HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٤٤٤

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّهَا سَمِعَتْ رسول الله ﷺ يقول قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، وَهُوَ مُسْنِدٌ إِلَى صَدْرِهَا، وَأَصْغَتْ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ «اللَّهُمَّ! اغْفِرْ لِي وارحمني. وألحقني بالرفيق».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص137
ج ٤ ص ١٨٩٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٤٨
[٧٠٧] وفي قوله: (وَارحَمنِي، وَأَلحقنِي بِالرَّفِيقِ) ، دليل أنه ﷺ خير بين التعمير في الدنيا وبين الآخرة؛ فاختار الآخرة. وقوله: (يُسَرِّبُهُنَّ) ، أي: يرسلهن ويوجههن نحوي، وقوله: (يَنقَمِعنَ)؛ و(يَتقَمَّعْنَ) أي: يستترن، قال صاحب الغريبين : وفي حديث عائشة ﵂: (فَإِذَا رَأَيْنَ رَسُولَ ﷺ انْقَمَعْنَ)؛ تعني: جواري يُلاعِبْنَها، ومعنى القمعن؛ أي: تغيَّين، وقيل: انقماعهن دخولهن في بيتٍ أو ستر. وقولها: (وَهِيَ الَّتِي كَانَت تُسَامِينِي)؛ يعني: تفاخرني وتباريني، يقال: سما يسمو؛ أي: ارتفع، وسمِّي السماء سماءً لعلوه وارتفاعه، يقال: سما بصره؛ أي: علا، والمساماة: المفاعلة منه، وقوله: (لَم أَنشَبهَا)؛ أي: لم ألبِّثْها، يقال: نَشَبَ الشيءُ في الشيء يَنْشَب؛ كالشوك وغيره، ونَشَبَتِ الحرب بينهم نشوبًا: إذا اشتبكت، وقوله: (أَن أَنْخَنتُها)؛ يعني هزمتها، يقال: أثخنته الجِراحة؛ أي: أضعفته، ويقال للأعزل الذي لا سلاح معه: أعزلُ شَخِينٌ. * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٩ ص٨٨
حاله، وأبو غطفان -بفتح المعجمة، ثم المهملة- اسمه سعد، وهو مشهور بكنيته، وثقه النسائيّ. وأخرج الحاكم في «الإكليل» من طريق حبة العدنيّ، عن عليّ: «أسندته إلى صدري، فسالت نفسه»، وحبة ضعيف. ومن حديث أم سلمة قالت: عليّ آخرهم عهدًا برسول الله -ﷺ-، والحديث عن عائشة أثبت من هذا، ولعلها أرادت: آخر الرجال به عهدًا، ويمكن الجمع بأن يكون عليّ آخرهم عهدًا به، وأنه لم يفارقه حتى مالَ، فلما مال ظنّ أنه مات، ثم أفاق بعد أن توجه، فأسندته عائشة بعده إلى صدرها، فقُبض. ووقع عند أحمد من طريق يزيد بن بابنوس -بموحدتين، بينهما ألف، غير مهموز، وبعد الثانية المفتوحة نون مضمومة، ثم واو ساكنة، ثم سين مهملة- في أثناء حديث: «فبينما رأسه ذات يوم على منكبي إذ مال رأسه نحو رأسي، فظننت أنه يريد من رأسي حاجة، فخرجت من فيه نقطة باردة، فوقعت على ثغرة نحري، فاقشعر لها جلدي، وظننت أنه غُشي عليه، فسجيته ثوبًا». انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد الحافظ في تتبّعه الأحاديث المعارضة لحديث الباب، وبيّن ضعفها، فاستبان الحقّ، وظهر الصدق، وأنه -ﷺ- مات وعائشَة -﵂- مسندته، وما خالف هذا فلا يُلتفت إليه، وأما مخالفة الرافضة الشيعة في ذلك فلا يُستغرب، فإنهم معروفون بمعاندة الحقّ، والإعراض عنه، ودَفْعه بالأخبار المرويّة عن طريق المتروكين والوضاعين، فلا تغترّ بتمويههم الباطل، وتزويرهم الحقّ، والله المستعان على من يجادل بالباطل، ويتمسّك بالترّهات، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، اللَّهُمَّ أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٧٣] (٢٤٤٤) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، وَهُوَ مُسْنِدٌ إِلَى صَدْرِهَا، وَأَصْغَتْ إِلَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ البغلانيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوام، كان قاضي مكة زمن أبيه، وخليفته إذا حجّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في «الجنائز» ٣٢/ ٢٢٥٢. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالمدنيين، وشيخه، وإن كان بَغْلانيًّا -وهي قرية من بَلْخَ- إلَّا أنه دخل المدينة للأخذ عن مالك، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عائشة -﵂-، وتقدّم القول فيها. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- (أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ)؛ أي: عبّادًا، (أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ). وقولها: (وَهُوَ مُسْنِدٌ) جملة حاليّة، وهو بضم الميم، وكسر النون: اسم فاعل من أسند؛ أي: مسند ظهره (إِلَى صَدْرِهَا)؛ أي: عائشة -﵂-، وفي رواية ابن حبّان: «وهي مسندته إلى صدرها». (وَأَصْغَتْ)؛ أي: أمالت سمعها (إِلَيْهِ) -ﷺ- (وَهُوَ يَقُولُ) جملة حاليّة أيضًا، («اللَّهُمَّ) أصله يا الله، بالجمع بين»يا«، و»أل«، فحُذفت»يا«، وعُوّض عنها الميم المشدّدة، وشذّ الجمع بينهما، في قول الشاعر [من الرجز]: إِنّي إِذَا مَا حَدَثٌ أَلَمَّا … أَقُولُ يَا اللَّهُمَّ يَا اللَّهُمَّا وإلى هذا أشار في«الخلاصة»حيث قال: وَبِاضْطِرَارٍ خُصَّ جَمْعُ«يَا»و«أَلْ»… إِلَّا مَعَ«اللهِ»ومَحْكِيِّ الْجُمَلْ وَالأَكْثَرُ«اللَّهُمَّ»بِالتَّعْوِيِضِ … وَشَذَّ«يَا اللَّهُمَّ»فِي قَرِيضِ (اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ») وفي رواية البخاريّ: «وألحقني بالرفيق الأعلى»، قال النوويّ -﵀-: الصحيح الذي عليه الجمهور أن المراد بالرفيق الأعلى: الأنبياء الساكنون أعلى عليين، ولفظة «رفيق» تُطلق على الواحد، والجمع، قال الله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، وقيل: هو الله تعالى، يقال: الله رفيق بعباده، من الرفق والرأفة، فهو فعيل بمعنى فاعل، وأنكر الأزهريّ هذا القول، وقيل: أراد مرتفق الجَنَّة. انتهى . وقال في «العمدة»: قوله: «في الرفيق الأعلى»: قال الجوهريّ: الرفيق الأعلى: الجَنَّة، وكذا رُوي عن ابن إسحاق، وقيل: الرفيق اسم جنس يشمل الواحد، وما فوقه، والمراد به الأنبياء -﵈- ومَن ذُكِر في الآية. وقال الخطابيّ: الرفيق الأعلى هو الصاحب المرافق، وهو هاهنا بمعنى الرفقاء؛ يعني: الملائكة. وقال الكرمانيّ: الظاهر أنه معهود من قوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾؛ أي: أدخلني في جملة أهل الجَنَّة، من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وقيل: المراد بالرفيق الأعلى: الله؛ لأنه رفيق بعباده، وغَلَّط الأزهريّ قائل ذلك، وقيل: أراد رفق الرفيق، وقيل: أراد مُرتَفق الجَنَّة. وقال الداوديّ: هو اسم لكل ما سما، وقال: الأعلى؛ لأنَّ الجَنَّة فوق ذلك. وفي «التلويح»؛ والمفسرون ينكرون قوله، ويقولون: إنه صَحَّف الرقيع بالقاف، والرقيع من أسماء السماء. ورُدّ على هذا بما رُوي من الأحاديث التي فيها الرفيق. منها: حديث رواه أحمد من رواية المطلب، عن عائشة: «مع الرفيق الأعلى: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ -إلى قوله-: ﴿رَفِيقًا﴾». ومنها: حديثٌ رواه النسائيّ من رواية أبي بُردة بن أبي موسى، عن أبيه، وفيه: «فقال: أسأل الله الرفيقَ الأسعد، مع جبريل، وميكائيل، وإسرافيل». ومنها: رواية الزهريّ: «في الرفيق الأعلى»، ورواية عباد عن عائشة: «اللَّهُمَّ اغفر لي، وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى»، وفي رواية عن ذكوان، عن عائشة: «فجعل يقول: في الرفيق الأعلى، حتى قُبض»، ورواية ابن أبي مليكة، عن عائشة: «وقال: في الرفيق الأعلى». وعن الواقديّ: إن أول كلمة تكلم بها، وهو مسترضع عند حليمة: «الله أكبر»، وآخر كلمة تكلم بها، كما في حديث عائشة: «في الرفيق الأعلى». ورَوَى الحاكم من حديث أنس: «أن آخر ما تكلم به: جلال ربي الرفيع». انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ٦٢٧٣ و٦٢٧٤ و٦٢٧٥ و٦٢٧٦ و٦٢٧٧] (٢٤٤٤)، و(البخاريّ) في «المغازي» (٤٤٤٠) و«المرضى» (٥٦٧٤)، و(الترمذيّ) في «الدعوات» (٣٤٩٦)، و(النسائيّ) في «عمل اليوم والليلة» (١٠٩٥)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ٢٣٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٢٣١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٦١٨)، و(البيهقيّ) في «دلائل النبوّة» (٧/ ٢٠٩)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٨٢٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده : ١ - (منها): بيان فضل عائشة -﵂-. ٢ - (ومنها): بيان آخر ما تكلّم به النبيّ -ﷺ-، وهو قوله: «اللَّهُمَّ الرفيق الأعلى». ٣ - (ومنها): بيان أن الله -﷾- يُكرم الأنبياء، فلا يموتون حتى يخيّرهم بين البقاء، وبين لقائه، ونعيم الجَنَّة، فيختارون لقاءه، ونعيم الجنّة، وهذا هو غاية الإكرام والإعظام. ٤ - (ومنها): بيان فهم عائشة -﵂- وقوّة إدراكها، فقد فهمت من قوله -ﷺ-: «اللَّهُمَّ الرفيق الأعلى»، أنه خُيِّر، وأنه لا يختار البقاء في الدنيا، نظير فهم أبيها من قوله -ﷺ-: «إن الله خَيّر عبدًا بين الدنيا، وبين ما عنده، فاختار ما عند الله»، فبكى أبو بكر -﵁-، فتوافق فهمهما، فبانَ صِدْق قوله -ﷺ- لمّا أفحمت خصمها زينب بنت جحش -﵄-: «إنها ابنة أبي بكر»، كما تقدّم ذلك قبل حديثين، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٧٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَأَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبله. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ)؛ أي: كل هؤلاء الثلاثة: أبو أسامة، وعبد الله بن نُمير، وعبدة بن سليمان رووه عن هشام بن عروة بسنده المذكور. [تنبيه]: رواية أبي أسامة عن هشام بن عروة ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٥٣٥٠) - حَدَّثَنَا عبد الله بن أبي شيبة ، حَدَّثَنَا أبو أسامة، عن هشام، عن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، قال: سمعت عائشة -﵂- قالت: سمعت النبيّ -ﷺ-، وهو مستند إليّ، يقول: «اللَّهُمَّ اغفر لي، وارحمني، وألحقني بالرفيق». انتهى . ورواية عبد الله بن نُمير عن هشام ساقها أحمد -﵀- في «مسنده»، مقرونًا بأبي أسامة، فقال: (٢٥٩٨٩) - حَدَّثَنَا ابن نُمير، ثنا هشام، وثنا أبو أسامة، قال: أنا هشام -يعني: ابن عروة- عن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول -قال أبو أسامة في حديثه-: سمعت عائشة، قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- قبل أن يُتوفي، وأنا مسندته إلى صدري، يقول:«اللَّهُمَّ اغفر لي، وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى». انتهى . ورواية عبدة بن سليمان عن هشام ساقها النسائيّ -﵀- في«الكبرى»، فقال: (٧١٠٥) - أنبأ إسحاق بن إبراهيم قال: أنبأ عبدة، عن هشام، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله -ﷺ-، وهو يقول عند وفاته:«اللَّهُمَّ اغفر لي، وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٧٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَسْمَعُ أَنَّهُ لَنْ يَمُوتَ نَبِيٌّ حَتَّى يُخَيَّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، قَالَتْ: فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَأَخَذَتْهُ بُحَّةٌ، يَقُولُ: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، قَالَتْ: فَظنَنْتُهُ خُيِّرَ حِينَئِذٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلّهم ذُكروا في الباب وقبله. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) -﵂-؛ أنها (قَالَتْ: كُنْتُ أَسْمَعُ) قال في «الفتح»: «ولم تصرح عائشة -﵂- بذِكر مَن سمعت ذلك منه في هذه الرواية، وصرحت بذلك في الرواية الآتية حيث قالت: كان رسول الله -ﷺ- يقول، وهو صحيح:»إنه لم يُقبض نبيّ قطّ حتى يرى مقعده من الجَنَّة«. (أَنَّهُ لَنْ يَمُوتَ نَبِيٌّ حَتَّى يُخَيَّرَ) بضم أوله، وفتح الخاء المعجمة، (بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)؛ أي: بين البقاء في الدنيا والانتقال إلى الدار الآخرة. (قَالَتْ: فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَأَخَذَتْهُ بُحَّةٌ) -بضم الباء الموحّدة، وتشديد الحاء المهملة- وهي شيء يعترض في مجاري النفس، فيتغير به الصوت، فيَغْلُظ، يقال: بَحِحْتُ بالكسر بَحًّا، ورجل أبحّ: إذا كان ذلك فيه خِلْقَةً، وقيل: يقال: رجل بَحٌّ، وأبحّ، ولا يقال: باحّ، وامرأة بحّاء، قاله في «العمدة» . (يَقُولُ: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]) وفي رواية المطلب عن عائشة، عند أحمد: «فقال: مع الرفيق الأعلى، ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ -إلى قوله-: ﴿رَفِيقًا﴾»، وفي رواية أبي بُردة بن أبي موسى، عن أبيه، عند النسائيّ، وصححه ابن حبان: «فقال: أسأل الله الرفيق الأعلى الأسعد، مع جبريل، وميكائيل، وإسرافيل». قال القرطبيّ -﵀-: قد تقدَّم القول في الرفيق، وأن الأَولى فيه أنه الذي دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، وتخيير الله للأنبياء عند الموت مبالغة في إكرامهم، وفي ترفيع مكانتهم عند الله تعالى، وليستخرج منهم شدَّة شوقهم، ومحبتهم له تعالى، ولِمَا عنده. وقد تقدَّم من هذا شيء في باب ذِكر موسى -ﷺ-. انتهى . وقال في «الفتح»: ظاهر الحديث أن الرفيق: المكان الذي تحصل المرافقة فيه مع المذكورين، وفي رواية الزهريّ: «في الرفيق الأعلى»، وفي رواية عباد، عن عائشة المتقدّمة: «قال: اللَّهُمَّ اغفر لي، وارحمني، وألحقني بالرفيق»، وفي رواية ذكوان، عن عائشة: «فجعل يقول: في الرفيق الأعلى حتى قُبض»، وفي رواية ابن أبي مليكة، عن عائشة: «وقال: في الرفيق الأعلى، في الرفيق الأعلى». وهذه الأحاديث تَرُدّ على من زعم أن الرفيق تغيير من الراوي، وأن الصواب الرقيع، بالقاف، والعين المهملة، وهو من أسماء السماء. وقال الجوهريّ: الرفيق الأعلى: الجَنَّة، ويؤيده ما وقع عند أبي إسحاق: «الرفيق الأعلى الجَنَّة»، وقيل: بل الرفيق هنا اسم جنس يشمل الواحد، وما فوقه، والمراد: الأنبياء، ومن ذُكر في الآية، وقد خُتِمت بقوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. ونكتة الإتيان بهذه الكلمة بالإفراد: الإشارةُ إلى أن أهل الجَنَّة يدخلونها على قلب رجل واحد، نَبَّهَ عليه السهيليّ. وزعم بعض المغاربة أنه يَحْتَمِل أن يراد بالرفيق الأعلى: الله -﷿-؛ لأنه من أسمائه، كما أخرج أبو داود، من حديث عبد الله بن مُغَفَّل -﵁-، رفعه: «إن الله رفيق يحب الرفق»، كذا اقتصر عليه، والحديث عند مسلم، عن عائشة، فعَزْوه إليه أَولي، قال: والرفيق يَحْتَمِل أن يكون صفة ذات؛ كالحكيم، أو صفة فعل، قال: ويَحْتَمِل أن يراد به حضرة القدس، ويَحْتَمِل أن يراد به الجماعة المذكورون في آية النساء، ومعنى كونهم رفيقًا: تعاونهم على طاعة الله، وارتفاق بعضهم ببعض. قال الحافظ: وهذا الثالث هو المعتمَد، وعليه اقتصر أكثر الشراح، وقد غَلّط الأزهريّ القول الأول، ولا وجه لتغليطه من الجهة التي غلَّطه بها، وهو قوله: «مع الرفيق»، أو «في الرفيق»؛ لأنَّ تأويله على ما يليق بالله سائغ. قال السهيليّ: الحكمة في اختتام كلام المصطفى -ﷺ- بهذه الكلمة كونها تتضمن التوحيد، والذِّكر بالقلب، حتى يستفاد منه الرخصة لغيره، أنه لا يشترط أن يكون الذكر باللسان؛ لأنَّ بعض الناس قد يمنعه من النطق مانع، فلا يضره إذا كان قلبه عامرًا بالذكر. انتهى ملخصًا . (قَالَتْ) عائشة -﵂-: (فَظَنَنْتُهُ خُيِّرَ حِينَئِذٍ) بالبناء للمفعول؛ أي: خُيِّر بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة. وفي رواية الزهريّ الآتية: «فقلت: إذًا لا يختارنا، فعرفت أنه حديثه الذي كان يحدثنا، وهو صحيح»، وعند أبي الأسود في «المغازي» عن عروة: «أن جبريل نزل إليه في تلك الحالة، فخيَّره». [تنبيه]: قال السهيليّ: وجدت في بعض كتب الواقديّ أن أول كلمة تكلم بها -ﷺ-، وهو مسترضع عند حليمة: «الله أكبر»، وآخر كلمة تكلم بها كما في حديث عائشة: «في الرفيق الأعلى»، وروى الحاكم من حديث أنس: «أن آخر ما تكلم به: جلالُ ربي الرفيع». انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الواقديّ: أول كلمة تكلّم بها -ﷺ-. . . إلخ يحتاج إلى ثبوته من طريق غيره، فإنه ضعيف جدًّا، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم بيان بقيّة مسائله قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٧٦] (. . .) - (حَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم ذُكروا في الباب وقبله. وقوله: (قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ضمير التثنية لوكيع، ومعاذ بن معاذ. [تنبيه]: رواية وكيع عن شعبة ساقها أحمد -﵀- في «مسنده»، فقال: (٢٥٧٤٢) - حَدَّثَنَا وكيع، قال: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن عروة، عن عائشة، قالت: كنت أسمع: لا يموت نبيّ إلَّا خُيِّر بين الدنيا والآخرة، قالت: فأصابته بُحّة في مرضه الذي مات فيه، فسمعته يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، فظننت إنه خُيِّر. انتهى . وأما رواية معاذ بن معاذ عن شعبة، فلم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٧٧] (. . .) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ -وَهُوَ صَحِيحٌ-: «إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ في الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرُ»، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَرَأسُهُ عَلَى فَخِذِي، غُشِيَ عَلَيْهِ سَاعَةً، ثُمَّ أَفَاقَ، فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى»، قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ: إِذًا لَا يَخْتَارُنَا، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَعَرَفْتُ الْحَدِيثَ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا بِه، وَهُوَ صَحِيحٌ فِي قَوْلِهِ: «إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرُ»، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَتْ تِلْكَ آخِرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- قَوْلَهُ: «اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَي»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: وكلهم تقدّموا قريبًا. شرح الحديث: عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ؛ أنه (قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزهريّ: (أَخْبَرَنيِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي رِجَالٍ) «في» بمعنى «مع»، (مِنْ أهْلِ الْعِلْمِ) قال الحافظ -﵀-: لم أقف على تعيين أحد منهم صريحًا، وقد رَوَى أصل الحديث المذكور عن عائشة: ابنُ أبي مليكة، وذكوانُ مولى عائشة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والقاسم بن محمد، فيمكن أن يكون الزهريّ عَنَاهُم، أو بعضهم. انتهى . وقال في «العمدة»، قوله: «في رجال من أهل العلم»؛ أي: أخبره سعيد بن المسيِّب، وعروة بن الزبير، في جملة طائفة أخرى أخبروه أيضًا، به، أو في حضور طائفة مستمعين له. انتهى . (أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ-) -﵂- (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ)، وقولها: (وَهُوَ صَحِيحٌ) جملة معترضة بين القول ومقوله، وهو قولها: («إِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو الضمير الذي تفسّره الجملة بعده، كما قال ابن مالك في»الكافية«: وَمُضْمَرُ الشَّأْنِ ضَمِيرٌ فُسِّرَا … بِجَمْلَةٍ كَـ«إِنَّهُ زيدٌ سَرَى»(لَمْ يُقْبَضْ) بالبناء للمفعول، (نَبِيٌّ قَطُّ)؛ أي: فيما مضى من الزمن، (حَتَّى يَرَى) يَحتمل أن يكون مبنيًّا للمفعول؛ أي: حتى يريه الله -﷿- مقعده، ويَحْتَمل أن يكون مبنيًّا للفاعل، والفاعل ضمير«نبيّ»؛ أي: إلى أن يرى ذلك النبيّ (مَقْعَدَهُ) بفتح الميم، والعين؛ أي: مكان قعوده، والمراد: منزله (فِي الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرُ) بالبناء للمفعول، من التخيير، وهو منصوب عطفًا على«يرى»، أو مرفوع على الاستئناف؛ أي: ثم هو يُخيّر؛ أي: يُجعل له الْخِيَرة بين البقاء في الدنيا، والانتقال إلى الدار الآخرة. ووقع في رواية للبخاريّ:«ثم يُحيّي، أو يخيّر»، قال في«الفتح»: وهو شكّ من الراوي، هل قال:«يُحَيّى»بضم أوله، وفتح المهملة، وتشديد التحتانية، بعدها أخرى، أو«يخير»، كما في رواية سعد بن إبراهيم؟ وعند أحمد من طريق المطلب بن عبد الله، عن عائشة؛ أن النبيّ -ﷺ- كان يقول:«ما من نبيّ يُقبض إلا يرى الثواب، ثم يخيَّر»، ولأحمد أيضًا من حديث أبي مويهبة، قال: قال لي رسول الله -ﷺ-:«إني أوتيت مفاتيح خزائن الأرض، والخلد، ثم الجنة، فخُيرت بين ذلك، وبين لقاء ربي، والجنة، فاخترت لقاء ربي، والجنة». وعند عبد الرزاق، من مرسل طاوس، رفعه:«خُيِّرت بين أن أبقى حتى أرى ما يُفتح على أمتي، وبين التعجيل، فاخترت التعجيل». انتهى . (قَالَتْ عَائِشَةُ) -﵂-: (فَلَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللهِ -ﷺ-،) ببناء الفعل للفاعل؛ أي: نزل به المرض، أو حضره ملَك الموت، وقولها: (وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي) جملة حاليّة؛ أي: والحال أن رأسه -ﷺ- موضوع على فخذي، وتقدّم أن للفخذ أربع لغات: فتح أوله، وكسر ثالثه، وفتح الأول وإسكان الثاني، وكسر الأول، وإسكان الثاني، وكسرهما معًا. (غُشِيَ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول، قال الفيّوميّ -﵀-: غُشِيَ عليه -بالبناء للمفعول- غَشْيًا، بفتح الغين، وضمُّها لغةٌ، والغَشْيَةُ بالفتح: المرة، فهو مَغْشِيٌّ عليه، ويقال: إن الغَشْيَ يُعَطِّل الْقُوَى المحرِّكة، والأوردة الحسّاسة؛ لضعف القلب، بسبب وجع شديد، أو برد، أو جوع مُفْرِط، وقيل: الغَشْيُ هو الإغماء، وقيل: الإغماء امتلاء بطون الدماغ من بلغم بارد غليظ، وقيل: الإغماء سهو، يَلْحَق الإنسان مع فتور الأعضاء؛ لعلة. انتهى . وقولها: (سَاعَةً) منصوب على الظرفيّة متعلّق بـ «غُشي»، (ثُمَّ أَفَاقَ)؛ أي: رجع إليه وعيه، (فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ)؛ أي: حدّد نظره إلى سقف البيت، كما تفعل الموتي، قاله القرطبيّ . وقال في «التاج»: «شَخَصَ بَصَرُهُ، فهو شاخِصٌ: إِذا فَتَحَ عَيْنَيْه، وجَعَلَ لا يَطْرِفُ، قال اللهُ تَعَالَى: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [الأنبياء: ٩٧]، شَخَص المَيِّتُ بَصَرَهُ: رَفَعَهُ إِلى السماءِ، فلَمْ يَطْرِفْ، وشَخَص ببَصره عِنْد المَوْت كَذلِكَ، وهو مَجَازٌ، وأَبْصَارٌ شاخِصَةٌ، وشَوَاخِصُ، وقال ابنُ الأَثير: شُخوصُ بَصَرِ المَيِّت: ارْتِفَاعُ الأَجْفَان إِلى فَوْقُ، وتَحْدِيدُ النَّظَرِ، وانْزعاجُه». انتهى . (ثُمَّ قَالَ) -ﷺ-: («اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى») قال في«العمدة»:«الرفيق»منصوب بمقدّر، وهو نحو أَختار، أو أُربد، و«الأعلى»صفته، وهو إشارة إلى الملائكة، أو إلى ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]. انتهى . (قَالَتْ عَائِشَةُ) -﵂-: (قُلْتُ: إِذًا)؛ أي: إذا كان مخيّرًا (لَا يَخْتَارُنَا) قال في«العمدة»:«لا يختارَنا»بالنصب؛ أي: حين اختار مرافقة أهل السماء، لا يبغي أن يختار مرافقتنا من أهل الأرض، هكذا أعربه الكرمانيّ، قال العينيّ: ولا مانع من أن يكون مرفوعًا؛ لأن معنى قوله:«إذًا»؛ يعني: حينئذ هو لا يختارنا. انتهى . (قَالَتْ عَائِشَةُ) -﵂-: (وَعَرَفْتُ الْحَدِيثَ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا بِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ فِي قَوْلِهِ:«إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرُ»)؛ المعنى: أنها عرفت أن الأمر الذي حصل له هو قوله في الحديث الذي كان يحدثنا به، وهو صحيح، وهو قوله:«إنه لَمْ يُقبض نبيّ قط. . . إلخ». قال المناويّ: والذي دعاه إلى ذلك رغبته في لقاء محبوبه، فلما عَيَّن للّقاء محلًّا خاصًّا، ولا يُنال إلا بالخروج من هذه الدار التي تنافي ذلك اللقاء اختار الرفيق الأعلى . [تنبيه]: فَهْم عائشة -﵂- من قوله -ﷺ-:«في الرفيق الأعلى»أنه خُيِّر نظير فهم أبيها -﵁- من قوله -ﷺ-:«أن عبدًا خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده»أن العبد المخيّر هو النبيّ -ﷺ- حتى بكي، كما تقدم في مناقبه -﵁- . (قَالَتْ عَائِشَةُ) -﵂-: (فَكَانَتْ تِلْكَ)؛ أي: تلك الكلمة التي هي قوله:«اللَّهُمَّ الرفيق الأعلى»، وهي اسم«كانت»، وخبرها قولها: (آخِرُ كَلِمَةٍ) ويَحتمل أن يكون«آخر»اسمها مؤخّرًا، و«تلك»خبرها مقدّمًا، والوجه الأول أَولى؛ لأن اسم الإشارة أعرف، فهو بكونها مسندًا إليه، وقولها: (تَكَلَّمَ بِهَا رَسُولُ الله -ﷺ-) جملة في محل جرّ صفة لـ«كلمة»، وقولها: (قَوْلَهُ) يَحتمل أن يكون مرفوعًا خبر لمحذوف؛ أي: هو قوله، ويَحتمل أن يكون منصوبًا بدلًا من«تلك». («اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى») و«الرفيق»منصوب على المفعوليّة لمقدّر، كما أسلفناه آنفًا. [تنبيه]: قال في«الفتح»: قول عائشة -﵂-:«فكانت تلك آخر كلمة تكلّم بها رسول الله -ﷺ-»كأنها أشارت إلى ما أشاعته الرافضة أن النبيّ -ﷺ- أوصى إلى عليّ بالخلافة، وأن يُوَفّي ديونه، وقد أخرج العُقيليّ، وغيره، في«الضعفاء»في ترجمة حكيم بن جبير، من طريق عبد العزيز بن مروان، عن أبي هريرة، عن سلمان؛ أنه«قال: قلت: يا رسول الله، إن الله لَمْ يبعث نبيًّا إلا بيَّن له من يلي بعده، فهل بَيَّن لك؟ قال: نعم، عليّ بن أبي طالب». ومن طريق جرير بن عبد الحميد، عن أشياخ من قومه، عن سلمان:«قلت: يا رسول الله من وصيّك؟ قال: وصيّي، وموضع سري، وخليفتي على أهلي، وخير من أخلفه بعدي عليّ بن أبي طالب». ومن طريق أبي ربيعة الإياديّ، عن ابن بُريدة، عن أبيه، رفعه:«لكل نبيّ وصيّ، وإن عليًّا وصيي، وولدي». ومن طريق عبد الله بن السائب، عن أبي ذرّ، رفعه:«أنا خاتم النبيين، وعليّ خاتم الأوصياء»، أوردها وغيرها ابن الجوزيّ في«الموضوعات». انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن مذهب الرافضة مذهب باطل، حيث يزعمون أن عليًّا هو الخليفة؛ وأن الخلفاء الراشدين اغتصبوا منه، وظلموه، وهذا القول هو الظلم، ولكن القوم جَهَلَة، ضَلَلَة، لا يفقهون، ولا يعقلون، صمّ بكم، عميٌ، فهم لا يرجعون، فهم على مثل ما قال الله -﷿- في أهل الكتاب: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾ [البقرة: ١٤٥]، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم بيان بقيّة مسائله قريبًا، ولله الحمد، والمنة.
مصادر المؤلف (٢٤)

١. «الفتح» ٩/ ٦٠١، كتاب «المغازي» رقم (٤٤٣٨).

٢. «شرح النوويّ» ١٥/ ٢٠٨.

٣. «عمدة القاري» ١٨/ ٦٤.

٤. المراد فوائد الحديث برواياته المختلفة الآتية في الكتاب، وفي الشرح، لا خصوص سياق هذه الرواية، فتنبّه.

٥. هو: أبو بكر بن أبي شيبة«الشيخ الأول لمسلم في هذا الحديث.

٦. «صحيح البخاريّ»٥/ ٢١٤٧.

٧. «مسند الإمام أحمد بن حنبل»٦/ ٢٣١.

٨. «السنن الكبرى» للنسائيّ ٤/ ٢٦٠.

٩. «عمدة القاري» ١٨/ ٦٤.

١٠. «المفهم» ٦/ ٣٢٨ - ٣٢٩.

١١. راجع:«الفتح»٩/ ٥٩٨ - ٥٩٩، كتاب«المغازي»رقم (٤٤٣٥).

١٢. راجع: «الفتح» ٩/ ٥٩٨ - ٥٩٩، كتاب «المغازي» رقم (٤٤٣٥).

١٣. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٦/ ٢٠٥.

١٤. «الفتح» ١٤/ ٣٦٣، كتاب «الدعوات» رقم (٦٣٤٨).

١٥. «عمدة القاري»٢٢/ ٣٠٥.

١٦. «الفتح»٩/ ٥٩٨، كتاب«المغازي» رقم (٤٤٣٥).

١٧. «المصباح المنير»٢/ ٤٤٧ - ٤٤٨.

١٨. «المفهم»٦/ ٣٢٩.

١٩. «تاج العروس من جواهر القاموس»١/ ٤٤٦٢.

٢٠. «عمدة القاري»٢٣/ ٩٤.

٢١. «عمدة القاري»٢٣/ ٩٤.

٢٢. «فيض القدير على الجامع الصغير»٥/ ٢٥١.

٢٣. «الفتح»٩/ ٥٩٨.

٢٤. «الفتح» ٩/ ٦١٩.