HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٤٨٠

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالَا: حدثنا محمد بن جعفر. حدثنا شُعْبَةُ. سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! خَادِمُكَ أَنَسٌ. ادْعُ اللَّهَ لَهُ. فَقَالَ «اللَّهُمَّ! أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ. وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ».
ج ٤ ص ١٩٢٨

سلسلة الرواة

التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٦٨
[٧٣٤] فيه أن الدعاء ينفع، وفيه أن النبي ﷺ كان مجاب الدعاء، وفيه الفضيلة لأنس ﵁؛ إذ دعا له فأجيب فيه، ومنه سنة صلاة التطوع في الجماعة، ومنه أن المال الحلال محمود؛ إذ دعا به النبي ﷺ، ومنه الفضيلة في خدمة العالم، ومنه ما يجب من حفظ السر . ومن باب فضل عبد الله بن سلام
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٩ ص٤٥٨
قوله: «إن الله وضع عن المسافر الصوم، وشطر الصلاة» ، وقيل: روى ثلاثة أحاديث، لم يقع له في «الصحيحين» منها شيءٌ . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٥٢] (٢٤٨٠) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَنسٍ، عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ خَادِمُكَ أنَسٌ، ادْعُ اللهَ لَهُ، فَقَالَ: «اللهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ، وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ»). رجال هذا الإسناد: سبعةٌ: وكلّهم تقدّموا قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وأنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره، ومسلسلٌ بالتحديث والسماع، غير موضع، وأن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وفيه رواية الابن عن أمه. شرح الحديث: (عَنْ أنَسٍ) وفي رواية هشام بن زيد التالية: «سمعت أنس بن مالك»، (عَنْ أُمِّ سُلَيْم) - بضم السين المهملة، وفتح اللام - واسمها الغُميصاء، وقيل: الرُّميصاء، وَقيل غير ذلك، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى. [تنبيه]: ظاهر رواية مسلم هذه أن هذا الحديث من مسند أم سُليم، وكذا هو في رواية للبخاريّ، وكذا هو عند الترمذيّ، والإسماعيليّ، وأحمد في «مسنده». وأخرجه مسلم في الرواية التالية من رواية أبي داود الطيالسيّ بلفظ: «سمعت أنسًا يقول: قالت أمّ سُليم»، وكذا في رواية عند البخاريّ، وفي رواية له: «عن أنس: قال: قالت أمي»، وكذا هو عند الإسماعيليّ. قال الحافظ ﵀: وهذا الاختلاف لا يضرّ، فإن أنسًا - ﵁ - حضر ذلك، بدليل رواية مسلم الآتية في الباب من رواية إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس: «قال: جاءت بني أمي أم سليم إلى رسول الله - ﷺ -. . .» الحديث. انتهى . (أَنَّهَا قَالَتْ) لهذا الحديث مبدأ، وذلك ما أخرجه البخاريّ في «الصوم»، فقال: (١٩٨٢) - حدّثنا محمد بن المثنى، قال: حدّثني خالد - هو ابن الحارث - حدّثنا حميد، عن أنس - ﵁ - دخل النبيّ - ﷺ - على أم سليم، فأتته بتمر وسَمْن، قال: «أعيدوا سَمْنكم في سقائه، وتمركم في وعائه، فإني صائم»، ثم قام إلى ناحية من البيت، فصلى غير المكتوبة، فدعا لأمّ سليم، وأهل بيتها، فقالت أم سليم: يا رسول الله، إن لي خُوَيصةً، قال: «ما هي؟» قال: خادمك أنس، فما ترك خير آخرة، ولا دنيا إلا دعا لي به، قال: «اللَّهُمَّ ارزقه مالًا، وولدًا، وبارك له»، فإني لمن أكثر الأنصار مالًا، وحدّثتني ابنتي أمينة أنه دُفن لصلبي مقدم حجاج البصرة بضع وعشرون ومائة . (يَا رَسُولَ اللهِ خَادِمُكَ) مبتدأ، وفي الرواية الآتية: «خويدمك»، بالتصغير، وقوله: (أَنَسٌ) بدل، أو عطف بيان لـ «خادمك»، وقوله: (ادْعُ اللهَ لَهُ) خبر المبتدأ، وفيه وقوع الخبر جملة إنشائيّةً، وفيه خلاف، والصحيح جوازه، كما حقّقه الخضريّ في «حاشيته» على «الخلاصة» . (فَقَالَ) - ﷺ -: («اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ) قال الفيّوميّ ﵀: المَالُ: معروف، ويُذكَّر، ويؤنَّث، وهو المَالُ، وهي المَالُ، ويقال: مَالَ الرجلُ يَمَالُ مَالًا: إذا كَثُر ماله، فهو مَالٌ، وامرأة مَالَةٌ، وتَمَوَّلَ: اتخذ مالًا، ومَوَّلَهُ غيره، وقال الأزهريّ: تَمَوَّلَ مَالًا: اتخذه قِنْيَةً، فقول الفقهاء: ما يُتَمَوَّلُ؛ أي: ما يُعَدّ مالًا في العُرف، والمَالُ عند أهل البادية النعم. انتهى . وقال المجد ﵀: المالُ: ما مَلَكْتَه من كل شيءٍ، جَمْعه: أمْوالٌ، ومُلْتَ تَمالُ، ومِلْتَ، وتَمَوَّلتَ، واسْتَمَلْتَ: كثُر مالُكَ، ومَوَّلَهُ غيرُهُ، ورجُلٌ مالٌ، ومَيِّلٌ، ومَوِّلٌ: كثيرُه، وهم مالَةٌ، وما بينَ، وهي مالَةٌ، جَمْعه: مالَةٌ أيضًا، ومالاتٌ، ومُلْتُه بالضم: أعْطَيْتُه المالَ، كأمَلْتُه. انتهى . (وَوَلَدَهُ) بفتح الواو واللام، أو بضمّ، فسكون: يُطلق على الواحد، وعلى أكثر منه، قال الفيّوميّ ﵀: الوَلَدُ بفتحتين: كلُّ ما ولده شيءٌ، ويُطلق على الذكر، والأنثى، والمثنى، والمجموع، فَعَلٌ بمعنى مفعول، وهو مذكَّر، وجَمْعه: أوْلَادٌ، والوُلْدُ، وزان قُفْلٍ لغةٌ فيه، وقيس تجعل المضموم جمع المفتوح، مثل أُسْدٍ جمع أَسَدٍ. انتهى . (وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ)، وفي الرواية الآتية: «وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ»، بإفراد الضمير بتأويله بالمذكور، ولأحمد: «فيهم»، وهو ظاهر، وفي رواية ثابت الآتية عند مسلم: «فدعا لي بكل خير، وكان آخر ما دعا لي أن قال: اللَّهُمَّ أكثر ماله، وولده، وبارك له فيه»، ولم يقع في هذه الرواية التصريح بما دعا له من خير الآخرة؛ لأن المال، والولد، من خير الدنيا، وكأن بعض الرواة اختصره، ووقع في الرواية الآتية من طريق الجعد عن أنس: «فدعا لي بثلاث دعوات، قد رأيت منها اثنتين في الدنيا، وأنا أرجو الثالثة في الآخرة»، ولم يبيّنها، وهي المغفرة، كما بيَّنها سنان بن ربيعة بزيادة، وذلك فيما رواه ابن سعد بإسناد صحيح عنه، عن أنس: «قال: اللَّهُمَّ أكثر ماله، وولده، وأطل عمره، واغفر ذنبه» . زاد في الرواية الآتية: «قَالَ أَنَسٌ: فَوَاللهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ، وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْوِ الْمِائَةِ الْيَوْمَ»، وفي رواية للبخاريّ: «فإني لَمِن أكثر الأنصار مالًا، وحدّثتني ابنتي امينة أنه دُفن لِصُلبي مَقْدَم حجاج البصرة بضع وعشرون ومائة». وقوله: «فإني لمن أكثر الأنصار مالًا»، زاد أحمد في رواية ابن أبي عديّ: «وذَكر أنه لا يملك ذهبًا ولا فضةً، غير خاتمه»؛ يعني: أن ماله كان من غير النقدين، وفي رواية ثابت عند أحمد: «قال أنس: وما أصبح رجل من الأنصار أكثر مني مالًا، قال: يا ثابت، وما أملك صفراء، ولا بيضاء، إلا خاتمي». وللترمذيّ من طريق أبي خَلْدة: قال أبو العالية: «كان لأنس بستان يَحمل في السنة مرتين، وكان فيه ريحان يجيء منه ريح المسك»، ولأبي نعيم في «الحلية» من طريق حفصة بنت سيرين، عن أنس قال: وأن أرضي لتثمر في السنة مرتين، وما في البلد شيء يثمر مرتين غيرها. وقوله: «وحدّثتني ابنتي أُمينة» بالنون تصغير آمنة، «أنه دُفِن لصلبي»؛ أي: مِن وَلَدِه دون أسباطه، وأحفاده. وقوله: «مَقْدَم الحجاج البصرة» بالنصب على نزع الخافض؛ أي: من أول ما مات لي من الأولاد إلى أن قَدِمها الحجاج، ووقع ذلك صريحًا في رواية ابن أبي عديّ، ولفظه: وذَكَر أن ابنته الكبرى أُمينة أخبرته أنه دُفن لصلبه إلى مقدم الحجاج، وكان قدوم الحجاج البصرة سنة خمس وسبعين، وعُمُر أنس حينئذ نيف وثمانون سنةً، وقد عاش أنس بعد ذلك إلى سنة ثلاث، ويقال: اثنتين، ويقال: إحدى وتسعين، وقد قارب المائة. وقوله: «بضع وعشرون ومائة» في رواية ابن أبي عديّ: «نَيِّفٌ على عشرين ومائة»، وفي رواية الأنصاريّ، عن حميد عند البيهقيّ في «الدلائل»: «تسع وعشرون ومائة»، وهو عند الخطيب في «رواية الآباء عن الأبناء» من هذا الوجه بلفظ: «ثلاث وعشرون ومائة»، وفي رواية حفصة بنت سيرين: «ولقد دفنت من صلبي سوى وَلَدِ وَلَدِي خمسة وعشرين ومائة»، وفي «الحلية» أيضًا من طريق عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس: «قال: دَفنت مائة لا سِقْطًا، ولا وَلَد وَلَد». قال الحافظ ﵀: ولعل هذا الاختلاف سبب العدول إلى البضع والنيف، وفي ذِكر هذا دلالة على كثرة ما جاءه من الولد، فإن هذا القَدْر هو الذي مات منهم، وأما الذين بَقُوا، ففي رواية إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس الآتية عند مسلم: «وإن ولدي، وولد ولدي، ليتعادّون على نحو المائة»، ذكر هذا كلّه في «الفتح» . وأخرج البخاريّ في «الأدب المفرد» عن أنس قال: قالت أم سليم، وهي أم أنس: خويدمك ألا تدعو له؟ فقال: «اللَّهُمَّ أكثر ماله، وولده، وأطل حياته، واغفر له». فأما كثرة أولاده فقد مرّ آنفًا، وأما طول عمره، فقد ثبت في «الصحيح» أنه كان في الهجرة ابن تسع سنين، وكانت وفاته سنة إحدى وتسعين، فيما قيل، وقيل: سنة ثلاث، وله مائة وثلاث سنين، قاله خليفة، وهو المعتمَد، وأكثر ما قيل في سنة: إنه بلغ مائة وسبع سنين، وأقل ما قيل فيه: تسعًا وتسعين سنةً . [فائدة]: قال ابن قتيبة في «المعارف»: كان بالبصرة ثلاثة ما ماتوا حتى رأى كل واحد منهم من ولده مائة ذَكَر لِصُلبه: أبو بكرة، وأنس، وخليفة بن بدر، وزاد غيره رابعًا، وهو المهلَّب بن أبي صُفْرة ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك عن أم سُليم - ﵄ - متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ٦٣٥٢ و٦٣٥٣ و٦٣٥٤] (٢٤٨٠)، و(البخاريّ) في «الدعوات» (٦٣٣٤ و٦٣٤٤ و٦٣٧٨ و٦٣٧٩ و٦٣٨٠ و٦٣٨١)، و(الترمذيّ) في «المناقب» (٣٨٢٩)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١٩٨٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٤٣٠)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (١/ ٣٧٥ و٣٧٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٧١٧٧ و٧١٧٨ و٧١٨٦)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٣٢٣٨ و٣٢٣٩)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٢٥/ ٣٠٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٧٧)، و(ابن أبي عاصم) في «الآحاد والمثاني» (٤/ ٢٣٤ و٢٣٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ١٩٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده : ١ - (منها): بيان فضل الصحابيّ الجليل أنس بن مالك ﵀، حيث إنه وُفّق لخدمة النبيّ - ﷺ -، فنال دعوته المباركة. ٢ - (ومنها): بيان فضل أم سُليم - ﵂ - حيث إنه - ﷺ - كان يُحبّها، ويزورها في بيتها، وأجاب سؤالها لابنها أنس أن يدعو له. ٣ - (ومنها): أنه عَلَمٌ من أعلام نبوّته - ﷺ - في إجابة دعائه. ٤ - (ومنها): أن فيه دليلًا لمن يفضّل الغني على الفقير، ومن قال بتفضيل الفقير، أجاب عن هذا بأن هذا قد دعا له النبيّ - ﷺ - بأن يبارك له فيه، ومتى بورك فيه لم يكن فيه فتنة، ولم يحصل بسببه ضرر، ولا تقصير في حقّ، ولا غير ذلك من الآفات التي تتطرق إلى سائر الأغنياء، بخلاف غيره، قاله النوويّ ﵀ . ٥ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: وفيه هذا الأدب البديع، وهو أنه إذا دعا بشيء له تعلّق بالدنيا، ينبغي أن يضم إلى دعائه طلب البركة فيه، والصيانة، ونحوهما، وكان أنس وولده رحمة وخيرًا ونفعًا بلا ضرر بسبب دعاء رسول الله - ﷺ -. ٦ - (ومنها): جواز التصغير على معنى التلطف، لا التحقير، فقد قالت أم سُليم: «خُويدمك أنس». ٧ - (ومنها): تُحْفة الزائر بما حضر، بغير تكلف، حيث إنه - ﷺ - لمّا دخل على أم سُليم أتته بتمر، وسمن. ٨ - (ومنها): جواز ردّ الهدية إذا لم يشقّ ذلك على المهدي، فقد قال - ﷺ - لأم سُليم: «أعيدوا سمنكم في سقائه، وتمركم في وعائه، فإني صائم». ٩ - (ومنها): أن أخْذ من رُدّت عليه هديّته لها ليس من العَوْد في الهبة. ١٠ - (ومنها): أن فيه حفظَ الطعام، وترك التفريط فيه. ١١ - (ومنها): جبر خاطر المزور إذا لم يؤكل عنده بالدعاء له، ومشروعية الدعاء عقب الصلاة، فإنه - ﷺ - صلى غير المكتوبة، ثم دعا لأم سليم، وأهل بيتها. ١٢ - (ومنها): تقديم الصلاة أمام طلب الحاجة. ١٣ - (ومنها): الدعاء بخير الدنيا والآخرة. ١٤ - (ومنها): مشروعيّة الدعاء بكثرة المال والولد، وأن ذلك لا ينافي الخير الأخرويّ. ١٥ - (ومنها): بيان أن فَضْلَ التقلل من الدنيا يختلف باختلاف الأشخاص. ١٦ - (ومنها): استحباب زيارة الإمام بعض رعيته، ودخول بيت الرجل في غيبته؛ لأنه لم يَقُل في طرق هذه القصة: إن أبا طلحة كان حاضرًا. ١٧ - (ومنها): إيثار الولد على النفس، وحسن التلطف في السؤال، حيث آثرت أم سليم ولدها أنسًا بطلب دعاء النبيّ - ﷺ -. ١٨ - (ومنها): أن كثرة الموت في الأولاد لا ينافي إجابة الدعاء بطلب كثرتهم، ولا طلب البركة فيهم؛ لِمَا يحصل من المصيبة بموتهم، والصبر على ذلك من الثواب. ١٩ - (ومنها): أن فيه التحدثَ بنِعَم الله تعالى، وبمعجزات النبيّ - ﷺ -؛ لِمَا في إجابة دعوته من الأمر النادر، وهو اجتماع كثرة المال مع كثرة الولد، وكون بستان المدعوّ له صار يثمر مرتين في السنة، دون غيره. ٢٠ - (ومنها): أن فيه التأريخَ بالأمر الشهير، ولا يتوقف ذلك على صلاح المؤرَّخ به، حيث أرّخ أنس - ﵁ - بقدوم الحَجاج البصرة. ٢١ - (ومنها): جواز ذكر البضع فيما زاد على عقد العشر؛ خلافًا لمن قَصَره على ما قبل العشرين . ٢٢ - (ومنها): ما قاله الداوديّ: هذا الحديث يدلّ على بطلان الحديث الذي ورد: «اللَّهُمَّ من آمن بي، وصدّق ما جئت به، فأقلل له من المال والولد. . .» الحديث، قال: وكيف يصح ذلك، وهو - ﷺ - يحض على النكاح والتماس الولد؟. قال الحافظ: لا منافاة بينهما؛ لاحتمال أن يكون ورد في حصول الأمرين معًا، لكن يعكُر عليه حديث الباب، فيقال: كيف دعا لأنس، وهو خادمه بما كرهه لغيره؟ ويَحْتَمِل أن يكون مع دعائه له بذلك قَرَنه بأن لا يناله من قِبَل ذلك ضررٌ؛ لأن المعنى في كراهية اجتماع كثرة المال والولد إنما هو لِمَا يُخشَى من ذلك من الفتنة بهما، والفتنة لا يؤمَن معها الهلكة. انتهى . ٢٣ - (ومنها): ما قال القرطبيّ ﵀: قوله - ﷺ -: «اللَّهُمَّ أكثر ماله وولده» يدلُّ على إباحة الاستكثار من المال والأولاد، والعيال، لكن إذا لم يشغل ذلك عن الله تعالى، ولا عن القيام بحقوقه، لكن لمَّا كانت سلامة الدِّين مع ذلك بادرة، والفتن والآفات غالبة، تعيَّن التقلُّل من ذلك، والفرار مما هنالك، ولولا دعوة النبيّ - ﷺ - لأنس - ﵁ - بالبركة لخيفَ عليه من الإكثار الهلكة، ألا ترى: أن الله تعالى قد حذرنا من آفات الأموال والأولاد، ونبَّه على المفاسد الناشئة من ذلك فقال: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ الآية [الأنفال: ٢٨]، وصدَّر الكلام بإنما الحاصرة المحققة، فكأنه قال: لا تكون الأموال والأولاد إلا فتنة؛ يعني: في الغالب، ثم قال بعد ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤]، ووَجْه عداوتهما: أن محبَّتهما موجبة لانصراف القلوب إليهما، والسعي في تحصيل أغراضهما، واشتغالها بما غلب عليها من ذلك عما يجب عليهما من حقوق الله تعالى، ومع غلبة ذلك تذهب الأديان، ويعم الخسران، فأيُّ عداوةٍ أعظم من عداوة من يدمر دينك هذا الدمار، ويورثك عقوبة النار؟! ولذلك قال تعالى، وهو أصدق القائلين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ [المنافقون: ٩]، وقال أرباب القلوب والفهوم: ما يشغلك من أهل ومال، فهو عليك مشؤوم. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٥٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثنا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ الله، خَادِمُكَ أَنَسٌ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَهُ) فاعل «ذَكَرَ» ضمير أبي داود؛ أي: ذكر أبو داود عن شعبة نحو رواية محمد بن جعفر عنه. [تنبيه]: رواية أبي داود الطيالسيّ عن شعبة هذه ساقها أبو داود نفسه في «مسنده»، فقال: (١٩٨٧) - حدّثنا أبو داود، قال: حدّثنا شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أنسًا يقول: قالت أم سليم: يا رسول الله، ادع الله له - تعني: أنسًا - قال: «اللَّهُمَّ أكثر ماله، وولده، وبارك له فيما رزقته». انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٥٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زيدٍ، سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هِشَامُ بْنُ زَيْدِ) بن أنس بن مالك الأنصاريّ البصريّ، ثقةٌ [٥] (ع) تقدم في «الحيض» ٦/ ٧١٤. والباقون تقدموا في السند الماضي.
مصادر المؤلف (١٨)

١. حديث حسن رواه أبو داود (٢٤٠٨)، والترمذيّ (٧١٣)، والنسائيّ (٤/ ١٨٠ - ١٨٢)، وابن ماجه (١٦٦٧).

٢. «المفهم» ٦/ ٤١٠ - ٤١١.

٣. «الفتح»١٤/ ٤١٤ - ٤١٥، كتاب«الدعوات»رقم (٦٣٧٨).

٤. «صحيح البخاريّ»٢/ ٦٩٩.

٥. راجع:«حاشية الخضريّ على شرح ابن عَقِيل على الخلاصة» ١/ ٩٢.

٦. «المصباح المنير»٢/ ٥٨٦.

٧. «القاموس المحيط»١/ ١٣٦٨.

٨. «المصباح المنير»٢/ ٦٧١.

٩. «الفتح»١٤/ ٤١٠، كتاب«الدعوات»رقم (٦٣٧٨).

١٠. «الفتح» ١٤/ ٤١٠ - ٤١١، كتاب «الدعوات» رقم (٦٣٧٨).

١١. «الفتح» ١٤/ ٣٥٥ - ٣٥٦، كتاب «الدعوات» رقم (٦٣٤٤).

١٢. «الفتح» ١٤/ ٣٥٥ - ٣٥٦، كتاب «الدعوات» رقم (٦٣٤٤).

١٣. المراد: فوائد الحديث بجميع سياقاته، لا خصوص السياق الذي ساقه المصنّف هنا، بل الروايات التي أشرنا لها في الشرح داخلة فيه.

١٤. «شرح النوويّ» ١٦/ ٣٩.

١٥. راجع: «الفتح» ٥/ ٤١١ - ٤١٢، كتاب «الصوم» رقم (١٩٨٢).

١٦. «الفتح» ١٤/ ٣٤٤ - ٣٤٥، كتاب «الدعوات» رقم (٦٣٣٤).

١٧. «المفهم» ٦/ ٤١٢.

١٨. «مسند الطيالسيّ» ١/ ٢٦٧.