HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٤٧١

حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ. كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُنْكَدِرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، جِيءَ بِأَبِي مُسَجًّى، وَقَدْ مُثِلَ بِهِ. قَالَ فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْفَعَ الثَّوْبَ، فَنَهَانِي قَوْمِي. ثُمَّ أَرَدْتُ أَنْ أَرْفَعَ الثَّوْبَ، فَنَهَانِي قَوْمِي. فَرَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أَوْ أَمَرَ بِهِ فَرُفِعَ. فَسَمِعَ صَوْتَ بَاكِيَةٍ أَوْ صَائِحَةٍ. فَقَالَ «مَنْ هَذِهِ؟» فَقَالُوا: بِنْتُ عَمْرٍو، أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو. فَقَالَ «وَلِمَ تَبْكِي؟ فَمَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تظله بأجنحتها حتى رفع».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص151
ج ٤ ص ١٩١٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٦٣
[٧٢٨] (مُسَجًّى) : مغطى، (قَدْ مُثِّلَ بِهِ)؛ أي: جُدِع أنفُه وأذنُه، وفي رواية: (جِيءَ بِهِ مُجَدَّعًا) . ومن باب فضل أبي ذر ﵁ -
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٩ ص٣٥٠
تعالى للنبي مع كون ذلك النبي محجوبًا عن رؤية الله تعالى، ومنه: ما يبيّنه له المَلَك، وحاصلها: الإعلام بأن الله تعالى لم يره أحد من البشر في هذه الدَّار؛ نبيًّا كان أو غير نبيّ، ويشهد لهذا قوله - ﷺ - في الصحيح: «اعلموا أنه لا يرى أحدٌ ربَّه حتى يموت» . وقد تقدَّم الخلاف في رؤية نبينا محمد - ﷺ - لربِّه، والصحيح أنه لم يأت قاطع بذلك، والأصل بقاء ما ذكرناه على ما أصَّلناه، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- . قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم الخلاف في رؤيته - ﷺ - ربه ببصره، ورجّحنا أن الصحيح أنه لم يره ببصره؛ للأدلة الصحيحة المذكورة في «كتاب الإيمان»، ومن أوضحها: حديث أبي ذر - ﵁ - قال: سألت رسول الله - ﷺ - هل رأيت ربك؟ قال: «نور أنَّى أراه؟»، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٣٤] (٢٤٧١) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، كلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُنْكَدِرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ جِيءَ بِأَبِي مُسَجًّى، وَقَدْ مُثِلَ بِه، قَالَ: فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْفَعَ الثَّوْبَ، فَنَهَانِي قَوْمِي، ثُمَّ أَرَدْتُ أَنْ أَرْفَعَ الثَّوْبَ، فَنَهَانِي قَوْمِي، فَرَفَعَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، أَوأَمَرَ بِه، فَرُفِعَ، فَسَمِعَ صَوْتَ بَاكِيَةٍ، أَو صَائِحَةٍ، فَقَالَ: «مَنْ هَذِهِ؟»، فَقَالُوا: بِنْتُ عَمْرٍو، أَو أُخْتُ عَمْرٍو، فَقَالَ: «وَلِمَ تَبْكِي؟ فَمَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا، حَتَّى رُفِعَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) هو: عبيد الله بن عُمر بن ميسرة، أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٥) على الأصح، وله خمس وثمانون سنةً (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٥. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قريبًا. ٣ - (ابْنُ الْمُنْكَدِرِ) هو: محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الْهُدير -بالتصغير- التيميّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في «الطهارة» ١١/ ٥٨٤. والباقيان ذُكرا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (٤٨٩) من رباعيّات الكتاب، وفيه جابر بن عبد الله - ﵄ -، وقد سبق القول فيه قريبًا. شرح الحديث: (عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ)؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ) محمد (بْنَ الْمُنْكَدِرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) - ﵄ - (يَقُولُ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ) «كان» هنا تامّة، بمعنى جاء، وحضر، فلا تحتاج إلى خبر، بل تكتفي بفاعلها فقط، كما قال الحريريّ في «ملحته»: وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْمِ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ … فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ وقال في «الخلاصة»: .................... … وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي وكانت غزوة أُحُد في سنة ثلاث من الهجرة في شوال. (جِيءَ بِأَبِي) عبد الله بن حرام، حال كونه (مُسَجًّى)؛ أي: مُغطّى الجسد والرأس بثوب، ولفظ البخاريّ: «وقد سُجِّي ثَوْبًا»؛ أي: غُطّي، من سَجَّى يُسَجّى تسجيةً، وانتصاب «ثوبًا» بنزع الخافض؛ أي: بثوب . (وَقَدْ مُثِلَ بِهِ) بالبناء للمفعول؛ أي: قطع المشركون أطرافه مُثلةً، قال النوويّ -﵀-: مُثِل بضم الميم، وكسر الثاء المخففة، يقال: مُثِل بالقتيل، والحيوان يُمْثل مَثْلًا؛ كقُتل يُقتل قتلًا: إذا قُطع أطرافه، أو أنفه، أوأذنه، أو مذاكيره، ونحو ذلك، والاسم: المثلة، فأما مُثِّل بالتشديد فهو للمبالغة، والرواية هنا بالتخفيف. انتهى . وقال في «العمدة»: قوله: «قد مُثّل به» جملة وقعت حالًا، ومُثّل بضم الميم، وتشديد الثاء المثلثة، من التمثيل، يقال: مُثّل بالقتيل: إذا جُدِع أنفُهُ، وأذنه، أو مذاكيره، أو شيء من أطرافه، والاسم المثلة، بضم الميم، وسكون الثاء، ويجوز مُثِل بتخفيف الثاء، يقال: مَثَلْتُ بالحيوان أَمْثُلُه به مَثْلًا، قال ابن الأثير: وأما مُثّل بالتشديد، فهو للمبالغة. انتهى . (قَالَ) جابر: (فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْفَعَ الثَّوْبَ) وفي رواية: «أريد أن أكشف عنه»؛ أي: حتى يُرى ما فُعل به، (فَنَهَانِي قَوْمِي) بنو سَلِمة بكسر اللام، ولعلهم نهوه ظنًّا منهم أن كشف وجه الميت لا يجوز، ولم ينهه - ﷺ - دلالة على أنه يجوز، ويَحْتَمِل أن يكون نهيهم له خشية أن يزيده ذلك حزنًا وبكاءً على جابر؛ لأنه كان يبكي عندئذ، كما هو مصرّح به في الرواية التالية، ولم ينهه - ﷺ - لِمَا رأى من شدّة اشتياقه، ولأن ذلك ربما يؤدي إلى التسلية ، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ أَرَدْتُ أَنْ أَرْفَعَ الثَّوْبَ، فَنَهَانِي قَوْمِي، فَرَفَعَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -)؛ أي: رَفَعه من موضعه إلى موضع دَفنه، (أَوْ أَمَرَ بِهِ) «أو» للشكّ من الراوي، (فَرُفِعَ) بالبناء للمفعول، (فَسَمِعَ) النبيّ - ﷺ - (صَوْتَ بَاكِيَةٍ، أَو صَائِحَةٍ) «أو» للشكّ أيضًا؛ أي: امرأة صائحة، (فَقَالَ: «مَنْ هَذه؟») الباكية، (فَقَالُوا: بِنْتُ عَمْرٍو«)»أو«هنا أيضًا للشكّ، والصحيح أنها بنت عمرو، كما في الرواية التالية:»وجعلت فاطمة بنت عمرو تبكيه«وعمرو جدّ جابر؛ لأنه ابن عبد الله بن عمرو بن حرام، وفي رواية للبخاريّ:»فجعلت عمتي فاطمة تبكي«، ووقع في»الإكليل«للحاكم أنها هند بنت عمرو، قال الحافظ: لعل لها اسمين، أو أحدهما اسمها، والآخر لقبها، وتعقّبه العينيّ، فقال: لا يُلقّب بالأسماء الموضوعة للمسمّيات، فإن صح ما في»الإكليل«فيُحْمَل على أنهما كانتا أختين، وهما عمتا جابر، إحداهما تسمى فاطمة، والأخرى تسمى هندًا . قوله: (أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو) شك من الراوي، فإن كانت بنت عمرو، تكون أخت المقتول عمة جابر، وإن كانت أخت عمرو تكون عمة المقتول، وهو عبد الله، هكذا قال في«العمدة». وقال في«الفتح»: هذا شكّ من سفيان، والصواب: بثت عمرو، وهي فاطمة بنت عمرو؛ لأن في رواية شعبة، عن محمد بن المنكدر:«وجعلت عمتي تبكيه»، وفي رواية:«فذهبت عمتي فاطمة». (فَقَالَ:«وَلِمَ تَبْكِي؟ »)«لِمَ»بكسر اللام، وفتح الميم: استفهام عن الغائبة، والاستفهام للإنكار، فيكون بمعنى النهي، ولفظ البخاريّ:«فَلِمَ تبكي؟، أو: لا تبكي»، فقوله:«أو: لا تبكي»شكّ من الراوي، وليس باستفهام، بل هو نهي للغائبة. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله:«ولمَ تبكي؟ »كذا صحَّت الرواية بـ«لم»التي للاستفهام،«تبكي»بغير نون؛ لأنَّه استفهام لمخاطب عن فعل غائبة، ولو خاطبها بالاستفهام خطاب الحاضرة، لقال: ولمَ تبكين؛ بإثبات النون، وكذلك جاء في رواية أخرى:«تبكيه، أو لا تبكيه؟ ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها»، هو إخبار عن غائبة، ولو كان خطاب الحاضرة لقال: تبكينه، أو لا تبكينه، بنون فعل الواحدة المخاطبة، ويعني بهذا الكلام: أن عبد الله مكرَّم عند الملائكة، سواء بُكِي عليه، أو لم يُبْكَ؟، وكون الملائكة تظله بأجنحتها، إنما ذلك لاجتماعهم عليه، وتزاحمهم على مبادرة لقائه، والصُّعود بروحه الكريمة الطيبة، ولتبشِّره بما له عند الله تعالى من الكرامهّ، والدَّرجة الرفيعة، والله تعالى أعلم. انتهى . وقال في«المشارق»: قوله:«تبكين، أو لا تبكين … إلخ»بسكون الواو، وقد يكون هذا شكًّا من الراوي في أيّ الكلمتين قال، أو يكون على طريق التسوية للحالين، والأول أظهر. انتهى . وقال في«الفتح»: قوله:«قال: فلم تبكي؟ أو: لا تبكي»هكذا في هذه الرواية بكسر اللام، وفتح الميم، على أنه استفهام عن غائبة، وأما قوله:«أو: لا تبكي»، فالظاهر أنه شكّ من الراوي، هل استفهَمَ، أو نهَى؟ لكن تقدّم -يعني: في رواية البخاري- من رواية شعبة:«تبكين، أو لا تبكين»، وتقدم شرحه على التخيير، ومحصّله أن هذا الجليل القَدْر الذي تظلّه الملائكة بأجنحتها لا ينبغي أن يُبكَى عليه، بل يُفرح له بما صار إليه. انتهى . وقال في موضع آخر: قوله:«تبكين، أو لا تبكين »للتخيير، ومعناه: أنه مكرم بصنيع الملائكة، وتزاحمهم عليه لصعودهم بروحه، ويَحْتَمِل أن يكون شكًّا من الراوي. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حَمْله على التخيير فيه نظر؛ إذ تعارضه رواية شعبة عند البخاريّ بلفظ:«لا تبكيه»بالنهي الجازم، فالأَولى حَمْله على الشكّ، فيكون قوله:«تبكين» استفهامًا بتقدير أداته؛ أي: أتبكين؟، والاستفهام الإنكاريّ بمنزلة النهي، فلا اختلاف بين رواية سفيان، وشعبة في المعنى، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَمَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا) هذه الجملة تعليل للنهي عن البكاء؛ أي: لأنّ من كان مُعزّزًا مُكرّمًا بعناية الملائكة به لا ينبغي أن يُبكَى عليه، بل يُفرَح به. وقال القاضي عياض -﵀-: يَحْتَمِل أن ذلك لتزاحمهم عليه؛ لبشارته بفضل الله تعالى ورضاه عنه، وما أَعَدَّ له من الكرامة عليه، ازدحموا عليه إكراما له، وفرحًا به، أو أظلّوه من حرّ الشمس؛ لئلا يتغيّر ريحه، أو جسمه. انتهى . (حَتَّى رُفِعَ) بالبناء للمفعول، وفي رواية شعبة: «حتى رفعتموه»، وهو غاية لتظليل الملائكة له، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا مُتَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ٦٣٣٤ و٦٣٣٥ و٦٣٣٦ و٦٣٣٧] (٢٤٧١)، و(البخاريّ) في «الجنائز» (١٢٤٢ و١٢٩٣) و«الجهاد» (٢٨١٦) و«المغازي» (٣٠٨٠)، و(النسائيّ) في «المجتبى» (٤/ ١١ و١٣) و«فضائل الصحابة» (١٤٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٢٩٨ و٣٠٧)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٤/ ١٨)، و(ابن الجعد) في «مسنده» (١/ ٢٥٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الصحابيّ الجليل عبد الله بن حرام - ﵁ -، حيث أظلته الملائكة بأجنحتها. ٢ - (ومنها): استحباب تسجية الميت، قال النوويّ -﵀-: وهو مُجْمَع عليه، وحكمته صيانة الميت من الانكشاف، وستر عورته المتغيّرة عن الأعين، قال بعض أصحاب الشافعيّ: ويُلَفّ طَرَف الثوب المسجّى به تحت رأسه، وطرفه الآخر تحت رجليه، لئلا ينكشف منه، قال: وتكون التسجية بعد نزع ثيابه التي تُوفّي فيها، لئلا يتغيّر بدنه بسببها. انتهى. ٣ - (ومنها): بيان عناية الملائكة بخدمة الصالحين، ومصاحبتهم، كما قال الله تعالى حكاية عنهم: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٣١]. ٤ - (ومنها): فضل الشهادة في سبيل الله تعالى. ٥ - (ومنها): النهي عن البكاء على من مات على خير عمله، وقد تقدّمت المسألة في محلّها من «الجنائز» مستوفاة، فارجع إليها تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٣٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: أُصِيبَ أَبِي يَوْمَ أُحُدٍ، فَجَعَلْتُ كشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِه، وَأَبْكِي، وَجَعَلُوا يَنْهَوْنَنِي، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَا يَنْهَانِي، قَالَ: وَجَعَلَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرٍو تَبْكِيه، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «تَبْكِيه، أَو لَا تَبْكِيه، مَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلّهُ بِأَجْنِحَتِهَا، حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ) بن حازم، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب. وقوله: (وَجَعَلُوا يَنْهَوْنَنِي) هكذا بنونين، إحداهما نون الرفع، والثانية نون الوقاية، وهو واضح، ووقع في رواية للبخاريّ: «ينهوني» بنون واحدة، ووَجْهه أنه حُذف منه إحدى النونين، والصحيح أن المحذوف نون الرفع؛ لأنه عُهد حَذْفها لغير ذلك، ولأنها نائبة عن الضمّة التي تُحذف تخفيفًا ، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَجَعَلَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرٍو تَبْكِيهِ) هي عمّة جابر، شقيقة أبيه عبد الله بن عمرو. وقوله: (تَبْكِيه، أَو لَا تَبْكِيهِ … إلخ) قال في «الفتح»: «أو» فيه للتخيير، ومعناه: أنه مكرَّم بصنيع الملائكة، وتزاحُمهم عليه؛ ليصعدوا بروحه، ويَحْتَمِل أن يكون شكًّا من الراوي. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن التخيير غير صحيح، بل الظاهر أنها للشكّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ -﵀-: معناه: سواء بكت عليه أم لا، فما زالت الملائكة تُظلّه؛ أي: فقد حصل له من الكرامة هذا وغيره، فلا ينبغي البكاء على مثل هذا، وفي هذا تسلية لها. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٣٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ (ح) وَحَدثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، حَدثنا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِر، عَنْ جَابِرٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ ، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ لَيْسَ فِي حَدِيثِهِ ذِكْرُ الْمَلَائِكَة، وَبُكَاءُ الْبَاكِيَةِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - [رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) القيسيّ البصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - [إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٣ - [مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب. [تنبيه]: رواية معمر عن محمد بن المنكدر ساقها عبد الرزاق -﵀- في «مصنّفه»، فقال: (٦٦٩٣) - عبد الرزاق، عن معمر، عن محمد بن المنكدر قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قُتل أَبِي يوم أُحد، فأُتي به النبيّ - ﷺ -، فوُضع بين يديه مُجَدَّعًا، قد مُثِل به، قال: فأكببت أبكي عليه، والقوم يعزونني ، والنبيّ - ﷺ - يراني، ولا ينهاني، حتى رُفع، فقال النبيّ - ﷺ -: «ما زالت الملائكة حوله حتى رُفع»، قال: فكان على أبي دَيْن، وكان الغرماء يأتون النخل، فينظرونه، فيستقلّونه، فقال له النبيّ - ﷺ -: «إذا أردت أن تَجُدّ، فآذنّي»، قال: فأتيته، فذهب معي، حتى قام فيه، فدعا بالبركة، قال: فقضيت ما كان على أبي، وفَضَل لنا طعام كثير. انتهى . وأما رواية ابن جريج، عن محمد بن المنكدر فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٣٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْن عَدِيٍّ، أخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عُنْ عَبْدِ الْكَرِيم، عَنْ محَمَّدِ بْن الْمُنْكَدِر، عَن جَابِرٍ، قَالَ: جِيءَ بِأَبِي يَوْمَ أُحُدٍ، مُجَدَّعًا، فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ) السلميّ، أبو عبد الله البغداديّ القطيعي، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٧) وله سبع وستون سنةً (م د) تقدم في «الإيمان» ٩٢/ ٥٠٢. ٢ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيِّ) بن الصَّلْت التيميّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، نزيل بغداد، وهو أخو يوسف، ثقةٌ جليلٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت ١١ أو ٢١٢) (خ م مد ت س ق) تقدّم في «المقدّمة» ٦/ ٨٨. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو) بن أبي الوليد الرَّقّيّ، أبو وهب الأسديّ، ثقةٌ فقيهٌ ربما وَهِمَ [٨] (ت ١٨٠) عن ثمانين إلا سنةً (ع) تقدّم أيضًا في «المقدّمة» ٦/ ٧٥. ٤ - (عَبْدُ الْكَرِيمِ) بن مالك الجزريّ، أبو سعيد، مولى بني أمية، وهو الْخِضْرميّ -بالخاء والضاد المعجمتين- نسبة إلى قرية من اليمامة، ثقةٌ متقنٌ [٦] (ت ١٢٧) تقدم في «الصيام» ١٥/ ٢٦٠٩. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: تكلّم الحافظ أبو عليّ الغسّانيّ الجيّانيّ -﵀- في هذا الإسناد، فقال بعدما ساق سند مسلم: حدّثنا محمد بن أحمد بن أبي خلف، قال: حدّثنا زكريّا بن عديّ، قال: حدّثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم، عن محمد بن المنكدر، عن جابر … إلخ ما نصّه: هكذا رُوي عن أبي أحمد، والكسائيّ، وعند أبي العلاء بن ماهان: حدّثنا عبد الكريم، عن محمد بن عليّ، عن جابر، جعل بدل محمد بن المنكدر محمد بن عليّ، وهو ابن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، قال: ومن حديث محمد بن المنكدر، عن جابر خرّجه أبو مسعود الدمشقيّ، وهو الصواب. انتهى كلام الغسانيّ -﵀- . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن النسخة التي شرحتها هي الصواب، ولله الحمد، وهي رواية أبي أحمد الجلوديّ، والكسائيّ. [تنبيه آخر]: رواية عبد الكريم الجَزَريّ عن محمد بن المنكدر هذه ساقها الفريابيّ -﵀- في «دلائل النبوّة»، فقال: (٥٣) - حدّثنا جعفر، قال: ثنا حكيم بن سيف أبو عمرو الرّقّيّ بالرَّقَّة، وأبو نعيم الحلبي بِحَلَب، قالا: حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: جيء بأبي -﵀- يوم أُحد مُجَدَّعًا، قال: فجعلت أبكي، وأكشف عن وجهه، ورسول الله - ﷺ - ينهاني، فلما رُفع قال رسول الله - ﷺ -: «ما زالت الملائكة حافّته بأجنحتها، حتى رُفع»، قال جابر: وكان عليه دَينٌ، فجاء الغرماء، فجعلوا ينظرون إلى النخل، فجاء رسول الله - ﷺ -، فدخل النخل، ودعا بالبركة، ثم قال: «جُدّ، فاقضه»، قال: فجَدَدْتُ، فقضيت، وفَضَل لي مثل ما في النخل. انتهى . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٧) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ جُلَيْبِيبٍ - ﵁ -) قال في «الإصابة»: جُليبيب غير منسوب، وهو تصغير جلباب، رَوَى مسلم من حديث حماد، عن ثابت، عن كنانة بن نعيم، عن أبي برزة الأسلميّ؛ أن النبيّ - ﷺ - كان في مغزى له، فأفاء الله، فقال: «هل تفقِدون من أحد؟» قالوا: فقدنا فلانًا، وفلانًا، قال: «ولكني أفقد جُليبيبًا …»، فذكر الحديث، وأخرجه النسائيّ، وله ذِكر في حديث أنس في تزويجه بالأنصارية، وفيه قوله - ﷺ -: «لكنك عند الله لست بكاسد»، وهو عند الْبَرْقانيّ في «مستخرجه» في حديث أبي برزة أيضًا، وقد أخرجه أحمد مطوّلًا، وحديث أنس أخرجه البزار، من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن ثابت عنه مطوّلًا، وأخرجه أحمد، عن عبد الرزاق، وحكى ابن عبد البر في ترجمته أنه نزل في قصته: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، قال الحافظ -﵀-: ولم أر ذلك في شيء من طرقه الموصولة من حديث أنس، ومن حديث أبي برزة. انتهى .
مصادر المؤلف (٢١)

١. حديث صحيح.

٢. «المفهم» ٦/ ٣٨٦ - ٣٨٧.

٣. «عمدة القاري» ٨/ ٨٦.

٤. «شرح النوويّ» ١٦/ ٢٤ - ٢٥.

٥. «عمدة القاري»٨/ ٨٦.

٦. راجع:«تكملة فتح الملهم»٥/ ٢٠٩.

٧. «عمدة القاري»٨/ ٨٦.

٨. «عمدة القاري» ٨/ ٨٦.

٩. «المفهم» ٦/ ٣٨٧ - ٣٨٨.

١٠. «مشارق الأنوار» ١/ ٥٣.

١١. «الفتح» ٣/ ٥١٢.

١٢. «الفتح» ٣/ ٤٥٢.

١٣. «إكمال المعلم» ٧/ ٥٠٠.

١٤. راجع: «حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل على الخلاصة» ١/ ٨٠.

١٥. «الفتح» ٣/ ٦٨٦، كتاب «الجنائز» رقم (١٢٤٤).

١٦. وفي نسخة: «بهذا الإسناد».

١٧. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا نسخة عبد الرزّاق: «يعزونني»، وفي رواية غيره: «ينهونني»، فإن لم تكن هذه مصحّفة من «ينهونني»، فلعل معناها: يغلبونني، من قوله تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣]؛ أي: غلبني، والله تعالى أعلم.

١٨. «مصنف عبد الرزاق» ٣/ ٥٦١.

١٩. «تقييد المهمل» ٣/ ٩١٤.

٢٠. «دلائل النبوة للفريابي» ١/ ٨٨.

٢١. «الإصابة في تمييز الصحابة» ١/ ٤٩٥.