HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٤٧٢

حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَلِيطٍ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ كِنَانَةَ بْنِ نُعَيْمٍ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ؛ أَنّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي مَغْزًى لَهُ. فَأَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ. فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ «هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟» قَالُوا: نَعَمْ. فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا. ثُمَّ قَالَ «هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟» قَالُوا: نَعَمْ. فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا. ثُمَّ قَالَ «هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟» قَالُوا: لَا. قَالَ «لكني أفقد جلبيبا. فَاطْلُبُوهُ» فَطُلِبَ فِي الْقَتْلَى. فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ. ثُمَّ قَتَلُوهُ. فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ فَوَقَفَ عَلَيْهِ. فَقَالَ «قَتَلَ سَبْعَةً. ثُمَّ قَتَلُوهُ. هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ. هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ» قَالَ فَوَضَعَهُ عَلَى سَاعِدَيْهِ. لَيْسَ لَهُ إِلَّا سَاعِدَا النَّبِيِّ ﷺ. قَالَ فَحُفِرَ لَهُ ووضع في قبره. ولم يذكر غسلا.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص152
ج ٤ ص ١٩١٨

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٩ ص٣٦٠
وقال القرطبيّ -﵀-: جُليبيب - ﵁ - كان رجلًا من ثعلبة، وكان حليفًا في الأنصار، قال ابن سعد: سمعت من يذكر ذلك، روى أنس بن مالك قال: كان رجل من أصحاب النبيّ - ﷺ - يقال له: جليبيب، وكان في وجهه دمامة، فعرض عليه رسول الله - ﷺ - التزويج، فقال: إذن تجدني كاسدًا يا رسول الله - ﷺ -! فقال: «إنك عند الله لست بكاسد»، وفي غير كتاب مسلم من حديث أبي برزة في تزويج جليبيب: أن رسول الله - ﷺ - قال لرجل من الأنصار: «يا فلان زوِّجني ابنتك»، قال: نعم، ونعمة عين، قال: «إني لست لنفسي أريدها»، قال: فلمن؟ قال: «لجليبيب»، قال: حتى أستأمرَ أمَّها، فأتاها، وأخبرها بذلك، فقالت: حَلْقَى، ألجليبيب؟! لا، لَعَمْرُ الله، لا أُزوِّج جُليبيبًا، فلما قام أبوها ليأتي رسول الله - ﷺ - قالت الفتاة من خِدرها لأبويها: من خطبني إليكما؟ قالا: رسول الله - ﷺ -، قالت: أفتردَّان على رسول الله - ﷺ - أمره؟! ادفعاني إلى رسول الله - ﷺ - فإنَّه لن يُضيِّعني، فذهب أبوها للنبيّ - ﷺ -، فأخبره بذلك، وقال: شأنك بها؛ فزوَّجها جُليبيبًا، ودعا لهما النبيّ - ﷺ -، فقال: «اللَّهُمَّ صُبَّ عليهما الرزقَ صبًّا صبًّا، ولا تجعل عيشهما كدًّا كدًّا»، ثم ذكر باقي الحديث على ما في كتاب مسلم. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٣٨] (٢٤٧٢) - (حَدَّثنَا إِسْحَاقُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَلِيطٍ، حَدَّثنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَن ثَابِتٍ، عَنْ كِنَانَةَ بْنِ نُعَيْمٍ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ فِي مَغْزًى لَهُ، فَأَفَاءَ اللهُ عَلَيْه، فَقَالَ لأَصْحَابِهِ: «هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟»، قَالُو ا: نَعَمْ فُلَانًا، وَفُلَانًا، وَفُلَانًا، ثُمَّ قَالَ: «هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟»، قَالُو ا: نَعَمْ فُلَانًا، وَفُلَانًا، وَفُلَانًا، ثُمَّ قَالَ: «هَلْ تَفْقِدُونَ مِن أَحَدٍ؟»، قَالُوا: لَا. قَالَ: «لَكِنِّي أَفْقِدُ جُلَيْبِيبًا، فَاطْلُبُوهُ»، فَطُلِبَ فِي الْقَتْلَى، فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ، ثُمَّ قَتَلُوهُ، فَأَتَى النَّبِيُّ - ﷺ - ، فَوَقَفَ عَلَيْه، فَقَالَ: «قَتَلَ سَبْعَةً، ثُمَّ قَتَلُوهُ، هَذَا مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُ، هَذَا مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُ»، قَالَ: فَوَضَعَهُ عَلَى سَاعِدَيْه، لَيْسَ لَهُ إِلَّا سَاعِدَا النَّبِيِّ - ﷺ - ، قَالَ: فَحُفِرَ لَهُ، وَوُضِعَ فِي قَبْرِه، وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلًا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَلِيطٍ) الْهُذَليّ، أبو يعقوب البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٢٩) أو بعدها بسنة (م صد) تقدم في «الصيام» ٣٢/ ٢٧٠٩. ٢ - (كنَانَةُ بْنُ نُعَيْمٍ) الْعَدَويّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٤] (م د س) تقدم في «الزكاة» ٣٧/ ٢٤٠٤. ٣ - (أَبُو بَرْزَةَ) نَضْلَة بن عُبيد الأسلميّ الصحابي مشهور بكنيته، أسلم قبل الفتح، وغزا سبع غزوات، ثم نزل البصرة، وغزا خُرَاسان، ومات بها بعد سنة خمس وستين، على الصحيح (ع) تقدم في «الصلاة» ٣٦/ ١٠٣٦. والباقيان ذُكرا قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وهو من رواية الأقران؛ لأن كلًّا من ثابت، وكنانة من الطبقة الرابعة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي بَرْزَةَ) بفتح الموحّدة، وسكون الراء، نَضْلة بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة، ابن عُبيد الأسلميّ - ﵁ -؛ (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ فِي مَغْزًى لَهُ) بفتح الميم، وسكون الغين المعجمة؛ أي: في سفر غَزو، ولم تُسمَّ هذه الغزوة، (فَأَفَاءَ اللهُ عَلَيْهِ)؛ أي: نَصَره الله تعالى على أعدائه، وردّ الله أموالهم إليه فيئًا، والفيء: الغنيمة، قال في «التاج»: وقد تكرَّر في الحديث ذِكْرُ الفَيءِ على اختلافِ تَصَرُّفِه، وهو ما حصلَ للمُسْلِمين من أَموالِ الكُفَّارِ من غير حربٍ، ولا جِهادٍ، وقال أيضًا: وسُمِّي هذا المال فَيْئًا؛ لأنَّه رَجَع إلى المُسْلَمين من أَموال الكفَّار عَفْوًا، بلا قِتالٍ. انتهى . (فَقَالَ) - ﷺ - (لأَصْحَابِهِ) - ﵃ -: («هَلْ تَفْقِدُونَ) بكسر القاف، يقال: فقدته فقْدًا، من باب ضرب، وفِقْدانًا: عَدِمته، فهو مفقود، وفَقِيدٌ، وافتقدته مثله . (مِنْ أَحَدٍ؟)»من«زائدة للتوكيد، كما قال في»الخلاصة«: وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرّ … نَكِرَةً كَـ«مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرّ»(قَالُوا: نَعَمْ فلَانًا)؛ أي: نفقد فلانًا، ولم يسمَّ، والاثنان بعده. (وَفُلَانًا، وَفُلَانًا، ثُمَّ قَالَ) - ﷺ - مرّة ثانيةً: («هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟ »، قَالُوا: نَعَمْ فُلَانًا، وَفُلَانًا، وَفُلَانًا، ثُمَّ قَالَ) - ﷺ - مرّة ثالثةً: («هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟ »، قَالُوا: لَا)؛ أي: لا نفقد غير هؤلاء الذين ذكرناهم. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله:«هل تفقدون أحدًا؟ » هذا الاستفهام ليس مقصوده استعلامَ كونهم فقدوا أحدًا ممن يعزّ عليهم فَقْده؛ إذ ذاك كان معلومًا له بالمشاهدة، وإنما مقصوده التَّنويه والتَّفخيم بمن لم يَحْتفلوا به، ولا التفتوا إليه؛ لكونه كان غامضًا في الناس، ولكون كل واحدٍ منهم أصيب بقريبه، أو حبيبه، فكان مشغولًا بمُصابِه، لم يتفرَّغ منه إلى غيره، ولَمَّا أطلع الله تعالى نبيَّه - ﷺ - على ما كان من جليبيب - ﵁ - من قَتْله السَّبعة الذين وُجدوا إلى جنبه، نوَّه باسمه، وعرَّف بقَدْره، فقال: «لكني أفقدُ جُليبيبًا»؛ أي: فقدُهُ أعظم من فَقْد كل من فُقِد، والمصاب به أشدّ، ثم إنه أقبل بإكرامه عليه، ووسَّده ساعديه مبالغة في كرامته، ولتناله بركة ملامسته - ﷺ -. انتهى . (قَالَ) - ﷺ -: («لَكِنِّي أفقِدُ جُلَيْبِيبًا»، فَاطْلُبُوهُ، فَطُلِبَ) بالبناء للمفعول، (فِي الْقَتْلَى) بفتح، فسكون، مقصورًا: جَمْع قتيل، (فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ) من المشركين (قَدْ قَتَلَهُمْ، ثُمَّ قَتَلُوهُ، فَأَتَى النَّبِيُّ - ﷺ -) ببناء الفعل للفاعل، وفي بعض النسخ: «فأتاه النبيّ - ﷺ -»، (فَوَقَفَ عَلَيْه، فَقَالَ): («قَتَلَ سَبْعَةً، ثُمَّ قَتَلُوهُ، هَذَا)؛ أي: جُليبيب (مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُ، هَذَا مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُ») كرّره للتأكيد. (قَالَ) أبو برزة - ﵁ -: (فَوَضَعَهُ) - ﷺ - (عَلَى سَاعِدَيْهِ) تثنية ساعد، وهو من الإنسان: ما بين الْمِرْفق والكفّ، وهو مذكّرٌ، سُمّي ساعدًا؛ لأنه يساعد الكفّ في بطشها . (لَيْسَ لَهُ إِلَّا سَاعِدَا النَّبِيِّ - ﷺ -) وفي بعض النُّسخ: «ليس له سرير إلا ساعدا النبيّ - ﷺ -». (قَالَ) أبو برزة: (فَحُفِرَ لَهُ) بالبناء للمفعول؛ أي: حفر الصحابة الحاضرون في ذلك المكان حُفرة؛ ليدفنوه فيها، (وَوُضِعَ) بالبناء للمفعول أيضًا، (فِي قَبْرِهِ)، وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلًا)؛ أي: لم يذكر الراوي، وهو أبو برزة - ﵁ - في جملة ما ذكره من قصّة جُليبيب غسله؛ لأنه لم يُغسل؛ حيث كان شهيد المعركة، وشهداء المعركة لا يغسلون، لقوله - ﷺ - في شهداء أُحد: «زمّلوهم بدمائهم»، وفي رواية: «زمّلوهم بكلومهم، ودمائهم»، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي برزة الأسلميّ - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧/ ٦٣٣٨] (٢٤٧٢)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥/ ٦٨) وفي «فضائل الصحابة» (١٤٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٤٢١ و٤٢٢ و٤٢٥)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٩٢٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٠٣٥)، و(ابن أبي عاصم) في «الآحاد والمثاني» (٤/ ٣٢٨)، و(البزّار) في «مسنده» (٩/ ٢٩٥ و٣٠٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٢١)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٩٩٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل هذا الصحابيّ الجليل جُليبيب - ﵁ -، فقد بجّله النبيّ - ﷺ -، وأعلى قَدْره، وأشهَرَ ذِكره، بقوله: «هذا منّي، وأنا منه»، مرّتين، فما أعظم هذه الفضيلة، والمنزلة الرفيعة التي حازها هذا الصحابيّ - ﵁ - مع كونه غير مشهور فيما بين الناس، ولكنه مشهور عند الله -﷿-، وعند رسوله - ﷺ -. ٢ - (ومنها): بيان فضل الشهادة في سبيل الله -﷿-. ٣ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من التواضع، وكريم الأخلاق، حيث كان يجعل مثل هذا الصحابيّ على ساعديه، حتى يُرفع، ويوضع في لَحْده، فما أصدق قوله -﷿-: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. ٤ - (ومنها): أن قصّة جليبيب - ﵁ - أوردها المصنّف مختصرة، وقد ساقها أحمد في «مسنده»، وابن حبّان في «صحيحه»، وغيرهما، ولفظ أحمد: (١٩٧٩٩) - حدّثنا عفّان، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن كنانة بن نعيم العدويّ، عن أبي برزة الأسلميّ؛ أن جُليبيبًا كان امرءًا يدخل على النساء، يمرّ بهنّ، ويلاعبهنّ، فقلت لامرأتي: لا يدخلنّ عليكم جليبيب، فإنه إن دخل عليكم لأفعلنّ، ولأفعلنّ، قال: وكانت الأنصار إذا كان لأحدهم أيِّم، لم يزوّجها حتى يَعْلَمَ هل للنبي - ﷺ - فيها حاجة أم لا؟ فقال رسول الله - ﷺ - لرجل من الأنصار: «زوّجني ابنتك»، فقال: نعم، وكرامة يا رسول الله، ونِعْم عَيْني، فقال: «إني لست أريدها لنفسي»، قال: فلمن يا رسول الله؟ قال: لجليبيب، قال: فقال: يا رسول الله أشاور أمها، فأتى أمها، فقال: رسول الله - ﷺ - يخطب ابنتك، فقالت: نعم ونعمة عيني، فقال: إنه ليس يخطبها لنفسه، إنما يخطبها لجليبيب، فقالت: أجليبيب إنيه أجليبيب إنيه، أجليبيب إنيه، لا، لَعَمْر الله، لا تزوجه، فلما أراد أن يقوم ليأتي رسول الله - ﷺ - ليخبره بما قالت أمها، قالت الجارية: من خطبني إليكم؟ فأخبرتها أمها، فقالت: أتردّون على رسول الله - ﷺ - أمره؟ ادفعوني، فإنه لم يضيّعني، فانطلق أبوها إلى رسول الله - ﷺ -، فأخبره، قال: شأنك بها، فزوَّجها جليبيبًا، قال: فخرج رسول الله - ﷺ - في غزوة له، قال: فلما أفاء الله عليه، قال لأصحابه: «هل تفقدون من أحد؟» قالوا: نفقد فلانًا، ونفقد فلانًا، قال: «انظروا هل تفقدون من أحد؟» قالوا: لا، قال: «لكني أفقد جليبيبًا، قال: فاطلبوه في القتلى»، قال: فطلبوه، فوجدوه إلى جنب سبعة قد قَتَلهم، ثم قتلوه، فقالوا: يا رسول الله ها هو ذا إلى جنب سبعة، قد قَتَلهم، ثم قتلوه، فأتاه النبيّ - ﷺ -، فقام عليه، فقال: «قتل سبعة، وقتلوه، هذا مني، وأنا منه، هذا مني، وأنا منه»، مرتين، أو ثلاثًا، ثم وضعه رسول الله - ﷺ - على ساعديه، وحَفَر له، ما له سرير إلا ساعدا رسول الله - ﷺ -، ثم وضعه في قبره، ولم يذكر أنه غَسّله. قال ثابت: فما كان في الأنصار أيِّم أنفق منها. وحدّث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ثابتًا، قال: هل تعلم ما دعا لها رسول الله - ﷺ -؟ قال: «اللَّهُمَّ صُبّ عليها الخير صبًّا، ولا تجعل عيشها كَدًّا كَدًّا»، قال: فما كان في الأنصار أيّم أنفق منها. قال أبو عبد الرحمن: ما حدّث به في الدنيا أحد إلا حماد بن سلمة، ما أحسنه من حديث. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: لم يتبيّن لي من هو أبو عبد الرحمن، وقوله: «ما حدّث به … إلخ» فيه نظر، إلا أن يريد الأصحيّة، ققد ذكروا ممن رواه عن ثابت، معمرًا، وله متاج أيضًا، قال الحافظ في «المطالب العالية» بعد إيراده من رواية أبي يعلى في «مسنده» مطوّلًا ما نصّه: قلت: رواه معمر، عن ثابت، عن أنس - ﵁ -، وتابعه ديلم بن غزوان، عن ثابت، عن أنس - ﵁ -، ورواية حماد بن سلمة أصحّ. انتهى. وقال الهيثميّ -﵀- في «المجمع»: وعن أنس قال: «خطب رسول الله - ﷺ - على جليبيب امرأة من الأنصار إلى أبيها، قال: أستأمر أمها، قال: فنَعَم إذًا، قال: فانطلق الرجل إلى امرأته، فذكر ذلك لها، فقالت: لا ها الله؛ إذًا ما وجد رسول الله - ﷺ - إلا جليبيبًا، وقد منعناها فلانًا، وفلانًا، قال: والجارية في خِدرها تسمع، قال: فانطلق الرجل يريد أن يخبر النبيّ - ﷺ - بذلك، فقالت الجارية: أتريدون أن تردّوا على رسول الله - ﷺ - أمره؟ إن كان رضي لكم، فأنكحوه، قال: فكأنها جلّت عن أبويها، وقالا: صدقت، فذهب أبوها إلى النبيّ - ﷺ -، فقال: إن كنتَ رضيتَه، فقد رضيناه، فقال: إني قد رضيتُه، فزوَّجها، ثم فَزِع أهل المدينة، فركب جليبيب، فوجدوه قد قُتل وحوله ناس من المشركين، قد قَتَلهم، قال أنس: فلقد رأيتُها، وإنها لَمِن أنفق أيّم بالمدينة»، رواه أحمد، والبزار، إلا أنه قال: فكأنما حلّت عن أبويها عقالًا، ورجال أحمد رجال الصحيح. انتهى ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٨) - (بَاب مِنْ فَضَائِلِ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ - ﵁ -) هو: أبو ذَرّ الغفاريّ الصحابيّ الزاهد المشهور الصادق اللهجة، مختلَف في اسمه واسم أبيه والمشهور أنه جندب بن جُنادة بن سكن، وقيل: ابن عبد الله، وقيل: اسمه برير، وقيل: بالتصغير، والاختلاف في أبيه كذلك، إلا في السكن، ويقال: إنه أخو عمرو بن عبسة لأمه، وقع في رواية لابن ماجه: أن النبيّ - ﷺ - قال لأبي ذر: يا جنيدب بالتصغير، وكان من السابقين إلى الإسلام، وقصة إسلامه في «الصحيحين» على صفتين بينهما اختلاف ظاهر. وقال الآجريّ عن أبي داود: لم يشهد بدرًا، ولكن عمر ألحقه بهم، وكان يوازي ابن مسعود في العلم. وكانت وفاته بالرَّبَذَة سنة إحدى وثلاثين، وقيل: في التي بعدها، وعليه الأكثر، ويقال: إنه صلى عليه عبد الله بن مسعود، في قصة رُويت بسند لا بأس به، وقال المدائني: إنه صلى عليه ابن مسعود بالربذة، ثم قَدِم المدينة، فمات بعده بقليل. انتهى مختصرًا من «الإصابة» . وقال القرطبيّ -﵀-: أبو ذرّ الغفاريّ، اسمه جندب -على الأصح، والأكثر- ابن جُنادة بن قيس بن عمرو بن مُليل بن حرام بن غفار، وغفار بن كنانة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار، هو من كبار الصحابة - ﵃ -، قديم الإسلام، يقال: أسلم بعد أربعة، فكان خامسًا، ثم انصرف إلى بلاد قومه، فأقام بها، حتى قَدِم على النبيّ - ﷺ - عام الحديبية، بعد أن مضت بدر، وأُحد، والخندق، ويدل على كيفية إسلامه، وتفصيل أحواله: حديثه المذكور في مسلم، وكان قد غَلَب عليه التعبُّد والزهد، وكان يعتقد أن جميع ما فَضَل عن الحاجة كنز، وإمساكه حرام، ودخل الشام بعد موت النبيّ - ﷺ -، فوقع بينه وبين معاوية نزاع في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤]، فشكاه معاوية إلى عثمان، فأقدمه عثمان المدينة، فقدِمها، فزهد أبو ذر
مصادر المؤلف (١٠)

١. «المفهم» ٦/ ٣٨٨ - ٣٨٩.

٢. وفي نسخة: «فأتاه النبيّ - ﷺ -».

٣. وفي نسخة: «ليس له سرير إلا ساعدي النبيّ - ﷺ -».

٤. «تاج العروس»١/ ١٨١.

٥. «المصباح المنير»٢/ ٤٧٨.

٦. «المفهم» ٦/ ٣٨٩ - ٣٩٠.

٧. «المصباح المنير» ١/ ٢٧٧.

٨. «مسند الإمام أحمد بن حنبل»٤/ ٤٢٢.

٩. «مجمع الزوائد» ٩/ ٣٦٨.

١٠. «الإصابة في تمييز الصحابة» ٧/ ١٢٥.