HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٤٣٠

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شيبة. حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ. ح وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ ووكيع وأبو مُعَاوِيَةَ. ح وحَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ. كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ (وَاللَّفْظُ حَدِيثُ أَبِي أُسَامَةَ). ح وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أسامة عن هشام، عن أبيه، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا بِالْكُوفَةِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ. وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ». قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: وَأَشَارَ وَكِيعٌ إِلَى السماء والأرض.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص132
ج ٤ ص ١٨٨٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٩ ص٧
النباش التميميّ، فولدت له هندًا، وعتيقِ بن عائذ المخزوميّ، ثم تزوَّجها رسول الله -ﷺ-، وهي بنت أربعين سنة، وأقامت معه أربعًا وعشرين سنة، وتُوفيت، وهي بنت أربع وستين سنة وستة أشهر، وكان رسول الله -ﷺ- إذ تزوج خديجة ابن إحدى وعشرين سنة، وقيل: ابن خمس وعشرين سنة، وهو قول الأكثر. وقيل: ابن ثلاثين. وأجمع أهل النقل: أنها ولدت له أربع بنات كلهن أدركن الإسلام، وأسلمن، وهاجرن: زينب، وفاطمة، ورقية، وأم كلثوم. وأجمعوا أنها ولدت له ابنًا يُسمَّى: القاسم، وبه كان يكنى، واختلفوا هل ولدت له ذكرًا غير القاسم؛ فقيل: لم تلد له ذكرًا غيره. وقيل: ولدت له ثلاثة ذكور: عبد الله، والطيب، والطاهر. وقيل: بل ولدت له: عبد الله، والطيب والطاهر: اسمان له. والخلاف في ذلك كثير، والله تعالى أعلم. ومات القاسم بمكة صغيرًا. قيل: إنه بلغ إلى أن مشى، وقيل: لم يعش إلا أيامًا يسيرة، ولم يكن للنبيّ -ﷺ- ولد من غير خديجة إلا إبراهيم، ولدته مارية القبطية بالمدينة، وبها توفي وهو رضيع، ومات بنات النبيّ -ﷺ- كلهن قبل موته إلا فاطمة، فإنَّها توفيت بعده بستة أشهر. وكانت خديجة -﵂- امرأة شريفة عاقلة فاضلة حازمة ذات مال، وقد تقدَّم أنها أول من آمن بالنبيّ -ﷺ-، وأنه -ﷺ- نُبِّئ يوم الإثنين، فصلّت آخر ذلك اليوم، وكانت عونًا للنبيّ -ﷺ- على حاله كله، وردءًا له تثبِّتُه على أمره، وتصدّقه فيما يقوله، وتصبِّره على ما يلقى من قومه من الأذى والتكذيب، ولم يتزوج عليها إلى أن ماتت. قيل: كانت وفاتها قبل مُهاجَر النبيّ -ﷺ- إلى المدينة بسبع سنين. وقيل: بخمس. وقيل: بأربع. وقيل: بثلاث، وهو أصحها، وأشهرها -إن شاء الله تعالى- وتوفيت هي وأبو طالب -عم رسول الله -ﷺ-- في سنة واحدة. قيل: كان بينهما ثلاثة أيام، وتوفيت في رمضان، ودُفنت بالحجون. انتهى . [٦٢٥١] (٢٤٣٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَوَكِيعٌ، وَأَبُو مُعَاوِيةَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَاللَّفْظُ حَدِيثُ أَبِي أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَعْفَرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا بِالْكُوفَةِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُويلِدٍ»، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: وَأَشَارَ وَكِيعٌ إِلَى السَّمَاءِ وَالأَرْضِ). رجال هذا الإسناد: اثنا عشر: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ الكوفيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام، تقدّم أيضًا قريبًا. ٦ - (عَلِيُّ) بن أبي طالب -﵁-، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا في البابين الماضيين، و«أَبُو مُعَاوِيَةَ» هو: محمد بن خازم الضرير. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، هشام عن أبيه، وصحابيّ عن صحابيّ هو عمّه، عبد الله بن جعفر عن عليّ -﵃-. شرح الحديث: (عَنْ هِشَامِ) بن عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَعْفَرِ) بن أبي طالب، ووقع عند عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن عبد الله بن جعفر، وهو من المزيد في متصل الأسانيد؛ لتصريح عبدة في هذه الرواية بسماع عروة عن عبد الله بن جعفر، قاله في «الفتح» . (يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا)؛ أي: ابن أبي طالب -﵁-، قال في «الفتح»: اتفق أصحاب هشام على ذكر عليّ فيه، وقصر به محمد بن إسحاق، فرواه عن هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، عن النبيّ -ﷺ-، أخرجه أحمد، وابن حبان، والحاكم، لكن بلفظ مغاير لهذا اللفظ، فالظاهر أنهما حديثان. انتهى . (بِالْكُوفَةِ) بضمّ الكاف، وسكون الواو: مدينة مشهورة بالعراق، قيل: سُمّيت كوفة؛ لاستدارة بنائها؛ لأنه يقال: تكوّف القوم: إذا اجتمعوا، واستداروا، قاله الفيّوميّ -﵀- . وقال في «التاج»: الكُوفَةُ بالضَّمِّ: الرَّمْلَةُ الحمْراءُ المُجْتَمِعةُ، وقِيلَ: المُسْتَدِيرةُ، أَو كلُّ رَمْلَةٍ تُخالِطُها حصْباءُ، أَو الرَّمْلَة ما كانتْ، والكُوفَةُ: مَدِينَةُ العِراقِ الكُبْرى، وهي قُبَّةُ الإِسلام، ودارُ هِجرَةِ المُسْلِمِينَ، قيل: مَصَّرَها سعْدُ بن أَبي وقّاصٍ، وكانَ قبل ذلك مَنْزَلَ نُوحٍ -﵇-، وبَنَى مَسْجِدَها الأَعظَم، واختُلِفَ في سَبَب تَسْمِيَتِها، فقِيلَ: سُمِّيَتْ؛ لاسْتِدارتِها، وقِيل: بسبَب اجْتِماعِ الناسِ بها، وقِيلَ: لكَوْنِها كانتْ رَملَةً حمْراءَ، أَو لاخْتِلاطِ تُرابِها بالحَصَى، ويقال لها أيضًا: كُوفانُ بالضم، ويُفتح، وقالَ اللِّحْيانِيُّ: كُوفانُ: اسمٌ للكُوفَةِ، وبها كانَتْ تُدْعَى قبلُ، وقال الكِسائيُّ: كانَت الكُوفَةُ تُدْعَى كُوفانَ، ويُقالُ لها أيضًا: كُوفَةُ الجُنْدِ؛ لأنّه اخْتُطَّتْ فيها خِطَطُ العربِ أَيّامَ عُثْمانَ -﵁-، ويقال: أَيامَ عُمرَ -﵁- خَطَّطَها -أَي: تَولَّى تَخْطِيطَها- السائِبُ بنُ الأَقْرَع بنِ عوْفٍ الثَّقَفِيُّ -﵁-، وهو الذي شَهد فتحُ نَهاوَنْدَ مع النُّعمانِ بنِ مُقَرِّنٍ، وقد ولِيَ أَصبهانَ أيضًا، وبها ماتَ وعَقِبُه بها، أَو سُمِّيَتْ بِكُوفانَ، وهو جُبَيْلٌ صَغِيرٌ، فسَهَّلُوهُ، واخْتَطُّوا علَيْهِ، أَو مِنَ الكَيْفِ، وهو القَطْعُ؛ لأَنَّ أَبْرَوِيزَ أَقْطَعَه لبَهْرامَ، أَو لأَنَّها قِطْعَةٌ من البلادِ، والأَصلُ كُيْفَة، فلمّا سَكَنَت الياءُ، وانْضَمَّ ما قَبْلَها جُعِلَتْ واوًا، أَو هي من قوْلهم: هُمْ في كُوفانٍ بالضّمِّ، وكَوَّفانٍ مُحَرَّكَةً مشَدَّدَةَ الواوِ؛ أَي: في عِزٍّ ومَنَعَةٍ، أَو لأَنَّ جَبَل ساتِيدَمَا مُحيطٌ بها، كالكافِ، أَو لأَنَّ سَعْدًا؛ أَي: ابنُ أَبي وقّاصٍ -﵁- لَمّا أَراد أَنْ يبْنِيَ الكُوفَةَ ارْتادَ هذهِ المَنْزِلَةَ للمُسْلِمينَ، قال لهمُ: تَكَوَّفُوا في هذا المكانِ؛ أَي: اجْتَمِعُوا فيه، أَو لأَنَّه قالَ: كَوِّفُوا هذه الرَّمْلَةَ؛ أَي: نَحُّوها، وانْزِلُوا. انتهى باختصار . (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ)؛ أي: نساء أهل الدنيا في زمانها، وليس المراد أن مريم خير نسائها؛ لأنه يصير كقولهم: زيد أفضل إخوانه، وقد صرَّحوا بمنعه، فهو كما لو قيل: فلان أفضل الدنيا، وقد رواه النسائيّ من حديث ابن عباس -﵄- بلفظ:«أفضل نساء أهل الجنة»، فعلى هذا فالمعنى: خير نساء أهل الجنة مريم، وفي رواية:«خير نساء العالمين»، وهو كقوله تعالى: ﴿اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢]، وظاهره أن مريم أفضل من جميع النساء، وهذا لا يمتنع عند من يقول: إنها نبيّة، وأما من قال: ليست بنبيّة، فيحمله على عالَمِي زمانها، وبالأول جزم الزجاج، وجماعة، واختاره القرطبيّ، ويَحْتَمِل أيضًا أن يراد نساء بني إسرائيل، أو نساء تلك الأمة، أو«مِنْ»فيه مضمرة، والمعنى أنها من جملة النساء الفاضلات، ويدفع ذلك حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁- الآتي بعده بصيغة الحصر: أنه لم يكمل من النساء غيرها، وغير آسية . (وَخَيْرُ نِسَائِهَا)؛ أي: نساء هذه الأمة (خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ») قال القاضي أبو بكر بن العربيّ: خديجة أفضل نساء الأمة مطلقًا لهذا الحديث، وقد تقدم في آخر قصة موسى حديث أبي موسى في ذِكر مريم وآسية، وهو يقتضي فضلهما على غيرهما من النساء، ودل هذا الحديث على أن مريم أفضل من آسية، وأن خديجة أفضل نساء هذه الأمة، وكأنه لم يتعرض في الحديث الأول لنساء هذه الأمة حيث قال: «ولم يكمل من النساء»؛ أي: من نساء الأمم الماضية، إلا إن حملنا الكمال على النبوة فيكون على إطلاقه، وعند النسائي بإسناد صحيح عن ابن عباس: «أفضل نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة ومريم وآسية»، وعند الترمذي بإسناد صحيح عن أنس: «حسبك من نساء العالمين» فَذَكرهن، وللحاكم من حديث حذيفة؛ أن رسول الله -ﷺ- أتاه ملَك فبشّره أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة . (قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: وَأَشَارَ وَكِيعٌ إِلَى السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) قال النوويّ -﵀-: أراد وكيع بهذه الإشارة تفسير الضمير في «نسائها»، وأن المراد به جميع نساء الأرض؛ أي: كل من بين السماء والأرض من النساء، والأظهر أن معناه: أن كل واحدة منهما خير نساء الأرض في عصرها، وأما التفضيل بينهما فمسكوت عنه، قال القاضي عياض: ويَحْتَمِل أن المراد: أنهما من خير نساء الأرض، والصحيح الأول. انتهى . وقال القرطبيّ: قوله: «خير نسائها مريم. . . إلخ» هذا الضمير عائد على غير مذكور؛ لكنه تفسّره الحال والمشاهدة؛ يعني به: الدنيا، وفي رواية: وأشار وكيع إلى السماء والأرض -يريد الدُّنيا- كأنه يفسر ذلك الضمير، فكأنه قال: خير نساء الدنيا: مريم بنت عمران. وهذا نحو حديث ابن عباس المتقدِّم، الذي قال فيه: «خير نساء العالمين: مريم». ويشهد لهذه الأحاديث في تفضيل مريم: قول الله تعالى حكاية عن قول الملائكة لها: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢]، فظاهر القرآن والأحاديث يقتضي: أن مريم أفضل من جميع نساء العالم، من حواء إلى آخر امرأة تقوم عليها الساعة، ويعتضد هذا الظاهر: بأنها صدّيقة ونبيّة بلَّغتها الملائكةُ الوحي عن الله تعالى بالتكليف، والإخبار، والبشارة، وغير ذلك؛ كما بلَّغته سائر الأنبياء، فهي إذًا نبيَّة، وهذا أَولى مِن قول من قال: إنها غير نبيَّة، وإذا ثبت ذلك، ولم يُسمع في الصحيح أن في النساء نبئة غيرها فهي أفضل من كل النساء الأولين والآخرين؛ إذ النبي أفضل من الولي بالإجماع، وعلى هذا فهي أفضل مطلقًا، ثم بعدها في الفضيلة فاطمة، ثم خديجة، ثم آسية، وكذلك رواه موسى بن عقبة عن كريب عن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «سيدة نساء العالمين: مريم، ثم فاطمة، ثم خديجة، ثم آسية» ، وهذا حديث حسن، رافع لإشكال هذه الأحاديث. قال الجامع عفا الله عنه: قد تعقّب الحافظ قول القرطبيّ -﵀-: حديث حسنٌ، فقال ما حاصله: هذا الحديث الدال على الترتيب ليس بثابت، وأصله عند أبي داود، والحاكم بغير صيغة ترتيب. انتهى. قال: فأمَّا من يرى: أن مريم صدّيقة، وليست بنبيَّة فلهم في تأويل هذه الأحاديث طريقان: أحدهما: أن معناها: أن كل واحدة من أولئك النساء الأربع خير عالم زمانها، وسيدة وقتها. وثانيهما: أن هؤلاء النسوة الأربع هن أفضل نساء العالم، وإن كنَّ في أنفسهن على مزايا متفاوتة، ورُتَب متفاضلة، وما ذكرناه: أوضح وأسلم. والله أعلم. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- . وقال الطيبيّ -﵀-: الضمير الأول يعود على الأمة التي كانت فيها مريم، والثاني على هذه الأمة، قال: ولهذا كرر الكلام تنبيهًا على أن حُكم كل واحدة منها غير حكم الأخرى. قال الحافظ: ووقع عند مسلم من رواية وكيع عن هشام في هذا الحديث: «وأشار وكيع إلى السماء والأرض»، فكأنه أراد أن يبيّن أن المراد: نساء الدنيا، وأن الضميرين يرجعان إلى الدنيا، وبهذا جزم القرطبيّ أيضًا. وقال الطيبيّ: أراد أنهما خيرُ مَن تحت السماء وفوق الأرض من النساء، قال: ولا يستقيم أن يكون تفسيرًا لقوله: «نسائها»؛ لأن هذا الضمير لا يصلح أن يعود إلى السماء، كذا قال، ويَحْتَمِل أن يريد أن الضمير الأول يرجع إلى السماء، والثاني إلى الأرض إن ثبت أن ذلك صدر في حياة خديجة، وتكون النكتة في ذلك أن مريم ماتت، فعُرج بروحها إلى السماء، فلمّا ذَكَرها أشار إلى السماء، وكانت خديجة إذ ذاك في الحياة، فكانت في الأرض، فلما ذكرها أشار إلى الأرض، وعلى تقدير أن يكون بعد موت خديجة، فالمراد أنهما خير من صُعِد بروحهنّ إلى السماء، وخير من دُفِن جسدهنّ في الأرض، وتكون الإشارة عند ذِكر كل واحدة منهما. قال الحافظ: والذي يظهر لي أن قوله: «خير نسائها» خبر مقدَّم، والضمير لمريم، فكأنه قال: مريم خير نسائها؛ أي: نساء زمانها، وكذا في خديجة. وقد جزم كثير من الشراح أن المراد: نساء زمانها؛ لحديث أبي موسى -﵁- الآتي بعد هذا، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «كَمُل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم، وآسية»، فقد أثبت في هذا الحديث الكمال لآسية، كما أثبته لمريم، فامتنع حمل الخيرية في هذا الحديث على الإطلاق. وقد جاء ما يفسِّر المراد صريحًا، فروى البزار، والطبرانيّ من حديث عمار بن ياسر -﵄- رفعه: «لقد فُضِّلت خديجة على نساء أمتي، كما فُضِّلت مريم على نساء العالمين»، وهو حديث حسن الإسناد ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عليّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ٦٢٥١] (٢٤٣٠)، و(البخاريّ) في «الأنبياء» (٣٤٣٢) و«الفضائل» (٣٨١٥)، و(الترمذيّ) في «المناقب» (٣٨٧٧)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥/ ٩٣)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٧/ ٤٩٢)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٨٤ و١٣٢ و١٤٣) وفي «الفضائل» (٢/ ٨٤٧)، (وابن أبي عاصم) في «الآحاد والمثاني» (٥/ ٣٨٠ و٣٨١)، و(البزّار) في «مسنده» (٢/ ١١٥)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٢٣/ ٨)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١/ ٣٩٩ و٤٥٥)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٣/ ٢٠٣)، و(اللالكائيّ) في «اعتقاد أهل السُّنَّة» (٨/ ١٤٢٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ٣٦٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل خديجة أم المؤمنين -﵂-. ٢ - (ومنها): بيان فضل مريم -﵍-. ٣ - (ومنها): ما قيل: يُستدلّ بهذا الحديث على أن خديجة أفضل من عائشة -﵄-، قال ابن التين: ويَحْتَمِل أن لا تكون عائشة دخلت في ذلك؛ لأنها كان لها عند موت خديجة ثلاث سنين، فلعل المراد: النساء البوالغ، قال الحافظ: كذا قال، وهو ضعيف، فإن المراد بلفظ النساء أعم من البوالغ، ومن لم تَبْلُغ، وأعم ممن كانت موجودة، وممن ستوجد، وقد أخرج النسائيّ بإسناد صحيح، وأخرجه الحاكم من حديث ابن عباس -﵄- مرفوعًا: «أفضل نساء أهل الجنة: خديجة، وفاطمة، ومريم، وآسية»، وهذا نصّ صريح، لا يَحْتَمِل التأويل. ٤ - (ومنها): ما قاله في «الفتح»: وقد يتمسك بحديث الباب من يقول: إن مريم ليست بنبيّة؛ لتسويتها في حديث الباب بخديجة، وليست خديجة بنبيّة بالاتفاق. والجواب: أنه لا يلزم من التسوية في الخيرية التسوية في جميع الصفات، وقد استدلّ من قال بنبوة مريم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ [آل عمران: ٤٢]، وليس بصريح في ذلك، وأيّده بذكرها مع الأنبياء في سورة مريم، ولا يمنع وصفها بأنها صدّيقة، فقد وُصِف يوسف بذلك، وقد نُقل عن الأشعريّ أن في النساء عدّة نبيات، وحصرهنّ ابن حزم في ستّ: حواء، وسارة، وهاجر، وأم موسى، وآسية، ومريم، وأسقط القرطبيّ سارة، وهاجر، ونقله في «التمهيد» عن أكثر الفقهاء، وقال القرطبيّ: الصحيح أن مريم نبيةٌ، وقال عياض: الجمهور على خلافه، ونقل النوويّ في «الأذكار» أن الإمام نقل الإجماع على أن مريم ليست نبيةً، وعن الحسن: ليس في النساء نبية، ولا في
مصادر المؤلف (١١)

١. «المفهم» ٦/ ٣١٣ - ٣١٤.

٢. «الفتح» ٨/ ٥٢١، كتاب «الفضائل» رقم (٣٨١٥).

٣. «الفتح» ٨/ ٥٢١، كتاب «الفضائل» رقم (٣٨١٥).

٤. «المصباح المنير» ٢/ ٥٤٤.

٥. «تاج العروس من جواهر القاموس» ١/ ٦١٠٨ - ٦١٠٩.

٦. «الفتح» ٨/ ٥٤ - ٥٦، كتاب «الفضائل» رقم (٣٤٣٢).

٧. «فتح الباري» ٧/ ١٣٥.

٨. «شرح النوويّ» ١٥/ ١٩٨.

٩. رواه الطبرانيّ في «الأوسط»، و«الكبير» بنحوه. راجع: «مجمع الزوائد» ٩/ ٢٠١.

١٠. «المفهم» ٦/ ٣١٥ - ٣١٦.

١١. «الفتح» ٨/ ٥٢١ - ٥٢٢، كتاب «الفضائل» رقم (٣٨١٥).