HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٤٧٣

حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ. أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ. قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَرَجْنَا مِنْ قَوْمِنَا غِفَارٍ. وَكَانُوا يُحِلُّونَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ. فَخَرَجْتُ أَنَا وَأَخِي أُنَيْسٌ وَأُمُّنَا. فَنَزَلْنَا عَلَى خَالٍ لَنَا. فَأَكْرَمَنَا خَالُنَا وَأَحْسَنَ إِلَيْنَا. فَحَسَدَنَا قَوْمُهُ فَقَالُوا: إِنَّكَ إِذَا خرجت عَنْ أَهْلِكَ خَالَفَ إِلَيْهِمْ أُنَيْسٌ. فَجَاءَ خَالُنَا فَنَثَا عَلَيْنَا الَّذِي قِيلَ لَهُ. فَقُلْتُ: أَمَّا مَا مَضَى مِنْ مَعْرُوفِكَ فَقَدْ كَدَّرْتَهُ، وَلَا جِمَاعَ لَكَ فِيمَا بَعْدُ. فَقَرَّبْنَا صِرْمَتَنَا. فَاحْتَمَلْنَا عَلَيْهَا. وَتَغَطَّى خَالُنَا ثَوْبَهُ فَجَعَلَ يَبْكِي. فَانْطَلَقْنَا حَتَّى نَزَلْنَا بِحَضْرَةِ مَكَّةَ. فَنَافَرَ أُنَيْسٌ عَنْ صِرْمَتِنَا وَعَنْ مِثْلِهَا. فَأَتَيَا الْكَاهِنَ. فَخَيَّرَ أُنَيْسًا. فَأَتَانَا أُنَيْسٌ بِصِرْمَتِنَا وَمِثْلِهَا مَعَهَا. قَالَ: وَقَدْ صَلَّيْتُ، يَا ابْنَ أَخِي! قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِثَلَاثِ سِنِينَ. قُلْتُ: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ. قُلْتُ: فَأَيْنَ تَوَجَّهُ؟ قَالَ: أَتَوَجَّهُ حَيْثُ يُوَجِّهُنِي رَبِّي. أُصَلِّي عِشَاءً حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أُلْقِيتُ كَأَنِّي خِفَاءٌ. حَتَّى تَعْلُوَنِي الشَّمْسُ. فَقَالَ أُنَيْسٌ: إِنَّ لِي حَاجَةً بِمَكَّةَ فَاكْفِنِي. فَانْطَلَقَ أُنَيْسٌ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ. فَرَاثَ عَلَيَّ. ثُمَّ جَاءَ فَقُلْتُ: مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: لَقِيتُ رَجُلًا بِمَكَّةَ عَلَى دِينِكَ. يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ. قُلْتُ: فَمَا يَقُولُ النَّاسُ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: شَاعِرٌ، كَاهِنٌ، سَاحِرٌ. وَكَانَ أُنَيْسٌ أَحَدَ الشُّعَرَاءِ. قَالَ أُنَيْسٌ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ. فَمَا هُوَ بِقَوْلِهِمْ. وَلَقَدْ وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَى أَقْرَاءِ الشِّعْرِ. فَمَا يَلْتَئِمُ عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ بَعْدِي؛ أَنَّهُ شِعْرٌ. وَاللَّهِ! إِنَّهُ لَصَادِقٌ. وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. قَالَ: قُلْتُ: فَاكْفِنِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأَنْظُرَ. قَالَ فَأَتَيْتُ مَكَّةَ. فَتَضَعَّفْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ. فَقُلْتُ: أَيْنَ هَذَا الَّذِي تَدْعُونَهُ الصَّابِئَ؟ فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَقَالَ: الصَّابِئَ. فَمَالَ عَلَيَّ أَهْلُ الْوَادِي بِكُلٍّ مَدَرَةٍ وَعَظْمٍ. حَتَّى خَرَرْتُ مَغْشِيًّا عَلَيَّ. قَالَ فَارْتَفَعْتُ حِينَ ارْتَفَعْتُ، كَأَنِّي نُصُبٌ أَحْمَرُ. قَالَ فَأَتَيْتُ زَمْزَمَ فَغَسَلْتُ عَنِّي الدِّمَاءَ: وَشَرِبْتُ مِنْ مَائِهَا. وَلَقَدْ لَبِثْتُ، يَا ابْنَ أَخِي! ثَلَاثِينَ، بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ. مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ. فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي. وَمَا وَجَدْتُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ. قَالَ فَبَيْنَا أَهْلِ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ قَمْرَاءَ إِضْحِيَانَ، إِذْ ضُرِبَ عَلَى أَسْمِخَتِهِمْ. فَمَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَحَدٌ. وَامْرَأَتَيْنِ مِنْهُمْ تَدْعُوَانِ إِسَافًا وَنَائِلَةَ. قَالَ فَأَتَتَا عَلَيَّ فِي طَوَافِهِمَا فَقُلْتُ: أَنْكِحَا أَحَدَهُمَا الْأُخْرَى. قَالَ فَمَا تَنَاهَتَا عَنْ قَوْلِهِمَا. قَالَ فَأَتَتَا عَلَيَّ. فَقُلْتُ: هَنٌ مِثْلُ الْخَشَبَةِ. غَيْرَ أَنِّي لَا أَكْنِي. فَانْطَلَقَتَا تُوَلْوِلَانِ، وَتَقُولَانِ: لَوْ كَانَ ههنا أَحَدٌ مِنْ أَنْفَارِنَا! قَالَ فَاسْتَقْبَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ. وَهُمَا هَابِطَانِ. قَالَ «مَا لَكُمَا؟» قَالَتَا: الصَّابِئُ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَسْتَارِهَا. قَالَ «مَا قَالَ لَكُمَا؟» قَالَتَا: إِنَّهُ قَالَ لَنَا كَلِمَةً تَمْلَأُ الْفَمَ. وَجَاءَ رسول الله ﷺ حتى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ. وَطَافَ بِالْبَيْتِ هُوَ وَصَاحِبُهُ. ثُمَّ صَلَّى. فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ (قَالَ أَبُو ذَرٍّ) فَكُنْتُ أَنَا أَوَّلَ مَنْ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ. قَالَ فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ «وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ». ثُمَّ قَالَ «مَنْ أَنْتَ؟» قَالَ قُلْتُ: مِنْ غِفَارٍ. قَالَ فَأَهْوَى بِيَدِهِ فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ. فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: كَرِهَ أَنِ انْتَمَيْتُ إِلَى غِفَارٍ. فَذَهَبْتُ آخُذُ بِيَدِهِ. فَقَدَعَنِي صَاحِبُهُ. وَكَانَ أَعْلَمَ بِهِ مِنِّي. ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ. ثُمَّ قَالَ «مَتَى كنت ههنا؟» قال قلت: قد كنت ههنا مُنْذُ ثَلَاثِينَ، بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ. قَالَ «فَمَنْ كَانَ يُطْعِمُكَ؟» قَالَ قُلْتُ: مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ. فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي. وَمَا أَجِدُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ. قَالَ «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ. إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ». فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ائْذَنْ لِي فِي طَعَامِهِ اللَّيْلَةَ. فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ. وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمَا. فَفَتَحَ أَبُو بَكْرٍ بَابًا. فَجَعَلَ يَقْبِضُ لَنَا مِنْ زَبِيبِ الطَّائِفِ. وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ طَعَامٍ أَكَلْتُهُ بِهَا. ثُمَّ غَبَرْتُ مَا غَبَرْتُ. ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ «إِنَّهُ قَدْ وُجِّهَتْ لِي أَرْضٌ ذَاتُ نَخْلٍ. لَا أُرَاهَا إِلَّا يَثْرِبَ. فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي قَوْمَكَ؟ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَنْفَعَهُمْ بِكَ وَيَأْجُرَكَ فِيهِمْ». فَأَتَيْتُ أُنَيْسًا فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: صَنَعْتُ أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ. قَالَ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكَ. فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ. فَأَتَيْنَا أُمَّنَا. فَقَالَتْ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكُمَا. فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ. فَاحْتَمَلْنَا حَتَّى أَتَيْنَا قَوْمَنَا غِفَارًا. فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمْ. وَكَانَ يَؤُمُّهُمْ أَيْمَاءُ بْنُ رَحَضَةَ الْغِفَارِيُّ. وَكَانَ سَيِّدَهُمْ. وَقَالَ نِصْفُهُمْ: إِذَا قَدِمَ رسول الله ﷺ المدينة أَسْلَمْنَا. فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ. فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمُ الْبَاقِي. وَجَاءَتْ أَسْلَمُ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِخْوَتُنَا. نُسْلِمُ عَلَى الذين أَسْلَمُوا عَلَيْهِ. فَأَسْلَمُوا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا. وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص152
ج ٤ ص ١٩١٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن الدارمي, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٦٤
[٧٢٩] قوله: (فَنَافَرَ أُنَيسٌ عَن صِرمَتِنَا) ؛ نافر بمعنى: حاكم وراهن، والصِّرْمَة: القطعة من الغنم؛ والقطعة من الإبل، والصَّرْمُ بلا هاء: قوم ينزلون بإبلهم ناحية من الماء، قال ابن قتيبة : (أَقْرَاءُ الشِّعرِ): أنواعه وطرقُه، يقال: هذا الشعر على قَرِيِّ هذا، وقوله: (شَنِفُوا لَهُ) أي: أبغضوه، والشَّيفُ: الشانئ المبغض. وقوله: (رَاثَ)؛ أي: أبطأ، يقال: راث عليَّ خبرُك رَيْثًا، وفي المثل: (رُبَّ عَجَلةٍ تَهبُ ريثًا) ، أي: إن المستعجل غيرَ المتأني؛ ربما ألقاه استعجاله في بطء، (فَتَضَعَّفْتُ رَجُلًا)؛ أي: استضعفته، وقد يجيء تفعل بمعنى استفعل، نحو: تعظَّم واستعظم، وتكبَّر واستكبر، وتيقَّن واستيقن، وتثبَّت في الأمر واستثبت، و(النُّصُبُ): الصنم؛ أو الحجر، كانت الجاهلية تنصبه؛ وتذبح عنده فيحمر بالدم، يريد أنهم أدموه، قال الأعشى: وذا النُّصُبَ المَنْصُوبَ لا تَنْسُكَنَّهُ … لِعَاقبةٍ، والله رَبَّكَ فاعبدا أراد: فاعبدنَّ، فجعله ألفا، و(السُّخفَةُ) الخفة، يقال: هو سخيف الأمر، وقوله: (فِي لَيْلَةٍ قَمرَاءَ)؛ أي: بيضاء، يقال: قعدنا في القمراء، أي في القمر، قال الراجز: يَا حَبَّذَا الْقَمْرَاءُ وَاللَّيْلُ السَّاجْ … وَطُرُقٌ مِثْلُ مُلَاءِ النُّسَّاجْ و(الإِضحِيَّان): المضيء، و(الخِفَاءُ): الكساء، قال الشاعر: ذَاتُ أَهْدَامٍ وَأَخْفِيَةٍ الأهدام: جمع الهِدْم؛ وهو الثوب الخَلِق، والأخفية: جمع الخفاء؛ وهي الأكسية، وقوله (عَلَى أَسمِخَتِهِم)؛ كذا في الصحيح بالسين، والمشهور بالصاد ، وهو جمع صِماخ الأذن، وهو الخَرْق الذي يفضي إلى الرأس، أي: إنهم ناموا، قال الله ﷿: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ [الكهف: ١١]؛ أي: أَنَمْنَاهم، وقولهما: (كَلِمَةً تَمْلأُ الْفَمَ)؛ يقال ذلك لكل كلمةٍ عظيمةٍ، وقال بعضهم : والله الذي لا إله إلا هو؛ فإنها تملأ الفم؛ وتَحْقِن الدم. وقوله: (فَقَدَعَنِي عَنْهُ) ؛ أي: كفَّني، وفي رواية: (مِنْ أَنْفَارِنَا) يريد: من قومنا، كأنه جمع نَفَرٍ، يقال: هؤلاء نفر فلانٍ؛ أي: رهطه، قال امرؤ القيس يذكر راميا مصيبا: فَهْوَ لَا يَنْمِي رَمِيَّتُهُ … مَا لَهُ لَا عُدَّ مِنْ نَفَرِهْ يقول: إذا عُدَّ قومه لم يُعَدَّ منهم، يريد أماته الله ؛ ولم يرد وقوع الأمر، ولكن هذا كما يقال: قاتله الله؛ وأخزاه الله، إذا استجيد عمله. و(إِسَافٌ وَنَائِلَة): صنمان؛ روي: أنهما كانا إنسانين من بني عبد الدار، طافا بالكعبة، فصادفا منها خلوة، فأراد أحدهما صاحبه، فنكسهما الله نحاسًا . وفي الحديث من الفقه ما يبعث على احتمال الأذى في الإسلام؛ إذ مكث ثلاثين يومًا بلا طعام، وفيه ما يدل على أن الله تعالى يكفي من وَثِق به، وانقطع إليه. قوله: (فَنَافَرَ أُنَيسٌ عَن صِرمَتِنَا وَعَن مِثْلِهَا)؛ أي: تحاكما إلى الكاهن أيهما أشعر، فمن كان أشعرَ أخذ صِرمة صاحبه، فكان شعر أخي أجود، فأخذ صرمة صاحبه، فرجع بصرمته وصرمة صاحبه، وقوله: (عُكَنُ بَطْنِي)؛ العُكَنُ: جمع عُكْنَة، وهي الطيُّ في البطن من السمن، (فَمَا تَنَاهَتَا)؛ أي: ما انتهتا، يقال: تناهى وانتهى. وقوله: (فَنَثَا عَلَيْنَا)؛ بتقديم النون على الثاء، قال صاحب المجمل : نَثَوت الكلام نثوا: إذا أظهرته، والنَّثَا: الذكر القبيح، و(الصَّرْمَة): القطيع من الإبل و(تَجَهَّمَ)؛ أي كره، وقوله: (أمَا آنَ لِلرَّجُلِ؟)؛ أي: أما حان للرجل؟، يقال: أني يأني، وأن يئين، (يَقْفُوهُ): يتبع أثره. ومن باب فضل جرير ﵁ - [٧٣٠ - ٧٣١] (ذُو الْخَلَصَةِ) : بيت كان فيه أصنام تعبد باليمن، وفي الحديث إكرام الصديق بترك الاحتجاب عنه، وفيه إباحة الضحك إذا كان على وجهه، وفيه من فضيلة جرير أن النبي ﷺ دعا له بأن يكون هاديا مهديا ، وقوله: (فَنَفَرْتُ)؛ يقال: استنفرني الأمير؛ أي: دعاني إلى الغزو فنفرت، أي: خرجت، وقوله: (كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ)؛ فيها ما يدل على الاجتهاد في النكاية في العدو. ومن باب فضل عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر ﵂ -
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٩ ص٣٦٧
في كل ما بأيديهم، واستأذن عثمان في سكنى الرَّبذة، فأَذِن له، وقد كان رسول الله - ﷺ - أَذِن له في البدو، فأقام بالرَّبذة في موضع منقطع إلى أن مات بها سنة اثنتين وثلاثين، على ما قاله ابن إسحاق، وصلى عليه عبد الله بن مسعود منصرفه من الكوفة في رَكْب، ولم يوجد له شيء يُكفّن فيه، فكفَّنه رجل من أولئك الركب في ثوب من غَزْل أمه، وكان قد وصَّى ألا يكفّنه أحدٌ وَليَ شيئًا من الأعمال السلطانية، وخبره بذلك معروف. روى عن رسول الله - ﷺ - مائتي حديث، وواحدًا وثمانين حديثًا، أُخرج له منها في «الصحيحين» ثلاثة وثلاثون حديثًا. انتهى . وتقدّمت ترجمته في «الإيمان» ٢٩/ ٢٢٤. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٣٩] (٢٤٧٣) - (حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَة، أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِت، قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَرَجْنَا مِنْ قَوْمِنَا كِفَارٍ، وَكَانُوا يُحِلُّونَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ، فَخَرَجْتُ أَنَا وَأَخِي أُنيْسٌ، وَأُمُّنَا، فَنَزَلْنَا عَلَى خَالٍ لَنَا، فَأَكْرَمَنَا خَالُنَا، وَأَحْسَنَ إِلَيْنَا، فَحَسَدَنَا قَوْمُهُ، فَقَالُوا: إِنَّكَ إِذَا خَرَجْتَ عَنْ أَهْلِكَ خَالَفَ إِلَيْهِمْ أُنَيْسٌ، فَجَاءَ خَالُنَا، فَنَثَا عَلَيْنَا الَّذِي قِيلَ لَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: أَمَّا مَا مَضَى مِنْ مَعْرُوفِكَ فَقَدْ كَدَّرْتَهُ، وَلَا جِمَاعَ لَكَ فِيمَا بَعْدُ، فَقَرَّبْنَا صِرْمَتَنَا، فَاحْتَمَلْنَا عَلَيْهَا، وَتَغَطَّى خَالُنَا ثَوْبَهُ، فَجَعَلَ يَبْكِي، فَانْطَلَقْنَا، حَتى نَزَلْنَا بِحَضْرَةِ مَكَّةَ، فَنَافَرَ أُنَيْسٌ عَنْ صِرْمَتِنَا، وَعَنْ مِثْلِهَا، فَأَتَيَا الْكَاهِنَ ، فَخَيَّرَ أُنَيْسًا، فَأَتَانَا أُنَيْسٌ بِصِرْمَتِنَا، وَمِثْلِهَا مَعَهَا، قَالَ: وَقَدْ صَلَّيْتُ يَا ابْنَ أَخِي قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بِثَلَاثِ سِنِينَ، قُلْتُ لِمَنْ؟ قَالَ: لله، قُلْتُ: فَأَيْنَ تَوَجَّهُ؟ قَالَ: أَتَوَجَّهُ حَيْثُ يُوَجِّهُنِي رَبِّي، أُصَلِّي عِشَاءً، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أَلْقِيتُ كَأَنِّي خِفَاءٌ، حَتَّى تَعْلُوَنِي الشَّمْسُ، فَقَالَ أُنَيْسٌ: إِنَّ لِي حَاجَةً بِمَكَّةَ، فَاكفِنِي، فَانْطَلَقَ أُنَيْسٌ، حَتَّى أَتَى مَكَّةَ، فَرَاثَ عَلَيَّ، ثُمَّ جَاءَ، فَقُلْتُ: مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: لَقِيتُ رَجُلًا بِمَكَّةَ عَلَى دِينِكَ، يَزْعُمُ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَهُ، قُلْتُ: فَمَا يَقُولُ النَّاسُ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: شَاعِرٌ، كَاهِنٌ، سَاحِرٌ، وَكَانَ أُنَيْسٌ أَحَدَ الشُّعَرَاء، قَالَ أُنَيْسٌ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ، فَمَا هُوَ بِقَوْلهِمْ، وَلَقَدْ وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَى أَقْرَاءِ الشِّعْرِ ، فَمَا يَلْتَئِمُ عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ بَعْدِي أَنَّهُ شِعْرٌ، وَاللهِ إِنَّهُ لَصَادِقٌ، وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، قَالَ: قُلْتُ: فَاكْفِنِي حَتَّى أَذْهَبَ، فَأَنْظُرَ، قَالَ: فَأَتيْتُ مَكَّةَ، فَتَضَعَّفْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَقُلْتُ: أَيْنَ هَذَا الَّذِي تَدْعُونَهُ الصَّابِئَ؟ فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَقَالَ: الصَّابِئَ؟ فَمَالَ عَلَيَّ أَهْلُ الْوَادِي بِكُلِّ مَدَرَةٍ، وَعَظْمٍ، حَتَّى خَرَرْتُ مَغْشِيًّا عَلَيَّ، قَالَ: فَارْتَفَعْتُ حِينَ ارْتَفَعْتُ، كَأَنِّي نُصُبٌ أَحْمَرُ، قَالَ: فَأَتَيْتُ زَمْزَمَ، فَغَسَلْتُ عَنِّي الدِّمَاءَ، وَشَرِبْتُ مِنْ مَائِهَا، وَلَقَدْ لَبِثْتُ يَا ابْنَ أَخِي ثَلَاِثينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيوْمٍ، مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ، حَتى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي، وَمَا وَجَدْتُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ، قَالَ: فَبَيْنَا أَهْلُ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ قَمْرَاءَ، إِضْحِيَانَ، إِذْ ضُرِبَ عَلَى أَسْمِخَتِهِمْ، فَمَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَحَدٌ، وَامْرَأَتيْنِ مِنْهُمْ تَدْعُوَانِ إِسَافًا وَنَائِلَةَ، قَالَ: فَأَتَتَا عَلَيَّ فِي طَوَافِهِمَا، فَقُلْتُ: أَنْكِحَا أَحَدَهُمَا الأُخْرَى، قَالَ: فَمَا تَنَاهَتَا عَنْ قَوْلهِمَا، قَالَ: فَأَتَتَا عَلَيَّ، فَقُلْتُ: هَنٌ مِثْلُ الْخَشَبَة، غَيْرَ أَنِّي لَا أَكْنِي، فَانْطَلَقَتَا تُوَلْوِلَان، وَتَقُولَانِ: لَوْ كَانَ هَا هُنَا أَحَدٌ مِنْ أَنْفَارِنَا ، قَالَ: فَاسْتَقْبَلَهُمَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَأَبُو بَكْرٍ، وَهُمَا هَابِطَان، قَالَ: «مَا لَكُمَا؟»، قَالَتَا: الصَّابِئُ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَستَارِهَا، قَالَ: «مَا قَالَ لَكُمَا؟»، قَالَتَا: إِنَّهُ قَالَ لَنَا كَلِمَةً تَمْلأُ الْفَمَ، وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ، وَطَافَ بِالْبَيْتِ هُوَ وَصَاحِبُهُ، ثُمَّ صَلَّى، فَلَمَّا قَضَى صَلَاَتهُ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَكُنْتُ أَنَا أَوَّلُ مَنْ حَياهُ بِتَحِيَّةِ الإِسْلَام، قَالَ: فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله، فَقَالَ: «وَعَلَيكَ وَرَحْمَةُ اللهِ»، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ أنتَ؟»، قَالَ: قُلْتُ: مِنْ غِفَارٍ، قَالَ: فَأَهْوَى بِيَدِه، فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ عَلَى جَبْهَتِه، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: كَرِهَ أَنِ انْتَمَيْتُ إِلَى غِفَارٍ، فَذَهَبْتُ آخُذُ بِيَدِه، فَقَدَعَنِي صَاحِبُهُ، وَكَانَ أَعْلَمَ بِهِ مِنِّي، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ، ثُمَّ قَالَ: «مَتَى كُنْتَ هَا هُنَا؟»، قَالَ: قُلْتُ: قَدْ كُنْتُ هَا هُنَا مُنْذُ ثَلَاِثينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيوْمٍ، قَالَ: «فَمَنْ كَانَ يُطْعِمُكَ؟»، قَالَ: قُلْتُ: مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ، حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي، وَمَا أَجِدُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ، قَالَ: «إِنَّهَا مُبَارَكَة، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ ائْذَنْ لِي فِي طَعَامِهِ اللَّيْلَةَ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَبُو بَكْرٍ، وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، فَفَتَحَ أَبُو بَكْرٍ بَابًا، فَجَعَلَ يَقْبِضُ لَنَا مِنْ زَبِيبِ الطَّائِف، وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ طَعَامٍ أَكَلْتُهُ بِهَا، ثُمَّ كَبَرْتُ مَا كَبَرْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «إِنَّهُ قَدْ وُجَّهَتْ لِي أَرْضٌ ذَاتُ نَخْلٍ، لَا أُرَاهَا إِلَّا يَثْرِبَ، فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي قَوْمَكَ؟، عَسَى اللهُ أَنْ يَنْفَعَهُمْ بِكَ، ويَأْجُرَكَ فِيهِمْ؟، فَأتَيْتُ أُنَيْسًا، فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: صَنَعْتُ أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَصَدَّقْتُ، قَالَ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكَ، فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَصَدَّقْتُ، فَأَتَيْنَا أُمَّنَا، فَقَالَتْ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكُمَا، فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَصَدَّقْتُ، فَاحْتَمَلْنَا حَتى أَتَيْنَا قَوْمَنَا غِفَارًا، فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمْ، وَكَانَ يَؤُمُّهُمْ إِيمَاءُ بْنُ رَحَضَةَ الْغِفَارِيُّ، وَكَانَ سَيِّدَهُمْ، وَقَالَ نِصْفُهُمْ: إِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْمَدِينَةَ أَسْلَمْنَا، فَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْمَدِينَةَ، فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمُ الْبَاقِي، وَجَاءَتْ أَسْلَمُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِخْوَتُنَا نُسْلِمُ عَلَى الَّذِي أَسْلَمُوا عَلَيْه، فَاَسْلَمُوا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: »غِفَارُ غَفَرَ اللهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا الله«). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأزدِيُّ) هو: هُدبة بن خالد، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القيسيّ البصريّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) العدويّ، أبو نصر البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ، توقف فيه ابن سيرين لدخوله في عمل السلطان [٣] (ع) تقدم في «الحيض» ٢١/ ٧٩١. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الصَّامِتِ) الغفاريّ البصريّ، ابن أخي أبي ذرّ، ثقةٌ [٣] مات بعد السبعين (خت م ٤) تقدم في «الصلاة» ٥٢/ ١١٤٢. و«أَبُو ذَرٍّ - ﵁ -» تقدّم أول الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، غير الصحابيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وهو من رواية الأقران، كما سبق قريبًا. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ) الغفاريّ؛ أنه (قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ) الغفاريّ - ﵁ -: (خَرَجْنَا مِنْ قَوْمِنَا غِفَارٍ) بدل، أو عطف بيان، وهو بكسر الغين المعجمة، وتخفيف الفاء: نسبة إلى غفار بن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، قاله في «اللباب» . (وَكَانُوا)؛ أي: قومهم، (يُحِلُّونَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ)؛ أي: يستبيحونه، ويفعلون فيه ما يفعلون في الأشهر غير الحُرُم، والظاهر: أن المراد جنس الشهر الحرام، فيشمل الأربعة، وهي ذُو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم، ورجب، وَيحتَمِل أن يريد بعضها، والأربعة هي أنزل الله تعالى فيها قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]. قال الإمام ابن كثير -﵀-: قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ فهذا مما كانت العرب في الجاهلية تحرّمه، وهو الذي كان عليه جمهورهم، إلا طائفة منهم، يقال لهم: البَسْل، كانوا يحرّمون من السنة ثمانية أشهر؛ تعمّقًا، وتشديدأ، والأربعة هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان، فإنما أضافه إلى مضر ليبيّن صحة قولهم في رجب: إنه الشهر الذي بين جمادى وشعبان، لا كما تظنه ربيعة من أن رجب المحرَّم هو الشهر الذي بين شعبان وشوال، وهو رمضان اليوم، فبيّن - ﷺ - أنه رجب مضر، لا رجب ربيعة، وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعةً، ثلاثةٌ سَرْدٌ وواحد فَرْد؛ لأجل أداء مناسك الحج والعمرة، فحرّم قبل شهر الحج شهرًا، وهو ذو القعدة؛ لأنهم يقعدون فيه عن القتال، وحرّم شهر ذي الحجة؛ لأنهم يوقعون فيه الحج، ويشتغلون فيه بأداء المناسك، وحرّم بعده شهرًا آخر، وهو المحرم؛ ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين، وحرّم رجب في وسط الحَوْل؛ لأجل زيارة البيت، والاعتمار به لمن يَقْدَم إليه من أقصى جزيرة العرب، فيزوره، ثم يعود إلى وطنه فيه آمنًا. انتهى كلام ابن كثير -﵀- بتصرّف يسير . (فَخَرَجْتُ أَنَا) أتى به؛ لِيُمْكنه عَطْف ما بعده على ضمير الرفع المتّصل من غير ضعف، قال في «الخلاصة»: وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ أَو فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ (وَأَخِي أُنَيْسُ) بن جُنادة بن سفيان بن عُبيد بن حرام بن غِفار الغفاريّ، أخو أبي ذرّ، وكان أكبر منه، تأتي قصّته في الحديث. (وَأُمُّنَا) هي رملة بن الوقيعة، كما في «الإصابة». (فَنَزَلْنَا عَلَى خَالٍ لَنَا) لم يُعرف اسمه، (فَأَكْرَمَنَا خَالُنَا، وَأَحْسَنَ إِلَيْنَا، فَحَسَدَنَا قَوْمُهُ)؛ أي: عشيرته الذين يجاورونه، (فَقَالُوا: إِنَّكَ إِذَا خَرَجْتَ عَنْ أَهْلِكَ)؛ أي: زوجتك، (خَالَفَ إِلَيْهِمْ أُنَيْسٌ) يريدون: أنه يتعرّض لزوجته بالفاحشة. (فَجَاءَ خَالُنَا، فَنَثَا) بنون، ثم ثاء مثلّثة؛ أي: أشاع، وأفشى، يقال: نثوت الخبرَ نثوًا من باب قتل: أظهرته، والنثا وزانُ الحصى: إظهار القبيح، والحسَن، قاله الفيّوميّ . وقال في «المشارق»: قوله: «فنثا علينا الذي قيل»: نثا؛ أي: أخبر بتقديم النون في الخير والشرّ، والثناء بتقديم الثاء ممدودًا في الخير وحده. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «فنثا علينا»؛ أي: أظهر لنا بالقول، وإنما يقال: النثى -بتقديم النون، والقصر- في الشرّ، والكلام القبيح، وإذا قَدَّمْتَ الثاء، ومدَدَت فهو الكلام الحسن الجميل. انتهى . (عَلَيْنَا الَّذِي قِيلَ لَهُ) من اتّهام أنيس بأهله، قال أبو ذرّ: (فَقُلْتُ لَهُ: أَمَّا مَا مَضَى مِنْ مَعْرُوفِكَ)؛ أي: إحسانك علينا، (فَقَدْ كَدَّرْتَهُ)؛ أي: أذهبت صفاءه، وأفسدته بما ذَكَرته من اتّهامك أنيسًا بما هو بريء منه، (وَلَا جِمَاعَ لَكَ) بكسر الجيم؛ أي: لا اجتماع بيننا وبينك يبقى بعدما أسأت إلينا بسوء الظنّ فينا، (فِيمَا بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لِقَطْعِه عن الإضافة، ونيّة معناها؛ أي: بعد اليوم. (فَقَرَّبْنَا صِرْمَتَنَا) بكسر الصاد المهملة، وسكون الراء: هي القطعة من الإبل، وتُطلق أيضًا على القطعة من الغنم، قال النوويّ، وقال الفيّومي: الصِّرْمَةُ بالكسر: القطعة من الإبل، ما بين العشرة إلى الأربعين، وتُصَغَّر على صُرَيْمَةٍ، والجَمْع صِرَمٌ، مثل سِدرة وسِدَرٍ، والصِّرْمَةُ: القطعة من السحاب، والصِّرْمُ: الطائفة المجتمعة من القوم، ينزلون بإبلهم ناحيةً من الماء، والجمعُ: أَصْرَائم، مثلُ حِمْلِ وأَحْمَالٍ. انتهى . والمعنى: طلبنا إبلنا حتى نركب عليها، ونَحْمل متاعنا؛ لنغادر ذلك المكان. (فَاحْتَمَلْنَا)؛ أي: حَمَلنا أمتعتنا (عَلَيْهَا)؛ أي: على تلك الصِّرْم، (وَتَغَطَّى خَالُنَا ثَوْبَهُ، فَجَعَلَ يَبْكِي) لعله فَعَل ذلك ندمًا على ما فعل بأضيافه، أو حزنًا على فراقهم. (فَانْطَلَقْنَا)؛ أي: ذهبنا من ذلك المكان، (حَتَّى نَزَلْنَا بِحَضْرَةِ مَكَّةَ)؛ أي: بمكان قريب من مكة، قال الفيّوميّ: حَضْرة الشيء: فناؤه، وقُربه . (فَنَافَرَ أُنَيْسٌ عَنْ صِرْمَتِنَا، وَعَنْ مِثْلِهَا) قال أبو عبيد وغيره في شرح هذا: المنافرة: وهي المفاخرة، والمحاكمة، فيَفْخَر كل واحد من الرجلين على الآخر، ثم يتحاكمان إلى رجل؛ ليحكم أيهما خير، وأعزّ نفرًا؟ وكانت منافرة أنيس هذه المفاخرة في الشعر أيهما أشعر؟ كما بيَّنه في الرواية الأخرى. وقال النوويّ: معناه: تراهَنَ هو وآخر أيهما أفضل، وكان الرهن صِرْمة ذا، وصِرْمة ذاك، فأيهما كان أفضل أخذ الصرمتين، فتحاكما إلى الكاهن، فحَكَم بأن أُنيسًا أفضل، وهو معنى قوله: «فخَيَّر أنيسًا»؛ أي: جعله الخيارَ، والأفضلَ. انتهى . وقال القرطبيّ: قوله: «فنافر أُنَيْس»؛ أي: التزم أن من قُضي له بالغلبة أخذ ذلك، قال أبو عبيد: المنافرة: أن يفتخر الرجلان كل واحد منهما على صاحبه، ثم يُحَكِّما رجلًا بينهما، والنافر: الغالب، والمنفور: المغلوب، يقال: نَفَره، يَنفِرُه، وَينفُره نفرًا: إذا غلب عليه. انتهى . (فَأَتَيَا الْكَاهِنَ) قال المجد -﵀-: كَهَنَ له، كمَنَعَ، ونَصَر، وكَرُمَ، كَهانَةً بالفتح، وتَكَهَّنَ تَكَهُّنًا: قَضَى له بالغَيْب، فهو كاهِنٌ، جَمْعه: كَهَنَةٌ، وكُهَّانٌ، وحِرْفتُه: الكِهانَةُ بالكسر. انتهى . وقال ابن الأثير -﵀-: الكاهن: الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويَدَّعي معرفة الأسرار، وقد كان في العرب كَهَنة؛ كشِقٍّ، وسَطِيح، وغيرهما، فمنهم من كان يزعم أن له تابعًا من الجنّ، ورَئيًّا يُلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب، يستدلّ بها على مواقعها، من كلام مَن يساله، أو فِعله، أو حاله، وهذا يخصونه باسم العرّاف؛ كالذي يَدّعي معرفة الشيء المسروق، ومكان الضالة، ونحوهما. انتهى . (فَخَيَّرَ أُنَيْسًا)؛ أي: فقمله، وحَكَم بأنه خَيْر من منافره، وغالب له. (فَأَتَانَا أُنَيْسٌ بِصِرْمَتِنَا، وَمِثْلِهَا مَعَهَا) وهو الذي أخذه من مُنافره. (قَالَ) أبو ذرّ - ﵁ -: (وَقَدْ صَلَّيْتُ يَا ابْنَ أَخِي قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بِثَلَاثِ سِنِينَ) وفي رواية ابن عون الآتية: «سنتين»، ولا تَخالُف بينهما؛ إذ يُجمع بأنه كان سنتين وزيادة، فمن قال: «سنتين» ألغى الكسر، ومن قال: «ثلاث سنين» جَبَر الكسر، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ -﵀-: هذا إلهام للقلوب الطاهرة، ومقتضى العقول السَّليمة؛ فإنَّها تُوفَّق للصواب، وتُلْهَم للرشد . قال عبد الله بن الصامت: (قُلْتُ: لِمَنْ؟)؛ أي: لمن صلّيت؟ (قَالَ) أبو ذرّ: (للهِ) -﷿- (قُلْتُ: فَأَيْنَ تَوَجَّهُ؟) بفتح التاء، أصله: تتوجّه بتاءين، حُذفت إحداهما تخفيفًا، كما قال في «الخلاصة»: وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَـ «تَبَيَّنُ الْعِبَرْ» (قَالَ) أبو ذرّ: (أَتَوَجَّهُ حَيْثُ يُوَجِّهُنِي رَبِّي)؛ أي: لا أخصّ جهة معيّنة أتوجّه إليها، بل إلى الجهة التي يوجهني الله تعالى إليها. (أُصَلِّي عِشَاءً)؛ أي: صلاتها، (حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ) الظاهر أن «كان» هنا تامّة، و«من» زائدة على قول من يرى زيادتها في الإثبات، و«آخر الليل» مرفوع على الفاعليّة؛ أي: أصلي من أول العشاء، وأواصل صلاتي إلى أن يجيء آخر الليل. والمراد: أن أبا ذرّ - ﵁ - كان يصليّ قبل أن يؤمن بالنبيّ - ﷺ -، وقد أخرج ابن سعد عن الواقديّ، عن أبي معشر قال: «كان أبو ذرّ يتألّه في الجاهلية، ويقول: لا إله إلا الله، ولا يعبد الأصنام» ، والظاهر: أن صلاته كانت تختلف عن الصلاة المشروعة في الإسلام. (أُلْقِيتُ كَأَنِّي خِفَاءٌ) قال القرطبيّ -﷿-: الرواية في «أُلقيت» بضم الهمزة، وكَسْر القاف؛ مبنيًّا لِمَا لم يُسَمَّ فاعله، والْخِفَاء بكسر الخاء والمدّ: هو الغطاء، وكل شيء غطيته بكساء، أو ثوب، فذلك الغطاء خِفَاءٌ، ويُجمع على أَخْفِية، قاله أبو عبيد. وقال ابن دريد: الخفاء: كساء يُطْرَح على السقاء. انتهى . والمراد: أنه كان يصلّي من الليل طويلًا، حتى إذا كان آخر الليل اضطجع على فراشه، ونام كأنه كساء . وقال النوويّ: قوله: «كأني خِفاء»، هو بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف الفاء، وبالمدّ، وهو الكساء، وجَمْعه أَخْفية، ككساء وأكسية، قال القاضي: ورواه بعضهم عن ابن ماهان: «جُفَاء» بجيم مضمومة، وهو غُثاء السيل، والصواب المعروف هو الأول. انتهى . (حَتَّى تَعْلُوَنِي الشَّمْسُ)؛ أي: حتى تطلع الشمس، وظهر عليّ حرّها. (فَقَالَ أُنَيْسٌ: إِنَّ لِي حَاجَةً بِمَكَّةَ) الظاهر: أن أنيسًا قال هذا عندما كانوا مقيمين بموضع قريب من مكة. (فَاكْفِنِي)؛ أي: قُمْ بالأمر الذي أقوم به هنا. (فَانْطَلَقَ أُنَيْسٌ، حَتَّى أَتَى مَكَّةَ، فَرَاثَ عَلَيَّ)؛ أي: أبطأ، وتأخّر عن الرجوع، (ثُمَّ جَاءَ) قال أبو ذرّ (فَقُلْتُ) له: (مَا صَنَعْتَ؟) «ما» استفهاميّة؛ أي: أيّ شيء صنعت؟ (قَالَ) أنيس: (لَقِيتُ رَجُلًا) يريد النبيّ - ﷺ -، (بمَكَّةَ عَلَى دِينِكَ)؛ أي: على التوحيد، ونفي الأضداد، والأنداد، (يَزْعُمُ)؛ أَي: يقول، وإنما عبّر بزعم؛ لكونه غير مسلم وقتئذ، (أَنَّ اللهَ) تعالى (أَرْسَلَهُ) قال أبو ذرّ: (قُلْتُ: فَمَا يَقُولُ النَّاسُ؟) في شأنه، هل استجابوا له، أو خالفوه، وعادوه؟ (قَالَ) أنيس: (يَقُولُونَ) هو (شَاعِرٌ، كَاهِنٌ، سَاحِرٌ)؛ أي: قال بعضهم: شاعر، وقال بعضهم: كاهن، وقال بعضهم: ساحر، (وَكَانَ أُنَيْسٌ أَحَدَ الشُّعَرَاءِ) الذين يميّزون الشعر وغيره. (قَالَ أُنَيْسٌ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَة، فَمَا هُوَ بِقَوْلِهِمْ، وَلَقَدْ وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَى أَقْرَاءِ الشّعْرِ) وفي نسخة: «أقراء الشعراء»، والأقراء: بالفتح: جمع قَرْء بفتح القاف، وسكون الراء، وهو في اللغة: القافية، وأقراء الشعر: أنواعه، وأنحاؤه، كما في «القاموس»، والمراد: إني قارنت بين قوله، وبين أنواع الشعر. وقال القرطبيّ: قوله: «على أقراء الشعر» قال ابن قتيبة: يريد أنواعه، وطُرقه، واحدها: قَرْء، فيقال: هذا الشعر على قَرْء هذا. وقال أيضًا: «على أقراء الشعر» كذا الرواية الصحيحة: أقراء بالراء، جَمْع قَرْءٍ على ما تقدم، وقئده العذريّ: أقواء بالواو، ورواه بعضهم بالواو وكسر الهمزة، قال القاضي: لا وجه له. انتهى . (فَمَا يَلْتَئِمُ عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ بَعْدِي أَنَّهُ شِعْرٌ) مراده: أني تيقّنت بأن ما يقوله رسول الله - ﷺ - ليس شعرًا، وكذلك لا يستطيع أحد غيري أن يجعله شعرًا . وقال القرطبيّ: قوله: «فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر» هكذا الرواية عند جميع الشيوخ «بعدي» بالباء بواحدة، والعين المهملة بمعنى غيري، يقال: ما فعل هذا أحد بعدك؛ أي: غيرك، كما يقال ذلك في «دُون»، وهو كثيرٌ فيها. ومعنى الكلام: أنه لمّا اعتبر القرآن بأنواع الشعر تبيَّن له أنه ليس من أنواعه، ثم قَطَع بأنه لا يصح لأحد أن يقول: إنه شعر، ووقع في بعض النُّسخ: يَقْرِي بفتح الياء، قال القاضي: وهو جيّد، وأحسن منه: يُقْرِي، بضمها، وهو مِمَّا تقدَّم، يقال: أقرأت في الشعر، وهذا الشعر على قَرْء هذا، وقرؤه؛ أي: قافيته، وجَمْعها: أقراء، وفي بعض النُّسخ أيضًا: «على لسان أحد يُعْزَى إلى شعر»؛ أي: يُنسب إليه، ويوصف به، وللروايات كلها وجه. انتهى . (وَاللهِ إِنَّهُ لَصَادِقٌ) في قوله: إن الله أرسله، (وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) في قولهم: شاعر، كاهن، ساحر. (قَالَ) أبو ذرّ - ﵁ -: (قُلْتُ: فَاكْفِنِي)؛ أي: كن أنت قائمًا بما قمت به أنا، (حَتَّى أَذْهَبَ) إلى مكة (فَأَنْظُرَ) حال هذا الرسول، وصِدْقه في دعواه، فأتّبعه على دينه. (قَالَ) أبو ذرّ: (فَأَتَيْتُ مَكَّةَ، فَتَضَعَّفْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ)؛ يعني: نظرت إلى أضعفهم، فسألته؛ لأن الضعيف مأمون الغائلة غالبًا، وفي رواية ابن ماهان: «فتضيّفت» بالياء، وأنكرها القاضي وغيره، قالوا: لا وجه له هنا . (فَقُلْتُ: أَيْنَ هَذَا الَّذِي تَدْعُونَهُ الصَّابِئَ؟) اسم فاعل من صبأ من دين إلى دين يَصْبَأُ مهموزًا بفتحتين: إذا خرج، فهو صَابِي، ثم جُعِل هذا اللقب عَلَمًا على طائفة من الكفار، يقال: إنها تعبد الكواكب في الباطن، وتُنسب إلى النصرانية في الظاهر، وهم الصَّابِئَةُ، والصَّابِئُونَ، ويَدَّعون أنهم على دين صابئ بن شيث بن آدم، ويجوز التخفيف، فيقال: الصَّابُونُ، وقرأ به نافعٌ، قاله الفيّوميّ -﵀- . والمراد هنا: هو النبيّ - ﷺ -؛ لأن العرب كانت تسميه - ﷺ - الصابئَ؛ لأنه خرج من دين قريش إلى الإسلام، ويُسمّون من يدخل في دين الإسلام مَصْبُوًّا؛ لأنهم كانوا لا يهمزون، فأبدلوا من الهمزة واوًا، ويُسمّون المسلمين الصُّباة، بغير همز، كأنه جَمْع الصابي غير مهموز، كقاض وقُضاة، وغاز وغُزاة، قاله في «اللسان» . (فَأَشَار إِلَيَّ، فَقَالَ: الصَّابِئَ؟) بالنصب على الإغراء؛ يعني: أن الرجل بدلًا من أن يدلّني على رسول الله - ﷺ -، دعا الناس إليّ، وأغراهم على أن يُلحقوا بي ضررًا قائلًا: الصابئ؛ أي: الزموه، واضربوه، ويَحْتَمل أن يكون «الصابئ» منصوبًا على المفعوليّة لفعل مقدّر مع أداة الاستفهام الإنكاريّ؛ أي: أتَذْكُر الصابئ؟. (فَمَالَ عَلَيَّ أَهْلُ الْوَادِي)؛ أي: أهل مكة، (بِكُلِّ مَدَرَةٍ) واحدة المَدَرُ، مثل قَصَبة وقَصَب، وهو التراب المتلبد، قال الأزهريّ: المَدَرُ: قِطَع الطين، وبعضهم يقول: الطين العِلْك الذي لا يخالطه رَمْلٌ، والعرب تسمي القرية مَدَرَةً؛ لأن بنيانها غالبًا من المدر، وفلان سَيّدُ مَدرَتهِ؛ أي: قريته، قاله الفيّوميّ . (وَعَظْمٍ) معروف، جَمْعه: عِظامٌ، وأعظُمٌ، مثلُ سَهْمٍ، وسِهام، وأسهُم، (حَتَّى خَرَرْتُ) من باب ضرب، ونصر؛ أي: سقطت، حال كوني (مَغْشِيًّا عَلَيَّ)؛ أي: مغمًى عليّ، يقال: غُشي عليه كعُني غَشْيًا، وغَشَيانًا: أُغمي، فهو مغشيّ عليه، والاسم: الْغَشْيةُ، قاله المجد ، وقال الفيّوميّ: غُشِيَ عليه بالبناء للمفعول غَشْيًا، بفتح الغين، وضمُّها لغةٌ، والغَشْيَةُ بالفتح: المرة، فهو مَغْشِي عليه، ويقال: إن الغَشْيَ يُعَطِّل الْقُوَى المحرِّكة، والأوردة الحسّاسة؛ لضعف القلب بسبب وجع شديد، أو برد، أو جوع مُفْرِط، وقيل؛ الغَشْيُ: هو الإغماء، وقيل: الإغماء امتلاء بطون الدماغ من بلغم بارد غليظ، وقيل: الإغماء سهو يَلْحَق الإنسان مع فتور الأعضاء لعلة. انتهى . (قَالَ) أبو ذرّ: (فَارْتَفَعْتُ حِينَ ارْتَفَعْتُ)؛ أي: قُمت حين قُمت (كَأَنِّي نُصُبٌ أَحْمَرُ) بضمّ النون، والصاد، ويجوز تسكين الصاد، وهو الصنم والحجر الذي كانت الجاهليّة تنصبه للعبادة، وتذبح عنده، فيحمرّ بالدم، شبّه أبو ذرّ - ﵁ - نفسه بالنصب الأحمر؛ لتلوّثه بالدماء التي سالت من بدنه بسبب ضربهم إياه بالحجرة والمدرة، والعظم. وقال القرطبيّ: أي: قمت كأني لجريان دمي من الجراحة التي أُصبت بها أحدُ الأنصاب، وهي الحجارة التي كانوا يذبحون عليها، فتحمرّ بالدماء. وقال النوويّ: قوله: «كأني نصب أحمر»؛ يعني: من كثرة الدماء التي سالت مِن ضَرْبهم له، والنصب: الصنم والحجر، كانت الجاهلية تنصبه، وتذبح عنده، فيحمر بالدم، وهو بضم الصاد، وإسكانها، وجمعه أنصاب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] . (قَالَ) أبو ذرّ: (فَأَتَيْتُ زَمْزَمَ) اسم للبئر المعروفة بمكة، ولا تنصرف؛ للتأنيث، والعلميّة، قال ابن فارس: هو من قولهم: زممت الناقةَ: إذا جعلت لها زمامًا تحبسها به، وذلك أن جبريل -﵇- لَمّا هَمَز الأرض بمقاديم جناحه، ففاض الماء زَمّتها هاجر، فسُمِّيت: زمزم . وقال ابن الأثير: هي البئر المعروفة بمكة، قيل: سُمّيت بها؛ لكثرة مائها، يقال: ماء زمازم، وزمزم، وقيل: هو اسم عَلَم لها. انتهى . وقال في «الفتح»: سميت زمزم؛ لكثرتها، يقال: ماء زمزم؛ أي: كثير، وقيل: لاجتماعها، نُقل عن ابن هشام، وقال أبو زيد: الزمزمة من الناس خمسون ونحوهم، وعن مجاهد: إنما سُمّيت زمزم؛ لأنها مشتقة من الْهَزْمة، والهزمة: الْغَمْز بالعقب في الأرض، أخرجه الفاكهيّ بإسناد صحيح عنه، وقيل: لحركتها، قاله الحربيّ، وقيل: لأنها زُمَّت بالميزان؛ لئلا تأخذ يمينًا وشمالًا. انتهى . وقال في «التاج»: وماء زمزم، كجَعْفَر، وعُلابِط؛ أي: كثير، قال أيضًا: زَمَّم، كبَقَّم، وزمزم، كجعفر، وزُمازِم مثلُ عُلابِط: بئر عند الكعبة، قال ابن بَرّيّ: لزمزم اثنا عشر اسمًا: زمزم، مكنومة، مضنونة، شُباعة سُقيا، الزواء، رَكْضة جبريل، هَزْمة جبريل، شِفاء سُقْم، طعام طُعْم، حَفِيرة عبد المطلب، قال المرتضى: وقد جَمَعت أسماءها في نُبذة لطيفة، فجاءت على ما يَنيف على ستين اسمًا، مما استخرجتها من كتب الحديث، واللغة. انتهى . (فَغَسَلْتُ عَنِّي الدِّمَاءَ، وَشَرِبْتُ مِنْ مَائِهَا، وَلَقَدْ لَبِثْتُ) بكسر الموحّدة؛ أي: مكثتُ، قال المجد: اللَّبْثُ، ويُضَمُّ، واللَّبَثُ مُحَرَّكَةً: المُكْثُ، لَبِثَ كَسَمِعَ، وهو نادرٌ؛ لأنّ المصدرَ من فَعِلَ بالكسرِ قِياسُهُ بالتَّحْريك؛ إذا لم يَتَعَدَّ. انتهى باختصار . (يَا ابْنَ أَخِي ثَلَاِثِينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيوْمٍ)؛ يعني: خمسة عشر يومًا بلياليها، (مَا) نافية، (كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ)؛ يعني: أنه يستغني بشربها عن الطعام، (فَسَمِنْتُ) بكسر الميم، يقال: سَمِنَ يَسْمَنُ، من باب تَعِب، وفي لغة من باب قَرُب: إذا كثُر لحمه، وشحمه، ويتعدى بالهمزة، وبالتضعيف، قاله الفيّوميّ . (حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي) بضم العين المهملة، وفتح الكاف: جَمْع عُكْنة، بضمّ، فسكون، مثل غُرْفَة وغُرِف، والعُكْنَةُ: الطيّ في البطن، من السمن، وربما جُمع على أَعْكَان، وتَعَكَّنَ البطن: صار ذا عُكَنٍ . (وَمَا وَجَدْتُ عَلَى كَبِدِي) بفتح الكاف، وكسر الموحّدة: هي من الأمعاء معروفة، وهي مؤنّثة، وقال الفرّاء: تُذكّر، وتؤنّث، ويجوز التخفيف بفتحِ الكاف، وكسرها، مع سكون الباء، والجمع أكباد، وكُبُود قليلًا . (سُخْفةَ جُوعٍ) بفتح السين المهملة، وضمّها، وإسكان الخاء المعجمة، وهي رِقّة الجوع، وضَعفه، وهُزاله، قال الأصمعيّ: السخفة: الخفّة، ولا أحسب قولهم: سخيف إلا منه . (قَالَ) أبو ذرّ: (فَبَيْنَا) تقدّم أن أصلها «بين» الظرفيّة أُشبعت فتحتها، فتولّدت منها الألف، وهي تضاف إلى الجملة بعدها، وتحتاج إلى جواب، وهو هنا قوله: «إذا ضُرب … إلخ». (أَهْلُ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ قَمْرَاءَ)؛ أي: مقمرة طلع قمرها، (إِضْحِيَانَ) بكسر الهمزة، والحاء، وإسكان الضاد المعجمة بينهما، وهي المضيئة، ويقال: ليلة إضحيان، وإضحيانة، وضَحْياء، ويوم ضَحْيان. انتهى. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «في ليلة قمراء إضْحِيان» القمراء: المقمرة، وهي التي يكون فيها قمر، ويُسمَّى الهلالُ قمرًا من أول الليلة الثالثة إلى أن يصير بدرًا، ثم إذا أخذ في النقص عاد عليه اسم القمر، وإضحيان -بكسر الهمزة، والضاد المعجمة-: معناه كثيرٌ ضوء قمرها. قال ابن قتيبة: ويقال: ليلة إضحيانٌ، وإضحيانةٌ، وضَحيانة: إذا كانت مضيئة. انتهى . (إِذْ ضُرِبَ) بالبناء للمفعول، وفي بعض النسخ: «إذ ضرب الله» (عَلَى أَسْمِخَتِهِمْ) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في جميع النسخ، وهو جمع سِماخ، وهو الْخَرْق الذي في الأُذُن، يفضي إلى الرأس، يقال: صِماخ بالصاد، وسِماخ بالسين، والصاد أفصح، وأشهر، والمراد بأصمختهم هنا: آذانهم؛ أي: ناموا، قال الله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ [الكهف: ١١]؛ أي: أنمناهم. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «ضُرب على أصمختهم»؛ أي: ناموا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١)﴾؛ أي: أنمناهم. الأصمخة: جمع صماخ، وهو خُرق الأذن، وهو بالصاد، وقد أخطأ من قاله: بالسين. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «أخطأ من قاله بالسين» فيه نظر، بل هذا هو الخطا، فإن السين لغة ثابتة، كما تقدّم في كلام النوويّ، وقد أثْبَتَه في «القاموس»، وغيره، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (فَمَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَحَدٌ، وَامْرَأَتَيْنِ مِنْهُمْ) قال النوويّ: هكذا هو في معظم النسخ بالياء، وفي بعضها: «وامرأتان» بالألف، والأول منصوب بفعل محذوف؛ أي: ورأيت امرأتين (تَدْعُوَانِ إِسَافًا وَنَائِلَةَ) هما: صنمان، وقد تقدَّم ذِكرهما في «كتاب الحج»، وقد رَوَى ابن أبي نجيح: أن إسافًا ونائلة كانا رجلًا وامرأة حجَّا من الشام، فقبَّلَها وهما يطوفان فمُسخا حجرين، فلم يزالا في المسجد حتى جاء الإسلام، فأُخرجا منه، قاله القرطبيّ -﵀- . وقال ياقوت الحمويّ: إساف بكسر الهمؤة، وآخره فاء، وإساف ونائلة صنمان كانا بمكة، قال ابن إسحاق: هما مسخان، وهما إساف بن بغاء، ونائلة بنت ذئب، وقيل: إساف بن عمرو، ونائلة بنت سهيل، وإنهما زنيا في الكعبة، فمُسخا حجرين، فنُصبا عند الكعبة، وقيل: نصب أحدهما على الصفا، والآخر على المروة؛ ليُعْتَبر بهما، فَقَدُم الأمر، فأمر عمرو بن لُحَيّ الخزاعي بعبادتهما، ثم حوّلهما قصيّ، فجعل أحدهما بلصق البيت، وجعل الآخر بزمزم، وكان ينحر عندهما، وكانت الجاهلية تتمسح بهما. وعن ابن عباس: أن إسافًا رجل من جرهم، يقال له: إساف بن يعلى، ونائلة بنت زيد من جرهم، وكان يتعشقها بأرض اليمن، فأقبلا حاجين، فدخلا الكعبة، فوجدا غفلة من الناس، وخلوةً في البيت ففَجَر بها في البيت، فمُسخا، فأصبحوا، فوجدوهما مسخين، فأخرجوهما، فوضعوهما موضعهما، فعبدتهما خزاعة وقريش، ومن حج البيت بعدُ من العوب. انتهى . (قَالَ: فَأَتَتَا عَلَيَّ فِي طَوَافِهِمَا، فَقُلْتُ: أَنْكِحَا أَحَدَهُمَا الأُخْرَى) أراد أبو ذرّ - ﵁ - بهذا الكلام تعييرًا لهما على عبادة الصمنين، ودعائهما دون الله تعالى. (فَالَ) أبو ذرّ: (فَمَا تَنَاهَتَا عَنْ قَوْلِهِمَا) وفي بعض النسخ: «على قولهما»، فتكون «على» بمعنى «عن»؛ أي: لم تمتنعا عن دعائهما إساف ونائلة. وقال النوويّ: أي: ما انتهتا عن قولهما، بل دامتا عليه، ووقع في أكثر النسخ: «فما تناهتا على قولهما»، وهو صحيح أيضًا، وتقديره: ما تناهتا من الدوام على قولهما. انتهى . (قَالَ: فَأَتَتَا عَلَيَّ، فَقُلْتُ: هَنٌ مِثْلُ الْخَشَبَةِ) الهنُ، والهنة: بتخفيف نونهما، هو كناية عن كل شيء، وأكثر ما يستعمل كناية عن الفَرْج والذَّكَر، فقال لهما: ذَكَرٌ مِثْل الخشبة في الفرج، وأراد بذلك سبّ إساف ونائلة، وغيظ الكفار بذلك. وقوله: (غَيْرَ أَنِّي لَا أَكْنِي)؛ أي: سببت إسافًا ونائلة بالكلام الصريح، لا بالكناية، و«أكني» بفتح الهمزة، من كنى ثلاثيًّا، من باب رمى، وبضمها من أكنى، وبضمها مع تشديد النون من كنّى بالتشديد، قال المجد -﵀-: كَنَى به عن كذا يَكْنِي، وَيكْنُو كِنايَةً: تَكَلَّمَ بما يُسْتَدَلُّ به عليه، أو أن تَتَكَلَّمَ بشيءٍ، وأنْتَ تُرِيدُ غيرَهُ، أو بِلَفْظٍ يُجاذِبُه جانِبَا حَقيقةٍ ومَجازٍ، وزيدًا أبا عَمْرٍو، وبه كُنْيَةً، بالكسر، والضم: سَمَّاهُ به، كأَكْناهُ، وكَنَّاهُ. انتهى . (فَانْطَلَقَتَا تُوَلْوِلَانِ)؛ أي: تدعوان بالويل، وترفعان بذلك أصواتهما، وتقولان: يا ويلنا، (وَتَقُولَانِ: لَوْ كَانَ هَا هُنَا أَحَدٌ مِنْ أَنْفَارِنَا) بفتح الهمزة: جَمْع نفر، وهو الذي ينفر عند الاستغاثة، وفي نسخة: «من أنصارنا»، وهو أوضح، والمراد: لو كان أحد من أنصارنا لأغاثنا، وانتصر لنا. وقال القرطبيّ -﵀-: «لو كان أحدٌ من أنفارنا»؛ أي: من قومنا، وهو جَمْع نفر، والنَّفر: ما بين الثلاثة إلى العشرة، وجواب لو محذوف؛ أي: لنصرنا عليك، ونحوه. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: الولولة: الدعاء بالويل، والأنفار: جمع نفر، أو نفير، وهو الذي ينفر عند الاستغاثة، ورواه بعضهم: «أنصارنا»، وهو بمعناه، وتقديره: لو كان هنا أحد من أنصارنا لانتصر لنا. انتهى . (قَالَ) أبو ذرّ: (فَاسْتَقْبَلَهُمَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَأَبُو بَكْرٍ) الصدّيق - ﵁ - (وَهُمَا هَابِطَانِ)؛ أي: نازلان إلى البيت، (قَالَ) - ﷺ - للمرأتين: («مَا لَكُمَا؟»)؛ أي: أيُّ شيء أزعجكما، وجعلكما تولولان؟ (قَالَتَا: الصَّابِئُ)؛ أي: الخارج عن دين قومه، يُهمز، ولا يُهمز، وقد قُرئ بهما . (بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَسْتَارِهَا)؛ أي: متعلّق في ذلك المكان، ويريدان أبا ذرّ - ﵁ -. (قَالَ) - ﷺ -: («مَا قَالَ لَكُمَا؟»، قَالَتَا: إِنَّهُ قَالَ لَنَا كَلِمَةً تَمْلأُ الْفَمَ)؛ أي: كلمة عظيمة، حتى يكون الفم يضيق عنها؛ لِعِظَمها. وقال النوويّ: أي: عظيمة لا شيء أقبح منها، كالشيء الذي يملأ الشيء، ولا يسع غيره، وقيل: معناه: لا يمكن ذِكرها، وحكايتها، كأنها تسدّ فم حاكيها، وتملؤه؛ لاستعظامها. انتهى . (وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) إلى البيت (حَتَّى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ) الأسود؛ فيه أن ابتداء الطواف منه. (وَطَافَ بِالْبَيْتِ هُوَ وَصَاحِبُهُ) أبو بكر الصدّيق - ﵁ -، (ثُمَّ صَلَّى) ركعتي الطواف، فيه مشروعيّتهما. (فَلَمَّا قَضَى صَلَاَتَهُ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَكُنْتُ أَنَا أَوَّلُ مَنْ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الإِسْلَام) قال القرطبيّ -﵀-: يعني به: السلام عليك يا رسول الله! وظاهره أنه أُلهم النُّطق بتلك التحية؛ إذ لم يكن سمعها قبل ذلك، وعِلْمه بكونه أوّل من حيّاه يَحْتَمِل أن يكون إلهامًا، ويَحْتَمِل أن يكون عَلِمه بعد ذلك بالاستقراء، ثم أَخبر عنه، والله تعالى أعلم. انتهى . (قَالَ: فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله، فَقَالَ: «وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ») قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في جميع النُّسخ: «وعليك» من غير ذِكر السلام، وفيه دلالة لأحد الوجهين لأصحابنا أنه إذا قال في ردّ السلام: «وعليك» يجزئه؛ لأن العطف يقتضي كونه جوابًا، والمشهور من أحواله - ﷺ -، وأحوال السلف ردّ السلام بكماله، فيقول: وعليكم السلام ورحمة الله، أو: ورحمته وبركاته، وسبق إيضاحه في بابه. انتهى . (ثُمَّ قَالَ) - ﷺ -: («مَنْ أَنْتَ؟»، قَالَ) أبو ذرّ: (قُلْتُ: مِنْ غِفَارٍ)؛ أي: أنا رجل من قبيلة غفار. (قَالَ) أبو ذرّ: (فَأَهْوَى بِيَدِهِ)؛ أي: مدّ يده - ﷺ -، يقال: أهوى إلى الشيء بيده: مدّها ليأخذه إذا كان عن قُرب، فإن كان عن بُعد قيل: هَوَى إليه بغير ألف، وأهويتُ بالشيء بالألف: أومأت إليه، قاله الفيّوميّ . (فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ) - ﷺ -، قال أبو ذرّ: (فَقُلْتُ: فِي نَفْسِي)؛ أي: سرًّا من غير أن أُظهره، (كَرِهَ) بكسر الراء، يقال: كَرِهه، كسَمِعه، كَرْهًا بالفتح، ويُضمّ، وكراهَةً، وكراهيةً بالتخفيف، ومكرَهَةً، وتُضمّ راؤه، وتكرّهه: ضدّ أحبّه . (أَنِ انْتَمَيْتُ إِلَى غِفَارٍ) قبيلتِه؛ لأنها معروفة بقطع الطريق، وقد وقع ذلك صريحًا فيما أخرجه ابن سعد في «طبقاته» من طريق الواقديّ من غير هذا السياق، وفيه: «فسأله النبيّ - ﷺ -: ممن أنت؟ فقال: من بني غفار، قال: فعجب النبيّ - ﷺ -، أنهم يقطعون الطريق، فجعل النبيّ - ﷺ - يرفع بصره فيه، ويصوِّبه تعجبًا من ذلك؛ لِمَا كان يَعْلَم منهم، ثم قال: إن الله يهدي من يشاء» . وقد روى الواقديّ أيضًا: أن أبا ذرّ نفسه كان يقطع الطريق، فروى عن خُفَاف بن إيما بن رَحَضَة قال: «كان أبو ذرّ رجلًا يصيب الطريق، وكان شجاعًا يتفرد وحده يقطع الطريق، ويُغِير على الصِّرْم في عَماية الصبح على ظهر فرسه، أو على قدميه، كأنه السبع، فيطرُق الحيّ، ويأخذ ما أخذ، ثم إن الله قذف في قلبه الإسلام، وسمع بالنبيّ - ﷺ -، وهو يومئذ بمكة، يدعو مختفيًا، فأقبل يسأل عنه، حتى أتاه في منزلة. . .» الحديث . (فَذَهَبْتُ)؛ أي: شرعتُ (آخُذُ بِيَدِهِ) - ﷺ - (فَقَدَعَنِي صَاحِبُهُ)؛ أي: دفعني صاحبه أبو بكر الصدّيق - ﵁ -، يقال: قَدَعه بالدال المهملة، كقطعه، وأقدعه: إذا كفّه، ومنعه. وقال القرطبيّ -﵀-: «فَقَدَعَنِي صاحبه»؛ أي: كفَّني، ومنعني، يقال: قَدَعْتُ الرَّجَل، وأقْدَعتُه: إذا كففته، ومنه قول الحسن: اقْدَعُوا هذه الأنفس، فإنَّها طُلَعَةٌ، وهو بالدال المهملة. انتهى . (وَكَانَ أَعْلَمَ بِهِ مِنِّي)؛ يعني: أن صاحبه أبا بكر - ﵁ - كان أعلم بشأن النبيّ - ﷺ -، وحاله من أبي ذرّ - ﵁ -، فلذلك مَنَعه لِعِلمه أنه - ﷺ - لا يُحبّ ذلك، (ثُمَّ رَفَعَ) - ﷺ - (رَأْسَهُ) إلى أبي ذرّ: (ثُمَّ قَالَ: «مَتَى كُنْتَ هَا هُنَا؟»)؛ أي: في مكة، (قَالَ) أبو ذرّ (قُلْتُ: قَدْ كُنْتُ هَا هُنَا مُنْذُ ثَلَاِثينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيوْمٍ)؛ أي: خمسة عشر يومًا بليالها، (قَالَ: «فَمَنْ كَانَ يُطْعِمُكَ؟»، قَالَ: قُلْتُ: مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ) بكسر الميم، (حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ) بضمّ، ففتح، وهو مضاف إلى (بَطْنِي) والعُكَن هي طاقات لحم البطن، والمراد بتكسّرها: انثناؤها وانطواؤها؛ يعني: انكسرت تلك العُكَن بسبب السِّمَن، (وَمَما) نافية، (أَجِدُ عَلَى كبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ)؛ أي: ضَعفه، وهُزاله. (قَالَ) - ﷺ -: («إِنَّهَا)؛ أي: زمزم، (مُبَارَكَة) قال القرطبيّ -﵀-: أي: إنها تَظهَر بركتها على من صحَّ صِدقه، وحَسُنَت فيها نيّته، كما قد رَوَى العقيليّ أبو جعفر من حديث أبي الزبير، عن جابر: أن النبيّ - ﷺ - قال:»ماء زمزم لِمَا شُرِب له«، فينبغي أن يُتبرّك بها، وتُحَسَّن النية في شُربها، ويُحْمَل من مائها، فقد روى الترمذيّ عن عائشة - ﵂ -: أنها كانت تَحْمِل من ماء زمزم، وتُخبر أن رسول الله - ﷺ - كان يحمله، قال الترمذيّ: حديث حسن غريب . (إِنَّهَا طَعَامُ طُعْم») بضمّ الطاء، وسكون العين المهملتين؛ أي: تُشبع شاربها، كما يُشبعه الطعام. قال القرطبيّ -﵀-: قوله: «إنها طعام طعم» أي: يُشبَع منها، ويُرَدُّ الجوع، الرواية فيه: «طعامُ طعم» بالإضافة، والطعام: اسم لما يُتَطَعَّم، فكأنه قال: طعام إشباع، أو طعامٌ يُشبع، فأضافه إلى صفته، هذا على معنى ما قاله ابن شميل، فإنه قال: يقال: إن هذا لطعامُ طُعمٍ؛ أي: يُطْعِم مَنْ أكَله؛ أي: يَشبَع منه الإنسان، وما يُطْعِم أكلُ هذا الطعام؛ أي ما يُشبع منه، غير أنه قد قال الجوهريّ: الطُّعْمُ بالضم: الطعام، وبالفتح: ما يُشتهَى منه، قال: قال أبو خراش [من الطويل]: أُرَدُّ شُجَاعَ البَطنِ لَوْ تَعْلَمينه … ويُؤثَرُ غَيْرِي مِنْ عِيَالِكِ بِالطُّعمِ وأَغْتَبِقُ الْمَاءَ القَرَاحَ فَأَنْتَهِي … إذا الزَّادُ أَمْسَى للمُزَلَّج ذَا طَعْمِ قال: فأراد بالأول الطعام، وبالثاني ما يُشتهى. قلت : وعلى هذا فلا تصحُّ الإضافة من جهة المعنى؛ فإنَّه يكون كقولك: طعامُ طعام، ولا يصحُّ؛ لأنَّه إضافة الشيء إلى نفسه؛ وإنَّما يستقيم معنى الحديث على ما حكاه ابن شميل، ويحصل من قولهما: أن طُعْمًا يُستعمل بمعنى الاسم، كما قاله الجوهريّ، وبمعنى الصفة، كما قاله ابن شميل، والله تعالى أعلم. وقد روى أبو داود الطيالسيّ من حديث أبي ذرّ - ﵁ - عن النبيّ - ﷺ - في زمزم: «إنها مباركةٌ، وهي طعام طعم، وشفاء سُقم»: أي: طعام من جوع، وشفاء من سُقْم. انتهى . [تنبيه]: قال في «الفتح»: وقع في مسلم من حديث أبي ذرّ: «إنها طعام طُعْم»، زاد الطيالسيّ من الوجه الذي أخرجه منه مسلم: «وشِفاء سُقْم» . قال: وفي «المستدرك» من حديث ابن عباس - ﵄ - مرفوعًا: «ماء زمزم لِمَا شُرب له» ، رجاله موثَّقون، إلا أنه اختُلف في إرساله، ووَصْله، وإرساله أصحّ، وله شاهد من حديث جابر، وهو أشهر منه، أخرجه الشافعيّ، وابن ماجه، ورجاله ثقات، إلا عبد الله بن المؤمل المكيّ، فذكر العقيليّ أنه تفرد به، لكن ورد من رواية غيره عند البيهقيّ من طريق إبراهيم بن طهمان، ومن طريق حمزة الزيات، كلاهما عن أبي الزبير بن سعيد، عن جابر. ووقع في «فوائد ابن المقرئ» من طريق سُويد بن سعيد، عن ابن المبارك، عن ابن أبي الموالي، عن ابن المنكدر، عن جابر، وزعم الدمياطي أنه على رَسْم الصحيح، وهو كما قال من حيث الرجال، إلا أن سُويدًا، وإن أخرج له مسلم، فإنه خَلَط، وطعنوا فيه، وقد شذّ بإسناده، والمحفوظ عن ابن المبارك، عن ابن المؤمل، وقد جمعت في ذلك جزءًا، والله أعلم. انتهى . (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصدِّيق - ﵁ -: (يَا رَسُولَ اللهِ ائْذَنْ لِي فِي طَعَامِه)؛ أي: إطعامه الطعام (اللَّيْلَةَ) منصوب على الظرفيّة؛ أي: في هذه الليلة، (فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَأَبُو بَكْرٍ) - ﵁ - (وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، فَفَتَحَ أَبُو بَكْرٍ بَابًا، فَجَعَلَ يَقْبِضُ لَنَا مِنْ زَبِيبِ الطَّائِف، وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ طَعَامٍ أَكَلْتُهُ بِهَا)؛ أي: بمكة، (ثُمَّ غَبَرْتُ مَا غَبَرْتُ)؛ أي: بقِيتُ ما بقيت بهذه الحالة، وقد تقدّم أن «غَبَر» من الأضداد، قال الفيّوميّ -﵀-: غَبَر غُبُورًا، من باب قَعَد: بقي، وقد يُستعمل فيما مضى أيضًا، فيكون من الأضداد، وقال الزُّبيديّ: غَبَر غُبُورًا: مكَثَ، وفي لغة بالمهملة للماضي، وبالمعجمة للباقي. انتهى . (ثُمَّ أتيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ) - ﷺ -: («إِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو الذي تفسّره جملة بعده، كما قال ابن مالك -﵀- في»الكافية«: وَمُضْمَرُ الشَّأْنِ ضمِيرٌ فُسِّرَا … بِجُمْلَةٍ كَـ«إِنَّهُ زَيْدٌ سَرَى»(قَدْ وُجِّهَتْ لِي أَرْضٌ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: أُريت جهتها بالوحي، (ذَاتُ نَخْلٍ) صفة لـ«أرض»، (لَا أُرَاهَا) بضمّ الهمزة، وفتحها؛ أي: لا أظنّ تلك الأرض (إِلَّا يَثْرِبَ)؛ يعني: المدينة؛ والمعنى: أنه - ﷺ - أُري دار هجرته أرضًا ذات نخل من غير أن تُسمّى له في الوحي، ولكنه فَهِمَ أنه أرض يثرب، وهذا اسمها الجاهليّ، قال في«المشارق»: يثرب: اسم مدينة النبيّ - ﷺ - بثاء مثلّثة، وراء مكسورة، وقد غَيّر النبيّ - ﷺ - ذلك، فسمّاها طابة، وطَيْبة، كراهةً لِمَا في يثرب من التثريب، وقيل: سُمّيت يثرب بأرض بها، تُسَمَّى كذلك المدينة بناحية منها. انتهى . وقال الفيّوميّ: ثَرَبَ عليه يَثْرِبُ، من باب ضرب: عَتَبَ، ولام، وبالمضارع بياء الغائب سُمِّي رجل من العمالقة، وهو الذي بنى مدينة النبيّ - ﷺ -، فسُميت المدينة باسمه، قاله السهيليّ. انتهى . وقال النوويّ: «لا أراها إلا يثرب» وهذا كان قبل تسمية المدينة طابة، وطيبة، وقد جاء بعد ذلك حديث في النهي عن تسميتها يثرب، أو أنه سمّاها باسم معروف عند الناس حينئذ. انتهى . (فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغ عَنِّي قَوْمَكَ؟)؛ أي: هل ترجع إلى قومك، وتدعوهم إلى الإيمان بي، واتباع ما جئت به؟؛ لأنه لا داعي في إقامتك بمكة، والمسلمون مضطهدون فيها، فهل تغتنم هذا الوقت بحمل رسالة الإسلام إليهم؟ (عَسَى اللهُ أَنْ يَنْفَعَهُمْ بِكَ)؛ أي: بسبب دعوتك، (وَيَأْجُرَكَ فِيهِمْ»)؛ أي: يعطيك أجر دعوتهم، يقال: أَجَره الله أَجْرًا، من باب قَتَلَ، ومن باب ضَرَب لغة بني كعب، وآجره بالمدّ لغة ثالثة: إذا أثابه . وهذا الحديث يفسّره، ويوضّحه حديث أبي هريرة - ﵁ -؛ أن رسول الله - ﷺ - قال:«من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا»، رواه مسلم. قال أبو ذرّ: (فَأَتَيْتُ أُنَيْسًا) أخاه، (فَقَالَ) أنيس: (مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: صَنَعْتُ أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَصَدَّقْتُ) النبيّ - ﷺ - بما جاء به من عند الله تعالى. (قَالَ) أُنيس: (مَا) نافية، (بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكَ)؛ أي: ما أكره دينك الذي جئت به من عند النبيّ - ﷺ -؛ لأن رغب إذا تعدّى بـ«عن»يكون بمعنى عدم إرادة الشيء، وإذا تعدّى بـ«في» يكون بمعنى إرادة الشيء، قال الفيّوميّ -﵀-: رَغِبْتُ في الشيء، ورَغِبْتُهُ يتعدى بنفسه أيضًا: إذا أردته، رَغْبًا، بفتح الغين، وسكونها، ورُغْبَى، بفتح الراء، وضمّها، ورَغْبَاءُ، بالفتح، والمدّ، ورَغِبْتَ، عنه: إذا لم تُرِدْه. انتهى . (فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَصَدَّقْتُ، فَأَتَيْنَا أُمَّنَا) تقدّم أنها رملة بنت الوقيعة، (فَقَالَتْ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكُمَا)؛ أي: لا أكرهه، بل أدخل فيه، (فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَصَدَّقْتُ، فَاحْتَمَلْنَا) مبالغة الحمل؛ أي: حملنا، أنفسنا، وأمتعتنا، وكلّ ما كان معنا على إبلنا، ثم سافرنا. وأخرج ابن سعد من طريق الواقديّ: أن أبا ذرّ «جاء إلى النبيّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله أما قريش فلا أَدَعُهم، حتى أثار منهم، ضربوني، فخرج، حتى أقام بعُسفان، وكلما أقبلت عِير لقريش يحملون الطعام يُنَفِّر بهم على ثنية غزال، فتلقي أحمالها، فجمعوا الحنط، قال: يقول أبو ذرّ لقومه: لا يمس أحدٌ حبة، حتى تقولوا: لا إله إلا الله، فيقولون: لا إله إلا الله، ويأخذون الغرائر» . (حَتَّى أَتَيْنَا قَوْمَنَا غِفَارًا) بدل، أو عطف بيان، (فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمْ) معطوف على مقدّر؛ أي: دعوتها إلى الإسلام، فأسلم نصفهم، (وَكَانَ يَؤُمُّهُمْ إِيمَاءُ بْنُ رَحَضَةَ الْغِفَارِيُّ) «إيماء» بكسر الهمزة في المشهور ممدودًا، وحَكَى القاضي فتح الهمزة أيضًا، وأشار إلى ترجيحه، قال النوويّ: وليس براجح، و«رَحَضَة» بِراء، وحاء مهملة، وضاد معجمة مفتوحات. قال في «الإصابة»: إيماء بن رَحَصَة بن خربة بن خُفاف بن حارثة بن غِفار، قديم الإسلام، قال ابن المدينيّ: له صحبة، قال: وقد روى حنظلة الأسلميّ عن خفاف بن إيماء بن رَحَضة حديث القنوت، وقال بعضهم: عن إيماء بن رحضة، ثم ذكر قصّة مسلم هنا، وقوله: «وكان يؤمّهم إيماء بن رحضة الغفاريّ»، قال: ولكن ذكر أحمد في هذا الحديث الاختلاف على رواية سليمان بن المغيرة، هل هو خُفاف بن إيماء، أوأبوه إيماء بن رحضة؟ وعلى هذا فيمكن أن يكون إسلام خفاف تقدم على إسلام أبيه، والله أعلم. وذَكَر الزبير بن بكار من حديث حكيم بن حزام أن إيماء بن رحضة حضر بدرًا مع المشركين، فيكون إسلامه بعد ذلك، وذكر ابن سعد أنه أسلم قريبًا من الحديبية، وهذا يعارض رواية مسلم، وقال ابن سعد: كان سكن غَيقة من ناحية السُّقْيَا، ويأوي إلى المدينة. انتهى . (وَكَانَ) إيماء بن رَحَضَة (سَيِّدَهُمْ)؛ أي: سيّد قبيلة غفار، (وَقَالَ نِصْفُهُمْ) الباقي: (إِذَا قَدِمَ) بكسر الدال، (رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْمَدِينَةَ أَسْلَمْنَا، فَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْمَدِينَةَ، فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمُ الْبَاقِي، وَجَاءَتْ أَسْلَمُ)؛ أي: قبيلة أسلم -بفتح الهمزة، وسكون السين، وفتح اللام - بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، قاله في «اللباب» . (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِخْوَتُنَا) يعنون غِفارًا، (نُسْلِمُ عَلَى الَّذِي أَسْلَمُوا عَلَيْهِ)؛ أي: على دين الإسلام الذي جئت به من عند الله تعالى. (فَأَسْلَمُوا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «غِفَارُ غَفَرَ اللهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللهُ») قال القرطبيّ -﵀-: إنما دعا النبيّ - ﷺ - لهاتين القبيلتين؛ لأنَّهما أسلمتا طوعًا، من غير قتال، ولا إكراه، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك خبرًا عما فعل الله بهاتين القبيلتين من المغفرة، والمسالمة لهما، وكيف ما كان فقد حصل لهما فخر السابق، وأجر اللاحق، وفيه مراعاة التجنيس في الألفاظ. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الاْولى): حديث أبي ذرّ - ﵁ - عنه هذا بهذا السياق من أفراد المصنّف. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ٦٣٣٩ و٦٣٤٠ و٦٣٤١] (٢٤٧٣)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» مختصرًا (٤٥٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ١٧٤) وفي «فضائل الصحابة» (٢٤٧٣)، و(ابن سعد) في «الطبقات» (٤/ ٢١٩ - ٢٢٢)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٧٧٣) و«الأوسط» (٣/ ١٠٨) وفي «الأحاديث الطوال» (٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٧١٣٣)، و(أبو نعيم) في «الحلية» (١/ ١٥٧ - ١٥٨) و«دلائل النبوّة» (١٩٧)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٣/ ٣٤١)، وفوائده تأتي في شرح رواية ابن عبّاس - ﵄ - التالية - إن شاء الله تعالى -. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٤٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، حَدَّثنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَة، حَدَّثنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: قُلْتُ: فَاكْفِنِي، حَتَّى أَذْهَبَ، فَأَنْظُرَ، قَالَ: نَعَمْ، وَكُنْ عَلَى حَذَرٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ شَنِفُوا لَهُ، وَتَجَهَّمُوا). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (إسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب. ٢ - (النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ) المازنيّ، أبو الحسن النحويّ البصريّ، نزيل مرو، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٤) وله اثنتان وثمانون سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٩. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (قَدْ شَنِفُوا لَهُ) بشين معجمة مفتوحة، ثم نون مكسورة، ثم فاء؛ أي: أبغضوه، ويقال: رجلٌ شَنِفٌ، مثالُ حَذِرٍ؛ أي: شانئٌ مُبْغِضٌ، قاله النوويّ . وقال المجد: شَنِف له، كفرِحَ: أبغضه، وتنكّره، فهو شَنِف، والشانف: المعرِض، وإنه لمشانف عنّا بأنفه: رافع. انتهى. وقوله: (وَتَجَهَّموا)؛ أي: قابلوه بوجوه غليظة كريهة، من الجهم، وهو الوجه الغليظ السَّمِجُ، وجَهَمه، من باب منه، وسَمِع، وتجهّمه، وتجهّم له: إذا استقبله بوجه كريه، والمراد: أن أُنيسًا لمّا أَذِن لأبي ذرّ - ﵄ - في الذهاب إلى مكة حذّره من أهلها؛ لأنه لمّا ذهب إليها أوّلًا رأى في وجوه أهلها غلظةً، وكراهية للنبيّ - ﷺ -، وأصحابه - ﵃ -، ولمن يستخبر عن شأنهم، فأشار على أبي ذرّ بأن يكون منهم على حذر؛ لئلا يصيبوه بأذاهم. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «إنهم قد شَنِفُوا له، وتَجَهَّمُوا»؛ أي: أبغضوه، وعبسوا في وجهه، والشَّنَفُ: البغض، ويُقال: رجل جهم الوجه: إذا كان غليظه، منعقده؛ كأنه يُعَبِّس وجهه لكل أحد. انتهى . [تنبيه]: رواية النضر بن شُميل عن سليمان بن المغيرة هذه لم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٤١] (. . .) - (حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَني ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، قَالَ: أنبَأَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِت، قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: يَا ابْنَ أَخِي صَلَّيْتُ سَنَتَيْنِ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: قُلْتُ: فَأَيْنَ كنْتَ تَوَجَّهُ؟ قَالَ: حَيْثُ وَجَّهَنِي اللهُ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَة، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَتَنَافَرَا إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْكُهَّان، قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ أَخِي أُنَيْسٌ يَمْدَحُهُ حَتَّى غَلَبَهُ، قَالَ: فَأَخَذْنَا صِرْمَتَهُ، فَضَمَمْنَاهَا إِلَى صِرْمَتِنَا، وَقَالَ أَيْضًا فِي حَدِيثِهِ: قَالَ: فَجَاءَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَطَافَ بِالْبَيْت، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَام، قَالَ: فَأَتيْتُهُ، فَإِنِّي لأَوَّلُ النَّاسِ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الإِسْلَام، قَالَ: قُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: «وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، مَنْ أنتَ؟»، وَفِي حَدِيثِهِ أَيْضًا: فَقَالَ: «مُنْذُ كَمْ أَنْتَ هَا هُنَا؟»، قَالَ: قُلْتُ: مُنْذُ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَفِيهِ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَتْحِفْنِي بِضِيَافَتِهِ اللَّيْلَةَ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ) تقدّم قبل باب. ٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِي) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ البصريّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أَرْطبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من أقران أيوب في العلم، والعمل، والسنّ [٥] (ت ١٥٠) على الصحيح (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٣. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (صَلَّيْتُ سَنَتَيْنِ … إلخ) تقدّم وجه الجمع بينه وبين رواية ثلاث سنين قبل حديث. وقوله: (فَأَيْنَ كُنْتَ تَوَجَّهُ؟) بفتح التاء والجيم، وفي بعض النسخ: «تُوَجِّهُ» بضمّ التاء، وكسر الجيم، وكلاهما صحيح، قاله النوويّ -﵀- . قال الجامع عفا الله عنه: «تُوجِّه» بالضبط الثاني، مضارع وَجَّهَ، بتشديد الجيم، وهو بمعنى توَجّه، يقال: وَجَّهُتُ إليك توجيهًا: بمعنى توجّهت، قاله في «القاموس» . وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ) فاعل «اقتصّ» ضمير ابن عون. وقوله: (فَتَنَافَرَا إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْكُهَّانِ)؛ أي: تحاكما. وقوله: (فَلَمْ يَزَلْ أَخِي أُنَيْسٌ يَمْدَحُهُ حَتَّى غَلَبَهُ) قال القرطبيّ -﵀-: قوله: «فلم يزل أخي أُنَيْس يمدحه حتى غلبه» كذا في رواية السِّجْزيّ وغيره، وهي واضحة؛ أي: لم يزل يُنشد شعرًا يقتضي المدح، حتى حكم له الكاهن بالغلبة على الآخر، وأنه أشعر منه، وكأنّ هذا الكاهن كان شاعرًا، فقضى بينهما بذلك، وفي رواية الْعُذْريّ: «فلم يزل أخي أنَيْس يمدحه، ويثني عليه» مكان: «حتى غلبه». قال: «فأخذنا صِرْمَته، فضَمَمْناها إلى صرمتنا»، والرواية الأُولى أَولى؛ لأنَّها أفادت معنى مناسبًا به التأم الكلام بما بعده، وهو أنه إنما أخذ صِرْمته؛ لأنَّ الكاهن قضى له بالغلبة؛ ولأن قوله: «ويثني عليه» مكرر؛ لأنَّه قد فُهم ذلك من قوله: «يمدحه»، فحَمْلُ الكلام على فائدة جديدة أَولى. وإنَّما ذكر هذا المعنى ليبيّن أن أخاه أُنَيْسًا كان شاعرًا مُفْلِقًا مُجيدًا، بحيث يُحكَم له بغلبة الشعراء، ومن كان هكذا عَلِم أنه عالم بالشعر، وأنواعه، فلما كان كذلك، وسمع القرآن، علم قطعًا أنه ليس بشعر، ولذلك قال: لقد وضعته على أنواع الشعر فلم يلتئم، فكانت هذه شهادة بأنه ليس بشعر، ولا أنه - ﷺ - شاعر، فكان ذلك تكذيبًا لمن زَعَمه من جهَّال الكفار، ومن المعاندين الفجَّار. قال القرطبيّ: وقد ظهر بين حديث عبد الله بن الصامت، وبين حديث عبد الله بن عباس تباعد، واختلاف في موضع من حديث أبي ذر هذا بحيث يبعد الجمع بينهما فيه، وذلك: أن في حديث ابن الصامت: أن أبا ذر لقي النبيّ - ﷺ - أول ما لقيه ليلًا، وهو يطوف بالكعبة، فأسلم إذ ذاك بعد أن أقام ثلاثين بين يوم وليلة، ولا زاد له؛ وإنَّما اغتذى بماء زمزم، وفي حديث ابن عباس: أنه كان له قِربة، وزاد، وأن عليًّا - ﵁ - أضافه ثلاث ليال، ثم أدخله على النبيّ - ﷺ - في بيته، فأسلم، ثم خرج، فصرخ بكلمتي الإسلام، وكل واحد من السندين صحيح، فالله أعلم أيُّ المتنين الواقع، ويَحْتَمِل أن يقال: إن أبا ذرّ لمّا لقي النبيّ - ﷺ - حول الكعبة، وأسلم، لم يعلم به إذ ذاك عليّ؛ إذ لم يكن معهم، ثم إن أبا ذرّ بقي متسترًا بحاله، إلى أن استتبعه عليّ، ثم أدخله على النبيّ - ﷺ -، فجدَّد إسلامه، فظن الراوي: أن ذلك أول إسلامه، وفي هذا الاحتمال بُعد، والله أعلم بحقيقة ذلك، قال: ولم أر من الشارحين لهذا الحديث من تنبَّه لهذا التعارض، ولا لهذا التأويل. انتهى كلام القرطبيّ -﵀-. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «ولم أر من الشارحين … إلخ» بل قد تعرّضوا للجمع بين الحديثين، وسيأتي ما قاله الحافظ -﵀- عند شرح حديث ابن عبّاس - ﵄ - التالي -إن شاء الله تعالى-. وقوله: (فَأَخَذْنَا صِرْمَتَهُ، فَضَمَمْنَاهَا إِلَى صِرْمَتِنَا) الصرمة بكسر الصاد المهملة، وسكون الراء: القطعة من الإبل ما بين العشرة إلى الأربعين، وتُصغّر على صُرَيمة، والجمع صِرَمٌ، مثلُ سِدْرة، وسِدَر . وقوله: (مُنْذُ خَمْسَ عَشْرَةَ) لا تعارض بينه وبين ما سبق: «ثلاثين بين يوم وليلة»؛ لأن التقدير: خمس عشرة ليلة بأيامها. وقوله: (أَتْحِفْنِي بِضِيَافَتِهِ اللَّيْلَةَ)؛ أي: خُصّني بها، وأكرمني بذلك، قال أهل اللغة: التحفة بإسكان الحاء، وفتحها: هو ما يُكرم به الإنسان، والفعل منه أتحفه، قاله النوويّ . ووقع في بعض النسخ: «ألحقني» بدل «أتحفني»، والظاهر أنه مصحّف منه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية ابن عون، عن حميد بن هلال هذه ساقها البزّار -﵀- في «مسنده» بسند المصنّف، فقال: (٣٩٤٦) - حدّثنا محمد بن المثنى، قال: نا ابن أبي عديّ، عن ابن عون، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذرّ قال: قال لي: يا ابن أخي صليت قبل أن ألقى رسول الله - ﷺ - ثلاث سنين، قال: قلت: فأين كنت توجه؟ قال: كنت أتوجه حيث وجَّهني الله، كنت أقوم من الليل ما شاء الله، فإذا كان من آخر الليل أَلقيت نفسي، كأني خِفَاء، وكنا مع خالنا، فقال له إنسان: إن أنيسًا يَخلُفُك في أهلك، قال: فقال له أخي أنيس: يا خالاه، أما ما صنعت من معروفك، فقد والله كدّرته، وأما نحن فلا نساكنك ببلد أنت به، قال: وكنا مع أمنا في صرمتنا، فنافر أخي أنيس رجلًا بصرمتنا، فتنافر إلى رجل من الكهان، ولم يزل أنيس يمدحه حتى غلبه، فأخذ صرمته، فضمَّها إلى صرمتنا، وانطلق أخي أنيس إلى مكة، فقال: لقد رأيت بها رجلًا إنه لأشبه الناس بك، يقال له: الصابئ، قال: قلت: حتى أذهب، فأنظر، قال: فأتيت مكة، فدنوت من إنسان، فقلت: أين هذا الذي يقال له: الصابئ؟ قال: فرفع صوته، وقال: صابي، صابي؟ قال: فرُميت، حتى تُركت كاني كذا، كلمة ذكرها ابن أبي عديّ، فانطلقت، فكنت بين مكة وأستارها، فخرجت ذات ليلة، فإذا أنا بامرأتين، تطوفان، تدعوان إسافًا ونائلة، قال: قلت: زوِّجوا إحداهما الأخرى، فقالتا: صابي، صابي، قال: قلت: أنا هَنٌ مثل خشبة في هَنِ، غير أني ما أكني، قال: فانطلقتا، فإذا هما بالنبيّ - ﷺ -، وأبي بكر، مقبلين من أسفل مكة، فقالتا: هذا صابي بين الكعبة وأستارها، فجاء النبيّ - ﷺ -، فطاف بالبيت، وصلى ركعتين خلف المقام، قال: فأتيته، قال: فإني أول الناس حيّاه بتحية الإسلام، قال: قلت: السلام عليك يا رسول الله - ﷺ -، قال: «وعليك، من أنت؟»، قلت: أنا من بني غفار، قال: فقال: «بيده كذا على وجهه»، قال: قلت: كره القومَ الذين انتميت إليهم، فذهبت أقول بيده، قال: فقال صاحبه بيده دون يدي، وكان أعلم مني، قال: فرفع يده، فقال: «منذ كم أنت ها هنا؟» قال: قلت: منذ خمس عشرة، قال: «فما كان طعامك؟» قلت: شراب زمزم، وما وجدت على كبدي سُخفة جوع، ولقد
مصادر المؤلف (٨٣)

١. «المفهم» ٦/ ٣٩٠ - ٣٩١.

٢. وفي نسخة: «فأتى الكاهن».

٣. وفي نسخة: «على أقراء الشعراء».

٤. وفي نسخة: «إذ ضرب الله على أسمختهم».

٥. وفي نسخة: «على».

٦. وفي نسخة: «من أنصارنا».

٧. «اللباب في تهذيب الأنساب» ٢/ ٣٨٧.

٨. «تفسير ابن كثير» ٢/ ٣٥٦.

٩. «المصباح المنير» ٢/ ٥٩٣.

١٠. «مشارق الأنوار» ٢/ ٤.

١١. «المفهم» ٦/ ٣٩٢.

١٢. «المصباح المنير» ١/ ٣٣٩.

١٣. «المصباح المنير» ١/ ١٤٠.

١٤. «شرح النوويّ» ١٦/ ٢٧.

١٥. «المفهم» ٦/ ٣٩٢.

١٦. «القاموس المحيط» ١/ ١٥٨٥.

١٧. «النهاية في غريب الأثر» ٤/ ٢١٤ - ٢١٥.

١٨. «المفهم» ٦/ ٣٩٢.

١٩. «الطبقات الكبرى» لابن سعد ٤/ ٢٢٢.

٢٠. «المفهم» ٦/ ٣٩٣.

٢١. راجع: «التكملة» ٥/ ٢١٣.

٢٢. «شرح النوويّ» ١٦/ ٢٨.

٢٣. «المفهم» ٦/ ٣٩٣ - ٣٩٤.

٢٤. راجع: «التكملة» ٥/ ٢١٤.

٢٥. «المفهم» ٦/ ٣٩٤.

٢٦. «شرح النوويّ» ١٦/ ٢٨.

٢٧. «المصباح المنير» ١/ ٣٣٢ - ٣٣٣.

٢٨. «لسان العرب» لابن منظور ١/ ١٠٨.

٢٩. «المصباح المنير» ٢/ ٥٦٦.

٣٠. «القاموس المحيط» ص ٩٥٠.

٣١. «المصباح المنير» ٢/ ٤٤٧ - ٤٤٨.

٣٢. «شرح النوويّ» ١٦/ ٢٨.

٣٣. «المفهم» ٦/ ٣٩٣.

٣٤. «النهاية في غريب الأثر» ٢/ ٣١٣.

٣٥. «الفتح» ٣/ ٤٩٣.

٣٦. «تاج العروس» ١/ ٧٧٤٨.

٣٧. «القاموس المحيط» ١/ ٢٢٤.

٣٨. «المصباح المنير» ١/ ٢٩٠.

٣٩. «المصباح المنير» ٢/ ٤٢٤.

٤٠. «المصباح المنير» ٢/ ٥٢٣ بزيادة يسيرة من «القاموس».

٤١. «شرح النوويّ» ١٦/ ٢٨ - ٢٩، و«المفهم» ٦/ ٣٩٤ - ٣٩٥.

٤٢. «المفهم» ٦/ ٣٩٥.

٤٣. «شرح النوويّ» ١٦/ ٢٩.

٤٤. «المفهم» ٦/ ٣٩٥.

٤٥. «معجم البلدان» لياقوت الحمويّ ١/ ١٧٠.

٤٦. «شرح النوويّ» ١٦/ ٢٩.

٤٧. «القاموس المحيط» ١/ ١٧١٣.

٤٨. «المفهم» ٦/ ٣٩٦.

٤٩. «شرح النوويّ» ١٦/ ٢٩.

٥٠. «المفهم» ٦/ ٣٩٦.

٥١. «شرح النوويّ» ١٦/ ٢٩ - ٢٣٠.

٥٢. «المفهم» ٦/ ٣٩٦.

٥٣. «شرح النوويّ» ١٦/ ٢٣٠.

٥٤. «المصباح المنير» ٢/ ٦٤٣ - ٦٤٤.

٥٥. «القاموس المحيط» ص ١١٢٨ بزيادة من «المصباح».

٥٦. «الطبقات الكبرى» لابن سعد ٤/ ٢٢٣.

٥٧. «الطبقات الكبرى» لابن سعد ٤/ ٢٢٢.

٥٨. «المفهم» ٦/ ٣٩٦ - ٣٩٧.

٥٩. «المفهم» ٦/ ٣٩٨.

٦٠. القائل: القرطبيّ -﵀-.

٦١. «المفهم» ٦/ ٣٩٧ - ٣٩٨.

٦٢. حديث صحيح.

٦٣. حديث صحيح، وقد أجاد البحث فيه الشيخ الألبانيّ -﵀- في «الصحيحة» ٢/ ٥٤٣ وأورد ما أخرجه البيهقيّ: «كان يَحمل ماء زمزم في الأداوي والقِرَب، وكان يصبّ على المرضى، ويَسقيهم»، ثم قال: صحيح، وله شاهد، ثم ذكر ذلك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.

٦٤. «الفتح» ٣/ ٤٩٣.

٦٥. «المصباح المنير» ٢/ ٤٤٢.

٦٦. «مشارق الأنوار» ٢/ ٣٠٦.

٦٧. «المصباح المنير» ١/ ٥.

٦٨. «شرح النوويّ»١٦/ ٣١.

٦٩. «المصباح المنير»١/ ٨١.

٧٠. «المصباح المنير»١/ ٢٣١.

٧١. «الطبقات الكبرى» لابن سعد ٤/ ٢٢٣ - ٢٢٤.

٧٢. «الإصابة في تمييز الصحابة» ١/ ١٦٩.

٧٣. «اللباب في تهذيب الأنساب» ١/ ٥٨.

٧٤. «المفهم» ٦/ ٣٩٩.

٧٥. «شرح النوويّ» ١٦/ ٣١ - ٣٢.

٧٦. «المفهم» ٦/ ٣٩٩.

٧٧. وفي نسخة: «يمدحه، ويُثني عليه حتى».

٧٨. وفي نسخة: «ألحقني».

٧٩. «شرح النوويّ» ١٦/ ٣٢.

٨٠. «القاموس المحيط» ص ١٣٨٤.

٨١. «المصباح المنير» ١/ ٣٣٩.

٨٢. وفي نسخة: «ألحقني».

٨٣. «شرح النوويّ» ١٦/ ٣٢.