HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٤٤٥

حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ. وحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ. قَالَ عبد: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ. حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إِذَا خَرَجَ، أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ. فَطَارَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ. فَخَرَجَتَا مَعَهُ جَمِيعًا. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ، سَارَ مَعَ عَائِشَةَ، يَتَحَدَّثُ مَعَهَا. فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ: أَلَا تَرْكَبِينَ اللَّيْلَةَ بَعِيرِي وَأَرْكَبُ بَعِيرَكِ، فَتَنْظُرِينَ وَأَنْظُرُ؟ قَالَتْ: بَلَى. فَرَكِبَتْ عَائِشَةُ عَلَى بَعِيرِ حَفْصَةَ. وَرَكِبَتْ حَفْصَةُ عَلَى بَعِيرِ عَائِشَةَ. فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى جَمَلِ عَائِشَةَ، وَعَلَيْهِ حَفْصَةُ، فَسَلَّمَ ثُمَّ سَارَ مَعَهَا. حَتَّى نَزَلُوا. فَافْتَقَدَتْهُ عَائِشَةُ فَغَارَتْ. فَلَمَّا نَزَلُوا جَعَلَتْ تَجْعَلُ رِجْلَهَا بَيْنَ الْإِذْخِرِ وَتَقُولُ: يَا رَبِّ! سَلِّطْ عَلَيَّ عَقْرَبًا أَوْ حَيَّةً تَلْدَغُنِي. رَسُولُكَ وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ له شيئا.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص138
ج ٤ ص ١٨٩٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن الدارمي, صحيح البخاري
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٩ ص١٠٢
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٧٨] (٢٤٤٥) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، قَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا خَرَجَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَطَارَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى عَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ، فَخَرَجَتَا مَعَهُ جَمِيعًا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ سَارَ مَعَ عَائِشَةَ، يَتَحَدَّثُ مَعَهَا، فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ: أَلَا تَرْكَبِينَ اللَّيْلَةَ بَعِيرِي، وَأَرْكَبُ بَعِيرَكِ؟ فَتَنْظُرِينَ، وَأَنْظُرُ، قَالَتْ: بَلَي، فَرَكِبَتْ عَائِشَةُ عَلَى بَعِيرِ حَفْصَةَ، وَرَكِبَتْ حَفْصَةُ عَلَى بَعِيرِ عَائِشَةَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِلَى جَمَلِ عَائِشَةَ، وَعَلَيْهِ حَفْصَةُ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ صَارَ مَعَهَا، حَتَّى نَزَلُوا، فَافْتَقَدَتْهُ عَائِشَةُ، فَغَارَتْ، فَلَمَّا نَزَلُوا جَعَلَتْ تَجْعَلُ رِجْلَهَا بَيْنَ الإِذْخِرِ، وَتَقُولُ: يَا رَبِّ سَلِّطْ عَلَىَّ عَقْرَبًا، أَو حَيَّةً تَلْدَغُنِي، رَسُولُكَ وَلَا أَستَطِيعُ أَنْ أَقُولَ لَهُ شَيْئًا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين الكوفيّ، واسم دُكين: عمرو بن حماد بن زُهير التيميّ مولاهم الأحول الملائيّ -بضم الميم- مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٨، أو ٢١٩) وكان مولده سنة ثلاثين ومائة، وهو من كبار شيوخ البخاريّ (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٩١. ٢ - (عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ) المخزوميّ مولاهم، أبو القاسم المكيّ، ثقةٌ [٥] (خ م س) تقدم في «الرضاع» ١٢/ ٣٦٢٥. ٣ - (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة -بالتصغير- ابن عبد الله بن جُدْعان، يقال: اسم أبي مليكة: زُهير التيميّ المكيّ، أدرك ثلاثين من الصحابة، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٢. ٤ - (الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن أبي بكر الصديق التيميّ المدنيّ، ثقةٌ، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، قال أيوب: ما رأيت أفضل منه، من كبار [٣] (ت ١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في «الحيض» ٣/ ٦٩٥. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ عن عمّته، وفيه عائشة -﵂- وقد سبق القول فيها قريبًا. شرح الحديث: (عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ) بن أبي بكر الصدّيق، يروي عن عائشة -﵂- تارة بالواسطة، كما هنا، وتارة بغيرها. (عَنْ عَائِشَةَ) -﵂-؛ أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا خَرَجَ) ولفظ البخاريّ: «إذا أراد سفرًا»، ومفهومه اختصاص القرعة بحالة السفر، وليس على عمومه، بل لتعيِّن القرعة من يسافر بها، وتجري القرعة أيضًا فيما إذا أراد أن يُقسم بين زوجاته، فلا يبدأ بأيهنّ شاء، بل يُقرع بينهنّ، فيبدأ بالتي تخرج لها القرعة، إلا أن يرضين بشيء، فيجوز بلا قرعة. (أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ) قال في «العمدة»: هو مِن أقرعتُ بينهم، من القرعة، ومنه يقال: تقارعوا، واقترعوا، والقرعة: هي السهام التي توضع على الحظوظ، فمن خرجت قرعته، وهي سهمه الذي وُضع على النصيب، فهو له. انتهى . زاد في رواية البخاريّ: «فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها معه»؛ أي: أية امرأة منهن خرج سهمها الذي بِاسمها، خرج بها معه؛ أي: خرج رسول الله -ﷺ- بتلك المرأة التي خرج سهمها معه؛ أي: في صحبته -ﷺ-. وزاد ابن سعد من وجه آخر، عن القاسم، عن عائشة: «فكان إذا خرج سهم غيري عُرف فيه الكراهية». وقال القرطبيّ -﵀-: قولها: «أقرع بين نسائه»؛ تعني: إذا خرج إلى سفر؛ وإنَّما كان النبيّ -ﷺ - يفعل ذلك مبالغةً في تطييب قلوبهن؛ إذ لَمْ يكن القَسْم عليه واجبًا على الخلاف المتقدّم، وليست القرعة في هذا واجبةً عند مالك؛ لأنَّه قد يكون -ﷺ- لبعض نساءه من الغَنَاء في السفر والمنفعة، والصلاحية ما لا يكون لغيرها، فتتعين الصالحة لذلك، ولأن من وقعت القرعة عليها لا تُجبر على السفر مع الزوج إلى الغزو والتجارة، وما أشبه ذلك، إنما القرعة بينهن من باب تحسين العشرة إذا أردن ذلك، وكن صالحات له، وقال أبو حنيفة بإيجاب القرعة في هذا، وهو أحد قولي الشافعيّ، ومالك، أخذًا بظاهر هذا الحديث. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: القَسْم بين النساء واجب في حقّ غير النبيّ -ﷺ-، وأما النبيّ -ﷺ- ففي وجوب القسم في حقه خلاف، فمن قال بوجوبه يجعل إقراعه واجبًا، ومن لم يوجبه يقول: فَعَل ذلك من حُسن العشرة، ومكارم الأخلاق، وتطييبًا لقلوبهنّ، وأما الحنفيون فقالوا: لا حقّ لهنّ في القَسْم حالة السفر، يسافر الزوج بمن شاء، والأَولى أن يقرع بينهنّ. وقال القرطبيّ: وليست أيضًا بواجبة عند مالك، وقال ابن القصّار: ليس له أن يسافر بمن شاء منهنّ بغير قرعة، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعيّ، وقال مالك مرةً: له أن يسافر بمن شاء منهنّ بغير قرعة. وقال المهلَّب: وفيه العمل بالقرعة في المقاسمات، والاستهام، وفيه أن القَسْم يكون بالليل والنهار. انتهى . (فَطَارَتِ الْقُرْعَةُ)؛ أي: في سفرة من السفرات (عَلَى عَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ) ولفظ البخاريّ: «لعائشة وحفصة»، والمراد بقولها: «طارت»؛ أي: حصلت، وطَيْر كل إنسان: نصيبه، وفي حديث أم العلاء: لَمّا اقتسم الأنصار المهاجرين قالت: وطار لنا عثمان بن مظعون؛ أي: حصل في نصيبنا من المهاجرين، قاله في «الفتح». وقال في «العمدة»؛ أي: حصلت القرعة لعائشة وحفصة -ﷺ-، وطير كل إنسان: نصيبه؛ يعني: كان هذا في سفرة من سفرات النبيّ -ﷺ- . (فَخَرَجَتَا مَعَهُ) -ﷺ- (جَمِيعًا)؛ أي: معًا، (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ سَارَ مَعَ عَائِشَةَ، يَتَحَدَّثُ مَعَهَا)؛ أي: مع عائشة -﵂-، والجملة في محل النصب على الحال، والحاصل: أن النبيّ -ﷺ- لَمّا كان في هذه السفرة، وكانت عائشة وحفصة معه، فإذا كان الليل، وهم سائرون يسير مع عائشة، يتحدث معها، كما هي عادة المسافرين؛ لِقَطْع المسافة. وقال القرطبيّ -﵀-: ظاهر الحديث أنه -ﷺ- لَمْ يكن يَقسم بين عائشة وحفصة في المسير والحديث، وأن ذلك كان مع عائشة دائمًا دون حفصة، ولذلك تحيَّلت حفصة حتى سار وتحدَّث معها، فيَحْتَمِل أن هذا القَدْر لا يجب القَسْم فيه؛ إذ الطريق ليس محلَّ خَلْوة، ولا يحصل لها به اختصاص، ويَحْتَمِل أن يقال: إن القدر الذي يقع به التسامح من السير والحديث مع إحداهما هو الشيء اليسير، كما يفعل في الحَضَر، فإنَّه يتحدث ويسأل وينظر في مصلحة بيت التي لا يكون في يومها، ولكن لا يُكثر من ذلك، ولا يُطيله، وعلى هذا فيكون النبيّ -ﷺ- إنما أدام ذلك؛ لأنَّ أصل القَسْم لَمْ يكن عليه واجبًا، والله أعلم. ولم يختلف الفقهاء في أن الحاضرة لا تحاسب المسافرة فيما مضى لها مع زوجها في السفر، وكذلك لا يختلفون في أنه يقسم بين الزوجات في السفر كما يقسم بينهن في الحضر. وقد ذكرنا الاحتمال الذي في السير والحديث. انتهى . (فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ: أَلَا تَرْكَبِينَ اللَّيْلَةَ)؛ أي: في هذه الليلة، (بَعِيرِي، وَأَرْكَبُ بَعِيرَكِ؟ فَتَنْظُرِينَ) إلى ما لَمْ تكوني تنظرين، (وَأَنْظُرُ) إلى ما لم أنظر، وإنما حَمَل حفصة على ذلك الغيرة التي تورث الدهش والحيرة، وفيه إشعار أن عائشة وحفصة -﵄- لم تكونا متقارنتين، بل كانت كل واحدة منهما في جهة. (قَالَتْ) عائشة: (بَلَى)؛ أي: فقالت عائشة لحفصة: بلى اركبي جملي، وانظري، وأنا أركب جملك، وأنظر. قال في «الفتح»: كأن عائشة أجابت إلى ذلك؛ لِمَا شوّقتها إليه من النظر إلى ما لم تكن هي تنظر، وهذا مشعر بأنهما لم يكونا حال السير متقاربتين، بل كانت كل واحدة منهما من جهة، كما جرت العادة من السير قطارين، وإلا فلو كانتا معًا لم تختص إحداهما بنظر ما لم تنظره الأخرى، ويَحْتَمِل أن تريد بالنظر وطأة البعير، وجودة سيره. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: وقول حفصة لعائشة -﵄-: «ألا تركبين بعيري، وأركب بعيرك فتنظرين وأنظر» حيلة منها تمّت لها على عائشة لصغر سنِّ عائشة، وسلامة صدرها عن المكر والحيل؛ إذ لم تجرب الأمور بعدُ، ولا دَرْك على حفصة فيما فعلت من جهة أنها أخذت حقًّا هو لعائشة؛ لأنَّ السير والحديث؛ إن لم يدخل في القَسْم فهي وعائشة فيه سواء، فأرادت حفصة أن يكون لها حظ من الحديث والسير معه -ﷺ-، وإن كان ذلك واجبًا فقد توصلت إلى ما كان لها، وإنَّما يكون عليها الدَرْك من حيث إنها خالفت مراد النبيّ -ﷺ- في حديثه، فقد يريد أن يحدِّث عائشة حديثًا يُسِرُّ به إليها، أو يختص بها، فتسمعه حفصة، وهذا لا يجوز بالاتفاق، لكن حَمَلها على اقتحام ذلك الغيرة التي تورث صاحبها الدَّهَشَ والْحَيْرة. انتهى . (فَرَكِبَتْ عَائِشَةُ عَلَى بَعِيرِ حَفْصَةَ، وَرَكِبَتْ حَفْصَةُ عَلَى بَعِيرِ عَائِشَةَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِلَى جَمَلِ عَائِشَةَ) بناءً على أنها على جملها، (وَ) الحال أنه (عَلَيْهِ) وفي رواية حكاها الكرمانيّ: «وعليها» وكأنه على إرادة الناقة . (حَفْصَةُ، فَسَلَّمَ)؛ أي: على حفصة، ولم يُذكَر في الخبر أنه تحدث معها، فيَحْتَمِل أن يكون أُلْهِم ما وقع، ويَحْتَمِل أن يكون وقع ذلك اتفاقًا، ويَحْتَمِل أن يكون تحدث، ولم يُنقَل ، (ثُمَّ صَارَ مَعَهَا)؛ أي: مع حفصة، (حَتَّى نَزَلُوا، فَافْتَقَدَتْهُ عَائِشَةُ، فَغَارَتْ)؛ أي: افتقدت عائشة رسول الله -ﷺ-؛ أي: في حالة المسايرة، فبسبب ذلك غارت؛ لأن قطع المألوف صعبٌ، (فَلَمَّا نَزَلُوا جَعَلَتْ تَجْعَلُ رِجْلَهَا) وفي بعض النسخ: «رجليها»، (بَيْنَ الإِذْخِرِ)؛ أي: جعلت عائشة -﵂- رجليها بين الإذخر، وهو نبت معروف، توجد فيه الهوامّ غالبًا في البرية، وإنما فعلت هذا؛ لِمَا عَرَفت أنها الجانية فيما أجابت إليه حفصة، وأرادت أن تعاقب نفسها على تلك الجناية، (وَتَقُولُ: يَا رَبِّ سَلِّطْ) وفي رواية: «ربّ سلّط» بحذف «يا»، (عَلَيَّ عَقْرَبًا، أَو حَيَّةً) «أو» هنا للتنويع، قال القرطبيّ -﵀-: هذا دعاءٌ منها على نفسها بعقوبة لِمَا لحقها من النَّدم على ما فعلت، ولِمَا تم عليها من الحيلة، ولِمَا حصل لها من الغَيْرة، وهو دعاء باللسان غير مراد بالقلب. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «غير مراد بالقلب» محلّ نظر، فتأمل بالإمعان، والله تعالى أعلم. (تَلْدَغُنِي) بالِغين المعجمة، يقال: لَدَغَتْهُ العقرب -بِالغين معجمة- لَدْغًا، من باب نفع: لسعته، ولَدَغَتْهُ، الحية لَدْغًا: عضّته، فهو لَدِيغٌ، والمرأة لَدِيغٌ أيضًا، والجمع لَدْغَي، مثل جريح وجرحي، ويتعدى بالهمزة إلى مفعول ثان، فيقال: أَلدَغْتُهُ العقربَ: إذا أرسلتها عليه، فَلَدَغَتْهُ، قاله الفيّوميّ -﵀- . وقال في «التاج»: لدَغَتْهُ العَقْرَبُ، والحَيَّةُ، كمَنَعَ تَلْدَغُ لَدْغًا، وقيلَ: اللَّدْغُ بالفَمِ، واللَّسْعُ بالذَّنَبِ، وقالَ الليثُ: اللَّدْغُ بالنّابِ، وفي بَعْضِ اللُّغاتِ: تَلْدَغُ العَقْرَبُ. وقال محمد بن الطيب الفاسيّ: واللَّدْغُ للحَارّاتِ كالنّارِ، ونَحْوِها، ومَن جَوَّزَ إعْجَامَ الذّالِ مع الغَيْنِ المُعْجَمَةِ في مَعْنَاهُ فقدْ وَهِمَ؛ لِمَا عُلِمَ أنَّ الذّالَ والغَيْنَ المُعْجَمَتَيْنِ لا يَجْتَمِعانِ في كَلِمَةٍ عَرَبِيَّةٍ. انتهى. وقالَ أبو وَجْزَةَ: اللَّدْغَةُ جامِعَةٌ لِكُلِّ هامَّةٍ تَلْدَغُ لَدْغًا وتَلْدَاغًا، بفَتْحِهِمَا، فهُوَ مَلْدُوغٌ، ولَدِيغٌ. انتهى . (رَسُولُكَ) بالرفع خبر لمحذوف؛ أي: هذا رسولك، ويَحْتَمل النصب مفعولًا لفعل مقدَّر؛ أي: أخاف رسولك. (وَلَا أسْتَطِيعُ أنْ أَقُولَ لَهُ شَيْئًا) قال القرطبيّ -﵀-: ظاهره أن النبيّ -ﷺ- لم يعرف القصة؛ وإنَّما تمَّت لحفصة حيلتها عليها، والله أعلم، مع أنه يَحْتَمِل أن يكون النبيّ -ﷺ- عَلِم ذلك بالوحي، أو بالقرائن، وتغافل عمَّا جرى من ذلك؛ إذ لم يجر منهما شيء يترتب عليه حكم، ولا يتعلق به إثم، والله تعالى أعلم. انتهى . وقال الكرمانيّ: قولها: «رسولك. . . إلخ» الظاهر أنه كلام حفصة، ويَحْتَمِل أن يكون كلام عائشة. وتعقّبه العينيّ، فقال: الأمر بالعكس، بل الظاهر أنه من كلام عائشة، وظاهر العبارة يُشعر أن رسول الله -ﷺ- لم يعرف القصة، ويَحْتَمِل أن يكون قد عرفها بالوحي، وبالقرائن، وتغافل -ﷺ- عما جرى إذ لم يحصل منها شيء يترتب عليه حكم. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «ولا أستطيع أن أقول له شيئًا» قال الكرمانيّ: الظاهر أنه كلام حفصة، ويَحْتَمِل أن يكون كلام عائشة، ولم يظهر لي هذا الظاهر، بل هو كلام عائشة، وقد وقع في رواية مسلم في جميع ما وقفت عليه من طرقه، إلا ما سأذكره بعدُ قولُه: «تلدغني، رسولك، ولا أستطيع أن أقول له شيئًا»، و«رسولك» بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو رسولك، ويجوز النصب على تقدير فعل، وإنما لم تتعرض لحفصة؛ لأنها هي التي أجابتها طائعة، فعادت على نفسها باللوم، ووقع عند الإسماعيليّ من وجهين، عن أبي نعيم شيخ البخاري فيه بعد قوله: «تلدغني، ورسول الله -ﷺ- ينظر، ولا أستطيع أن أقول له شيئًا»، وعلى هذا فيَحْتَمِل أن يكون المراد بالقول في قولها: «أن أقول»؛ أي: أحكي له الواقعة؛ لأنه ما كان يعذرني في ذلك، وظاهر رواية غيره يُفهم أن مرادها بالقول: أنها لا تستطيع أن تقول في حقه شيئًا، كما تقدم. قال الداوديّ: يَحْتَمِل أن تكون المسايرة في ليلة عائشة، ولذلك غلبت عليها المغيرة، فَدَعَتْ على نفسها بالموت. وتُعُقّب بأنه يلزم منه أنه يوجب القَسْم في المسايرة، وليس كذلك؛ إذ لو كان لَمَا كان يخص عائشة بالمسايرة دون حفصة، حتى تحتاج حفصة تتحيل على عائشة، ولا يتجه القَسْم في حالة السير إلا إذا كانت الخلوة لا تحصل إلا فيه، بأن يركب معها في الهودج، وعند النزول يجتمع الكل في الخيمة، فيكون حينئذ عماد القَسْم السَّيْر، أما المسايرة فلا، وهذا كله مبني على أن القَسْم كان واجبًا على النبيّ -ﷺ-، وهو الذي يدل عليه معظم الأخبار ، ويؤيد القول بالقرعة أنهم اتفقوا على أن مدة السفر لا يحاسب بها المقيمة، بل يبتدئ إذا رجع بالقسم فيما يستقبل، فلو سافر بمن شاء بغير قرعة، فقدّم بعضهن في القَسْم للزم منه إذا رجع أن يوفي من تخلفت حقها، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على أن ذلك لا يجب، فظهر أن للقرعة فائدةً، وهي أن لا يُؤْثِر بعضهن بالتشهي؛ لِمَا يترتب على ذلك من ترك العدل بينهنّ، وقد قال الشافعيّ في القديم: لو كان المسافر يَقسم لمن خلف لَمَا كان للقرعة معنى، بل معناها أن تصير هذه الأيام لمن خرج سهمها خالصة. انتهى. قال الحافظ: ولا يخفى أن محل الإطلاق في ترك القضاء في السفر ما دام اسم السفر موجودًا، فلو سافر إلى بلدة، فأقام بها زمانًا طويلًا، ثم سافر راجعًا، فعليه قضاء مدة الإقامة، وفي مدة الرجوع خلاف عند الشافعية، والمعنى في سقوط القضاء أن التي سافرت، وفازت بالصحبة لَحِقَها من تعب السفر ومشقته ما يقابل ذلك، والمقيمة عَكْسها في الأمرين معًا. انتهى كلام الحافظ -﵀- ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ٦٢٧٨] (٢٤٤٥)، و(البخاريّ) في «النكاح» (٥٢١١)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥/ ٣٠٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ١١٤)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٢٧٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ١٣٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٣٠٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان كمال حُسن عشرة النبيّ -ﷺ-، حيث كان يُقرع بين نسائه، وإن لَمْ يكن القسم واجبًا؛ على الراجح؛ لقوله -﷿-: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ الآية [الأحزاب: ٥١]. ٢ - (ومنها): بيان ما جُبل عليه النساء من شدّة الغيرة؛ لأنه ما حمل حفصة على ذلك إلَّا غَيْرتها من حديثه -ﷺ- مع عائشة في الليل. ٣ - (ومنها): أنه استُدِل به على مشروعية القُرعة في القسمة بين الشركاء، وغير ذلك، والمشهور عن الحنفية، والمالكية عدم اعتبار القرعة، قال القاضي عياض: هو مشهور عن مالك وأصحابه؛ لأنه من باب الْخَطَر والقمار، وحُكِي عن الحنفية إجازتها. انتهى، وقد قالوا به في مسألة الباب. واحتج مَن مَنَع مِن المالكية بأن بعض النسوة قد تكون أنفع في السفر من غيرها، فلو خرجت القرعة للتي لا نفع بها في السفر لأضرّ بحال الرجل، وكذا بالعكس قد يكون بعض النساء أقْوَم ببيت الرجل من الأخرى. وقال القرطبيّ: ينبغي أن يختلف ذلك باختلاف أحوال النساء، وتختص مشروعية القرعة بما إذا اتفقت أحوالهنّ؛ لئلا تخرج واحدة معه، فيكون ترجيحًا بغير مرجح. انتهى. وفيه مراعاة للمذهب، مع الأمن من ردّ الحديث أصلًا؛ لِحَمْله على التخصيص، فكأنه خصص العموم بالمعني، قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ قول من قال بمشروعيّة القرعة في الأشياء المشتركة؛ لصحة حديث الباب، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): أنه استَدَلّ به المهلَّب على أن القَسْم لَمْ يكن واجبًا على النبيّ -ﷺ-؛ لأنه لو كان واجبًا عليه لَحَرُم على حفصة ما فعلت في تبديل بعيرها ببعير عائشة. ورُدّ عليه ذلك ؛ لأنَّ القائل بوجوب القسمة عليه لا يمنع من حديث
مصادر المؤلف (٢٠)

١. وفي نسخة: «رجليها».

٢. هذا أَولى من قول «التقريب»: لا بأس به، راجع: ترجمته في «تهذيب التهذيب».

٣. «عمدة القاري» ١٣/ ١٥٣.

٤. «المفهم» ٦/ ٣٢٩.

٥. «عمدة القاري» ٢٠/ ١٩٧.

٦. «عمدة القاري» ٢٠/ ١٩٧.

٧. «المفهم» ٦/ ٣٢٩ - ٣٣٠.

٨. «الفتح» ١١/ ٦٥٣.

٩. «المفهم» ٦/ ٣٣٠.

١٠. «الفتح» ١١/ ٦٥٣.

١١. «الفتح» ١١/ ٦٥٣.

١٢. «المفهم» ٦/ ٣٣١.

١٣. «المصباح المنير» ٢/ ٥٥١ - ٥٥٢.

١٤. «تاج العروس» ١/ ٥٦٩٢.

١٥. «المفهم» ٦/ ٣٣١.

١٦. «عمدة القاري» ٢٠/ ١٩٧.

١٧. قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت غير مرّة أن الصحيح أنه -ﷺ- لا يجب عليه القَسْم؛ لقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ الآية [الأحزاب: ٥١]، وأما الأحاديث التي تدلّ على القَسْم فمحمولة على أنه -ﷺ- ما ترك القَسْم؛ لكريم أخلاقه، وحُسن عشرته، والله تعالى أعلم.

١٨. «الفتح» ٩/ ٣١٢.

١٩. «الفتح» ٦٥٢ - ٦٥٣، كتاب «النكاح» رقم (٥٢١١).

٢٠. وقال في «الفتح»: استَدَلّ به المهلب على أن القسم لم يكن واجبًا على النبيّ -ﷺ-، =