراد، فجاء له معاوية من منبج إلى مسكن، فدخلا الكوفة جميعًا، فنزل الحسن القصر، ونزل معاوية النخيلة، وأجرى عليه معاوية في كل سنة ألف ألف درهم، وعاش الحسن بعد ذلك عشر سنين. قال ابن سعد: وأخبرنا عبد الله بن بكر السهميّ، حدّثنا حاتم بن أبي صغيرة، عن عمرو بن دينار، قال: وكان معاوية يعلم أن الحسن أكره الناس للفتنة، فراسله، وأصلح الذي بينهما، وأعطاه عهدًا إن حدَث به حدَث، والحسن حيّ ليجعلنّ هذا الأمر إليه، قال: فقال عبد الله بن جعفر: قال الحسن: إني رأيت رأيًا أحب أن تتابعني عليه، قلت: ما هو؟ قال: رأيت أن أعمد إلى المدينة، فأنزلها، وأُخْلي الأمر لمعاوية، فقد طالت الفتنة، وسُفكت الدماء، وقُطعت السبل، قال: فقلت له: جزاك الله خيرًا عن أمة محمد -ﷺ-، فبَعث إلى حسين، فذَكر له ذلك، فقال: أعيذك بالله، فلم يزل به حتى رضي. وقال يعقوب بن سفيان: حدّثنا سعيد بن منصور، حدّثنا عون بن موسى، سمعت هلال بن خباب: جَمَع الحسن رؤوس أهل العراق في هذا القصر، قصر المدائن، فقال: إنكم قد بايعتموني على أن تسالموا من سالمت، وتحاربوا من حاربت، وإني قد بايعت معاوية، فاسمعوا له وأطيعوا. قال الواقديّ: مات سنة تسع وأربعين، وقال المدائنيّ: مات سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين، وقال الهيثم بن عبديّ: سنة أربع وأربعين، وقال ابن منده: مات سنة تسع وأربعين، وقيل: خمسين، وقيل: سنة ثمان وخمسين، ويقال: إنه مات مسمومًا. انتهى ملخّصًا من «الإصابة» . وقال القرطبيّ ﵀: وُلد الحسن في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة، هذا أصحُّ ما قيل في ذلك، ووُلد الحسين لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة، وقيل: سنة ثلاث، هذا قول الواقدي. وقال: علقت به فاطمة -﵂ - بعد مولد الحسن بخمسين ليلة، ومات الحسن مسمومًا في ربيع الأول من سنة خمسين بعدما مضى من خلافة معاوية عشر سنين. وقيل: بل مات سنة إحدى وخمسين، ودُفن ببقيع الغرقد إلى جانب قبر أمه، وصلَّى عليه سعيد بن العاص، وكان أمير المدينة، قدَّمه الحسين، وقال: لولا أنَّها سُنَّة لَمَا قدَّمتك، وقد كان وصى أن يُدفن مع رسول الله -ﷺ-، إن أذِنَتْ في ذلك عائشة فأذِنَتْ في ذلك، ومَنَع من ذلك مروان، وبنو أمية. وروى أبو عمر بإسناده إلى عليّ -﵁ - قال: لمّا وُلد الحسن جاءه رسول الله -ﷺ-، فقال: «أروني ابني، ما سمّيتموه؟» قلت: حربًا. قال: «بل هو: حسن»، فلما وُلد الحسين، قال: «أروني ابني، ما سمَّيتموه؟»، قلت: حربًا، قال: «بل هو: حسين»، فلمّا ولد الثالث، قال: «أروني ابني، ما سميتموه؟» قلت: حربًا، قال: «بل هو: محسِّن». وعقَّ النبيّ -ﷺ- عن كل واحدٍ من الحسن والحسين يوم سابعه بكبش كبش، وأمر أن يُحلَق كل واحد منهما، وأن يُتَصَدَّق بوزن شعرهما فضة. وقال عليّ -﵁-: «الحسين -﵁ - أشبه الناس برسول الله -ﷺ- ما بين الصدر إلى الرأس، والحسن أشبه الناس بالنبيّ -ﷺ- ما كان أسفل من ذلك». وتواردت الآثار الصّحاح عن النبيّ -ﷺ- أنه قال في الحسن: «إن ابني هذا سيِّد، وعسى الله أن يبقيه حتى يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»، ولا أَسْوَد ممن سوَّده رسول الله -ﷺ-، وشهد له بذلك، وكان حليمًا، ورِعًا، فاضلًا، دعاه وَرَعه وفَضْله إلى أن تَرَك الْمُلك والدنيا رغبة فيما عند الله. ومما يدلّ على صحة ذلك، وعلى صدق النبيّ -ﷺ-، وصحة نبوّته ما قد اشتهر من حال الحسن، وتواتر من قضيَّة خلافته، وإصلاحه بين المسلمين، وذلك أنه لمّا قُتِل عليّ -﵁ - بايعه أكثر من أربعين ألفًا، وكثير ممن تخلَّف عن أبيه، وممن نكث بيعته، فبقي نحو سبعة أشهر خليفة بالعراق، وما وراءها من خراسان، ثم سار إلى معاوية في أهل الحجاز، والعراق، وما وراءها من خراسان، ثم سار إليه معاوية في أهل الشام، فلما تراءى الجمعان بموضع، يقال له: مَسْكَن، من أرض السواد بناحية الأنبار، كره الحسن القتال؛ لِعِلمه أن إحدى الطائفتين لا تغلب حتى يهلكَ أكثر الأخرى، فيهلك المسلمون، فسلَّم الأمر لمعاوية على شروط شَرَطها عليه، منها: أن يكون الأمر له من بعد معاوية، فالتزم كل ذلك معاوية، واجتمع الناس على بيعته في النصف من جمادى الأولى من سنة إحدى وأربعين. هذا أصح ما قيل في ذلك، ولمّا فعل ذلك الحسن عَتَب عليه أصحابه، ولاموه على ذلك؛ حتى قال له بعض أصحابه: يا عار المؤمنين! فقال: العار خير من النار. وقال له شيخ من أهل الكوفة يكنى أبا عامر لمّا قَدِمها: السلام عليك يا مُذِلّ المؤمنين، فقال له: لا تقل ذلك يا أبا عامر! فإني لم أذل المؤمنين، ولكني كرهت أن أقتلهم في طلب المُلك. فقد ظهر ما قاله سيد المرسلين -ﷺ- من أن الحسن سيِّد، وأن الله أصلح به بين فئتين من المسلمين، لكن خُشي من طول عمره فسُمَّ فمات من فوره، ونقل الثقات: أنه لمّا سُمَّ لفظ قِطَعًا من كبده، وحينئذ قال: لقد سُقيتُ السُّمَّ ثلاث مرات لم أُسقَ مثل هذه المرة، فقال له الحسين: يا أخي من سقاك؟ قال: وما تريد إليه؟ أتريد أن تقتله؟ قال: نعم. قال: لئن كان الذي أظن؛ فالله أشد نقمة، ولئن كان غيره فما أحب أن يُقتل بي بريء. ولمّا وَرَدَ البريد بموته على معاوية قال: يا عجبًا من الحسن! شرب شربة من عسل بماء رُومة فقضى نحبه. انتهى . وأما الحسين: فهو ابن عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشميّ، أبو عبد الله، سبط رسول الله -ﷺ-، وريحانته، قال الزبير وغيره: وُلد في شعبان سنة أربع، وقيل: سنة ستّ، وقيل: سنة سبع، وليس بشيء. وكانت إقامة الحسين بالمدينة إلى أن خرج مع أبيه إلى الكوفة، فشهد معه الجَمَل، ثم صفّين، ثم قتال الخوارج، وبقي معه إلى أن قُتل، ثم مع أخيه إلى أن سَلَّم الأمر إلى معاوية، فتحول مع أخيه إلى المدينة، واستمرّ بها إلى أن مات معاوية، فخرج إلى مكة، ثم أتته كُتُب أهل العراق بأنهم بايعوه بعد موت معاوية، فأرسل إليهم ابن عمة مسلم بن عَقِيل بن أبي طالب، فأخذ بيعتهم، وأرسل إليهم فتوجه، وكان من قصة قتله ما كان. وقال عمار بن معاوية الدُّهْنيّ: قلت لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين: حدّثني عن مقتل الحسين حتى كأني حضرته، قال: مات معاوية، والوليد بن عتبة بن أبي سفيان على المدينة، فأرسل إلى الحسين بن علي ليأخذ بيعته ليلته، فقال: أخِّرني، ورَفَق به، فأخّره، فخرج إلى مكة، فأتاه رُسُل أهل الكوفة: إنا قد حبسنا أنفسنا عليك، ولسنا نحضر الجمعة مع الوالي، فاقدُم علينا، وقال: وكان النعمان بن بشير الأنصاريّ على الكوفة، فبعث الحسين بن علي إليهم مسلم بن عَقيل، فقال: سِرْ إلى الكوفة، فانظر ما كتبوا به إليّ، فإن كان حقًّا قَدِمت إليه، فخرج مسلم حتى أتى المدينة، فأخذ منها دليلين، فمرّا به في البرية، فأصابهم عطش، فمات أحد الدليلين، فقَدِم مسلم الكوفة، فنزل على رجل يقال له: عوسجة، فلما علم أهل الكوفة بقدومه دَبُّوا إليه، فبايعه منهم اثنا عشر ألفًا، فقام رجل ممن يهوى يزيد بن معاوية إلى النعمان بن بشير، فقال: إنك ضعيف، أو مستضعف، قد فسد البلد، قال له النعمان: لَأَنْ أكون ضعيفًا في طاعة الله أحب إلي من أن أكون قويًّا في معصيته، ما كنت لأهتك سترًا، فكتب الرجل بذلك إلى يزيد، فدعا يزيد مولى له يقال له: سرحون، فاستشاره، فقال له: ليس للكوفة إلا عبيد الله بن زياد، وكان يزيد ساخطًا على عبيد الله، وكان هَمّ بعزله عن البصرة، فكتب إليه برضاه عنه، وأنه قد أضاف إليه الكوفة، وأمَرَه أن يطلب مسلم بن عَقيل، فإن ظَفَر به قتله، فأقبل عبيد الله بن زياد في وجوه أهل البصرة، حتى قَدِم الكوفة متلثمًا، فلا يمرّ على أحد، فيسلّم إلا قال له أهل المجلس: عليك السلام يا ابن رسول الله -ﷺ-، يظنونه الحسين بن علي، قدم عليهم، فلما نزل عبيد الله القصر، دعا مولى له، فدفع إليه ثلاثة آلاف درهم، فقال: اذهب حتى تسأل عن الرجل الذي يبايعه أهل الكوفة، فادخل عليه، وأعلمه أنك من حمص، وادفع إليه المال، وبايِعه، فلم يزل المولى يتلطف حتى دلّوه على شيخ يلي البيعة، فذكر له أمره، فقال: لقد سرّني إذ هداك الله، وساءني أنّ أمْرنا لم يستحكم، ثم أدخله على مسلم بن عَقيل، فبايعه، ودفع له المال، وخرج حتى أتى عبيد الله فأخبره، وتحوّل مسلم حين قدم عبيد الله من تلك الدار إلى دار أخرى، فأقام عند هانئ بن عروة المراديّ، وكان عبيد الله قال لأهل الكوفة: ما بال هانئ بن عروة لم يأتني؟ فخرج إليه محمد بن الأشعث في أناس من وجوه أهل الكوفة، وهو على باب داره، فقالوا له: إن الأمير قد ذَكَرك، واستبطأك، فانطلق إليه، فركب معهم، حتى دخل على عبيد الله بن زياد، وعنده شريح القاضي، فقال عبيد الله لمّا نظر إليه لشريح: أتتك بحائن رجلاه، فلما سلّم عليه، قال له: يا هانئ أين مسلم بن عَقيل؟ فقال له: لا أدري، فأخرج إليه المولى الذي دفع الدراهم إلى مسلم، فلما رآه سُقط في يده، وقال: أيها الأمير والله ما دعوته إلى منزلي، ولكنه جاء، فطرح نفسه عليّ، فقال: ائتني به، فتلكأ، فاستدناه، فأدْنوه منه، فضربه بالقضيب، وأمَر بحبسه، فبلغ الخبر قومه، فاجتمعوا على باب القصر، فسمع عبيد الله الجلبة، فقال لشريح القاضي: اخرج إليهم، فأعْلِمهم أنني ما حبسته إلا لأستخبره عن خبر مسلم، ولا بأس عليه مني، فبلّغهم ذلك، فتفرقوا، ونادى مسلم بن عَقيل لمّا بلغة الخبر بشعاره، فاجتمع عليه أربعون ألفًا من أهل الكوفة، فركب، وبعث عبيد الله إلى وجوه أهل الكوفة، فجَمَعهم عنده في القصر، فأمَر كل واحد منهم أن يُشرف على عشيرته، فيردّهم، فكلّموهم، فجعلوا يتسللون، فأمسى مسلم، وليس معه إلا عدد قليل منهم، فلما اختلط الظلام ذهب أولئك أيضًا، فلما بقي وحده تردد في الطُّرُق بالليل، فأتى باب امرأة، فقال: اسقيني ماء، فسَقَته، فاستمر قائمًا، قالت: يا عبد الله إنك مرتاب، فما شأنك؟ قال: أنا مسلم بن عَقيل، فهل عندك مأوى؟ قالت: نعم ادخل، فدخل، وكان لها ولد من موالي محمد بن الأشعث، فانطلق إلى محمد بن الأشعث، فأخبره، فلم يفجأ مسلمًا إلا والدار قد أحيط بها، فلما رأى ذلك خرج بسيفه يدفعهم عن نفسه، فأعطاه محمد بن الأشعث الأمان، فأمكن من يده، فأُتي به عبيد الله، فأمر به، فأُصعد إلى القصر، ثم قتله، وقتل هانئ بن عروة، وصلبهما، فقال شاعرهم في ذلك أبياتًا منها [من الطويل]: فَإِنْ كُنْتِ لَا تَدْرِينَ مَا الْمَوَتُ فَانْظُرِي … إِلَى هَانِئٍ فِي السُّوقِ وَابْنِ عَقِيلِ ولم يبلغ الحسين ذلك حتى كان بينه وبين القادسية ثلاثة أميال، فلقيه الحرّ بن يزيد التميميّ، فقال له: ارجع، فإني لم أَدَعْ لك خلفي خيرًا، وأخبره الخبر، فهَمَّ أن يرجع، وكان معه إخوة مسلم، فقالوا: والله لا نرجع حتى نصيب بثأرنا، أو نُقتل، فساروا، وكان عبيد الله قد جهّز الجيش لملاقاته، فوافوه بكربلاء، فنزلها ومعه خمسة وأربعون نفسًا من الفرسان، ونحو مائة راجل، فلقيه الحسين، وأميرهم عمر بن سعد بن أبي وقاص، وكان عبيد الله ولّاه الريّ، وكَتَب له بعهده عليها إذا رجع من حرب الحسين، فلما التقيا قال له الحسين: اختر مني إحدى ثلاث، إما أن ألحق بثغر من الثغور، وإما أن أرجع إلى المدينة، وإما أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية، فقَبِل ذلك عمر منه، وكَتَب به إلى عبيد الله، فكَتَب إليه: لا أقبل منه حتى يضع يده في يدي، فامتنع الحسين، فقاتَلوه، فقُتل معه أصحابه، وفيهم سبعة عشر شابًا من أهل بيته، ثم كان آخر ذلك أن قُتل، وأُتي برأسه إلى عبيد الله، فأرسله ومن بقي من أهل بيته إلى يزيد، ومنهم علي بن الحسين، وكان مريضًا، ومنهم عمته زينب، فلما قَدِموا على يزيد أدخلهم على عياله، ثم جهَّزهم إلى المدينة. انتهى ملخّصًا من «الإصابة» . وقال القرطبيّ ﵀: وأما الحسين -﵁ -: فكان فاضلًا، ديِّنًا، كثير الصوم، والصلاة، والحج، قال مصعب الزبيري: حجَّ الحسين خمسًا وعشرين حجَّة ماشيًا، وقد قال النبيّ -ﷺ- فيه وفي الحسن: «إنهما سيِّدا شباب أهل الجنة»، وقال: «هما رَيْحانتاي من الدنيا»، وكان النبيّ -ﷺ- إذا رآهما هشَّ لهما، وربما أخذهما، كما روى أبو داود: أنهما دخلا المسجد، وهو يخطب، فقطع خطبته، ونزل فأخذهما، وصعد بهما، وقال: «رأيت هذين، فلم أصبر»، وكان يقول فيهما: «اللهم إني أُحبهما، فأَحِبَّهما، وأحِبَّ من يحبهما»، وقُتل ﵀، ولا رحم قاتله يوم الجمعة لعشر خلون من محرم سنة إحدى وستين بموضع يقال له: كربلاء، بقرب موضع يقال له: الطفُّ بقرب من الكوفة. قال أهلُ التواريخ: لما مات معاوية، وأفضت الخلافة إلى يزيد، وذلك في سنة ستين، وَرَدَت بيعته على الوليد بن عتبة بالمدينة ليأخذ البيعة على أهلها، أرسل إلى الحسين بن عليّ، وإلى عبد الله بن الزبير ليلًا، فأُتي بهما فقال: بايعا. فقالا: مثلنا لا يبايع سرًّا، ولكنا نبايع على رؤوس الناس إذا أصبحنا، فرجعا إلى بيوتهما، وخرجا من ليلتهما إلى مكة، وذلك ليلة الأحد لليلتين بقيتا من رجب، فأقام الحسين بمكة شعبان، ورمضان، وشوال، وذا القعدة، ثم خرج يوم التروية يريد الكوفة، فبعث عبيد الله بن زياد خيلًا لقتل الحسين، وأمَّر عليهم عمر بن سعد، فأدركه بكربلاء، فقُتل الحسين، وقُتل معه مِن وَلَده وإخوته وأهل بيته ثلاثة وعشرون رجلًا، وسُبي نساؤه، وذلك في يوم عاشوراء من السنة المذكورة، وكان من قضاء الله تعالى، وتعجيل عقوبته لعبيد الله بن زياد، أن قُتل يوم عاشوراء سنة سبع وستين، قتله إبراهيم بن الأشتر في الحرب، وبعث برأسه إلى المختار، وبعث به المختار إلى ابن الزبير، فبعث به إلى علي بن حسين. واختُلف في سنّ الحسين يوم قُتل. فقيل: سبع وخمسون. وقيل: ثمان. وقيل: أربع. وقال جعفر بن محمد: توفي عليّ بن أبي طالب وهو ابن ثمان وخمسين. وقُتل الحسين وهو ابن ثمان وخمسين، وتوفي علي بن الحسين، وهو ابن ثمان وخمسين، وتوفي محمد بن علي، وهو ابن ثمان وخمسين. قال سفيان: قال لي جعفر بن محمد: وأنا بهذه السنة في ثمان وخمسين، وتوفي فيها، رحمة الله عليهم أجمعين. وروي عن ابن عباس -﵄ - أنه قال: رأيت النبيّ -ﷺ- فيما يرى النائم نصف النهار، وهو قائم أشعث، أغبر، بيده قارورة فيها دم، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما هذا؟ قال: هذا دم الحسين، لم أزل ألقطه منذ اليوم، فوُجد قد قُتل في ذلك اليوم. وأما الحسن فكان سنَّه يوم مات ستًّا وأربعين سنة، وقيل: سبعًا وأربعين سنة. وروى الحسن عن النبيّ -ﷺ- حديث الدعاء في القنوت.
مصادر المؤلف (٢١)

١. «الفتح» ٨/ ٤٥٦ رقم (٣٧٤٤).

٢. «المصباح المنير» ٢/ ٥٩٤.

٣. «الفتح» ٩/ ٥٢٨ - ٥٢٩، كتاب «المغازي» رقم (٤٣٨٠).

٤. «عمدة القاري» ١٦/ ٢٣٩.

٥. «المفهم» ٦/ ٢٩٢.

٦. «المفهم» ٦/ ٢٩٤.

٧. «حاشية السندي على ابن ماجه» ١/ ٩٣.

٨. «المفهم» ٦/ ٢٩٤.

٩. «الفتح» ٨/ ٤٥٦.

١٠. «الفتح» ٩/ ٥٢٩.

١١. المراد: الفوائد التي اشتمل عليها الحديث بطوله، كما أسلفته من رواية البخاريّ مطوّلًا، فتنبّه.

١٢. راجع: «المفهم» ٦/ ٢٩٣.

١٣. حديث صحيح.

١٤. حديث صحيح بطرقه.

١٥. راجع: «الفتح» ٨/ ٤٢٩، كتاب «المغازي» رقم الحديث (٤٣٨٣).

١٦. «السُّنن الكبرى» للنسائيّ ٥/ ٥٧.

١٧. إنما أوردت رواية الترمذيّ؛ لِمَا فيها من الزيادة، فتنبّه.

١٨. «جامع الترمذيّ» ٥/ ٦٦٧.

١٩. «الإصابة في تمييز الصحابة» ٢/ ٦٨.

٢٠. «المفهم» ٦/ ٢٩٥ - ٢٩٧.

٢١. راجع: «الإصابة في تمييز الصحابة» ٢/ ٦٨ - ٧٣.