HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٤٩١

حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْيَمَامِيُّ. حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي كَثِيرٍ، يَزِيدَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ. فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَكْرَهُ. فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ فَتَأْبَى عَلَيَّ. فَدَعَوْتُهَا الْيَوْمَ فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ. فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اللَّهُمَّ! اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ» فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا بِدَعْوَةِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ. فَلَمَّا جِئْتُ فَصِرْتُ إِلَى الْبَابِ. فَإِذَا هُوَ مُجَافٌ. فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَمَيَّ. فَقَالَتْ: مَكَانَكَ! يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ. قَالَ فَاغْتَسَلَتْ وَلَبِسَتْ دِرْعَهَا وَعَجِلَتْ عَنْ خِمَارِهَا. فَفَتَحَتِ الْبَابَ. ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. قَالَ فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَتَيْتُهُ وَأَنَا أَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ. قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَبْشِرْ قَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَكَ وَهَدَى أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ. فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ خَيْرًا. قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُحَبِّبَنِي أَنَا وَأُمِّي إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيُحَبِّبَهُمْ إِلَيْنَا. قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اللهم! حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا - يَعْنِي أَبَا هُرَيْرَةَ - وَأُمَّهُ إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ. وَحَبِّبْ إِلَيْهِمُ الْمُؤْمِنِينَ» فَمَا خُلِقَ مُؤْمِنٌ يَسْمَعُ بِي، وَلَا يَرَانِي، إِلَّا أحبني.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص165
ج ٤ ص ١٩٣٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٩ ص٤٨٤
يامين بن يامين، ولا مانع أن تكون نزلت في الجميع. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٦١] (٢٤٨٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، قَالَ: كنْتُ بِالْمَدِينَةِ فِي نَاسٍ، فِيهِمْ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَجَاءَ رَجُلٌ فِي وَجْهِهِ أثَرٌ مِنْ خُشُوعٍ ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّة، هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّة، فَصَلَّى رَكْعَتَيْن، يَتَجَوَّزُ فِيهِمَا، ثُمَّ خَرَجَ، فَاتَّبَعْتُهُ، فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، وَدَخَلْتُ، فَتَحَدَّثْنَا، فَلَمَّا اسْتَأْنَسَ، قُلْتُ لَهُ: إِنَّكَ لَمَّا دَخَلْتَ قَبْلُ، قَالَ رَجُلٌ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: سُبْحَانَ الله، مَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ، وَسَاُحَدِّثُكَ لِمَ ذَاكَ؟ رَأَيْتُ رُؤْيَا، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَصَصْتُهَا عَلَيْه، رَأَيْتُني فِي رَوْضَةٍ - ذَكَرَ سَعَتَهَا، وَعُشْبَهَا، وَخُضْرَتَهَا - وَوَسْطَ الرَّوْضَةِ عَمُود مِنْ حَدِيدٍ، أَسْفَلُهُ فِي الأَرْض، وَأَعْلَاهُ فِي السَّمَاء، فِي أَعْلَاهُ عُرْوَةٌ، فَقِيلَ لِي: ارْقَهْ ، فَقُلْتُ لَهُ: لَا أَسْتَطِيعُ، فَجَاءَنِي مِنْصَفٌ - قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: وَالْمِنْصَفُ: الْخَادِمُ - فَقَالَ بِثِيَابِي مِنْ خَلْفِي - وَصَفَ أَنَّهُ رَفَعَهُ مِنْ خَلْفِهِ بِيَدِهِ - فَرَقِيتُ، حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَى الْعَمُود، فَأَخَذْتُ بِالْعُرْوة، فَقِيلَ لِيَ: اسْتَمْسِكْ، فَلَقَدِ اسْتَيْقَظْتُ، وَإِنَّهَا لَفِي يَدِي، فَقَصَصْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: «تِلْكَ الرَّوْضَةُ الإِسْلَامُ ، وَذَلِكَ الْعَمُودُ عَمُودُ الإِسْلَام، وَتلْكَ الْعُرْوَةُ عُرْوَةُ الْوُثْقَى، وَأَنْتَ عَلَى الإِسْلَامِ حَتَّى تَمُوتَ»، قَالَ: وَالرَّجُل: عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مُعَاذُ بْن مُعَاذِ) العنبريّ البصريّ تقدّم قريبًا. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ) البصريّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) البصريّ، تقدّم قريبًا. ٥ - (قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ) - بضم العين المهملة، وتخفيف الموحّدة - الضُّبَعيّ - بضم الضاد المعجمة، وفتح الموحّدة - أبو عبد الله البصريّ، مخضرمٌ، ثقة [٢]. قَدِم المدينة في خلافة عمر، وروى عنه، وعن عليّ، وعمار، وأبي ذرّ، وعبد الله بن سلام، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمرو، وأُبَيّ بن كعب، وغيرهم. رَوَى عنه ابنه عبد الله، وصهره عبد الله بن مطر، وابن ابنه النضرة بن عبد الله بن مطر، وأبو مِجْلَز، والحسن، وابن سيرين، وأبو نضرة العبديّ، وغيرهم، قال ابن سعد: كان ثقةً قليل الحديث، وقال العجليّ: كان ثقةً، من كبار الصالحين، وقال النسائيّ، وابن خِرَاش: ثقةٌ، وكانت له مناقب، وحِلْم، وعبادة، وذكره أبو مِخْنف عن شيوخه فيمن قتله الحَجّاج، ممن خرج مع ابن الأشعث، وذَكَره ابن حبان في «الثقات» في التابعين، وقال: إنه يشكريّ، وذَكَره ابن قانع في «معجم الصحابة»، وأورد له حديثًا مرسلًا، مات بعد الثمانين، ووَهِمَ مَن عَدَّه في الصحابة. أخرج له البخاريّ، والمصنف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط ، هذا برقم (٢٤٨٤) وأعاده بعده، وحديث (٢٧٧٩): «في أصحابي اثنا عشر منافقًا. . .» الحديث، وأعاده بعده، وحديث (٣٠٣٣): «هذان خصمان اختصموا في ربّهم. . .» الحديث. و«عبد الله بن سلام» ذُكر أول الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، فإن ابن عون تابعيّ رأى أنسًا - ﵁ -، فهو من الطبقة الخامسة من طبقة الأعمش، كما تقدّم تحقيق البحث عنه في ترجمته في «شرح المقدّمة». شرح الحديث: (عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ) بضمّ العين المهملة، وتخفيف الموحّدة، ووقع في رواية للبخاريّ: «عن محمد بن سيرين: حدّثني قيس بن عُباد». (قَالَ: كُنْتُ بالْمَدِينَةِ) النبويّة (فِي نَاسٍ)؛ أي: مع ناس، أو في جملة ناس، (فِيهِمْ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -) وفي الرواية التالية: «عن محمد بن سيرين، قال: قال قيس بن عُباد: كنت في حَلْقة فيها سعد بن مالك، وابن عمر، فمرّ عبد الله بن سلام. . .». (فَجَاءَ رَجُلٌ) هو عبد الله بن سلام رحبه، (فِي وَجْهِهِ أثَرٌ مِنْ خُشُوعٍ) وفي بعض النُّسخ: «وفي وجهه بعض أثر من خشوع»، (فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْم)، لم يُسمّوا: (هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) مكرّرًا، وفي رواية خرشة بن الحر الآتية: «كنت جالسًا في حَلْقة في مسجد المدينة، وفيها شيخ حسن الهيئة، وهو عبد الله بن سلام، فجعل يحدثهم حديثًا حسنًا، فلما قام قال القوم: من سرّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا»، وفي رواية النسائيّ: «فجاء شيخ يتوكأ على عصا له»، فذكر نحوه. ويُجْمَع بينهما بأنهما قصتان اتفقتا لرجلين، فكأنه كان في مجلس يتحدث، كما في رواية خَرَشة، فلما قام ذاهبًا مرّ على الحلقة التي فيها سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، فحضر ذلك قيس بن عُباد، كما في روايته هنا، وكلٌّ من خَرَشة وقيس اتّبَعَ عبد الله بن سلام، ودخل عليه منزلة، وسأله، فأجابه، ومن ثم اختلف الجواب بالزيادة والنقص، كما سيأتي، سواء كان زمن اجتماعهما بعبد الله بن سلام، اتحد أم تعدد، أفاده في «الفتح» . (فَصَلَّى) ذلك الرجل (رَكْعَتَيْنِ) لعلهما ركعتا تحيّة المسجد، (يَتَجَوَّزُ فِيهِمَا)؛ أي: يأتي بأقل ما يجوز فيها، يقال: تجوّزت في الصلاة: ترخّصتُ، فأتيت بأقلّ ما يكفي . [تنبيه]: هكذا وقع في بعض النُّسخ بلفظ: «فصلى ركعتين، يتجوّز فيهما»، وهي النسخة التي شرح عليها الأبّيّ، وهي النسخة الإستانبوليّة ، والمعنى عليها واضح، ووقع في نسخة «شرح النوويّ» بلفظ: «فصلى ركعتين فيها، ثم خرج»، قال النوويّ ﵀: قوله: «فصلى ركعتين فيها، ثم خرج»، وفي بعض النسخ: «فصلى ركعتين فيهما، ثم خرج»، وفي بعضها: «فصلى ركعتين، ثم خرج»، فهذه الأخيرة ظاهرة، وأما إثبات «فيها»، أو «فيهما» فهو الموجود لمعظم رواة مسلم، وفيه نقص، وتمامه ما ثبت في البخاريّ: «ركعتين تجوّز فيهما». انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «وتمامه ما ثبت في البخاري» هذا يدلّ على أن النوويّ لم تقع له النسخة التي شرح عليها الأبيّ، وتَبعْته فيها، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ خَرَجَ)؛ أي: من المسجد (فَاتَّبَعْتُهُ، فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، وَدَخَلْتُ)؛ أي: منزلة بعد الاستئذان، ففي رواية خرشة الآتية: «قال: فاستأذنت عليه، فأذن لي»، (فَتَحَدَّثْنَا، فَلَمَّا اسْتَأْنسَ)؛ أي: انبسط، يقال: استأنستُ به، تأنّستُ به: إذا سكن إليه القلب، ولم ينفر . (قُلْتُ لَهُ: إِنَّكَ) بكسر الهمزة؛ لوقعها مقول القول، (لمَّا)؛ أي: حين (دَخَلْتَ قَبْلُ) بالبناء على الضمِّ؛ لِقَطْعه عن الإضافة، ونيّة معناها؛ أي: قبل هذا الوقت. (قَالَ رَجُلٌ) لم يُعرف اسمه ، وتقدّم في الرواية الماضية بلفظ: «فقال بعض القوم»، وقوله: (كَذَا وَكَذَا) كناية عما قال، وتقدّم أنهم قالوا: «هذا رجلٌ من أهل الجنّة»، وفي رواية البخاريّ: «فقلت له: إنهم قالوا كذا وكذا»، قال في «الفتح»: وكأنه نَسب القول للجماعة، والناطقُ به واحد لِرضاهم به، وسكوتهم عليه، وفي رواية خَرَشة الآتية: «فقلت: والله لأتّبعنه، فلأعْلمنّ مكان بيته، فانطَلَق حتى كان يخرج من المدينة، ثم دخل منزلة، فاستأذنت عليه، فأذِن لي، فقال: ما حاجتك يا ابن أخي؟ فقلت: سمعت القوم يقولون»، فذكر اللفظ الماضي، وفيه: «فأعجبني أن أكون معك»، وسقطت هذه القصة في رواية النسائيّ، وعنده: «فلما قضى صلاته قلت: زعم هؤلاء». انتهى . (قَالَ) عبد الله بن سلام تعجّبًا من قولهم هذا: (سُبْحَانَ اللهِ) اسم مصدر لسبّح، قال الفيّوميّ -﵀-: سبحان الله عَلَمٌ على التسبيح، ومعناه: تنزيه الله عن كلّ سوء، وهو منصوب على المصدر، غير متصرّف؛ لجموده. انتهى . (مَا) نافية، (يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ) قال النوويّ -﵀-: هذا إنكار من عبد الله بن سلام -﵁- حيث قطعوا له بالجنة، فَيُحْمَل على أن هؤلاء بَلَغهم خبر سعد بن أبي وقاص بأن ابن سلام من أهل الجنة، ولم يَسمَع هو، ويَحْتَمِل أنه كره الثناء عليه بذلك؛ تواضعًا، وإيثارًا للخمول، وكراهةً للشهرة. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «ما ينبغي لأحد … إلخ» هذا إنكار من عبد الله بن سلام على من قَطَع له بالجنة، فكأنه ما سمع حديث سعد، وكأنهم هم سمعوه، ويَحْتَمِل أن يكون هو أيضًا سمعه، لكنَّه كَرِه الثّناء عليه بذلك تواضعًا، ويَحْتَمِل أن يكون إنكارًا منه على من سألة عن ذلك؛ لكونه فَهِم منه التعجب من خبرهم، فأخبره بأن ذلك لا عَجَب فيه بما ذكره له من قصة المنام، وأشار بذلك القول إلى أنه لا ينبغي لأحد إنكار ما لا علم له به، إذا كان الذي أخبره به من أهل الصدق، قاله في «الفتح» . ووقع في رواية خَرَشة: «فقال: الله أعلم بأهل الجنة، وسأحدثك مما قالوا ذلك؟» فذكر المنام، وهذا يقوي احتمال أنه أنكر عليهم الجزم، ولم يُنْكِر أصل الإخبار بأنه من أهل الجنة، وهذا شأن المراقب الخائف المتواضع، ووقع في رواية النسائيّ: «الجنة لله يُدخلها من يشاء»، زاد ابن ماجه من هذا الوجه: «الحمد لله». انتهى . (وَسَأُحَدِّثُكَ لِمَ ذَاكَ؟)؛ أي: لأيّ شيء قال هؤلاء ما قالوا؟ (رَأَيْتُ رُؤْيَا، عَلَى عَهْدِ رَسُول اللهِ -ﷺ-)؛ أي: في زمانه -ﷺ-، فـ «على» بمعنى «في»، (فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ)؛ أي: أخبرته -ﷺ- بتلك الرؤيا، ثم بيّن تلك الرؤيا، فقال: (رَأَيْتُنِي)؛ أي: رأيت نفسي. [تنبيه]: قوله: «رأيتني» هذا مما اتّحد فيه الفاعل والمفعول، وهو من خواصّ أفعال القلوب، قال الفيّوميّ -﵀ -: ورَأَيْتُنِي قائمًا يكون الفاعل هو المفعولَ، وهذا مختصّ بأفعال القلوب، على غير قياس، قالوا: ولا يجوز ذلك في غير أفعال القلوب، والمراد ما إذا كانا متصلين، مثل رَأَيْتُنِي، وعَلِمتُني، أما إذا كان غير ذلك، فإنه غير ممتنع بالاتفاق، نحو: أهلكَ الرجلُ نفسه، وظلمت نفسي. انتهى . وقال الخضريّ -﵀ - في «حاشيته على شرح ابن عقيل» عند تعداد خواصّ أفعال القلوب، ما حاصله: وتختصّ بجواز كون فاعلها ومفعولها ضميرين متّصلين لمسمّى واحد، كظننتني قائمًا، وخِلْتُني لي اسم، وقوله تعالى: ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٧]، وأُلْحِق بها في ذلك رأى الْحُلميّة، والبصريّة بكثرة، نحو: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، وقوله [من الكامل]: وَلَقَدْ أَرَانِي لِلرِّمَاحِ دَرِيئَةً … مِنْ عَنْ يَمِينِي تَارَةً وَأَمَامِي وعَدِمَ، وفَقَدَ، ووَجَدَ بمعنى لَقِيَ بقلّة، دون باقي الأفعال، فلا يقال: ضربتني اتّفاقًا؛ لئلا يكون الفاعل مفعولًا، بل ضربت نفسي، وظلمتُ نفسي؛ ليتغاير اللفظان، فإن ورد ما يوهمه قُدّر فيه النَّفْس، نحو: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ﴾ [مريم: ٢٥]، و﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ [القصص: ٣٢]، و﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]؛ أي: إلى نفسك، وعلى نفسك، بخلاف أفعال القلوب، فإن مفعولها في الحقيقة مضمون الجملة، لا المنصوب بها، فلا ضرر في اتّحاده مع الفاعل، ولا توضع النفس مكانه عند الجمهور، فلا يقال: ظننتُ نفسي عالمةً، وجوّزه ابن كيسان، فإن كان أحد الضميرين منفصلًا جاز في كلّ فعل، نحو: ما ضربتُ إلا إيّاي. انتهى . (فِي رَوْضَةٍ) بفتح، فسكون؛ أي: بستان، قال الفيّوميّ -﵀-: الرَّوْضَةُ: الموضع الْمُعْجِب بالزهور، يقال: نزلنا أرضًا أَرِيضَةً، قيل: سُمِّيت بذلك؛ لاستراضة المياه السائلة إليها؛ أي: لسكونها بها، وأَرَاضَ الوادي، واسْتَرَاضَ: إذا استَنقع فيه الماء، واسْتَرَاضَ: اتَّسَع، وانبسط، ومنه يقال: افعل ما دامت النفس مريضةً، وجَمْع الرَّوضة: رِياضٌ، وروْضَاتٌ بسكون الواو؛ للتخفيف، وهُذيلٌ تفتح على القياس. انتهى . وقال الكرمانيّ: يَحْتَمِل أن يراد بالروضة: جميع ما يتعلق بالدِّين، وبالعمود: الأركان الخمسة، وبالعروة الوثقى: الإيمان. انتهى. وفي «التوضيح»: والعمود دالّ على كل ما يُعتمَد عليه؛ كالقرآن، والسنن، والفقه في الدين، ومكان العمود، وصفات المنام تدلّ على تأويل الأمر، وحقيقة التعبير، وكذلك العروة: الإسلام والتوحيد، وهي العروة الوثقى، قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة: ٢٥٦]، فأخبر النبيّ -ﷺ- بأن عبد الله بن سلام يموت على الإيمان، ولِمَا في هذه الرؤيا من شواهد ذلك حَكَم له الصحابة بالجنة بحكم النَّبيّ -ﷺ- بموته على الإسلام، وقال الداوديّ: قالوا: لأنه كان بدريًّا، وفيه القطع بأن كل من مات على الإسلام والتوحيد لله دخل الجنة، وإن نالت بعضهم عقوبات. انتهى . (ذَكَرَ سَعَتَهَا)؛ أي: ذكر عبد الله بن سلام سعة تلك الروضة، والجملة في محلّ جرّ صفة لـ «روضة». (وَعُشْبَهَا) بضمّ العين المهملة، وسكون الشين المعجمة: هو الكلأ الرطب في الربيع، وعَشِبَ الموضع يَعْشَبُ، من باب تَعِبَ: نَبَت عُشْبه، وأَعْشَبَ بالألف كذلك، فهو عَاشِبٌ على تداخل اللغتين، وعَشِبَتِ الأرض، وأَعْشَبَتْ، فهي عَشِيبَةٌ، ومُعْشِبَةٌ، ومنهم من يقول: أرض عَشِبَةٌ، وعَشِيبَةٌ، ولا يقول: أَعْشَبَتْ، قاله الفيّوميّ -﵀- . (وَخُضْرَتَهَا) بضمّ، فسكون: لون معروفٌ جَمْعه: خُضَرٌ، وخُضْرٌ، والخُضْرة في الخيل: غُبْرة تُخالطها دُهْمة، قاله المجد . (وَوَسْطَ الرَّوْضَةِ) بفتح الواو، وسكون السين المهملة، قال ابنُ الأَثِيرِ -﵀-: الوَسْط بالتَّسْكِينِ يُقالُ فيِما كانَ مُتَفَرِّقَ الأَجْزَاء، غَيْرَ مُتَّصِلٍ؛ كالنّاس، والدَّوَابِّ، وغَيْرِ ذلِكَ، فإِذا كانَ مُتَّصِلَ الأَجْزَاءِ؛ كالدّار، والرَّأْسِ، فهو بالفَتْحِ، وكُلُّ ما يَصْلُحُ فِيهِ «بَيْن»، فَهُوَ بالسُّكُونِ، وما لا يَصْلُحُ فِيهِ «بَيْن» فَهُوَ بالفَتْحِ، وقِيلَ: كُلٌّ مِنْهُما يَقَعُ مَوْقِعَ الآخَر، قالَ: وكَأَنَّه الأَشْبَهُ. انتهى . وقال في «التاج»: قال الشَّيْخ أَبو مُحَمَّدِ بنِ بَرِّيّ -﵀-: اعْلَمْ أَنَّ الوَسَطَ بالتَّحْرِيكِ: اسمٌ لِمَا بَيْنَ طَرَفَي الشَّيْءِ، وهُوَ مِنْهُ؛ كقَوْلِكَ: قَبَضْتُ وَسَطَ الحَبْلِ، وكَسَرْتُ وَسَطَ الرُّمْحِ، وجَلَسْتُ وَسَطَ الدّار، قال: وجاءَ الوَسَطُ مُحَرَّكًا أَوْسَطُه على وِزانٍ نَقِيضِه في المَعْنَى، وهو الطَّرَفُ؛ لأَنَّ نَقِيضَ الشَّيْءِ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ نَظِيره في كَثِيرٍ من الأَوْزَانِ، نَحْوُ: جَوْعَان وشَبْعان، وطَوِيلٍ وقَصِير، قال: واعْلَمْ أَنَّ الوَسَطَ قَدْ يَأْتِي صِفَةً، وإِنْ كانَ أَصْلُه أَنْ يَكُونَ اسْمًا مِنْ جِهَةِ أَنَّ أَوْسَطَ الشَّيْءِ أَفْضَلُه، وخِيَارُه كوَسَطُ المَرْعَى خَيْرٌ مِنْ طَرَفَيْه، وكوَسَطُ الدَّابَّة للرُّكُوبِ خَيْرٌ من طَرَفِيْهَا؛ لِتَمَكُّنِ الرّاكِب، قال: وحَقِيقَةُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ اسْمٌ لِمَا بَيْنَ طَرَفَيِ الشَّيْءِ، وهو مِنْهُ، أَو هُمَا فِيمَا مُصْمَتٌ كالحَلْقَةِ مِنَ النَّاسِ، والسُّبْحَةِ، والعِقْد، فإذا كانَتْ أَجْزَاؤُه مُتبايِنةً فبالإِسْكَانِ فَقَط، أَو كُلُّ مَوْضِعٍ صَلَحَ فِيهِ «بَيْنَ» فهُوَ وَسْطٌ بالتَّسْكِين، وإِلَّا فبِالتَّحْرِيك، وهذا نَقَلَهُ الجَوْهَرِيّ. قال: ورُبَّمَا سُكِّنَ ولَيْسَ بالوَجْهِ. قال ابنُ بَرِّيّ: وأَمّا الوَسْطُ بسُكُونِ السِّين فهُوَ ظَرْفٌ، لا اسْمٌ، جَاءَ على وَزانِ نَظِيرِهِ في المَعْنَى، وهُوَ بَيْنَ، تَقُولُ: جَلَسْتُ وَسْطَ القَوْم؛ أي: بَيْنَهُمْ، قال: ولَمّا كانَتْ «بَيْنَ» ظَرْفًا كانت «وَسْطَ» ظَرْفًا، ولهذَا جاءَتْ سَاكِنَةَ الأَوْسَط؛ لِتَكُونَ على وِزَانِهَا، ولَمّا كانَتْ «بَيْنَ» لا تَكُونُ بَعْضًا لِمَا يُضَافُ إِلَيْهَا بخِلافِ الوَسَطِ الَّذِي هو بَعْضُ ما يُضَافُ إِلَيْه، كَذلِكَ «وَسْط» لا تكُونُ بَعْضَ ما تُضَافُ إِلَيْه، أَلا تَرَى أَنَّ وَسَطَ الدّارِ مِنْهَا، ووَسْط القَوْمِ غَيْرهم، ومِنْ ذلِكَ قَوْلُهم: وَسَطُ رَأْسِه صُلْب؛ لأَنَّ وَسَطَ الرّأْسِ بَعْضها، وتَقُولُ: وَسْطَ رَأْسِهِ دُهْنٌ. فتَنْصِبُ وَسْطَ على الظَّرْف، ولَيْسَ هو بَعْضَ الرَّأس، فقَدْ حَصَلَ لَكَ الفَرْقُ بَيْنَهُما من جِهَةِ المَعْنَى، ومِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ، أَمَّا من جِهَةِ المَعْنَى فإِنَّهَا تَلْزَمُ الظَّرْفِيَّةَ، ولَيْسَتْ باسْمٍ مُتَمَكِّنٍ يَصِحُّ رَفْعُهُ، ونَصْبُه عَلَى أَنْ يَكُونَ فاعِلًا ومَفْعُولًا، وغَيْرَ ذلِكَ، بِخلافِ الوَسَطِ. وأَمَّا من جِهَةِ اللَّفْظِ فإِنَّهُ لا يَكُونُ مِنَ الشَّيْءِ الَّذِي يُضَافُ إِلَيْه، بخِلافِ الوَسَطِ أَيْضًا. قال المرتضى بعد أن أطال التقرير في هذا، ما نصّه: وقَدِيمًا كُنْتُ أَسْمَعُ شُيُوخَنَا يَقُولُون في الفَرْقِ بَيْنَهُمَا كَلامًا شَامِلًا لِما ذَكَرُوهُ، وهو: السَّاكِنُ مُتَحَرِّكٌ، والمُتَحَرِّكُ ساكِنٌ، وما فَصَّلْناه مُدْرَجٌ تَحْتَ هذا الكامِنِ. انتهى من «التاج» باختصار . قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت الضابط المذكور، فقلت: إِذَا أَرَدتَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْوَسَطِ … مُحَرَّكًا وَبِسُكُونٍ فَاضْبِطِ فِإِنْ أَتَى بِمَعْنَى«بَيْنَ» سَكِّنَا … أَو لَا فَحَرِّكَنْ تَكُونُ مُحْسِنًا أَوْ إِنْ أَتَى مُفَرَّقَ الأَجْزَاءِ … كَالنَّاسِ سَكِّنَنْ بِلَا عَنَاءِ وَإِنْ أَتَى مُتَّصِلًا كَالرَّأْسِ … وَالدَّارِ فَافْتَحَنْ بِدُونِ بَأْسِ وَقِيلَ كُل مِنْهُمَا يَقعُ فِي … مَوْقِعِ الآخَرِ وَذَا قَدِ اصْطُفِي لِبَعْضِهِمْ فَابْنُ الأَثِيرِ قَدْ ذَكَرْ … كَأَنَّهُ الأَشْبَهُ حَقِّقِ الْخَبَرْ (عَمُودٌ) بفتح العين: جَمْعه: أعمِدةٌ، وعُمُدٌ بضمّتين، وبفتحتين، وقوله: (مِنْ حَدِيدٍ) متعلّقٌ بصفة لـ «عمود». (أَسْفَلُهُ)؛ أي: أسفل ذلك العمود، (فِي الأَرْضِ)؛ أي: غائص فيها، (وَأَعْلَاهُ فِي السَّمَاءِ)؛ أي: مرتفع إليها، وجملة «أسفله» صفة لـ «عمود» بعد صفة، أو حال منه؛ لوصفه بالجارّ والمجرور، ومثله ما بعده. (فِي أَعْلَاهُ)؛ أي: في أعلى ذلك العمود، (عُرْوَةٌ) بضمّ، فسكون، قال في «التاج»: الْعُرْوة بالضمّ من الدلو، والكوز: الْمَقْبِض، وعُرْوة القميص مَدخل زِرّه؛ كالْعُرْيِ، ويُكْسَرُ. انتهى . (فَقِيلَ لِي) لم يُعرف القائل، والله تعالى أعلم، ووقع في بعض النسخ: «فقيل له»، (ارْقَهْ) بهاء ساكنة، وهي هاء السكت، كما قال في «الخلاصة»: وَقِفْ بِهَا السَّكْتِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُعَلّ … بِحَذْفِ آخِرٍ كَ «أَعْطِ مَنْ سَأَلْ» وَلَيْسَ حَتْمًا فِي سِوَى مَا كَـ «عِ» أَوْ … كَ «يَعِ» مَجْزُومًا فَرَاعِ مَا رَعَوَا ويَحْتَمِل أن تكون الهاء ضميرًا، عائدًا على «عمود»، فتكون مضمومة، والله تعالى أعلم. (فَقُلْتُ لَهُ)؛ أي: للذي أمرني بالرقيّ على ذلك العمود: (لَا أَسْتَطِيعُ) الرُّقيّ، (فَجَاءَنِي مِنْصَفٌ) بكسر الميم، وفتحها، وسكون النون، وفتح الصاد المهملة، آخره فاء، فسّره بقوله: (قَالَ) عبد الله (بْنُ عَوْنٍ) الراوي عن محمد بن سيرين مفسّرًا للمِنصف: (وَالْمِنْصَفُ: الْخَادِمُ) وفي رواية البخاريّ: «والمِنصف الوَصِيف»، وهذا التفسير مُدرَجٌ من كلام ابن عون، كما صرّح به هنا في رواية مسلم . وقال النوويّ -﵀-: الْمِنصف بكسر الميم، وفتح الصاد، ويقال: بفتح الميم أيضًا، وقد فسّره في الحديث بالخادم، والوصيف، وهو صحيح، قالوا: هو الوصيف الصغير المُدرِك للخدمة. انتهى . وقال المجد: «المصنف كمَقْعَدٍ، ومِنْبَرٍ: الخادم، وهي بِهاء، جَمْعه: مَنَاصف». انتهى . قال: والوَصِيف كأمير: الخادم، والخادمة، جَمْعه: وُصفَاءُ؛ كالوصيفة، جَمْعه وَصَائف. انتهى . (فَقَالَ)؛ أي: أخذ (بِثِيَابِي مِنْ خَلْفِي) فرفعها حتى أتمكّن من الرقيّ، وفيه استعمال القول للفعل، وهو شائع، وقد مرّ تحقيقه غير مرّة، فلا تغفل. (وَصَفَ) عبد الله بن سلام (أَنَّهُ)؛ أي: ذلك المصنف (رَفَعَهُ)؛ أي: رفع الثوب (مِنْ خَلْفِهِ)؛ أي: خلف عبد الله، وفيه التفات، ويَحْتَمِل أن يكون فاعل «وَصَف» لابن عون، أو ابن سيرين، فعلى هذا فلا التفات. (بِيَدِهِ)؛ أي: بيد المصنف، (فَرَقِيتُ) بكسر القاف على الأفصح، ويجوز الفتح، على لغة من قال: بَقَى يبقَى، وفَنَى يفنى، وهي لغة طيّئ؛ أي: صعِدت. وقال النوويّ -﵀-: قوله: «فرقيت» بكسر القاف، على اللغة المشهورة الصحيحة، وحُكي فتحها، قال القاضي: وقد جاء بالروايتين في مسلم، والموطأ، وغيرهما في غير هذا الموضع. انتهى . (حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَى الْعَمُود، فَأخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ)؛ أي: استمسكت بها حتى لا أسقط، (فَقِيلَ لِيَ) لم يُعرف القائل. (اسْتَمْسِكْ، فَلَقَدِ اسْتَيْقَظْتُ، وَإِنَّهَا)؛ أي: العروة، (لَفِي يَدِي)؛ أي: أن الاستيقاظ كان في حال الأخذ من غير فاصلة، ولم يُرِدْ أنها بقيت في يده في حال يقظته، ولو حُمل على ظاهره لم يمتنع في قدرة الله تعالى، لكن الذي يظهر خلاف ذلك، ويَحْتَمِل أن يريد: أن أثرها بقي في يده بعد الاستيقاظ، كأن يُصبح، فيرى يده مقبوضةً . ووقع في رواية خَرَشة الآتية: «حتى أتى بي عمودًا، رأسه في السماء، وأسفله في الأرض، في أعلاه حَلْقةٌ، فقال لي: اصعَد فوق هذا، قال: قلت: كيف أصعد؟ فأخذ بيدي، فزَجَل بي -وهو بزاي، وجيم؛ أي: رفعني- فإذا أنا متعلق بالحلقة، ثم ضرب العمود، فخَرّ، وبقيت متعلقًا بالحلقة، حتى أصبحت». (فَقَصَصْتُهَا)؛ أي: هذه الرؤيا (عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ) -ﷺ-: («تِلْكَ الرَّوْضَةُ الإِسْلَامُ) وفي بعض النسخ:»تلك الروضة روضة الإسلام«، (وَذَلِكَ الْعَمُودُ عَمُودُ الإِسْلَامِ، وَتِلْكَ الْعُرْوَةُ عُرْوَةُ الْوُثْقَى) قال السمين الحلبيّ -﵀-: العُروة: موضع شدّ الأيدي، وأصل المادّة يدل على التعلّق، ومنه عَرَوته: ألممت به متعلّقًا، واعتراه الهمّ: تعلّق به، و»الوُثقى«: فُعْلى للتفضيل، تأنيث الأوثق؛ كفُضلَى تأنيث الأفضل، وجَمْعها على وُثَق، نحو كُبرى وكُبَر. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: العروة: الشيء المتعلَّق به، حبلًا كان أو غيره، ومنه عروة القميص، والدلو، وقال بعضهم: أصله من عروته: إذا ألممت به متعلقًا، واعتراه الهمُّ: تعلّق به، وقيل: من العروة: وهي شجرة تبقى على الجدب، سُمّيت بذلك؛ لأنَّ الإبل تتعلق بها إلى زمان الخصب، وتُجْمَع العروة: على عُرَى. و«الوُثقى»: الوثيقة؛ أي: القوية التي لا انقطاع فيها، ولا ضَعف، وقد أضاف العروة هنا إلى صفتها، فقال: عروة الوثقى، كما قالوا: مسجدُ الجامع، وصلاةُ الأُولى. انتهى . وقوله: (وَأَنْتَ عَلَى الإِسْلَامِ) جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي: والحال أنك ثابت على الإسلام (حَتَّى تَمُوتَ) غاية لثباته عليه. (قَالَ) قيس بن عُباد، وقال في«الفتح»: هو من قول عبد الله بن سلام، ولا مانع من أن يُخبر بذلك، ويريد نفسه، ويَحْتَمل أن يكون من كلام الراوي. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بُعد الاحتمال الأول، فالظاهر هو الاحتمال الثاني، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. (وَالرَّجُلُ)؛ أي: الذي قال في أول الحديث:«فجاء رجل في وجهه أثر من خُشوع»؛ لأن النكرة إذا أُعيدت معرفة فهي عين الأُولى، كما قال السيوطيّ -﵀- في«عقود الجمان»: ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشْتَهِرَهْ … إِذَا أَتَتْ نَكِرَةٌ مُكَرَّرَهْ تَغَايَرَا وَإِنْ يُعَرَّفْ ثَانِ … تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ شَاهِدُهَا الَّذِي رَوَيْنَا مُسْنَدَا …«لَنْ يَغْلِبَ الْيُسْرَيْنِ عُسْرٌ» أَبَدًا ثم ذَكَر تعقّب السبكي للقاعدة، فقال: وَنَقَضَ السُّبْكِيُّ ذِي بِأمْثِلَهْ … وَقَالَ ذِي قَاعِدَةٌ مُسْتَشْكَلَهْ قال الجامع عفا الله عنه متعقّبًا لكلام السبكيّ هذا: قُلْتُ وَلَا اسْتِشْكَالَ إِذْ ذِي تُحْمَلُ … عَلَى الَّذِي يَغْلِبُ إِذْ تُسْتَعْمَلُ وللعلامة الأجهوريّ -﵀- في هذا المعنى قوله: وَإِنْ يُعَدْ مُنَكَّرٌ مُنَكَّرَا … فَالثَّانِ غَيْرُ أَوَّلٍ بِلَا مِرَا وَفِي سِوَى ذَا الثَّانِ عَيْنُ الأَوَّلِ … وَتَحْتَهُ ثَلَاثَةٌ وَهْوَ جَلِي قُلْتُ وَفي «مُغْنِي اللَّبِيبِ» حَكَمَا … بِأنَّ هَذَا كُلَّهُ مَا سُلِّمَا إِذْ قَوْلُهُ ﴿فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ أَبْطَلَهْ … ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ قَدْ أَبَانَ خَلَلَهْ وَقَوْلُهُ أَيْضًا ﴿وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ … لأَنَّ رَبِّي وَاحِدٌ بِلَا اشْتِبَاهْ قال الجامع: فقلت أيضًا متعقّبًا على الأجهوريّ: قُلْتُ يُجَابُ أَنَّ هَذِي الْقَاعِدَهْ … تُبْنَى عَلَى الْغَالِبِ خُذْهَا فَائِدَهْ أَو قُل إِذَا قَرِينَةٌ لَمْ تَقْتَرِنْ … فَإِنْ بَدَتْ تَصْرِفُهَا فَلْتَسْتَبِنْ فقوله: «والرجلُ» مبتدأ خبره قوله: (عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَام) -﵁-، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن سلام -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣/ ٦٣٦١ و٦٣٦٢ و٦٣٦٣] (٢٤٨٤)، و(البخاريّ) في «مناقب الأنصار» (٣٨١٣) و«التعبير» (٧٠١٠ و٧٠١٤)، و(ابن ماجه) في «تعبير الرؤيا» (٣٩٢٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٤٥٢ - ٤٥٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٧١٦٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الصحابيّ الجليل عبد الله بن سلام -﵁-. ٢ - (ومنها): أن فيه من تعبير الرؤيا معرفةَ اختلاف الطرق، وتأويل العمود، والجبل، والروضة الخضراء، والعروة. ٣ - (ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوة أن عبد الله بن سلام لا يموت شهيدًا، فوقع كذلك، مات على فراشه في أول خلافة معاوية -﵁- بالمدينة. ٤ - (ومنها): ما نَقَل ابن التين عن الداوديّ أن القوم إنما قالوا في عبد الله بن سلام: إنه من أهل الجنة؛ لأنه كان من أهل بدر، كذا قال، وتعقّبه الحافظ، فقال: والذي أوردته من طرق القصة يدلّ على أنهم انما أخذوا ذلك من قوله لمّا ذكر طريق الشمال: «إنك لست من أهلها»، وإنما قال: ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم على سبيل التواضع، كما تقدم، وكراهة أن يُشار إليه بالأصابع؛ خشية أن يدخله العُجْب، ثم إنه ليس من أهل بدر أصلًا، والله تعالى أعلم . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٦٢] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، حَدَّثَنَا حَرَميُّ ابْنُ عُمَارَةَ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: قَالَ قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ: كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ، فِيهَا سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، وَابْنُ عُمَرَ، فَمَرَّ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ، فَقَالُوا: هَذا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَقُمْتُ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمْ قَالُوا: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: سُبْحَانَ الله، مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا مَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ، إِنَّمَا رَأَيْتُ كَأَنَّ عَمُودًا وُضِعَ فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، فَنُصِبَ فِيهَا، وَفِي رَأْسِهَا عُرْوَةٌ، وَفِي أَسْفَلِهَا مِنْصَف -وَالْمِنْصَفُ: الْوَصِيفُ- فَقِيلَ لِيَ: ارْقَهْ، فَرَقِيتُ ، حتَّى أَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ، فَقَصَصْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «يَمُوتُ عَبْدُ الله، وَهُوَ آخِذٌ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى»). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ) الْعَتَكيّ -بفتح العين المهملة، والمثناة- أبو جعفر البصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٣٤) (م د) تقدم في «الإيمان» ٦٣/ ٣٤٨. ٢ - (حَرَميُّ بْنُ عُمَارَةَ) بن أبي حفصة نابت -بنون، وموحّدة، ثم مثناة- وقيل: كالجادّة، الْعَتَكيّ البصريّ، أبو رَوْح، صدوقٌ يَهِم [٩] (ت ٢٠١) (خ م د س ق) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٣١/ ١٣٩٤. ٣ - (قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ) السَّدُوسيّ البصريّ، ثقةٌ ضابطٌ [٦] (ت ١٥٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٩. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وهو مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) الأنصاريّ البصريّ؛ أنه (قَالَ: قَالَ قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ) بضمّ العين المهملة، وتخفيف الموحّدة، وتقدّم أنه وقع في رواية: «عن محمد بن سيرين، حدّثني قيس بن عُباد». (كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ) بفتح الحاء المهملة، وسكون اللام، قال الفيّوميّ -﵀-: حَلْقَةُ الباب، بالسكون، من حديد وغيره، وحَلْقَةُ القوم: الذين يجتمعون مستديرين، والحَلْقَةُ: السلاح كله، والجمع: حَلَقٌ، بفتحتين، على غير قياس، وقال الأصمعيّ: والجمع حِلَق، بالكسر، مثل قَصْعَةٍ وقِصَعٍ، وبَدْرَةٍ وبِدَر، وحَكَى يونس عن أبي عمرو بن العلاء أن الحَلَقَةَ بالفتح لغة في السكون، وعلى هذا فالجمع بحذف الهاء قياس، مثلُ قَصَبة وقَصَبٍ، وجَمَعَ ابنُ السراج بينهما، وقال: فقالوا: حَلَقٌ، ثم خففوا الواحد حين ألحقوه الزيادة، وغُيِّر المعنى، قال: وهذا لفظ سيبويه. انتهى . وقال المجد -﵀-: وحَلْقَةُ الباب، والقوْمِ، وقد تُفْتَحُ لامُهما، وتُكْسَرُ، أوْ ليس في الكلامِ حَلَقَةٌ محرَّكةً، إلَّا جَمْعُ حالِقٍ، أو لغةٌ ضعيفةٌ، جَمْعه: حَلَقٌ محرَّكةً، وكبِدَرٍ، وحَلَقاتٌ محرَّكةً، وتُكْسَرُ الحاءُ. انتهى . (فِيهَا)؛ أي: في تلك الحلقة (سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ) هو سعد بن أبي وقّاص -﵁-، (وَ) عبد الله (بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب -﵄-. (فَمَرَّ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَام) -﵁- (فَقَالُوا)؛ أي: قال بعض الحاضرين، وتقدّم بلفظ: «فقال بعض القوم»، وبلفظ: «فقال رجل كذا وكذا». (هَذَا) إشارة إلى عبد الله بن سلام -﵁-، (رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ). قال قيس: (فَقُمْتُ) من المجلس (فَقُلْتُ لَهُ) وذلك بعدما ذهب إلى بيته، فاستأذنه، ثم دخل عليه: (إِنَّهُمْ)؛ أي: القوم الجالسين في الحلقة؛ أي: بعضهم، (قَالُوا: كَذَا وَكَذَا) كناية عن قولهم: هذا رجل من أهل الجنّة. (قَالَ) ابن سلام: (سُبْحَانَ الله، مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا مَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ، إِنَّمَا رَأَيْتُ كَأَنَّ عَمُودًا وُضِعَ فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاء، فَنُصِبَ فِيهَا) -بضم النون، وكسر الصاد المهملة، بعدها موحّدة- قال في «الفتح»: وفي رواية المستملي، والكشميهني: «قبضت» بفتح القاف، والموحّدة، بعدها ضاد معجمة ساكنة، ثم تاء المتكلم. (وَفِي رَأْسِهَا عُرْوَةٌ) ضمير المؤنّث للعمود، وهو مذكر، وكأنه أُنِّث باعتبار الدعامة، قاله في «الفتح» . (وَفِي أَسْفَلِهَا) وفي بعض النسخ: «وفي أسفله»؛ أي: أسفل العمود، (مِنْصَفٌ) تقَدم أنه بكسر الميم، وفتحها، (وَالْمِنْصَفُ: الْوَصِيفُ)؛ أي: الخادم، وتقدّم أن هذا مُدْرَج من ابن عون، وجعله في «الفتح» من ابن سيرين (فَقِيلَ لِيَ: ارْقَهْ) بهاء السكت، أو هي ضمير للعمود، (فَرَقِيتُ) وفي بعض النُّسخ: «فرقيته»، (حتَّى أَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ) وفي رواية: «فرقيت حتى كنت في أعلاها، فأخذت بالعروة، فاستمسكت، فاستيقظت، وإنَّها لفي يدي»، (فَقَصَصْتُهَا عَلَى رَسُول اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «يَمُوتُ عَبْدُ اللهِ) بن سلام (وَهُوَ)؛ أي: والحال أنه (آخِذٌ بِالْعُرْوة الْوُثْقَى»)؛ أي: ثابت على الإسلام، ومن مات على الإسلام، فهو من أهل الجنّة؛ لأن الله تعالى وعده بذلك، وهو لا يخلف الميعاد. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٦٣] (…) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ -وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ- حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا فِي حَلْقَةٍ، فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: وَفيهَا شَيْخٌ، حَسَنُ الْهَيْئَةِ، وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ، قَالَ: فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُمْ حَدِيثًا حَسَنًا، قَالَ: فَلَمَّا قَامَ قَالَ الْقَوْمُ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا، قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللهِ لأَتْبَعَنَّهُ، فَلأَعْلَمَنَّ مَكَانَ بَيْتِه، قَالَ: فَتَبِعْتُهُ، فَانْطَلَقَ حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَدِينَة، ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ، قَالَ: فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ، فَأذِنَ لِي، فَقَالَ: مَا حَاجَتُكَ يَا ابْنَ أَخِي؟، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: سَمِعْتُ الْقَوْمَ يَقُولُونَ لَكَ لَمَّا قُمْتَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا، فَأَعْجَبَنِي أَنْ أكُونَ مَعَكَ، قَالَ: اللهُ أَعْلَمُ بِأهْلِ الْجَنَّةِ، وَسَأحَدِّثُكَ مِمَّ قَالُوا ذَاكَ؟ إِنِّي بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ، إِذْ أَتَانِي رَجُلٌ، فَقَالَ لِي: قُمْ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، قَالَ: فَإذَا أَنَا بِجَوَادَّ عَنْ شِمَالِي، قَالَ: فَأخَذْتُ لآخُذَ فِيهَا، فَقَالَ لِي: لَا تَأْخُذْ فِيهَا، فَإِنَّهَا طُرُقُ أَصْحَابِ الشِّمَال، قَالَ: فَإِذَا جَوَادُّ مَنْهَجٌ عَلَى يَمِيِنِي ، فَقَالَ لِي: خُذْ هَا هُنَا، فَأَتَى بِي جَبَلًا، فَقَالَ لِي: اصْعَدْ، قَالَ: فَجَعَلْتُ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَصْعَدَ خَرَرْتُ عَلَى اسْتِي، قَالَ: حَتَّى فَعَلْتُ ذَلِكَ مِرَارًا، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ بِي، حَتَّى أَتَى بِي عَمُودًا، رَأْسُهُ فِي السَّمَاء، وَأَسْفَلُهُ فِي الأَرْضِ، فِي أَعْلَاهُ حَلْقَةٌ، فَقَالَ لِيَ: اصْعَدْ فَوْقَ هَذَا، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أصْعَدُ هَذَا، وَرَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ؟ قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدِي، فَزَجَلَ بِي، قَالَ: فَإِذَا أَنَا مُتَعَلِّقٌ بِالْحَلْقَةِ، قَالَ: ثُمَّ ضَرَبَ الْعَمُودَ، فَخَرَّ، قَالَ: وَبَقِيتُ مُتَعَلِّقًا بِالْحَلْقَةِ، حَتَّى أَصْبَحْتُ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَصَصْتُهَا عَلَيْه، فَقَالَ: «أَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي رَأَيْتَ عَنْ يَسَارِكَ، فَهِيَ طُرُقُ أَصْحَابِ الشِّمَالِ، قَالَ: وَأَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي رَأَيْتَ عَنْ يَمِينِكَ، فَهِيَ طُرُقُ أَصْحَابِ الْيَمِين، وَأَمَّا الْجَبَلُ فَهُوَ مَنْزِلُ الشُّهَدَاء، وَلَنْ تَنَالَهُ، وَأَمَّا الْعَمُودُ، فَهُوَ عَمُودُ الإِسْلَامِ، وَأمّا الْعُرْوَةُ فَهِيَ عُرْوَةُ الإِسْلَامِ، وَلَنْ تَزَالَ مُتَمَسِّكًا بِهَا حَتَّى تَمُوتَ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدَّم في الباب الماضي. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب. ٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرط، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران، تقدّم قريبًا. ٥ - (سُلَيْمَانُ بْنُ مُسْهِرٍ) الْفَزاريّ الكوفيّ، ثقةٌ [٤] ووَهِم من ذَكَره في الصحابة (م د س) تقدم في «الإيمان» ٤٨/ ٣٠١. ٦ - (خَرَشَةُ بْنُ الْحُرِّ) هو: خَرَشة -بفتحات، والشين معجمة- ابن الحر -بضم الحاء المهملة- الفزاريّ، كان يتيمًا في حِجْر عمر -﵁-، قال أبو داود: له صحبةٌ، وقال العجليّ: ثقةٌ من كبار التابعين، فيكون من الطبقة الثانية، مات سنة أربع وسبعين (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٨/ ٣٠٠. و«عبد الله بن سلام -﵁-» ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وهو مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخيه، فالأول بغلانيّ، والثاني مروزيّ، وفيه رواية صحابي عن صحابيّ، على قول من قال بصحبة خَرَشة، وإلا ففيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض. شرح الحديث: (عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ)؛ أنه (قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا فِي حَلْقَةٍ) تقدّم أنها بفتح اللام، وسكونها، (فِي مَسْجِدِ الْمَدِينة، قَالَ) خرشة: (وَفِيهَا)؛ أي: في تلك الحلقة (شَيْخٌ، حَسَنُ الْهَيْئَةِ)؛ أي: الصفة، قال الفيّوميّ -﵀-: الهيئة: الحالة الظاهرة، يقال: هاء يهوء، ويهيء هيئةً حسنةً: إذا صار إليها . (وَهُوَ)؛ أي: ذلك الشيخ (عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ) -﵁- (قَالَ) خَرَشة: (فَجَعَلَ)؛ أي: شرع، وأخذ (يُحَدِّثُهُمْ)؛ أي: القوم الحاضرين في تلك الحلقة، وهذا يخالف من سبق، وقد تقدّم الجمع بحَمْل الروايتين على واقعتين، فتنبّه. (حَدِيثًا حَسَنًا، قَالَ: فَلَمَّا قَامَ) عبد الله بن سلام (قَالَ الْقَوْمُ)؛ أي: بعضهم، (مَنْ) شرطيّة، أو موصولة مبتدأ خبره «فلينظر». (سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا)؛ أي: عبد الله بن سلام. (قَالَ) خرشة: (فَقُلْتُ: وَاللهِ لأَتْبَعَنَّهُ، فَلأَعْلَمَنَّ مَكَانَ بَيْتِهِ)؛ أي: حتى يدخل عليه، ويسأله سبب قولهم هذا. (قَالَ: فَتَبِعْتُهُ، فَانْطَلَقَ)؛ أي: ذهب (حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَدِينَةِ) كون خبر «كاد» مقترنًا بـ «أن» قليل، عكس «عسى»، كما قال في «الخلاصة»: وَكَوْنُهُ بِدُونِ «أَنْ» بَعْدَ «عَسَى» … نَزْرٌ و«كَادَ» الأَمْرُ فِيهِ عُكِسَا (ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ، قَالَ) خرشة: (فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ)؛ أي: طلبت منه الإذن في الدخول عليه، (فَأَذِنَ لِي) بكسر الذال المعجمة، (فَقَالَ) ابن سلام: (ما) استفهاميّة، (حَاجَتُكَ يَا ابْنَ أَخِي؟، قَالَ) خرشة: (فَقُلْتُ لَهُ: سَمِعْتُ الْقَوْمَ يَقُولُونَ لَكَ)؛ أي: من أجلك، (لَمَّا قُمْتَ) من الحلقة، (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا، فَأعْجَبَنِي أَنْ أَكُونَ مَعَكَ)؛ أي: حتى أسألك عن السبب. (قَالَ) ابن سلام: (اللهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ) وقد سبق أنه قال: «سبحان الله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم»، (وَسَأُحَدِّثُكَ مِمَّ قَالُوا ذَاكَ؟) «ممّ» هي «ما» الاستفهاميّة جُرّت بـ «من»، فحُذفت ألفها تخفيفًا، كما قال في «الخلاصة»: و«مَا» فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ … أَلِفُهَا وَأَوْلهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ وَلَيْسَ حَتْمًا فِي سِوَى مَا انْخَفَضَا … بِاسْمٍ كَقَوْلِكَ «اقْتِضَاءَ مَا اقْتَضَى» (إِنِّي بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ) تقدَّم البحث في «بينما»، و«بينا» غير مرّة، فلا تغفل. (إِذْ أَتَانِي رَجُلٌ) لم يُعرف، ويَحْتمل أن يكون ملَكًا، أو غيره، (فَقَالَ لِي: قُمْ، فَأخَذَ بيَدِي، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، قَالَ) ابن سلام: (فَإذَا أَنَا) «إذا» هي الفجائيّة، (بِجَوَادَّ عَنْ شِمَالِي) قال النوويّ -﵀-: الجوادّ جَمْع جادّة، وهي الطريق الْبَيِّنة المسلوكة، والمشهور فيها جوادّ بتشديد الدال، قال القاضي عياض: وقد تُخَفَّف، قاله صاحب «العين». انتهى . (قَالَ) ابن سلام: (فَأَخَذْتُ)؛ أي: شرعت (لآخُذَ فِيهَا)؛ أي: لأسير في تلك الجوادّ، (فَقَالَ لِي) ذلك الرجل: (لَا تَأْخُذْ فِيهَا، فَإِنَّهَا طُرُقُ أَصْحَابِ الشِّمَالِ)؛ أي: الكفرة، والمنافقين، وفي رواية النسائيّ: «فبينا أنا أمشي؛ إذ عَرَض لي طريق عن شمالي، فأردت أن أسلكها، فقال: إنك لست من أهلها». (قَالَ) ابن سلام: (فَإذَا جَوَادُّ مَنْهَجٌ)؛ أي: طُرُقٌ واضحة مستقيمة، والنهج: الطريق المستقيم، ونهج الأمر، وأنهج: إذا وضح، وطريق منهج، ومنهاج، ونهج؛ أي: بيّنٌ واضح، قاله النوويّ -﵀- . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «فإذا جواد منهج» الجوادّ: جمع جادّة مشدد الدال؛ وهي: الطريق، و«منهجٌ» مرفوع على الصفة؛ أي: جوادُّ ذوات منهج؛ أي: استقامة، ووضوح، والمنهج: الطريق الواضح، وكذلك: المنهاج، والنهج، وأنهج الطريقُ؛ أي: استبان، ووضح، ونهجته أنا: أوضحته، ويقال أيضًا: نهجت الطريق: إذا سلكته. انتهى . (عَلَى يَمِيِنِي) وفي بعض النسخ: «عن يميني»، (فَقَالَ لِي) الرجل: (خُذْ هَا هُنَا)؛ أي: اسلك هذا الطريق، (فَأَتَى بِي جَبَلًا)؛ أي: فلما أخذت في تلك الجهات، أوصلني إلى جبل (فَقَالَ لِي: اصْعَدْ) بفتح العين، أمرٌ مِن صَعِد يصعد، من باب تعب، لكن قال المجد: لم يُسمَع صَعِد الجبل ثلاثيًّا، وإنما هو صعّد بالتشديد، ونصّه: صَعِدَ في السلّم، كسَمِعَ، صُعُودًا، وصَعَّدَ في الجبل، وعليه تصعيدًا: رَقِيَ، ولم يُسمَع صَعِدَ فيه. انتهى . لكن أثبت الفيّوميّ: صَعِد في الجبل ثلاثيًّا على قلّة، ونصّه: وصَعِدَ في السلم، والدرجة يَصْعَدُ، من باب تَعِبَ صُعُودًا، وصَعِدْتُ السطحَ، وإليه، وصَعَّدْتُ في الجبل، بالتثقيل: إذا عَلَوْته، وصَعِدْتُ في الجبل، من باب تَعِبَ لغة قليلة. انتهى . وقال في «التاج» بعد ذكر ما تقدّم عن المجد، ما نصّه: قلت: وقَرَأَ الحَسَنُ: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾، جَعَل الصُّعُودَ في الجَبَلِ كالصُّعُودِ في السُّلَّم، وقال ابن السّكّيت: يقال: صَعِدَ في الجَبَل، وأَصْعَدَ في البلاد، وقال ابن الأَعرابيّ: صَعِدَ في الجَبَل، واستشهدَ بقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقد رَجَعِ أبو زيدٍ إلى ذلك، فقال: استوْأَرَتِ الإِبِلُ: إذا نَفَرَتْ، فَصَعِدَت في الجِبَال، ذَكرَه في الهمز، وقد أَشار في «المصباح» إلى بعضٍ من ذلك. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما ذُكر أن قوله هنا: «فقال لي: اصْعَد» فصيحٌ تشهد له الآيتان المذكورتان، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (قَالَ) ابن سلام: (فَجَعَلْتُ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَصْعَدَ خَرَرْتُ) بفتحتين، من بابي ضرب، وقعد: سقطت، (عَلَى اسْتِي) بهمزة الوصل؛ أي: دُبُري. [فائدة]: «الاست» أحد الأسماء التي تبدأ بهمزة الوصل، وقد بيّن الخضريّ في «حاشيته» قاعدة همزة الوصل، فقال ما حاصله: همزة الوصل لا تدخل على المضارع أصلًا، ولا الحرف، سوى «أل»، ولا ماضي الثلاثيّ، والرباعيّ، ولا اسمًا غير مصدر الخماسيّ، والسداسيّ، والأسماء العشرة -يعني: المذكورة في الأبيات الآتية- و«أل» الموصولة، فجملة الأسماء اثنا عشر ، لا غير. انتهى. وقد أشار ابن مالك -﵀- إلى هذا في «الخلاصة»، حيث قال: لِلْوَصْلِ هَمْزٌ سَابِقٌ لَا يَثْبُتُ … إِلَّا إِذَا ابْتُدِي بِهِ كَ «اسْتَثْبِتُوا» وَهْوَ لِفِعْلٍ مَاضٍ احْتَوَى عَلَى … أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِةٍ نَحْوُ «انْجَلَى» وَالأَمْرِ وَالْمَصْدَرِ مِنْهُ وَكَذَا … أَمْرُ الثُّلَاثِي كَـ «اخْشَ» و«امْضِ» و«انْفُذَا» وَفِي اسْم اسْتٍ ابْنٍ ابْنِمٍ سُمِعْ … وَاثْنَيْنِ وَامْرِئٍ وَتَأنِيثٍ تَبِعْ وَايْمُن هَمْزُ «أَلْ» كَذَا وَيُبْدَلُ … مَدًّا فِي الاسْتِفَهَامِ أَو يُسَهَّلُ (قَالَ) ابن سلام: (حَتَّى فَعَلْتُ ذَلِكَ)؛ أي: محاولة الصعود، (مِرَارًا، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ بِي)؛ أي: ذهب الرجلُ (حَتَّى أَتَى بِي عَمُودًا، رَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ، وَأَسْفَلُهُ فِي الأَرْضِ، فِي أَعْلَاهُ حَلْقَةٌ) تقدَّم الخلاف في ضبطها بسكون اللام، أو بفتحها، (فَقَالَ لِيَ: اصْعَدْ فَوْقَ هَذا، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْعَدُ هَذا، وَرَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ؟ قَالَ: فَأَخَذَ) الرجل (بِيَدِي، فَزَجَلَ بِي) بالزاي، والجيم؛ أي: رمى بي. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «فزجل بي» يُروى بالجيم، وبالحاء المهملة، فبالجيم: معناه: رمى، يقال: لعن الله أُمًّا زَجَلتْ به، والزَّجْلُ: إرسال الحمام، والمِزْجَل: الْمِزْراق ؛ لأنَّه يُرمى به، فأمَّا زحل: فمعناه تنحَّى، وتباعد، يقال: زحل عن مكانه زُحُولًا، وتزحَّل: تنحَّى، وتباعد، فهو زَحِلٌ، وزحيل، ورواية الجيم أَولى، وأوضح. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: ضَبْطه بالحاء المهملة أظنّه تصحيفًا؛ لأنه لا معنى له هنا، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. (قَالَ: فَإِذَا أَنَا مُتَعَلِّقٌ بِالْحَلْقَةِ) التي في أعلى العمود، (قَالَ: ثُمَّ ضَرَبَ الْعَمُودَ)؛ أي: ليسقط، (فَخَرَّ)؛ أي: سقط ذلك العمود، (قَالَ: وَبَقِيتُ) بكسر القاف على الأفصح، كما سبق. (مُتَعَلِّقًا بِالْحَلْقَةِ)، وفي رواية النسائيّ، وابن ماجه: «ثم عُرِضَت عليّ طريقٌ عن يميني، فسلكتها، حتى إذا انتهيت إلى جبل زَلْقٍ، فأخذ بيدي، فزَجَل بي، فإذا أنا على ذروته، فلم أتقارّ، ولم أتماسك، وإذا عمود من حديد في ذروته حلقة من ذهب، فأخذ بيدي، فزجل بي حتى أخذت بالعروة، فقال: استمسكتَ؟ قلت: نعم، فضرب العمود برجله، فاستمسكت بالعروة». (حَتَّى أَصْبَحْتُ)؛ أي: دخلت في الصباح، واستيقظت من نومي. (قَالَ) ابن سلام: (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ) -ﷺ-: («أَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي رَأَيْتَ عَنْ يَسَارِكَ، فَهِيَ طُرُقُ أَصْحَابِ الشِّمَالِ) من الكفرة والمنافقين الفجار. (قَالَ) -ﷺ-: (وَأَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي رَأَيْتَ عَنْ يَمِينِكَ، فَهِيَ طُرُقُ أَصْحَابِ الْيَمِينِ) من الأنبياء، والشهداء، والصالحين، (وَأَمَّا الْجَبَلُ فَهُوَ مَنْزِلُ الشُّهَدَاءِ، وَلَنْ تَنَالَهُ)؛ أي: لن تموت شهيدًا، وإنما تموت على فراشك، وهذا، وقوله -ﷺ- الآتي: »ولن تزال متمسّكًا بها حتى تموت«، من أعلام النبوّة، ومن المعجزات الظاهرة، حيث مات عبد الله سلام على فراشه، وهو متمسّك بالإسلام (وَأَمَّا الْعَمُودُ، فَهُوَ عَمُودُ الإِسْلَامِ، وَأَمَّا الْعُرْوَةُ فَهِيَ عُرْوَةُ الإِسْلَامِ، وَلَنْ تَزَالَ مُتَمَسِّكًا بِهَا) ؛ أي: بعروة الإسلام، وفي بعض النُّسخ: »به«؛ أي: بالإسلام، (حَتَّى تَمُوتَ»)؛ معناه: أنه لا يتخلّل إسلامك انحراف إلى أن تموت، وهذه منقبة عظيمة لعبد الله بن سلام -﵁-. قال القرطبيّ -﵀-: وإخباره -ﷺ- عن عبد الله بن سلام أنه لا ينال الشهادة، وأنه لا يزال على الإسلام حتى يموت، خبران عن غيب، وقعا على نحو ما أخبر؛ فإنَّ عبد الله مات بالمدينة، ملازمًا للأحوال المستقيمة، فكان ذلك من دلائل صدق رسول الله -ﷺ-. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدَّم تخريجه، وبقيّة مسائله قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٤) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ -﵁-) هو: حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عديّ بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاريّ الخزرجيّ، ثم النجاريّ، شاعر رسول الله -ﷺ-، وأمه الفريعة -بالفاء، والعين المهملة، مصغرًا- بنت خالد بن حبيش بن لوذان خزرجية أيضًا، أدركت الإسلام، فأسلمت، وبايعت، وقيل: هي أخت خالد، لا ابنته، يكنى أبا الوليد، وهي الأشهر، وأبا المضرب، وأبا الحسام، وأبا عبد الرحمن. رَوَى عن النَّبيّ -ﷺ- أحاديث، وروى عنه سعيد بن المسيِّب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعروة بن الزبير، وآخرون. قال أبو عبيدة: فُضِّل حسان بن ثابت على الشعراء بثلاث: كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبيّ -ﷺ- في أيام النبوة، وشاعر اليمن كلها في الإسلام، وكان مع ذلك جَبَانًا، وفي «الصحيحين» من طريق سعيد بن المسيِّب قال: مَرّ عمر بحسّان في المسجد، وهو ينشد، فلحظ إليه، فقال: كنت أنشد، وفيه من هو خير منك … الحديث. وأخرج أحمد من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، قال: مَرّ عمر على حسان، وهو يُنشد الشعر في المسجد، فقال: أفي مسجد رسول الله -ﷺ- تنشد الشعر؟ فقال: قد كنت أُنشد، وفيه من هو خير منك. وقال أبو داود: حدّثنا لُوَيْن ، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن هشام بن عروة، عن عائشة -﵂-؛ أن النبيّ -ﷺ- كان يضع لحسّان المنبر في المسجد، يقوم عليه قائمًا، يهجو الذين كانوا يهجون النبيّ -ﷺ-، فقال رسول الله -ﷺ-: «إن روح القدس مع حسان، ما دام ينافح عن رسول الله -ﷺ-». وروى ابن إسحاق في «المغازي» قال: حدّثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع حصن حسان بن ثابت، قالت: وكان حسان معنا فيه مع النساء، والصبيان، فمرّ بنا رجل يهوديّ، فجعل يُطيف بالحصن، فقالت له صفية: إن هذا اليهوديّ لا آمنه أن يدلّ على عوراتنا، فأنزل إليه، فاقتله، فقال: يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب، لقد عرفتِ ما أنا بصاحب هذا، قالت صفية: فلما قال ذلك، أخذت عمودًا، ونزلت من الحصن، حتى قتلت اليهوديّ، فقالت: يا حسان انزل، فاسلُبه، فقال: ما لي بسلبه من حاجة. قال الجامع عفا الله عنه: قد أنكر كثير من العلماء هذه الحكاية في جبن حسّان -﵁-، وما أحقها بالإنكار، ومما يبطلها ما قام به حسّان -﵁- من هجو قريش بقصائده المتتالية، وما ردّوا عليه في ذلك، فلم يذكروه بالجبن أصلًا، فلو كان موصوفًا به لَمَا تركوا طعنه به، بل هو أَولى ما يُطعن به الشخص في مثل ذلك، فالحقّ أن هذه الحكاية غير صحيحة، فتأمل بالإنصاف، والله تعالى أعلم. مات حسان قبل الأربعين، في قول خليفة، وقيل: سنة أربعين، وقيل: خمسين، وقيل: أربع وخمسين، وهو قول ابن هشام، حكاه عنه ابن الْبَرْقيّ، وزاد: وهو ابن عشرين ومائة سنة، أو نحوها. وذكر ابن إسحاق أن النبيّ -ﷺ- قَدِمَ المدينة، ولحسّان ستون سنة. قال الحافظ: فلعل هذا يكون على قول من قال: إنه مات سنة أربعين، بلغ مائة، أو دونها، أو في سنة خمسين، مائة وعشرة، أو سنة أربع وخمسين، مائة وأربع عشرة، والجمهور أنه عاش مائة وعشرين سنة، وقيل: عاش مائة وأربع سنين، جزم به ابن أبي خيثمة، عن المدائنيّ، وقال ابن سعد: عاش في الجاهلية ستين، وفي الإسلام ستين، ومات وهو ابن عشرين ومائة. انتهى من «الإصابة» . وقال القرطبيّ -﵀-: حسان بن ثابت بن المنذر بن عمرو بن النجار الأنصاري، يكنى: أبا الوليد، وقيل: أبا عبد الرحمن، وقيل: أبا الحسام، ويقال له: شاعر رسول الله -ﷺ-، رُوي عن عائشة -﵂-؛ أنها وصفت رسول الله -ﷺ-، فقالت: كان والله كما قال شاعره حسان بن ثابت [من الطويل]: متى يبْدُ في الدَّاجي الْبَهِيمِ جَبِينُه … يَلُحْ مِثلَ مِصباحِ الدُّجَى المُتَوَقِّدِ فمَن كانَ أَو مَن قَد يَكُونُ كَأَحْمَدٍ … نِظَامٌ لِحَقٍّ أَوْ نَكالٌ لِمُلْحِدِ قال أبو عبيدة: فَضَل حسان الشعراء بثلاث: كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبيّ -ﷺ- في النبوَّة، وشاعر اليمن كلها في الإسلام. وقال أيضًا: أجمعت العرب على أن أشعر أهل المدر: حسان بن ثابت. وقال أبو عبيدة، وأبو عمرو بن العلاء: حسان أشعر أهل الحضر. وقال الأصمعيّ: حسان أحد فحول الشعراء، فقال له أبو حاتم: تأتي له أشعارٌ ليِّنة! فقال الأصمعيّ: نُسبت له، وليست له، ولا تصح عنه. ورُوي عنه أنه قال: الشعر نَكِدٌ يقوى في الشر ويُسهل، فإذا دخل في الخير ضعف، هذا حسَّان فحل من فحول الجاهلية، فلما جاء الإسلام سقط، وقيل لحسان: لانَ شِعرُك، أو هَرِمَ شعرك في الإسلام يا أبا الحسام! فقال: إن الإسلام يحجز عن الكذب؛ يعني: أن الشعر لا يجوِّده إلا الإفراط، والتزين في الكذب، والإسلام قد منع ذلك، فقلّما يجود شعر من يتقي الكذب. وتُوفي حسان قبل الأربعين في خلافة عليّ -﵁-، وقيل: سنة خمسين، وقيل: سنة أربع وخمسين، ولم يختلفوا أنه عاش مئة وعشرين سنة، منها: ستون في الجاهلية، وستون في الإسلام، وكذلك عاش أبوه وجدُّه، وأدرك النابغة الذُّبيانيّ، والأعشى، وأنشدهما من شعره، فكلاهما استجاد شعره، وقال: إنك شاعر. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٦٤] (٢٤٨٥) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْن أَبِي عُمَرَ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ عُمَرَ مَرَّ بِحَسَّانَ، وَهُوَ يُنْشِدُ الشِّعْرَ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَحَظَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أُنْشِدُ، وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللهَ، أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «أَجِبْ عَنِّي، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ؟»، قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في السند الماضي. ٣ - (ابنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عُمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدَّم أيضًا قبل أربعة أبواب. ٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم الإمام المشهور، تقدّم قبل بابين. ٦ - (سَعِيدُ) بن الْمُسَيِّب بن حَزْن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشيّ المخزوميّ، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، من كبار [٣] اتفقوا على أن مرسلاته أصحّ المراسيل، وقال ابن المدينيّ: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين، وقد ناهز الثّمانين (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧١. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁-، تقدّم قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن المسيّب أحد الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، وأن هذا الإسناد أحد ما قيل فيه: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة -﵁-، كما أشار إليه السيوطيّ في «ألفيّة الحديث» حيث قال: وَلأَبِي هُرَيْرَةَ الزُّهْرِيُّ عَنْ … سَعِيدٍ أَو أَبُو الزِّنَادِ حَيْثُ عَنّ عَنْ أَعْرَجٍ وَقِيلَ حَمَّادٌ بِمَا … أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ لَهُ نَمَى شرح الحديث: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم (عَنْ سَعِيدِ) بن المسيّب، هكذا رواية ابن عيينة عن سعيد، عن الزهريّ، عن أبي هريرة، وهي عند البخاريّ في «بدء الخلق»، وتابعه معمر في الرواية التالية عند مسلم، وإبراهيم بن سعد، وإسماعيل بن أميّة، عند النسائيّ، ورواه البخاريّ في «الصلاة» من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف؛ أنه سمع حسّان بن ثابت، وتابعه إسحاق بن راشد، عن الزهريّ، أخرجه النسائيّ، قال في «الفتح»: وهذا من الاختلاف الذي لا يضرّ؛ لأن الزهريّ من أصحاب الحديث، فالراجح أنه عنده عنهما معًا، فكان يحدّث به تارةً عن هذا، وتارة عن هذا، وهذا من جنس الأحاديث التي يتعقبها الدارقطني على الشيخين، لكنه لم يذكره، فليُستدرك عليه. قال: وفي الإسناد نَظَر من وجه آخر، وهو على شرط التتبع أيضًا، وذلك أن لفظ رواية سعيد بن المسيِّب: «مَرّ عمرُ في المسجد، وحسان ينشد، فقال: كنت أُنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك الله …» الحديث، ورواية سعيد لهذه القصة عندهم مرسلة؛ لأنه لم يدرك زمن المرور، ولكنه يُحْمَل على أن سعيدًا سمع ذلك من أبي هريرة بعدُ، أو من حسان، أو وقع لحسان استشهاد أبي هريرة مرة أخرى، فحضر ذلك سعيد، ويقويه سياق حديث الباب -يعني: حديث البخاريّ- فإن فيه أن أبا سلمة سمع حسان يستشهد أبا هريرة، وأبو سلمة لم يُدرك زمن مرور عمر أيضًا، فإنه أصغر من سعيد، فدلّ على تعدد الاستشهاد، ويجوز أن يكون التفات حسان إلى أبي هريرة، واستشهاده به، إنما وقع متأخرًا؛ لأن «ثُمّ» لا تدلّ على الفورية، والأصل عدم التعدد، وغايته أن يكون سعيد أرسل قصة المرور، ثم سمع بعد ذلك استشهاد حسان لأبي هريرة، وهو المقصود؛ لأنه المرفوع، وهو موصول بلا تردد، والله أعلم. انتهى . (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁-؛ (أَنَّ عُمَرَ) بن الخطّاب -﵁- (مَرَّ بحَسَّانَ) بن ثابت -﵁-، وقوله: (وَهُوَ يُنْشِدُ الشِّعْرَ فِي الْمَسْجِدِ) جملة في محلّ نصب على الحال من «حسّان»، و«يُنشد» بضمّ أوله، من الإنشاد، يقال: أنشد الشعرَ: إذا قرأه. (فَلَحَظَ إِلَيْهِ) بفتح الحاء المهملة، يقال: لَحَظَه، كسمِعه، وإليه لَحْظًا، ولَحَظانًا محرّكةً: إذا نظر بمؤخِّر عينيه، وهو أشدّ التفاتًا من الشَّزْر، قاله المجد -﵀- . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «فلحظ إليه»؛ أي: أومأ إليه بعينيه أن اسكت، وهذا يدلُّ على أن عمر -﵁- كان يكره إنشاد الشعر في المسجد، وكان قد بنى رحبة خارج المسجد، وقال: من أراد أن يلغط، أو ينشد شعرًا فليخرج إلى هذه الرحبة، وقد اختُلف في ذلك، فمِن مانع مطلقًا، ومن مجيز مطلقًا، والأَولى التفصيل، وهو أن يُنظر إلى الشعر، فإنْ كان مِمَّا يقتضي الثناء على الله تعالى، أو على رسوله -ﷺ-، أو الذبَّ عنهما، كما كان شعر حسان، أو يتضمن الحضَّ على الخير، فهو حسن في المساجد، وغيرها، وما لم يكن كذلك لم يَجُز؛ لأنَّ الشعر في الغالب لا يخلو عن الفواحش، والكذب، والتزيين بالباطل، ولو سَلِم من ذلك فأقل ما فيه اللغو، والهذر، والمساجد منزهة عن ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ الآية [النور: ٣٦]، ولقوله -ﷺ-: «إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي لذكر الله، والصلاة، وقراءة القرآن» ، وقد تقدَّم هذا المعنى. انتهى . (فَقَالَ) حسّان: (قَدْ كُنْتُ أُنْشِدُ) وقوله: (وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ) جملة في محلّ نصب على الحال، وأراد به النبيّ -ﷺ-. (ثُمَّ الْتَفَتَ) حسّان (إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللهَ)؛ أي: أسألك بالله رافعًا نشيدتي؛ أي: صوتي، يقال: نشدتك الله، وبالله أنشُدك، من باب نصر: ذَكّرتك به، واستعطفتك، أو سألتك به مقسِمًا عليك، قاله الفيّوميّ -﵀- . وقال في «العمدة»: قوله: أنشدك اللهَ بفتح الهمزة، وضم الشين، معناه: سألتك بالله، قال الجوهريّ: نشدت فلانًا أنشده نَشْدًا: إذا قلت له: نشدتك الله؛ أي: سألتك بالله، كأنَّك ذكّرته إياه، فنَشَدَ؛ أي: تذكَّر، وقال ابن الأثير: يقال: نشدتك اللهَ، وأنشدك الله، وبالله، وناشدتك الله؛ أي: سألتك، وأقسمت عليك، ونشدته نِشدةً، ونِشدانًا، ومناشدةً، وتَعْدِيته إلى مفعولين، إما لأنه بمنزلة دعوتُ، حيث قالوا: نشدتك الله، وبالله، كما قالوا: دعوت زيدًا، وبزيد، أو لأنهم ضمّنوه معنى ذكرت، وأما أنشدتك بالله، فخطأ. انتهى . (أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «أجِبْ عَنِّي) وفي رواية أبي سلمة الآتية:»يا حسّان أجب عن رسول الله -ﷺ-«، والمراد بالإجابة: الردّ على الكفار الذين هجوا رسول الله -ﷺ- وأصحابه. وقال في«العمدة»: قوله:«أجب عن رسول الله -ﷺ-»، وفي رواية سعيد:«أجب عني»، ومعنى الأول: أجب الكفار عن جهة رسول الله -ﷺ-، ولفظ«جهة»مقدَّر، ويجوز أن يضمَّن«أجب»معنى ادفع، والمعنى: ادفع عن رسول الله -ﷺ-، ويَحْتَمِل أن يكون الأصل رواية سعيد، وهي:«أجب عني»، ثم نقل حسان ذلك بالمعنى، وزاد فيه لفظة:«رسول الله -ﷺ-»؛ تعظيمًا له، ويَحْتَمِل أن تكون تلك لفظة رسول الله -ﷺ- بعينه؛ لأجل المهابة، وتقويةً لداعي المأمور، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٩]، وكما يقول الخليفة: أمير المؤمنين يرسم لك؛ لأن فيه تعظيمًا له، وتقويةً للمأمور، ومهابةً، بخلاف قوله: أنا أرسم، والمراد بالإجابة: الردّ على الكفار الذين هَجَوا رسول الله -ﷺ-. انتهى . وفي التِّرمذيّ من طريق أبي الزناد، عن عروة، عن عائشة -﵂- قالت: «كان رسول الله -ﷺ- ينصب لحسان منبرًا في المسجد، فيقوم عليه، يهجو الكفار». (اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ)؛ أي: قوّه، والأيد: القوة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ الآية [الذاريات: ٤٧]؛ أي: بقوة. (بِرُوحِ الْقُدُسِ«) المراد به جبريل -﵇ - بدليل حديث البراء -﵁- عند البخاريّ بلفظ:»وجبريل معك«؛ أي: بالإلهام، والتذكير، والمعونة، قاله في»الفتح«. وقال في«العمدة»: قوله:«اللَّهُمَّ أيّده»هذا دعاء من رسول الله -ﷺ- لحسان، دعا له بالتأييد، وهو القوّة على الكفار. وقوله:«بروح القدس»الباء فيه تتعلق بقوله:«أيده»، والمراد بروح القدس هنا: جبريل -﵇ -، يدل عليه ما رواه البخاريّ أيضًا من حديث البراء -﵁- بلفظ:«وجبريل معك»، والقدس بضم القاف، والدال: بمعنى الطُّهر، وسُمّي جبريل بذلك؛ لأنه خُلق من الطُّهر، وقال كعب: القدس الرب -﷿-، ومعنى روح القدس: روح الله، وإنما سُمّي بالروح؛ لأنه يأتي بالبيان عن الله تعالى، فتحيى به الأرواح، وقيل: معنى القدس: البركة، ومن أسماء الله تعالى: القُدُّوس؛ أي: الطّاهر المنزه عن العيوب والنقائص، ومنه: الأرض المقدسة، وبيت المقدس؛ لأنه الموضع الذي يُتقدس فيه؛ أي: يُتطهر فيه من الذنوب. انتهى . (قَالَ) أبو هريرة -﵁-: (اللَّهُمَّ نَعَمْ)؛ أي: سمعته -ﷺ- يقول ذلك، وإنما أتى أبو هريرة -﵁- بقوله: «اللَّهُمَّ» تأكيدًا لكلامه، كأنه يستشهد الله تعالى على صِدْق شهادته، كأنه يقول: اللَّهُمَّ اشهد على صدق ما شهدته لحسان -﵁-، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حسّان، وأبي هريرة -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ٦٣٦٤ و٦٣٦٥ و٦٣٦٦] (٢٤٨٥)، و(البخاريّ) في «الصلاة» (٤٥٣) و«بدء الخلق» (٣٢١٢) و«الأدب» (٦١٥٢)، و(النسائيّ) في «المجتبى» (٢/ ٤٨) و«عمل اليوم والليلة» (١٧١)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١١٠٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٢٢٢)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٧١٦ و٢٠٥٠٩ و٢٠٥١٠)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٣٠٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٦٥٣)، و(الطحاويّ) في «معاني الآثار» (٤/ ٢٩٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٤٤٨ و١٠/ ٣٣٧)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٤٠٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الصحابيّ الجليل حسان بن ثابت -﵁-، حيث دعا له النَّبيّ -ﷺ- بتأييده بروح القدس. ٢ - (ومنها): أن الإمام ينبغي له الإنكار إذا رأى من أتباعه ما ظنّ أنه مُنكَر حتى يظهر له عدم كونه منكرًا. ٣ - (ومنها): أنه ينبغي للإنسان أن يُثبت دعواه بالإشهاد عليه تأكيدًا، وإن كان لا يُتّهم. ٤ - (ومنها): جواز الانتصار من الكفار، وهجوهم، قال العلماء: ينبغي أن لا يُبدأ المشركون بالسبّ والهجاء؛ مخافةً من سبِّهم الإسلام، وأهله، قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا﴾ الآية [الأنعام: ١٠٨]، ولتنزيه ألسنة المسلمين عن الفُحْش، إلا أن تدعو إلى ذلك ضرورة؛ كابتدائهم به، فيكافَؤون، كما فعل النبيّ -ﷺ-. ٥ - (ومنها): استحباب الدعاء لمن قال شعرًا ينصر به الإسلام، أو يمدح النبيّ -ﷺ-، أو القرآن، أو يثني على الله تعالى، مثل قصّة حسان -﵁-. ٦ - (ومنها): أنه يدلّ على أن الشعر الحقّ لا يحرَّم في المسجد، وإنما يحرَّم فيه ما فيه الخناء، والزور، والكلام الساقط، يدلّ عليه ما رواه الترمذيّ مصححًا من حديث عائشة -﵂-: «كان رسول الله -ﷺ- ينصب لحسان منبرًا في المسجد، فيقوم عليه، ويهجو الكفار» . وأما ما رواه ابن خزيمة في «صحيحه»، والترمذيُّ، وحسّنه، من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: «نَهَى رسول الله -ﷺ- عن تناشد الأشعار في المساجد»، وإسناده صحيح إلى عمرو، فمن يصحح نسخته يصححه، وفي المعنى عدة أحاديث، لكن في أسانيدها مقال، فالجمع بينها وبين حديث الباب أن يُحْمَل النهي على تناشد أشعار الجاهلية، والمبطلين، والمأذون فيه ما سَلِم من ذلك، وقيل: المنهيّ عنه ما إذا كان التناشد غالبًا على المسجد، حتى يتشاغل به من فيه، وأبعد أبو عبد الملك البونيّ، فأعمل أحاديث النهي، وادّعَى النسخ في حديث الإذن، ولم يُوافَق على ذلك، حكاه ابن التين عنه، قاله في «الفتح» . ٧ - (ومنها): ما قاله في «العمدة»: وقد اختَلَف العلماء أيضًا في جواز إنشاد الشعر مطلقًا، فقال الشعبيّ، وعامر بن سعد البجليّ، ومحمد بن سيرين، وسعيد بن المسيِّب، والقاسم، والثوريّ، والأوزاعيّ، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، وأبو يوسف، ومحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد: لا بأس بإنشاد الشعر الذي ليس فيه هجاء، ولا نَكْب عِرْض أحد من المسلمين، ولا فُحْش. وقال مسروق بن الأجدع، وإبراهيم النخعيّ، وسالم بن عبد الله، والحسن البصريّ، وعمرو بن شعيب: تُكره رواية الشعر، وإنشاده، واحتجوا في ذلك بحديث عمر بن الخطاب، عن رسول الله -ﷺ- قال: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خير له من أن يمتلئ شعرًا»، ورواه ابن أبي شيبة، والبزار، والطحاويّ، وروى مسلم عن سعد بن أبي وقاص، عن النبيّ -ﷺ- قال: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا يَرِيه، خير من أن يمتلئ شعرًا»، وأخرجه ابن ماجه أيضًا، وأخرجه البخاريّ، عن ابن عمر، عن النبيّ -ﷺ- نحو رواية ابن أبي شيبة، وأخرجه مسلم أيضًا، عن أبي هريرة، نحو روايته عن سعد، وأخرجه أيضًا عن أبي سعيد الخدريّ، وأخرجه الطحاويّ أيضًا عن عوف بن مالك، عن النبيّ -ﷺ-، وأخرجه الطبرانيّ أيضًا عن أبي الدرداء، عن النبيّ -ﷺ-. وأجاب الأولون عن هذا، وقالوا: إنما هذه الأحاديث وردت على خاصّ من الشعر، وهو أن يكون فيه فُحْش، وخناء، وقال البيهقيّ عن الشعبيّ: المراد به الشعر الذي هُجي به النبيّ -ﷺ-، وقال أبو عبيدة: الذي فيه عندي غير ذلك؛ لأن ما هُجي به رسول الله -ﷺ- لو كان شطر بيت لكان كفرًا، ولكن وَجْهه عندي أن يمتلئ قلبه حتى يغلب عليه، فيشغله عن القرآن، والذِّكر، قيل: فيما قاله أبو عبيدة نَظَر؛ لأن الذين هَجَوا النبيّ -ﷺ- كانوا كفارًا، وهم في حال هجوهم موصوفون بالكفر من غير هجو، غاية ما في الباب: قد زاد كفرهم وطغيانهم بهجوهم، والذي قاله الشعبي أوْجَه. وقال الطحاويّ: قال قوم: لو كان أُريدَ بذلك ما هُجي به رسول الله -ﷺ- من الشعر لم يكن لذكِر الامتلاء معنى؛ لأن قليل ذلك وكثيرة كفر، ولكن ذِكر الامتلاء يدلّ على معنى في الامتلاء، ليس فيما دونه، قالوا: فهو عندنا على الشعر الذي يملأ الجوف، فلا يكون فيه قرآن، ولا تسبيح، ولا غيره، فأما من كان في جوفه القرآن، والشعر مع ذلك، فليس ممن امتلأ جوفه شعرًا، فهو خارج من قول رسول الله -ﷺ-: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا يَرِيه خير له من أن يمتلئ شعرًا». وقال أبو عبد الملك: كان حسان ينشد الشعر في المسجد في أول الإسلام، وكذا لَعِب الحبش فيه، وكان المشركون إذ ذاك يدخلونه، فلما كمل الإسلام زال ذلك كله. قال العينيّ: أشار بذلك إلى النَّسخ، ولم يوافقه أحد على ذلك. وقوله: «قيحًا» نُصِب على التمييز، وهو الصديد الذي يسيل من الدُّمّل والجرح. وقوله: «يَرِيه» من الوَرْي، وهو الداء، يقال: ورى يوري، فهو موري: إذا أصاب جوفه الداء، وقال الجوهريّ: وروى القيح جوفه يريه وريًا: أكله، وقال قوم: معناه: حتى يصيب رِئتيه، قلت: فيه نظر. انتهى كلام العينيّ -﵀- ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. ٨ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -﵀-: قوله -ﷺ- لحسان: «أجب عني، اللَّهُمَّ أيده بروح القدس» إنما قال ذلك؛ لأنَّ نفرًا من قريش كانوا يهجون النبيّ -ﷺ- وأصحابه -﵃-، منهم: عبد الله بن الزَّبَعْرَى، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعمرو بن العاص، وضرار بن الخطاب، فقيل لعليّ: اهج عنا القوم الذين يهجوننا، فقال: إن أَذِن لي رسول الله -ﷺ- فعلت، فأُعلم بذلك رسول الله -ﷺ-، فقال رسول الله -ﷺ-: «إن عليًّا ليس عنده ما يراد من ذلك»، ثم قال: «ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله -ﷺ- أن ينصروه بألسنتهم؟» فقال حسان: أنا لها، وأخذ طرف لسانه، وقال: والله ما يسرُّني به مِقوَلٌ ما بين بصرى وصنعاء، وكان طويل اللسان، يضرب بلسانه أرنبةَ أنفه من طوله، وكان له ناصية يسدلها بين عينيه، فقال رسول الله -ﷺ-: «كيف تهجوهم وأنا منهم؟ وكيف تهجوأبا سفيان، وهو ابن عمي؟»، فقال: والله لأسلنَّك منهم كما تُسَلّ الشعرة من العجين، فقال: «ائت أبا بكر، فإنَّه أعلم بأنساب القوم منك»، فكان يمضي لأبي بكر لِيَقِفه على أنسابهم، وكان يقول: كُفَّ عن فلان، وفلانة، واذكر فلانًا، وفلانة، فجعل حسان يهجوهم، فلما سمعت قريشٌ شعر حسان قالوا: إن هذا الشعر ما غاب عنه ابن أبي قحافة، فقال حسان -﵁-[من الطويل]: أَبلِغ أَبا سُفيَانَ أنَّ مُحمْدًا … هَوَ الغُضنُ ذُو الأفنَانِ لا الواحِدُ الوَغْدُ ومَا لَكَ فِيهِم مَحتِدٌ يَعرِفونهُ … فَدُونَكَ فَالصَق مِثلَ مَا لَصِقَ القُردُ وإِنَّ سَنامَ المَجدِ في آلِ هَاشِم … بَنُو بِنتِ مَخْزُومٍ وَوَالِدُكَ العَبدُ وَمَن وَلَدَت أبنَاءُ زُهرَةَ مِنْهُمُ … كِرَامٌ وَلَم يَقرَب عَجَائِزَكَ المَجدُ وَلَستَ كَعَبَّاس وَلا كَابنِ أُمِّهِ … وَلكِن لَئِيمٌ لا يَقُومُ لَهُ زَندُ وإن امْرَءًا كَانَتَ سُمَيَّةُ أُمَّهُ … وسَمرَاءُ مَغمُوزٌ إذا بُلِغَ الجَهدُ وَأنتَ هَجِينٌ نِيطَ فِي آلِ هَاشِمٍ … كَمَا نِيطَ خَلفَ الرَّاكِبِ القَدَحُ الفَردُ الأفنان: الأغصان، واحدها: فنن. والوغد: الدنيء من الرجال، والمَحتِد: الأصل. ودونك: ظرف قُصد به الإغراء، والمغرى به محذوف تقديره: فدونك محتدك فالصق به، والعرب تغري بـ «عليك» و«إليك» و«دونك». وسنام المجد: أرْفَعُه، والمجد: الشرف. قال أبو عمر: بنت مخزوم هي فاطمة بنت عمرو بن عابد بن عمران بن مخزوم، وهي: أم أبي طالب، وعبد الله، والزبير، بني عبد المطلب. وقوله: «ومن ولدت أبناء زهرة منهم»؛ يعني: حمزة وصفية، أمهما: هالة ابنة أهيب بن عبد مناف بن زهرة، والعباس: هو ابن عبد المطلب، وابن أمه: شقيقه ضرار بن عبد المطلب، أمهما نسيبة: امرأة من النمر بن قاسط. وسميَّة: أم أبي سفيان، وسمراء: أم أبيه. واللؤم: اسم للبخل، ودناءة الأفعال والآباء. والمغموز: المعيب المطعون فيه، والهجين: من كانت أمه دنية، والمقرف: من كان أبوه دنيًّا. ونيط: أُلصق وعُلِّق، والقَدَح: يعني به: قدح الراكب الذي يكون تعليقه بعد إكمال وَقْر البعير؛ لأنَّه لا يُحفل به. ومنه الحديث: «لا تجعلوني كقدح الراكب» . انتهى، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٦٥] (. . .) - (حَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ؛ أَنَّ حَسَّانَ قَالَ فِي حَلْقَةٍ، فِيهِمْ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنْشُدُكَ اللهَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-؟ فَذَكَرَ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم قبل بابين. ٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضًا قبل بابين. ٤ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضًا قبل بابين. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية معمر عن الزهري هذه ساقها عبد الرزّاق -﵀- في «مصنّفه»، فقال: (٢٠٥٠٩) - أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن ابن المسيِّب؛ أن حسان بن ثابت كان في حلقة فيهم أبو هريرة، فقال: أنشدك الله يا أبا هريرة أسمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «أجب عني أيدك الله بروح القدس»؟ فقال: «اللَّهُمَّ نعم». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٦٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِميُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَان، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ، يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ: أَنْشُدُكَ اللهَ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: «يَا حَسَّانُ أَجِبْ عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ؟»، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) الحافظ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الحمصيّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (شُعَيْبُ) بن أبي حمزة الحمصيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ [٣] مات سنة أربع وتسعين، أوأربع ومائة، وكان مولده سنة بضع وعشرين (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٣. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ)؛ أي: يطلب منه الشهادة، ومحل الجملة النصب على الحال من حسان. [فإن قيل]: لا بدّ في الشهادة من نِصَاب، فكيف ثبت غرض حسان بشهادة أبي هريرة -﵁- فقط؟. [أجيب]: بأن هذه رواية حكم شرعيّ، ويكتفى فيها عدل واحد، وأطلق الشهادة على سبيل التجوز؛ لأنه في الحقيقة إخبار، فيكفي فيه عدل واحد، كما بُيِّن ذلك في موضعه، قاله في «العمدة» . والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٦٧] (٢٤٨٦) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ -وَهُوَ: ابْنُ ثَابِتٍ- قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: «اهْجُهُمْ، أَو هَاجِهِمْ، وَجِبْرِيلُ مَعَكَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ، تقدَّم قريبًا. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ العنبريّ البصريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام الشهير، تقدّم قبل باب. ٤ - (عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريّ الكوفيّ، ثقةٌ رُمي بالتشيع [٤] (ت ١١٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٤. ٥ - (الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبِ) بن الحارث بن عبديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ، نزل الكوفة، استُصغر يوم بدر، وكان هو وابن عمر لِدَةً، مات سنة اثنتين وسبعين (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٤. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالبصريين إلى عديّ، وهو والبراء -﵁- كوفيّان. [فائدة]: قوله: «وهو ابن ثابت»، إنما لم يقل: «عديّ بن ثابت»، بل زاد لفظ: «وهو» إشارةً إلى القاعدة المشهورة عند المحدّثين، وهي التي ذكرها النوويّ -﵀- في «تقريبه»، فقال مع «شرحه»: ليس له أن يزيد في نَسَب غير شيخه، من رجال الإسناد، أو صِفَته مُدرِجًا ذلك، حيث اقتصر شيخه على بعضه، إلا أن يميّزه، فيقول مثلًا: هو ابن فلان الفلانيّ؛ أو يعني: ابن فلان، ونحوه، فيجوز، فَعَلَ ذلك أحمد، وغيره، فإن ذَكر شيخه نَسَب شيخه بتمامه في أول حديث، ثم اقتصر في باقي أحاديث الكتاب على اسمه، أو بعض نَسَبه، فقد حَكَى الخطيب عن أكثر العلماء جواز روايته تلك الأحاديث مفصولة عن الحديث الأول، مستوفيًا نَسَب شيخ شيخه، وحُكي عن بعضهم أن الأَولى فيه أيضًا أن يقول: يعني: بن فلان، وحُكي عن علي ابن المدينيّ وغيره؛ كشيخه أبي بكر الأصبهاني الحافظ أنه يقول: حدّثني شيخي أن فلان ابن فلان حدّثه، وحُكي عن بعضهم أنه يقول: أنا فلان، هو ابن فلان، واستحبه؛ أي: هذا الأخير الخطيب؛ لأن لفظ «أَنّ» استعملهما قوم في الإجازة، قال ابن الصلاح: وكلّه جائزٌ، والأَولى أن يقول: هو ابن فلان؛ أو يعني: ابن فلان، ثم قوله: «أن فلان ابن فلان»، ثم أن يذكره بكماله، من غير فصل. انتهى . وإلى هذا أشار السيوطيّ في «ألفيّة الحديث» حيث قال: وَلَا تَزِدْ فِي نَسَبٍ أَو وَصْفِ مَنْ … فَوْقَ شُيُوخٍ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ بِنَحْوِ «يَعْنِي» أَو بـ «أَنَّ» أَو بِـ «هُو» … أَمَّا إِذَا أَتَمَّهُ أَوَّلَهُ أَجِزْهُ فِي الْبَاقِي لَدَى الْجُمْهُورِ … وَالْفَصْلُ أَوْلَى قَاصِرَ الْمَذْكُورِ شرح الحديث: (عَنْ عَدِيٍّ -وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ-) تقدَّم نكتة زيادة «وهو» آنفًا، فلا تغفل. (قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ابْنَ عَازِبٍ) -﵄- (قَالَ) وفي نسخة: «يقول»: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ) -﵁- («اهْجُهُمْ) أمْر من هجا يهجو هَجْوًا، وهو نقيض المدح، وقال ابن الجوزيّ: الهجاء ذِكر المعايب . (أَو هَاجِهِمْ) شكّ من الراوي، من المهاجاة، ومعناه جازهم بهجوهم، بالشك، قاله في»العمدة«، وقاله في»الفتح«: والثاني أخصّ من الأول؛ يعني: أن المهاجاة أخصّ من الهجو؛ لأنه بمقابلة هجوهم، بخلاف الهجو، فهو أعمّ. (وَجِبْرِيلُ مَعَكَ»)؛ يعني: يؤيدك، ويعينك عليه. وقال في «العمدة»: قوله: «اهجُهم» أمْر من الهجو، وهو خلاف المدح، يقال: هَجَوته هَجْوًا، وهِجاءً، وتهجاء: وقع فيه بالشِّعر، وسبّه، وعابه، وقوله: «أو هاجهم» شك من الراوي، وهو أمر من المهاجاة، من باب المفاعلة الدالّ على الاشتراك في الهجو، والضمير المنصوب فيه يرجع إلى المشركين، بدلالة القرينة، والواو في: «وجبريل معك» للحال. انتهى . [تنبيه]: بيَّن البخاريّ -﵀ - في روايته وقت أمر النبيّ -ﷺ- حسان بالهجو، فقال بعد إخراجه عن طريق شعبة، عن عديّ بلفظ مسلم ما نصّه: وزاد إبراهيم بن طهمان، عن الشيبانيّ، عن عديّ بن ثابت، عن البراء بن عازب، قال: قال رسول الله -ﷺ- يوم قُريظة لحسّان بن ثابت: «اهجُ المشركين، فإن جبريل معك». انتهى. قال في «الفتح»: قوله: «وزاد إبراهيم بن طهمان» وَصَله النسائيّ، وإسناده على شرط البخاريّ، وأبو إسحاق هو الشيبانيّ، واسمه سليمان، وزيادته في هذا الحديث معيِّنة أن الأمر له بذلك وقع يوم قريظة، ووقع في حديث جابر -﵁- عند ابن مردويه: «لمّا كان يومُ الأحزاب، ورَدَّهم الله بغيظهم، قال النبيّ -ﷺ-: من يحمي أعراض المسلمين؟ فقام كعب، وابن رواحة، وحسان، فقال لحسان: اهجُهم أنت، فإنه سيعينك عليهم روح القدس»، فهذا يؤيد زيادة الشيباني المذكورة، فإن يوم بني قريظة مسبَّب عن يوم الأحزاب، والله أعلم، ولا مانع أن يتعدد وقوع الأمر له بذلك. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث البراء بن عازب -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ٦٣٦٧ و٦٣٦٨] (٢٤٨٦)، و(البخاريّ) في «بدء الخلق» (٣٢١٣) و«المغازي» (٤١٢٣ و٤١٢٤) و«الأدب» (٦١٥٣)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٣/ ٤٩٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٢٩٩ و٣٠٢)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٣/ ٥٥٦)، و(الطبريّ) في «تهذيب الآثار» (٢٦٧٧)، و(الطحاويّ) في «معاني الآثار» (٤/ ٢٩٩)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٤/ ٤١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١٠/ ٢٣٧ و٢٣٨)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٦٨] (. . .) - (حَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ الحافظ الشهير، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب، والبابين الماضيين، و«أبو بكر بن نافع» هو: محمد بن أحمد بن نافع، و«غُندر» هو: محمد بن جعفر المذكور في السند الثاني، و«عبد الرحمن» في الموضعين هو: ابن مهديّ. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ … إلخ) هكذا النُّسخ بضمير الجمع مع أن المذكور اثنان، وهما عبد الرحمن بن مهديّ، وغُندر، وإطلاق ضمير الجماعة على الاثنين صحيح على مذهب من يقول: إن أقلّ الجمع اثنان، وقد تقدّم أنه المذهب المختار، كما في قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] بعد قوله: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ الآية [الأنبياء: ٧٨]، وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، وغير ذلك، وأما تغليط الرواية مع صحة الوجه، كما سلكه بعض الشرّاح ، فممَّا لا يُلتفت إليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية محمد بن جعفر عن شعبة، ساقها أحمد -﵀- في «مسنده» مقرونًا ببهز، فقال: (١٤٥٦) - حدّثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عديّ بن ثابت، قال: سمعت البراء يحدّث؛ أن رسول الله -ﷺ- قال لحسان بن ثابت: «هاجهم، أو اهجهم، وجبريل معك». انتهى . وأما رواية عبد الرحمن بن مهديّ، فلم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٦٩] (٢٤٨٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ كَانَ مِمَّنْ كَثَّرَ عَلَى عَائِشَةَ، فَسَبَبْتُهُ، فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي دَعْهُ، فَإنَّهُ كانَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هِشَامُ) بن عروة المدنيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير المدنيّ الفقيه، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين -﵂-، تقدّمت أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا قبل ثلاثة أبواب، و«أبو بكر بن أبي شيبة» هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، و«أبو كريب» هو: محمد بن العلاء، و«أبو أسامة» هو: حمّاد بن أسامة. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من هشام، والباقون كوفيّون، وأن شيخه أبا كريب من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، وأن فيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، ورواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة -﵂- من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ هِشَامِ) بن عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير؛ (أَنَّ حَسانَ بْنَ ثَابِتٍ) -﵁- (كَانَ مِمَّنْ كَثَّرَ) بتشديد الثاء المثلّثة: من التكثير؛ أي: أكثر في الطعن (عَلَى عَائِشَةَ) -﵂- في قصّة الإفك على ما هو المشهور، وسيأتي ما فيه. (فَسَبَبْتُهُ)؛ أي: شتمته، وعيّرته بذلك، (فَقَالَتْ) عائشة -﵂-: (يَا ابْنَ أُخْتِي) أسماء بنت أبي بكر الصدّيق -﵃-، (دَعْهُ)؛ أي: اترك سبّه، (فَإِنَّهُ) الفاء تعليليّة؛ لأنه (كَانَ يُنَافِحُ)؛ أي: يدافع، ويناضل، قال في «العمدة»: قوله: «كان ينافح» بكسر الفاء، بعدها حاء مهملة، ومعناه: يدافع، يقال: نافحت عن فلان؛ أي: خاصمت عنه، ويقال: نَفَحت الدابة: إذا رمحت بحوافرها، ونَفَحه بالسيف: إذا تناوله من بعيد، وأصل النفح بالمهملة: الضرب، وقيل للعطاء: نفحٌ، كأنّ الْمُعْطِيَ يضرب السائل به. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «كان ينافح» بكسر الفاء، بعدها مهملة، ومعناها: يدافع، أو يرامي، قال الكشميهنيّ في رواية أبي ذرّ عنه: نَفَحَت الدابةُ: إذا رَمَحت بحوافرها، ونفحه بالسيف: إذا تناوله من بعيد، وأصل النفح بالمهملة: الضرب، وقيل للعطاء: نفحٌ، كأن المعطي يضرب السائل به، ووقع في رواية أبي سلمة الآتية، قالت عائشة: فسمعت النبيّ -ﷺ- يقول لحسان: «إن روح القدس لا يزال يؤيدك، ما نافحت عن الله، ورسوله»، قالت: وسمعته يقول: «هجاهم حسان، فشَفَى، واشْتَفَى». انتهى . (عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) متعلّقٌ بـ «ينافح»، وقد أخرج الشيخان في أثناء حديث الإفك من طريق صالح بن كيسان، عن الزهريّ، قال عروة: كانت عائشة تَكْرَه أن يُسَبَّ عندها حسان، وتقول: إنه الذي قال: فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَتِي وَعِرْضِي … لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ٦٣٦٩ و٦٣٧٠] (٢٤٨٧)، و(البخاريّ) في «المناقب» (٣٥٣١) و«المغازي» (٤١٤٥) و«الأدب» (٦١٥٠) وفي «الأدب المفرد» (١/ ٢٩٩)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٣/ ٥٥٥)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (٢/ ٢٥٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الصحابيّ الجليل حسّان بن ثابت -﵁- حيث كان ينافح عن رسول الله -ﷺ-، ويَفديه بنفسه، ووالديه. ٢ - (ومنها): بيان فضل المنافحة عن النبيّ -ﷺ-، بجميع ما يملكه الشخص، من لسان، أو يد، أو عِرض، أو مال، أو غير ذلك؛ لأنه -ﷺ- أَولى بالمؤمنين من أنفسهم، كما قال الله -﷿-: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٦]. ٣ - (ومنها): بيان فضل عائشة -﵂-، حيث إنها تركت ما بَلَغها عن حسّان في قصّة الإفك من أجل أنه كان ينافح عن النبيّ -ﷺ-، وذلك من كمال عقلها، ورجاحة فهمها، حيث آثرت على عِرضها عِرض النبيّ -ﷺ- عملًا بمقتضى الآية المذكورة، وهكذا ينبغي للمسلم إذا ناله شيء في سبيل الدفاع عن النبيّ -ﷺ-، وعن الإسلام، يصبر، ويحتسب على الله -﷾-، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٧٠] (. . .) - (حَدَّثَنَاهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) العبسيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدَةُ) بن سليمان الكلابيّ الكوفيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. و«هشام بن عروة» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة هذه ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه» بسند المصنّف، فقال: (٣٣٣٨) - حدّثني عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا عبدة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة -﵂- قالت: استأذن حسان النبيّ -ﷺ- في هجاء المشركين، قال: «كيف بنسبي؟»، فقال حسان: لأسلنّكّ منهم، كما تُسَلّ الشعرة من الْعَجِين، وعن أبيه قال: ذهبت أسبّ حسان عند عائشة، فقالت: لا تسبّه، فإنه كان ينافح عن النبيّ -ﷺ-. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٧١] (٢٤٨٨) - (حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ -يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، وَعِنْدَهَا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يُنْشِدُهَا شِعْرًا، يُشَبِّبُ بِأَبْيَاتٍ لَهُ، فَقَالَ [من الطويل]: حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ … وَتُصْبِحُ غَرْثَي مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: لَكِنَّكَ لَسْتَ كَذَلِكَ، قَالَ مَسْرُوقٌ: فَقُلْتُ لَهَا: لِمَ تَأْذَنِينَ لَهُ، يَدْخُلُ عَلَيْكِ؟ وَقَدْ قَالَ اللهُ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ الآية [النور: ١١]، فَقَالَتْ: فَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَى؟ إِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ، أَو يُهَاجِي عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) العسكريّ الفرائضيّ، أبو محمد البصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو الضُّحَى) مسلم بن صُبيح العطار الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (مَسْرُوقُ) بن الأجدع بن مالك الْهَمداني الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب والباب الماضي، و«محمد بن جعفر» هو: غُندر، و«سليمان» هو: ابن مِهْران الأعمش. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُباعيّات المصنّف -﵀-، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، ونصفه الثاني بالكوفيين، غير عائشة -﵂-، فمدنيّة، وفيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، وفيه عائشة -﵂- تقدّم القول فيها قريبًا. شرح الحديث: (عَنْ مَسْرُوقٍ)؛ أنه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ) -﵂-، وقوله: (وَعِنْدَهَا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ) جملة في محلّ نصب على الحال من «عائشة»، وكذا الجملتان بعده، وفي رواية للبخاريّ: «دخل حسّان بن ثابت على عائشة، فشبّب»، وفي رواية له: «جاء حسّان بن ثابت يستأذن عليها». وفي رواية مؤمل عن سفيان، عند الإسماعيليّ: «كنت عند عائشة، فدخل حسان، فأَمَرت، فأُلقيت له وسادةٌ، فلما خرج قلت: أتأذنين لهذا؟». (يُنْشِدُهَا شِعْرًا) بضمّ حرف المضارعة، من الإنشاد، وهو قراءة الشعر. (يُشَبِّبُ بِأَبْيَاتٍ لَهُ) بالشين المعجمة، من التشبيب، وهو ذِكر الشاعر ما يتعلق بالغزَل . وقال في «الفتح»: قوله: «يُشبّب» بمعجمة، وموحدتين، الأولى ثقيلة؛ أي: تغزّل، يقال: شَبَّب الشاعر بفلانة؛ أي: عَرَّض بحبها، وذَكَر حُسْنها، والمراد: ترقيق الشِّعر بذِكر النساء، وقد يُطلق على إنشاد الشعر، وإنشائه، ولو لم يكن فيه غزل، كما وقع في حديث أم معبد: «فلما سَمِع حسان شعر الهاتِف، شبَّب يجاريه، أخَذَ في نَظْم جوابه» . (فَقَالَ: حَصَانٌ) خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هي حصانٌ، وهو بفتح الحاء؛ أي: عفيفة، تمتنع من الرجال، قاله في «العمدة». وقال القرطبيّ -﵀-: «حَصَان»: عفيفة، وقد تقدّم القول في وجوه الإحصان. و«رَزَان»: كاملة الوقار، والعقل. يقال: رَزُن الرجل رزانة، فهو رزين: إذا كان وقورًا، وامرأة رزان. و«غرثى»: من الغرث، وهو الجوع، يقال: رجل غرثان، وامرأة غرثى؛ كعطشان وعطشى. و«الغوافل» جمع تكسير غافلة؛ يعني: أنهن غافلات عما رُمين به من الفاحشة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية [النور: ٢٣]، ويعني حسان بهذا البيت: أن عائشة -﵂- في غاية العفة، والنزاهة عن أن تُزنَّ بريبة؛ أي: تُتَّهم بها. ثم وَصَفها بكمال العقل والوقار، والورع المانع لها من أن تتكلم بعرض غافلة، وشبَّهها بالغرثى؛ لأنَّ بعض الغوافل قد كان هو آذاها فما تكلمت فيها، وهي: حمنة بنت جحش، فكأنها كانت بحيث تنتصر ممن آذاها، بأن تقابلها بما يؤذيها، لكن حَجَزها عن ذلك دينها، وعقلها، وورعها. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «حصان» بفتح المهملة، قال السهيليّ: هذا الوزن يكثر في أوصاف المؤنث، وفي الأعلام منها، كأنهم قصدوا بتوالي الفتحات مشاكلة خفة اللفظ لخفة المعنى، وحصان من الحصين، والتحصين، يراد به الامتناع على الرجال، ومِنْ نَظَرهم إليها. انتهى . (رَزَانٌ) بفتح الراء، وتخفيف الزاي؛ أي: صاحبة وقار، وقيل: يقال: امرأة رزان: إذا كانت رزينة في مجلسها، والرَّزان والثَّقَال بمعنى واحد، وهي قليلة الحركة، وكلاهما على وزن فَعَال، بفتح الفاء، وهو يكثر في أوصاف المؤنث، وفي الأعلام . (مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ) بضم التاء المثناة من فوقُ، وفتح الزاي، وتشديد النون؛ أي: ما تُتَّهم، وما تُرمى بريبة، يقال: أزننت الرجلَ: إذا اتهمته برِيبة، والرِّيبة بكسر الراء: التهمة. (وَتُصْبِحُ غَرْثَى) بفتح الغين المعجمة، وسكون الراء، وبالثاء المثلثة؛ أي: جائعة؛ يعني: أنها لا تغتاب الناس؛ إذ لو كانت مغتابة لكانت آكلة من لحم أخيها، فتكون شبعانة، لا جوعانة، ويقال: رجل غرثان، وامرأة غرثى، ويقال: وتصبح غرثى؛ أي: خميصة البطن، قاله في «العمدة» . وقال في «الفتح»: وقوله: «غرثى» بفتح المعجمة، وسكون الراء، ثم مثلثة؛ أي: خميصة البطن؛ أي: لا تغتاب أحدًا، وهي استعارة فيها تلميح بقوله تعالى في المغتاب: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: ١٢]. انتهى. (مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ)؛ أي: العفيفات، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية [النور: ٢٣] جعلهن الله تعالى غافلات؛ لأن الذي رُمين به من الشرّ لم يَهْمُمن به قطّ، ولا خَطَر على قلوبهنّ، فهنّ في غفلة عنه، وهذا أبلغُ ما يكون من الوصف بالعفاف . وقال في «الفتح»: قوله: «رزان» من الرزانة، يراد به قلّة الحركة، و«تُزَنّ» بضم أوله، ثم زاي، ثم نون ثقيلة؛ أي: ترمَى، و«الغوافل» جمع غافلة، وهي العفيفة الغافلة عن الشرّ، والمراد: تبرئتها من اغتياب الناس بأكل لحومهم من الغيبة، ومناسبة تسمية الغيبة بأكل اللحم أن اللحم سترٌ على العظم، فكأن المغتاب يكشف ما على من اغتابه مِنْ سِتر. وزاد ابن هشام في «السيرة» في هذا الشعر [من الطويل]: عَقِيلَةُ حَيٍّ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ … كِرَامِ الْمَسَاعِي مَجْدُهُمْ غَيْرُ زَائِلِ مُهَذَّبَةٌ قَدْ طَيَّبَ اللهُ خِيمَهًا … وَطَهَّرَهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَبَاطِلِ وفيه عن ابن إسحاق: فَإِنْ كُنْتُ قَدْ قُلْتُ الَّذِي زَعَمُوا لَكُمْ … فَلَا رَفَعَتْ سَوْطِي إِلَيَّ أَنَامِلِي فَكَيْفَ وَوُدِّي مَا حَيِيتُ وَنُصْرَتِي … لِآلِ رَسُولِ اللهِ زَيْنِ الْمَحَافِلِ وزاد فيه الحاكم في رواية له من غير رواية ابن إسحاق: حَلِيلَةُ خَيْرِ الْخَلْقِ دِينًا وَمَنْصِبًا … نَبِيِّ الْهُدَى وَالْمَكْرُمَاتِ الْفَوَاضِلِ رَأَيْتُكِ وَلْيَغْفِرْ لَكِ اللهُ حُرَّةً … مِنَ الْمُحْصَنَاتِ غَيْرِ ذَاتِ الْغَوِائِلِ و«الخيم» بكسر المعجمة، وسكون التحتانية: الأصل الثابت، وأصله من الْخِيمة، يقال: خام يخيم: إذا أقام بالمكان. انتهى . (فَقَالَتْ لَهُ)؛ أي: لحسّان -﵁-، (عَائِشَةُ) -﵂-: (لَكِنَّكَ لَسْتَ كَذَلِكَ) فيه إشارة إلى أنه اغتاب عائشة -﵂- حين وقعت قصة الإفك، وقد عَمِي في آخر عمره. وقال القرطبيّ -﵀-: قول عائشة -﵂- لحسان -﵁-: «لكنك لست كذلك»؛ تعني: أنه لم يصبح غرثان من لحوم الغوافل، وظاهر هذا الحديث: أن حسان كان ممن تكلم بالإفك، وقد جاء ذلك نصًّا في حديث الإفك الطويل الذي يأتي فيه: أن الذين تكلموا بالإفك: مسطح، وحسان، وحمنة، وعبد الله بن أُبيِّ ابن سلول، غير أنه قد حَكَى أبو عمر: أن عائشة -﵂- قد برَّأت حسَّان من الفرية، وقالت: إنه لم يقل شيئًا، وقد أنكر حسان أن يكون قال من ذلك شيئًا في البيت الثاني الذي ذكره متصلًا بالبيت المذكور آنفًا، فقال: فَإِنْ كَانَ ما قَد قِيلَ عَنِّي قُلتُهُ … فلا رَفَعَتْ سَوْطِي إِليَّ أَنَامِلِي فيَحْتَمِل أن يقال: إن حسان؛ يعني: أن يكون قال ذلك نصًّا وتصريحًا، ويكون قد عرَّض بذلك، وأومأ إليه، فنُسب ذلك إليه، فالله أعلم. وقد اختَلَف الناس فيه، هل خاض في الإفك أم لا؟ وهل جُلِد الحدَّ أم لا؟ فالله أعلم أيُّ ذلك كان. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن القول ببراءة حسّان -﵁- هو الأرجح، كما سيأتي. وقال في «الفتح» : قوله: «فقالت له عائشة: لكنك لست كذلك» ذَكَر ابن هشام عن أبي عبيدة أن امرأة مدحت بنت حسان بن ثابت عند عائشة، فقالت: حصان رزان … البيت، فقالت عائشة: لكن أبوها، وهو بتخفيف النون، فإن كان محفوظًا أمكن تعدد القصة، ويكون قوله في بعض طرق رواية مسروق: «يشبب ببنت له» بالنون، لا بالتحتانية، ويكون نَظْم حسان في بنته، لا في عائشة، وإنما تمثَّل به، لكن بقية الأبيات ظاهرة في أنها في عائشة، وهذا البيت في قصيدة لحسان يقول فيها: فَإِنْ كُنْتُ قَدْ قُلْتُ الَّذِي زَعَمُوا لَكُمْ … فَلَا رَفَعَتْ سَوْطِي إِلَيَّ أَنَامِلِي وَإِنَّ الَّذِي قَدْ قِيلَ لَيْسَ بِلَائِقٍ … بِكِ الدَّهْرَ بَلْ قِيلُ امْرِئٍ مُتَمَاحِلِ قال في «التكملة»: قولها: «لكنك لست كذلك» ظاهره أن حسّان بن ثابت -﵁- كان قد تكلّم فيمن تكلّم في عائشة -﵂-، وهو الظاهر من قولها: «أيّ عذاب أشدّ من العمى؟»، ولكن يُشكل عليه أن حسّان -﵁- قد أنكر في أبياته المذكورة أن يكون تكلّم في عائشة -﵂- ما لا ينبغي، وخاصّةً قوله: فَإِنْ كُنْتُ قَدْ قُلْتُ الَّذِي زَعَمُوا لَكُمْ … البيتين، فإنه صرّح بأنه لم يقذف عائشة -﵂- أبدًا، وإنما نَسب بعض الناس إليه أقوالًا لم يقلها، وهو اللائق به -﵁-. ويَحْتَمِل أن تكون نسبة هذه الأقوال إليه صارت مشهورةً بين الناس بما يصعب ردّها، وتأثّرت عائشة -﵂- بهذه الشهرة، وقد نسب بعضهم إليه أبياتًا تدلّ على أنه كان من جملة القاذفين، وهي: لَقَدْ ذَاقَ حَسَّانُ الَّذِي كَانَ أَهْلَهُ … وَحَمْنَةُ إِذْ قَالُوا هَجِيرًا وَمِسْطَحُ تَعَاطَوْا بِرَجْمِ الْغَيْب زَوْجَ نَبِيِّهِمْ … وَسَخْطَةَ ذِي الْعَرْشِ الْكَرِيم فَأَتْرَحُوا لكن ذكر السهيليّ في «الروض الأنف» (٤/ ٢٤) أن البيت الأَول من هذه الأبيات يروى على خلاف هذا، وهو: لَقَدْ ذَاقَ عَبْدُ اللهِ مَا كَانَ أَهْلَهُ … وَحَمْنَةُ إِذْ قَالُوا هَجِيرًا وَمِسْطَحُ وعلى هذا الأساس مال السهيليّ -﵀- إلى أن حسّان -﵁- لم يخُض في قذف عائشة -﵂والله -﷾- أعلم- ولو ثبت منه القذف، فإنه تاب من ذلك توبةً نصوحًا، فلا ملامة عليه بعد ذلك. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما مال إليه السهيليّ -﵀-، من تبرئة حسّان -﵁- من القذف المذكور هو الصواب؛ لأن كلامه في قصيدته المذكورة صريح في ذلك، وبعد إنكاره فلا مجال لإلصاق ذلك به، وأما تأثّر عائشة -﵂- فيكون مما اشتهر على ألسنة الناس مِنْ قَذْفه لها، فتأمل بالإمعان، تَسْلَم من الخذلان، والله تعالى المستعان. (قَالَ مَسْرُوقٌ: فَقُلْتُ لَهَا)؛ أي: لعائشة -﵂-: (لِمَ تَأْذَنِينَ لَهُ)؛ أي: لحسّان (يَدْخُلُ عَلَيْكِ) جملة في محلّ نصب على الحال، ولفظ البخاريّ: «لِمَ تأذنين له أن يدخل عليك»، فـ «أن» فيه مصدريّة، ويَحتمل ما هنا أن يكون بتقديرها أيضًا، وقوله: (وَقَدْ قَالَ اللهُ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١]) جملة في محلّ نصب على الحال، وفي رواية: «تَدَعين مثل هذا يدخل عليك، وقد أنزل الله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾»، قال في «الفتح»: وهذا مُشْكِل؛ لأن ظاهره أن المراد بقوله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ هو حسان بن ثابت، وقد تقدم قبل هذا أنه عبد الله بن أُبَيّ، وهو المعتمَد، وقد وقع في رواية أبي حذيفة، عن سفيان الثوريّ، عند أبي نعيم في «المستخرج»: «وهو ممن تولى كِبْره»، فهذه الرواية أخفّ إشكالًا. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: تُحمل الرواية هنا بأن نقول: إنه ممن شملته الآية حيث كان منهم، إن ثبت منه ذلك، فلا إشكال، ولله الحمد. وقال صاحب «التكملة»: لعلّ مسروقًا لم يُرد أن حسّان -﵁- هو الذي تولى كبره، أو هو ممن تولّى كبره، ولكنه ذكر الآية لمجرّد الإشارة إلى قصّة الإفك، ولبيان أن الله تعالى أنزل في القرآن مذمّة هؤلاء الذين تعاطوا القذف، سواء كانوا ممن اختلقوا هذه القصّة، أو ممن صدّقوها بدون تحقيق، وإن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ وإن كان المقصود به عبد الله بن أُبيّ، ولكن حسّان كان في زَعْم مسروق ممن صدّقه، ولم يكذّبه في ذلك، فلذلك تلا هذه الآية في معرض ذِكر حسّان -﵁-. انتهى . (فَقَالَتْ) عائشة -﵂-: (فَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَى) زاد في رواية أبي حذيفة: «وإقامة الحدود»؛ أي: إنه أصابه بسبب قوله العذاب، وهو العمى، وإقامة الحدّ عليه، وهما من جملة العذاب. وفي رواية للبخاريّ: «فقالت: أوَ ليس قد أصابه عذاب عظيم؟»، قال سفيان: تعني: ذهاب بصره. ثم بيّنت سبب مسامحتها له، وإن كان حصل منه ما حصل، فقال: (إِنَّهُ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في موضع التعليل؛ أي: لأنه (كَانَ يُنَافِحُ) وفي نسخة: «فقالت: إنه كان ينافح»؛ أي: يدافع، وقوله: (أَو يُهَاجِي) «أو» للشكّ من الراوي؛ أي: يقابل هجاء المشركين بهجائه دفاعًا (عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-)، فلذا أسامحه، وآذن له في الدخول عليّ. وقال صاحب «التكملة»: فيه رعاية عظيمة من قِبَل عائشة -﵂- لعلاقة حسّان -﵁- برسول الله -ﷺ- بالرغم من أنها كانت تزعم أنه من جملة القاذفين لها، وكان من مقتضاه أن تظلّ ساخطة عليه، ولكنها آثرت علاقته به -ﷺ- على عواطفها الشخصيّة. انتهى . والله تعالى أعلم. وقال ابن كثير في «تفسيره»: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ قيل: ابتدأ به، وقيل: الذي كان يَجمعه، ويستوشيه، ويذيعه، ويشيعه، ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١]؛ أي: على ذلك، ثم الأكثرون على أن المراد بذلك إنما هو عبد الله بن أُبَيّ ابن سَلُولَ قبّحه الله، ولعنه، وهو الذي تقدم النّصّ عليه في الحديث، وقال ذلك مجاهد، وغير واحد، وقيل: المراد به حسان بن ثابت، وهو قول غريب، ولولا أنه وقع في «صحيح البخاريّ» ما قد يدل على إيراد ذلك لَمَا كان لإيراده كبير فائدة، فإنه من الصحابة الذين لهم فضائل، ومناقب، ومآثر، وأحسن مآثره أنه كان يذبّ عن رسول الله -ﷺ- بشعره، وهو الذي قال له رسول الله -ﷺ-: «هاجهم، وجبريل معك»، وقال الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق: قال: كنت عند عائشة -﵂-، فدخل حسان بن ثابت، فأمَرَتْ، فأُلقي له وسادة، فلما خرج قلت لعائشة: ما تصنعين بهذا؟ يعني: يدخل عليك، وفي رواية قيل لها: أتأذنين لهذا، يدخل عليك، وقد قال الله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١]؟، قالت: وأي عذاب أشدّ من العمى؟ وكان قد ذهب بصره، لعل الله أن يجعل ذلك هو العذاب العظيم، ثم قالت: إنه كان ينافح عن رسول الله -ﷺ-. وفي رواية أنه أنشدها عندما دخل عليها شعرًا يمتدحها به، فقال: حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ … وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لَحُومِ الْغَوَافِلِ فقالت: أما أنت فلست كذلك، وفي رواية: لكنك لست كذلك. وقال ابن جرير: حدّثنا الحسن بن قزعة، حدّثنا سلمة بن علقمة، حدّثنا داود، عن عامر، عن عائشة؛ أنها قالت: ما سمعت بشعر أحسن من شعر حسان، ولا تمثّلت به إلا رجوت له الجنة، قوله لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب: هَجَوْتُ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ … وَعِنْدَ اللهِ في ذَاكَ الْجَزَاءُ فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي … لَعِرْضِ مُحَمِّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ أَتَشْتِمُهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ … فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ لِسَانِي صَارِمٌ لَا عَيْبَ فِيهِ … وَبَحْرِي لَا تُكِدِّرُهُ الدِّلَاءُ فقيل: يا أم المؤمنين أليس هذا لغوًا؟، قالت: لا، إنما اللغو ما قيل عند النساء، قيل: أليس الله يقول: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١]؟ قالت: أليس قد ذهب بصره؟، وكُنِع بالسيف؟؛ تعني: الضربة التي ضربه إياها صفوان بن المعطَّل السُّلَميّ حين بلغة عنه أنه يتكلم في ذلك، فعلاه بالسيف، وكاد أن يقتله. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٧٢] (. . .) - (حَدَّثَنَاهُ ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، فِي هَذَا الإِسْنَاد، وَقَالَ: قَالَتْ: كَانَ يَذُبُّ عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَلَمْ يَذْكُرْ: حَصَانٌ رَزَانٌ). ١ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ البصريّ، تقدّم قريبًا. والباقيان ذُكرا في الباب وقبله. [تنبيه]: رواية ابن أبي عديّ عن شعبة هذه لم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٧٣] (٢٤٨٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ حَسَّانُ: يَا رَسُولَ الله، ائْذَنْ لِي فِي أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: «كَيْفَ بِقَرَابَتِي مِنْهُ؟»، قَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ، لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ، كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْخَمِير، فَقَالَ حَسَّانُ [من الطويل]: وَإِنَّ سَنَامَ الْمَجْدِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ … بَنُو بِنْتِ مَخْزُومٍ وَوَالِدُكَ الْعَبْدُ قَصِيدَتَهُ هَذِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكر الإمام النيسابوريّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٢ - (يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ٣ أو ١٨٤) وله ثلاثٌ وستون سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٥/ ١٢١. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀ -، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين سوى شيخه، فنيسابوريّ، وشيخه، فكوفيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ والابن عن أبيه، عن خالته. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) -﵂-؛ أنها (قَالَتْ: قَالَ حَسَّانُ) بن ثابت -﵁-: (يَا رَسُولَ الله، ائْذَنْ لِي فِي أَبِي سُفْيَانَ) بن الحارث بن عبد المطّلب، ابن عمّ النبيّ -ﷺ-؛ أي: في هجوه، وفي الرواية التالية: «اسْتَأْذَنَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ النَّبِيَّ -ﷺ- فِي هِجَاءِ الْمُشْرِكِينَ»، وسبب هذا الاستئذان مُبَيَّن في رواية أبي سلمة، عن عائشة الآتية بعد حديث: «قالت: قال رسول الله -ﷺ-:»اهجوا المشركين، فإنَّه أشدّ عليهم من رَشْق النبل، فأرسل إلى ابن رواحة، فقال: اهجهم، فهجاهم. . .«الحديث. ورَوَى أحمد من حديث كعب بن مالك، قال: قال لنا رسول الله -ﷺ-:«اهجوا المشركين بالشِّعر، فإن المؤمن يجاهد بنفسه، وماله، والذي نفس محمد بيده، كأنما تنضحونهم بالنبل». وروى أحمد، والبزار، من حديث عمار بن ياسر، قال: لَمّا هجانا المشركون، قال لنا رسول الله -ﷺ-:«قولوا لهم كما يقولون لكم». (قَالَ) -ﷺ-: («كَيْفَ بِقَرَابَتِي مِنْهُ؟ »)؛ أي: كيف تهجوه، مع اجتماعي معه في القرابة؟، ولفظ البخاريّ:«كيف بنسبي فيهم»؛ أي: كيف تهجو قريشًا، مع اجتماعي معهم، في نسب واحد، وفي هذا إشارة إلى أن معظم طرق الهجو العضّ بالآباء . (قَالَ) حسّان -﵁-: (وَالَّذِي أَكْرَمَكَ) هو الله -﷾-، (لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ)؛ أي: لأُخَلِّصن نَسَبك من نَسَبهم، بحيث يختص الهجو بهم دونك، وفي رواية أبي سلمة الآتية:«فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: »لَا تَعْجَلْ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْلَمُ قُرَيْشٍ بِأَنْسَابِهَا، وَإِنَّ لِي فِيهِمْ نَسَبًا، حَتَّى يُلَخِّصَ لَكَ نَسَبِي«، فَأَتَاهُ حَسَّانُ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ لَخَّصَ لِي نَسَبَكَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ»، (كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْخَمِيرِ) بفتح الخاء المعجمة، وكسر الميم؛ أي: العجين، كما قال في الرواية الأخرى، ومعناه: لأتلطفنّ في تخليص نسبك مِنْ هجوه، بحيث لا يبقى جزء من نسبك في نسبهم الذي ناله الهجو، كما أن الشعرة إذا سُلّت من العجين لا يبقى منها شيء فيه، بخلاف ما لو سُلّت من شيء صَلْب، فإنها ربما انقطعت، فبقيت منها فيه بقية، قاله النوويّ . وقال في«المشارق»: يريد بالخمير: العجينَ المختمر؛ يعني: لأتلطفنّ في تخليص نسبك، حتى لا يعمّه الهجو، ويقضي عليه، كما يُتلطف في إخراج الشعرة من العجين؛ لئلا تنقطع فتبقى فيه. انتهى . وفي رواية البخاريّ:«كما تسلّ الشعرة من العين»، قال في«الفتح»: أشار بذلك إلى أن الشعرة إذا أُخرجت من العجين، لا يتعلق بها منه شيء؛ لنعومتها، بخلاف ما إذا سُلّت من العسل مثلًا، فإنها قد يَعْلَق بها منه شيء، وأما إذا سُلّت من الخبز، فإنها قد تنقطع قبل أن تخلص. انتهى . (فَقَالَ حَسَّانُ) -﵁-: (وَإِنَّ سَنَامَ)؛ أي: أعلى (الْمَجْدِ)؛ أي: الشرف، (مِنْ آلِ هَاشِمِ بَنُو بِنْتِ) وفي نسخة:«ابنةِ»(مَخْزُومٍ) قال النوويّ -﵀-: وبعد هذا بيتٌ لم يَذكره مسلم، وبذِكره تتم الفائدة والمراد، وهو: وَمَنْ وَلَدَتْ أَبْنَاءُ زُهْرَةَ مِنْهُمُو … كِرَامٌ وَلَمْ يَقْرَبْ عَجَائِزَكَ الْمَجْدُ المراد ببنت مخزوم: فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، أم عبد الله، والزبير، وأبي طالب، ومراده بأبي سفيان هذا المذكور المهجوّ: أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وهو ابن عمّ النبيّ -ﷺ-، وكان يؤذي النبيّ -ﷺ- والمسلمين في ذلك الوقت، ثم أسلم، وحسن إسلامه. وقوله:«ولدت أبناء زُهرة منهم»مراده: هالة بنت وهب بن عبد مناف، أم حمزة، وصفية. وأما قوله: (وَوَالِدُكَ الْعَبْدُ) فهو سبّ لأبي سفيان بن الحارث، ومعناه: أن أم الحارث بن عبد المطلب والدة أبي سفيان هذا، هي سُمَيّة بنت موهب، وموهب غلام لبني عبد مناف، وكذا أم أبي سفيان بن الحارث كانت كذلك، وهو مراده بقوله:«ولم يَقْرَب عجائزك المجد». وقوله: (قَصِيدَتَهُ هَذِهِ) بالنصب مقول«فقال حسّان»؛ أي: قال قصيدته التي من جملتها هذا البيت، و«هذه»بدل، أو عطف بيان لـ«قصيدته»، وتلك القصيِدة قوله [من الطويل]: لقَدْ عَلِمَ الأَقْوَامُ أَنَّ ابْنَ هَاشِمٍ … هُوَ الغُضنُ ذُو الأفنَانِ لا الواحِدُ الوَغْدُ ومَا لَكَ فِيهِم مَحتِدٌ يَعرِفونهُ … فَدُونَكَ فَالصَق مِثلَ مَا لَصِقَ القُردُ وإِنَّ سَنامَ المَجدِ في آلِ هَاشِم … بَنُو بِنتِ مَخْزُومٍ وَوَالِدُكَ العَبدُ وَمَا وَلَدَت أبنَاءُ زُهرَةَ مِنْكُمُ … كَرِيمًا وَلَم يَقرَب عَجَائِزَكَ المَجدُ وَلَستَ كَعَبَّاسٍ وَلا كَابنِ أُمِّهِ … وَلكِن هَجِينٌ لَيْسَ يُورَى لَكَ زَندُ وَأنتَ زَنِيمٌ نِيطَ فِي آلِ هَاشِمٍ … كَمَا نِيطَ خَلفَ الرَّاكِبِ القَدَحُ الفَردُ وإِنِ امْرَءًا كَانَت سُمَيَّةُ أُمَّهُ … وسَمرَاءُ مَغْلُوبٌ إذا بُلِغَ الجَهدُ راجع لهذه القصيدة، وشرحها ديوان حسّان بن ثابت مع شرحه للبرقوقي (ص ١٥٩ - ١٦١). ذَكَره في «التكملة» ، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ٦٣٧٣ و٦٣٧٤] (٢٤٨٩)، و(البخاريّ) في «المناقب» (٣٥٣١) و«المغازي» (٤١٤٥) و«الأدب» (٦١٥٠) وفي «الأدب المفرد» (٨٦٢)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٨/ ٦٩٦)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (٢/ ٢٥٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٧٨٧ و٧١٤٥)، و(الطحاويّ) في «معاني الآثار» (٤/ ٢٩٧)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٣/ ٤٨٧ - ٤٨٨)، و(الطبريّ) في «تهذيب الآثار» (٢/ ٦٢٩)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٤/ ٣٨)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٧/ ٣٤١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١٠/ ٢٣٨)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٧٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَت: اسْتَأْذَنَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ النَّبِيَّ -ﷺ- فِي هِجَاءِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا سُفْيَانَ، وَقَالَ بَدَلَ الْخَمِيرِ: الْعَجِينِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: وقد ذُكر الإسناد نفسه قبل ثلاثة أحاديث، والظاهر أن هذه الرواية مكرّرة، كما يتبيّن من التنبيه التالي، فتنبّه. [تنبيه]: رواية عبدة عن هشام بن عروة هذه ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه» بسند المصنّف، فقال: (٣٣٣٨) - حدّثني عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا عبدة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة -﵂- قالت: استأذن حسان النبيّ -ﷺ- في هجاء المشركين، قال: «كيف بنسبي؟» فقال حسان: لأسلنّك منهم، كما تُسَلّ الشعرة من الْعَجين. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٧٥] (٢٤٩٠) - (حَدَّثَنَا عَبْد الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْث، حَدَّثَنِي أبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «اهْجُوا قُرَيْشًا، فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهَا مِنْ رَشْقٍ بِالنَّبْل»، فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ رَوَاحَةَ، فَقَالَ: «اهْجُهُمْ»، فَهَجَاهُمْ، فَلَمْ يُرْضِ، فَأرْسَلَ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْه، قَالَ حَسَّانُ: قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تُرْسِلُوا إِلَى هَذَا الأَسَدِ الضَّارِبِ بِذَنَبِه، ثُمَّ أَدْلَعَ لِسَانَهُ، فَجَعَلَ يُحَرِّكُهُ، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لأَفْرِيَنَّهُمْ بلِسَانِي فَريَ الأَدِيمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَا تَعْجَلْ، فَإنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْلَمُ قُرَيْشٍ بَأَنْسَابِهَا، وَإِنَّ لِي فِيهِمْ نَسَبًا، حَتَّى يُلَخِّصَ لَكَ نَسَبِي»، فَأَتَاهُ حَسَّانُ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ لَخَّصَ لِي نَسَبَكَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْعَجِين، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ لِحَسَّانَ: «إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ، مَا نَافَحْتَ عَنِ اللهِ وَرَسُولهِ»، وَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «هَجَاهُمْ حَسَّانُ، فَشَفَى، وَاشْتَفَى»، قَالَ حَسَّانُ [من الطويل]: هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ … وَعِنْدَ الله فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ هَجَوْتَ مُحَمَّدًا بَرًّا تَقِيًّا … رَسُولَ اللهِ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي … لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ ثَكِلْتُ بُنَيَّتِي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا … تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَنَفَي كَدَاءِ يُبَارِينَ الأَعِنَّةَ مُصْعِدَاتٍ … عَلَى أَكْتَافِهَا الأَسَلُ الظِّمَاءُ تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ … تُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ فَإِنْ أَعْرَضْتُمُو عَنَّا اعْتَمَرْنَا … وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ وَإِلَّا فَاصْبِرُوا لِضِرَابِ … يَوْمِ يُعِزُّ اللهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَقَالَ اللهُ قَدْ أَرْسَلْتُ عَبْدًا … يَقُولُ الْحَقَّ لَيْسَ بِهِ خَفَاءُ وَقَالَ اللهُ قَدْ يَسَّرْتُ جُنْدًا … هُمُ الأَنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ لَنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ مَعَدٍّ … سِبَابٌ أَو قِتَالٌ أَو هِجَاءُ فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللهِ مِنْكُمْ … وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ وَجِبْرِيلٌ رَسُولُ اللهِ فينَا … وَرُوحُ الْقُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ) رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الله المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١١. ٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ نبيلٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت ١٩٩) وله أربع وستون سنةً (م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١١. ٣ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] مات في شعبان سنة خمس وسبعين ومائة (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٢. ٤ - (خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ) الْجُمَحيّ، ويقال: السَّكْسكيّ، أبو عبد الرحيم المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٦] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٧/ ٤٦٢. ٥ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ) الليثيّ مولاهم، أبو العلاء المصريّ، قيل: مدنيّ الأصل، وقال ابن يونس: بل نشأ بها، صدوقٌ، قال الحافظ: لم أر لابن حزم في تضعيفه سلفًا، إلا أن الساجيّ حَكَى عن أحمد أنه اختَلَط [٦] مات بعد الثلاثين ومائة، وقيل: قبلها، وقيل: قبل الخمسين بسنة (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٧/ ٤٦٢. ٦ - (عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ) -بفتح الغين المعجمة، وكسر الزاي، بعدها تحتانية ثقيلة- ابن الحارث الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ ، وروايته عن أنس مرسلة [٦] (ت ١٤٠) (خت م ٤) تقدم في «الطهارة» ١٢/ ٥٨٥. ٧ - (مُحَمَّدُ بْن إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث بن خالد التيميّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٢٠) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ١٣/ ١٥٩. والباقيان ذُكرا في الباب، و«أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ» هو: ابن عوف. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من تُساعيّات المصنّف -﵀-، وهو من أنزل الأسانيد له، وهو مسلسلٌ بالمدنيين من عُمارة، والباقون مصريّون، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة، على بعض الأقوال، وفيه عائشة -﵂- من المكثرين السبعة، روت من الحديث (٢٢١٠). شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) -﵂-؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «اهْجُوا قُرَيْشًا) وقع في»المفهم«:»اهج قريشًا«، فقال القرطبيّ: قوله:»اهج قريشًا«هكذا وقع في بعض النُّسخ:»اهج«على أنه أمْر لواحد، ولم يتقدَّم له ذِكر، فكأنه أمْر لأحد الشعراء الحاضرين، ووقع في أصل شيخنا أبي الصبر أيوب:»اهجوا«بضمير الجماعة، فيكون أمرًا لجميع من حضر هناك من الشعراء. انتهى . (فَإِنَّهُ)؛ أي: إن الهجو (أَشَدُّ عَلَيْهَا مِنْ رَشْقٍ بِالنَّبْلِ») بفتح الراء، وهو الرمي بها، وأما الرِّشق بالكسر، فهو اسم للنبل التي تُرمَى دَفعةً واحدةً، وفي بعض النسخ: «من رَشْق النبل». وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «فإنَّه أشدُّ عليها من رَشْق بالنبل» الضمير في «إنه» عائد على الهجو الذي يدلُّ عليه: «اهجوا قريشًا». وفي «عليها»: لقريش، ورشق -بفتح الراء-: وهو الرَّمي، ففيه دليل: على أن الكافر لا حرمة لِعِرضه، كما أنه لا حرمة لماله، ولا لدمه، وأنه يُتعرض لنكايتهم بكل ما يؤلمهم من القول والفعل. انتهى . (فَأَرْسَلَ) -ﷺ- (إِلَى) عبد الله (بْنِ رَوَاحَةَ) بن ثعلبة بن امرئ القيس الخزرجيّ الأنصاريّ الشاعر، أحد السابقين، شَهِد بدرًا، واستُشهِد بمؤتة، وكان ثالث الأمراء بها، في جمادى الأولى سنة ثمان، تقدّمت ترجمته في «الجنائز» ١٠/ ٢١٦١، له ذِكر عند مسلم دون رواية. (فَقَالَ) -ﷺ- لابن رواحة: (اهْجُهُمْ)؛ أي: المشركين، (فَهَجَاهُمْ، فَلَمْ يُرْضِ) بضمّ أوله، من الإرضاء؛ أي: لم يرضِه -ﷺ- هجو ابن رواحة حيث لم يبلغ ما أراده من النكاية، (فَأرْسَلَ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكِ) بن أَبِي كَعَب الأنصاريّ السَّلَميّ -بالفتح- الصحابيّ المدنيّ المشهور، وهوأحد الثلاثة الذين خُلِّفُوا، مات في خلافة عليّ -﵁-، تقدّمت ترجمته في «صلاة المسافرين وقصرها» ١٣/ ١٦٥٩. (ثُمَّ أَرْسَلَ) -ﷺ- (إِلَى حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ) -﵁- (فَلَمَّا دَخَلَ) حسّان (عَلَيْهِ) -ﷺ- (قَالَ حَسَّانُ) -﵁-: (قَدْ آنَ)؛ أي: حان وقَرُب (لَكُمْ أَنْ تُرْسِلُوا إِلَى هَذَا الأَسَدِ الضَّارِبِ بِذَنَبِهِ) قال العلماء: المراد بذنَبه هنا لسانه، فشبَّه نفسه بالأسد في انتقامه، وبطشه، إذا اغتاظ، وحينئذ يضرب بذنبه جنبيه، كما فعل حسان بلسانه، حين أدلعه، فجعل يحركه، فشبَّه نفسه بالأسد، ولسانه بذنبه، قاله النوويّ -﵀- . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «قد آن لكم أن ترسلوا … إلخ» هذا من حسان مَدْح لنفسه، شبَّه نفسه بالأسد إذا غضب، فحَمِي، وذلك أنه غضب لهجو قريش للنبيّ -ﷺ-، واحتدّ لذلك، واستحضر في ذهنه هجو قريش، فتصوّره، وأحس أنه قد أُعينَ على ذلك ببركة دعوة النبيّ -ﷺ-، فقال تلك الكلمات، مظهرًا لنعمة الله تعالى عليه، وأنه قد أجيب فيه دعاء النبيّ -ﷺ-، وليفخر بمعونة الله تعالى له على ذلك، وتنزّل هذا الافتخار في هذا الموطن منزلة افتخار الأبطال في حال القتال؛ فإنَّهم يمدحون أنفسهم، ويذكرون مآثرهم، ومناقبهم في تلك الحال نظمًا ونثرًا، وذلك يدلّ على ثبوت الجأش، وشجاعة النفس، وقوة العقل، والصَّبر، وإظهار كل ذلك للعدو، وإغلاظ عليهم، وإرهاب لهم، وكل هذا الافتخار: يوصل إلى رضا الغفار، فلا عتب، ولا إنكار. انتهى . (ثُمَّ أَدْلَعَ لِسَانَهُ)؛ أي: أخرجه عن الشفتين، وحرّكه، كأنه يُعِدّه لإنشاء الهجو، يقال: دَلَعَ لسانَهُ، وأدلعه، ودَلَعَ اللسانُ بنفسه، قاله النوويّ. وقال المجد: دَلَعَ لسانَهُ، كمَنَعَ: أخرجه، كأدلعه، فَدَلَع هو، كمَنَعَ، ونَصَرَ دَلْعًا، ودُلُوعًا. انتهى . (فَجَعَلَ يُحَرِّكُهُ)؛ أي: لسانه خارجِ فمه، (فَقَالَ) حسّان: (وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ) هو الله -﷿-، (لأَفْرِيَنَّهُمْ بِلِسَانِي فرْيَ الأَدِيمِ)؛ أي: لأمزّقنّ أعراضهم تمزيق الجلد، قاله النوويّ . وقال القرطبيّ: قوله: «لأفرينَّهم بلساني فَرْيَ الأديم»؛ أي: لأمزقنّهم بالهجو، كما يمزق الجلد بعد الدِّباغ؛ فإنَّه يُقطع خفافًا ونعالًا، وغير ذلك، وتشبيه حسان نفسه بالأسد الضارب بذنبه بحضرة النبيّ -ﷺ- وأصحابه -﵃-، وإقرار الكل عليه: دليل على بطلان قول من نسب حسَّان إلى الجُبن، ويتأيد هذا بأن حسان لم يزل يُهاجي قريشًا وغيرهم من خيار العرب، ويهاجونه، فلم يعيِّره أحد منهم بالجُبن، ولا نسبه إليه، والحكايات المنسوبة إليه في ذلك أنكرها كثير من أهل الأخبار، وقيل: إن حسَّان أصابه الجُبن عندما ضربه صفوان بن المعطل بالسيف؛ فكأنه اختل في إدراكه، والله تعالى أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت الإنكار على هذه الحكاية، وما أحقّها بذلك، فحسان -﵁- كان من الشجعان، فلو كان جبانًا لَمَا ترك المشركون طَعْنه به، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَا تَعْجَلْ) بفتح أوله، وثالثه، من باب تعِبَ، (فَإنَّ أَبَا بَكْرٍ) الصديق -﵁- (أَعْلَمُ قُرَيْشٍ بِأَنْسَابِهَا، وَإِنَّ لِي فِيهِمْ نَسَبًا، حَتَّى يُلَخِّصَ لَكَ نَسَبِي»)؛ أي: يفصلهم، ويُخرجهم عنهم، حتى لا يعمّهم الهجو. (فَأَتَاهُ)؛ أي: أبا بكر -﵁-، (حَسَّانُ) -﵁- (ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ لَخَّصَ لِي نَسَبَكَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لأَسُلَّنَّكَ) من باب نصر، من السّلّ؛ أي: لآخذنّك، ولأُخرجنّك (مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْعَجِينِ)؛ أي: والمعنى: لأتلطفَنّ في تخليص نسبك في هجوهم، بحيث لا يبقى جزء من نسبك في نسبهم الذي ناله الهجو، كما أن الشعرة إذا استُلّت من العجين لا يبقى منها شيء ، (قَالَتْ عَائِشَةُ) -﵂-: (فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ لِحَسَّانَ: «إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ)؛ أي: جبريل -﵇- لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ)؛ أي: يقوّيك، وينصرك بالإلهام، والتذكير، والمعونة، (مَا نَافَحْتَ)»ما«مصدريّة ظرفيّة؛ أي: مدَّة منافحتك، والمنافحة: المخاصمة، والمجادلة، وأصلها: الدَّفع، يقال: نفحت الناقة الحالب برجلها؛ أي: دفعته، ونفحه بسيفه؛ أي: ضربه به من بعيد . (عَنِ اللهِ) -﷾ - (وَرَسُولِهِ») -ﷺ-. (وَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «هَجَاهُمْ)؛ أي: قريشًا، (حَسَّانُ، فَشَفَى، وَاشْتَفَى»)؛ أي: شفى المؤمنين، واشتفى هو بما ناله من أعراض الكفار، ومزّقها، ونافح عن الإسلام والمسلمين، وقال القرطبيّ -﵀-: أي: شفى الألم الذي أحدثه هجوهم، واشتفى هو في نفسه؛ أي: أصاب منهم بثأره شفاء. انتهى . (قَالَ حَسَّانُ) -﵁- في إنشائه قصيدته لهجوهم: (هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأجَبْتُ عَنْهُ … وَعِنْدَ اللهِ في ذَاكَ الْجَزَاءُ) (هَجَوْتَ) خطاب لأبي سفيان بن الحارث (مُحَمَّدًا) -ﷺ- (فَأَجَبْتُ) وفي نسخة: «وأجبت» (عَنْهُ، وَعِنْدَ اللهِ) تعالى (فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ)؛ لأنه من الجهاد في سبيل الله تعالى، قال القرطبيّ -﵀-: وروي أن النبيّ -ﷺ- لما أنشده هذا البيت قال له: «جزاؤك عند الله الجنة» . (هَجَوْتَ مُحَمَّدًا بَرًّا تَقِيًّا … رَسُولَ اللهَ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ) البرُّ: التَّقي، والحنيف: المائل عن الأديان كلها إلى دين إبراهيم -﵇-، والشِّيمة: السَّجيَّة، والسَّليقة، والخليقة، والجبلَّة كلها: الطبيعة، قاله القرطبيّ -﵀- . وقال النوويّ -﵀-: قوله: «بَرًّا تقيًّا»، وفي كثير من النسخ «حنيفًا»: بدل «تقيًا»، فالبرّ بفتح الباء: الواسع الخير، وهو مأخوذ من الْبِرّ، بكسر الباء، وهو الاتساع في الإحسان، وهو اسم جامع للخير، وقيل: الْبَرّ هنا بمعنى المتنزه عن المآثم، وأما الحنيف فقيل: هو المستقيم، والأصح أنه المائل إلى الخير، وقيل: الحنيف التابع ملة إبراهيم -ﷺ-. انتهى . وقوله: (أَتَهجُوه ولَستَ لَهُ بِكُفءٍ … فَشَرُّكُمَا لِخَيرِكُما الفِداءُ) هذا يتضمن الدُّعاء بإنزال المكاره بأكثر الرجلين شرًّا، وإنزال الخير بأكثرهما خيرًا، وعند ذلك يتوجَّه عليه إشكال، وهو أن شرًّا وخيرًا هنا للمفاضلة، والمعقول من المفاضلة اشتراك المتفاضلين فيما وقعت فيه، واختصاص أحدهما بزيادة فيه، فيلزم منه: أن يكون في النبيّ -ﷺ- شرٌّ، وهو باطل، فتعيَّن تأويل ذلك، فقال السُّهيليّ: إن شرًّا هنا بمعنى: أنقص، وحُكي عن سيبويه أنه قال: تقول: مررت برجل شرٍّ منك؛ أي: أنقص عن أن تكون مثله، قال السُّهيليّ: ونحو منه قوله -ﷺ-: «شرُّ صفوف الرجال آخرها»، رواه مسلم، يريد: نقصان حقهم عن حظ الصف الأول، ولا يجوز أن يريد به التفضيل في الشرٍّ. قال القرطبيّ: وأوضح من هذا، وأبعد من الإعتراض أن يقال: إن الأصل في «أفعل» ما ذُكِر، غير أن المعنى الذي يُقصد به المفاضلة فيه قد يكون معنى وجوديًا، كما يقال: بياض الثلج أشدُّ من بياض العاج، وقد يكون المعنى توهُّمًا بحسب زعم المخاطب، كما قال تعالى: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ [مريم: ٧٥]، وذلك أن الكفار زعموا: أن المؤمنين شرٌّ منهم، فأجيبوا بأن قيل لهم: ستعلمون باطل زعمكم بأن تشاهدوا عاقبة من هو الموصوف بالشر، وعلى هذا يُخَرَّج معنى البيت، فإنَّهم كانوا يعتقدون في النبيّ -ﷺ- شرًّا، فخاطبهم بحسب زعمهم، ودعا على الأشرّ من الفريقين منهما له، وهو يعنيهم قطعًا، فإنَّهم هم أهل الشر، لكنهم أتاهم بدعاء نَصَف يُسكِت الظالم، ويُرضي المظلوم. (فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي … لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ) قال ابن قتيبة: يعني بالعِرض هنا: النفس، فكأنه قال: أبي وجدّي، ونفسي وقاية لنفس محمد -ﷺ-، وقال غيره: بل العِرض هنا: هو الحرمة التي تُنتهك بالسبّ والغيبة التي قال فيها النبيّ -ﷺ-: «إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا»، متّفقٌ عليه. وقال النوويّ -﵀-: هذا مما احتَجّ به ابن قتيبة لمذهبه أن عِرْض الإنسان هو نفسه، لا أسلافه؛ لأنه ذَكَر عِرضه وأسلافه بالعطف، وقال غيره: عِرْض الرجل: أموره كلها التي يُحمد بها، ويذمّ، من نفسه، وأسلافه، وكل ما لَحِقه نقص يعيبه. وأما قوله: «وِقاء» فبكسر الواو، وبالمد، وهو ما وَقَيت به الشيء. انتهى . (ثَكِلْتُ بُنَيَّتِي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا … تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَنَفَي كَدَاءِ) (ثَكِلْتُ بُنَيَّتِي)؛ أي: فقدت بناتي، والثكل: فَقْد الولد، و«بُنيّتي» تصغير بنت، ومعناه: الدعاء على ابنته بالموت إن لم يغز قريشًا. وقوله: (إِنْ لَمْ تَرَوْهَا) الضمير للخيل، (تُثِيرُ النَّقْعَ)؛ أي: الغبار، يقول: إنكم سوف ترون خيول المسلمين تُثير الغبار في حوالي مكة، وإن لم تفعل فإني أدعو على بُنيّتي بالموت. (مِنْ كَنَفَيْ كَدَاءِ)؛ أي: جانبَي الموضع المسمى بكداء، هكذا وقع عند مسلم، وفيه الإقواء من عيوب القافية، وهو اختلاف حركة الإعراب في القوافي، ووقع لبعض الرواة بلفظ: «موعدها كَداءُ»، ولبعضهم «غايتها» بدل «موعدها»، والمعنى متقارب، وقال القرطبيّ -﵀- بعد ذكر الرواية الأولى التي فيها الإقواء: وليس بشيء؛ إذ لا ضرورة تُحْوج إليه مع صحّة الروايات المتقدّمة؛ يعني: التي لا إقواء فيها. انتهى . (يُبَارِينَ الأَعِنَّةَ مُصْعِدَاتٍ … عَلَى أَكْتَافِهَا الأَسَلُ الظِّمَاءُ) (يُبَارِينَ) وفي نسخة: «ينازعن» من المنازعة، والمباراة: المعارضة، والأعنّة: جمع عِنَان، وهو سَيْر اللجام الذي تُمسك به الدابّة. وقوله: (مُصْعِدَاتٍ) منصوب على الحال، والإصعاد: التوجّه إلى الشيء والذهاب إليه، ولا يُطلق ذلك على الرجوع، والمعنى: أنها -يعني: الخيل- حين تتوجّه إلى الحرب، فإنها تعارض أعنّتها في الصلابة والقوّة؛ لأن العنان ربما يكون من الحديد، وقيل: إنها تضاهي أعنّتها في اللِّين، وسرعة الانقياد؛ يعني: أنها تنقاد لراكبها، كما أن أعنّتها تنقاد لحاملها، وقيل: المراد أنها تعارض أعنتها في الجذب؛ لقوّة نفوسها، وقوّة رؤوسها. وقوله: (عَلَى أَكْتَافِهَا الأَسَلُ الظِّمَاءُ) «الأسل» بفتح الهمزة، والسين: الرماح، و«الظماء»: جمع ظمأ؛ أي: العطاش، وفي بعض الروايات: «الأُسُد الظماء»، وهو جمع أَسَد، شبّه راكبيها بالأُسُد؛ لشجاعتهم، وصولتهم. (تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ … تُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ) قوله: (تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ) قال ابن منظور في «اللسان»: تمطّرت الخيل: ذهبت مسرعةً، وجاءت متمطّرةً؛ أي: جاءت يسبق بعضها بعضًا، و«تُلَطِّمهنّ» تفعيل من لطم يلطِم لطمًا: إذا ضرب خدّه، أو صفحة خدّه بكفه مفتوحةً، و«الخُمُر» على وزن كُتُب: جمع خِمار، وهو ما تغطّي به المرأة رأسها، وقد فسّر شُرّاح الحديث هذا الشِّعر بأن خيل المسلمين مسرعة في سَيْرها عند القتال، وأنها كريمة على أهلها، ولذلك تمسح النساء الغبار وجوهها بخُمُرها؛ إكرامًا لها، وإظهارًا لحبّهنّ لها. وقد فسّر علماء الأدب بطريق آخر، وهوأنها تَتْبَع العدوّ مسرعة في سَيْرها، حتى إن نساء العدوّ يلطمن وجوهها بخمرهنّ ليردّوها عن أنفسهنّ، وهذا المعنى ألْيق بكلمة اللطم، وقد ذكروا أن ذلك وقع فعلًا عند فتح مكة، فكأن الله تعالى أجرى على لسان حسّان ما قدّره عند فتح مكة. ويُروى أيضًا أن الناس قد أُمروا يوم فتح مكة بأن يسيروا إلى كداء، تفاؤلًا بشعر حسّان -﵁-، فكان الأمر كذلك. (فَإنْ أَعْرَضْتُمُو عَنَّا اعْتَمَرْنَا … وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ) ظاهر هذا أن حسّان -﵁- قال هذه القصيدة في عمرة الحديبية حين صُدّوا عن البيت، وقيل: إنه قالها يوم فتح مكة، والظاهر هو الأول؛ لأنه يقول: إن أعرضتم عنّا، ولم تصدّونا عن البيت أدّينا عمرتنا، وحصل لنا الفتح في هذا الأمر، وإلا فانتظروا يومًا يُعزّ الله فيه المسلمين، وهو يوم فتح مكة، ما بيّنه بقوله: (وَإِلَّا فَاصْبِرُوا لِضِرَابِ … يَوْمِ يُعِزُّ اللهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ) الضِّراب بكسر الضاد المعجمة: المضَاربة بالسيف والقتال، وقوله: «يُعزّ الله فيه من يشاء» فيه تجاهل العارف، وهو من صنائع البديع، والمراد: أن الله تعالى يُعزّ المسلمين، ولكنه لم يُصرّح بذلك. (وَقَالَ اللهُ قَدْ أَرْسَلْتُ عَبْدًا … يَقُولُ الْحَقَّ لَيْسَ بِهِ خَفَاءُ) شهِد حسّان -﵁- بتصديقه -ﷺ- في هذا البيت، ولذلك قال في البيت الذي بعده: شَهِدتُ بِهِ فَقُومُوا صَدِّقُوهُ … فَقُلْتُمْ لَا نَقُومُ وَلَا نَشَاءُ أي: لا نقوم لتصديقه، ولا نريده، فعانَدوا، ولمَّا كان كذلك قال: (وَقَالَ اللهُ قَدْ يَسَّرْتُ جُنْدًا … هُمُ الأَنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ) «عُرضتها» بضم العين: قَصْدها، يقال: اعترضت عُرضه؛ أي: قصدت قَصْده، والمراد أن الأنصار قَصْدهم لقاء العدوّ والقتال، وقد تكون العرضة بمعنى القوّة، يقال: فلان عُضة لكذا؛ أي: قويّ عليه، والمراد أن الأنصار أقوياء على القتال، وإنما خصّ الأنصار بالذِّكر؛ لأنهم الذين قاموا بمبازرة النبيّ -ﷺ- مَنْ عانَد من قومه، وأما المهاجرون فلم يظهر لهم أمر إلا عند اجتماعهم بالأنصار. (لَنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ مَعَدٍّ … سِبَابٌ أَو قِتَالٌ أَوْ هِجَاءُ) وفي بعض النسخ: «يُلَاقِي كُلَّ يَوْمِ مِنْ مَعَدٍّ»؛ يعني بمعدّ: قريشًا؛ لأنهم من وَلَد معدّ بن عدنان، و«أو» للتنويع، ويعني بالسباب: السبّ نثرًا، وبالهجاء: السبّ نظمًا، ويدلّ على ذلك قوله: فَنُحَكِّمُ بِالْقَوَافِي مَنْ هَجَانَا … وَنَضْرِبُ حِينَ تَخْتَلِطُ الدِّمَاءُ أي: نُجيب الهاجي بأبلغ من هجائه، وأصعب عليه، فيمتنع من العود، ويعني باختلاط الدماء: التحام الحرب. أَلَا أَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنِّي … مُغَلَّغَةً فَقَدْ بَرِحَ الْخَفَاءُ المغلّغة بغينين معجمتين ، بينهما لام: الرسالة تُحمل من بلد إلى بلد، و«برح الخفاء»؛ أي: انكشف المضمر. بِأَنَّ سُيُوفَنَا تَرَكَتْكَ عَبْدًا … وَعَبْدُ الدَّارِ سَادَتُهُ الإِمَاءُ أي: تركتك ذليلًا ذُلّ العبيد. (فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللهِ مِنْكُمْ … وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ) يقول: إن رسول الله -ﷺ- من العزّة والشرف بمكان لا يضرّه هجاؤكم، ولا ينفعه مدحكم ونصركم؛ لأنكم من الهوان بحيث لا يُعبأ بكم، وهو من العزّة والمنعة والوجاهة بحيث لا ينال منه، ولا يُرتقى إليه. (وَجِبْرِيلٌ رَسُولُ اللهِ فينَا … وَرُوحُ الْقُدْسِ لَيْس لَهُ كِفَاءُ) قوله: «ليس له كِفاء» بكسر الكاف؛ أي: نظيرٌ ومثيلٌ. انتهى منقولًا من «شرح الأبيّ» وغيره . [تنبيه]: ذكر القرطبيّ -﵀ - أول هذه القصيدة، وشرحها، فقال ما نصّه: لم يرو مسلم أوَّل هذه القصيدة، وقد ذكرها بكمالها ابن إسحاق، وذكر أوَّلها: عَفَتْ ذَاتُ الأَصَابِعِ فَالجِواءُ … إِلَى عَذْرَاءَ مَنْزِلُها خَلاءُ فلنذكرها على ما ذكرها ابن إسحاق ونفسِّر غريبها؛ فإنَّها قصيدة حسنة مشتملة على فوائد كثيرة. وقوله: عفت: معناه: درست وتغيَّرت، وذات الأصابع والجِواء: موضعان بالشام، وعذراء: قرية عند دمشق، إنَّما ذكر حسّان هذه المواضع؛ لأنَّه كان يَرِدها كثيرًا على ملوك غسان يمدحهم، وكان ذلك قبل الإسلام. وخلا: خالٍ ليس به أحد. ديارٌ من بني الحَسحَاس قَفرٌ … تُعَفِّيها الرَّوامسُ والسَّماء وكانت لا يَزَالُ بها أَنِيسٌ … خِلالَ مُرُوجِها نَعَمٌ وَشَاءُ الدِّيار: المنازل. وبنو الحسحاس: قبائل معروفون، وتُعَفِّيها: تغيِّرها. والروامس: الرياح، وسُمِّيت بذلك؛ لأنَّها ترمس الآثار؛ أي: تغيّرها، والرمس والرسم: الأَثَر الخفيّ. والسماء: المطر. والسماء: كل ما علاك فأظلَّك. وخِلال: بمعنى بين. ومروج: جمع مَرْج، وهو الموضع المُنْبِت للعشب المختلف الذي يختلط بعضه ببعض. والنَّعَم: الإبل خاصّة، والأنعام: يتناول: الإبل، والبقر، والغنم. والشاءُ: الغنم. فَدَع هَذَا ولَكِن مَن لِطَيْفٍ … يُؤَرِّقُنِي إذا ذَهَبَ العِشاءُ الطَّيف: ما يراه النائم في منامه، وهو في الأصل مصدر: طاف الخيال، يطوف طيفًا، ولم يقولوا في هذا: طائف في اسم الفاعل، قال السُّهيلي: لأنه تخيُّل لا حقيقة له، فأمَّا قوله: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القلم: ١٩]، فلا يقال: فيه طيف؛ لأنَّه اسم فاعل حقيقة، ويقال: إنه جبريل، فأمَّا قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: ٢٠١]. فمن قرأه: ﴿طَائِفٌ﴾ اسم فاعل؛ فإنَّه أراد به الشيطان نفسه، ومن قرأه: «طيف» أراد به تخيّله ووسواسه، وهي لا حقيقة لها، ويؤرقني: يُسهرني. إذا ذهب العِشاء؛ أي: بعد العشاء في الوقت الذي ينام فيه الناس؛ يعني: أنه يسهر لفكرته في الطيف، أو لِلَوْعَتِه به كلما غمض. لِشَعثاءَ التي قد تَيَّمتهُ … فَلَيسَ لِقَلبِه منها شِفاءُ قيل: إن شعثاء هذه: هي ابنةُ كاهنِ امرأة حسان، ولدت له ابنته أم فراس. وتيَّمته: ذلَّلته. كَأَنَّ سَبِيَّةً مِن بَيتِ رَأسٍ … يكُونُ مِزَاجُها عَسَلٌ وماءُ السبيّة: الخمر. وبيت رأس: موضع فيه خمر عالية، وقيل: رأس: رجل خمّار نُسبت إليه، ومزاجها: خليطها. وقد جعل الخبر معرفة، والاسم نكرة، وهو عكس الأصل؛ وإنَّما جاز ذلك؛ لأنَّ عسلًا وماءً: اسمان من أسماء الأجناس، فأفاد مُنكِّره ما يفيد معرَّفة، فكأنهما معرفتان، وخبر كان محذوف، تقديره: كأنَّ فيها سبيَّة مستلذَّة، وهذا إنما اضطر إلى ذلك من لم يرو في القصيدة قوله: على أَنيابِها أو طَعمُ غَضٍّ … مِنَ التُّفَّاح هَصَّرَهُ الجِناء وذلك أن هذا البيت لم يقع في رواية ابن إسحاق، فمن صحَّ عنده هذا البيت، جعل خبر كان: على أنيابها، ولم يحتَجْ إلى تقدير ذلك المحذوف. والأنياب: هي الأسنان التي بين الضَّواحك والرُّباعيات. والغَضُّ: الطريّ، وهصَّره: دلَّاه، وأدناه. الجِناء؛ أي: الاجتناء، وهو بكسر الجيم والمدّ، والجنى -بالفتح والقصر-: ما يُجتنى من الشجر، قال أبو القاسم السُّهيلي: وهذا البيت موضوع. إذا ما الأَشْرِباتُ ذُكِرنَ يومًا … فَهُنَّ لِطَيّب الرَّاح الفِدَاءُ الأشربات: جمع أشربة، فشرابٌ الواحد، وجَمْع قلّته المكسّر: أشربة، وجَمْع سلامته: أشربات. والراح: من أسماء الخمر، واللام هنا: للعهد؛ أي: الخمر السبية المتقدِّمة الذكر. نُوَلِّيها المَلامَةَ إن أَلَمْنا … إذا ما كان مَقْتٌ أو لِحَاءُ ونَشرَبُها فَتَتْرُكُنا مُلُوكًا … وأُسدًا ما يُنَهنِهُنا اللِّقاءُ ألَمْنا؛ أي: أتينا ما نلام عليه. والمقتُ: مما يُمقت عليه أي: يُبغض؛ كالضرب، والأذى. واللحاء: الملاحاة باللسان، يريد: إن فعلنا شيئًا من ذلك اعتذرنا بالسُّكْر، وينهنهنا: يُضْعِفُنا، ويُفْزِعُنا. عَدِمنا خَيلَنا إِن لَم تَرَوها … تُثِيرُ النَّقْعَ مَوعِدُها كَدَاءُ يُنَازِعنَ الأَعِنَّةَ مُصْعِدَاتٍ … على أَكْتَافِها الأَسَلُ الظِّمَاءُ الضمير في «تروها» عائد على الخيل، وإن لم يَجْرِ لها ذِكْر، لكنها تفسِّرها الحال والمشاهدة، وتثير: تحرِّك. والنقع: الغبار، وكداء: الثنية التي بأعلى مكة، وكُدَى -بضم الكاف والقصر-: تثنية بأسفل مكة، وقد تقدَّم ذِكرهما. وينازعن: يجاذبن. والأسل: الرِّماح. والظماء: العطاش. ووصف الرماح بذلك؛ لأنَّ حامليها يريدون أن يطعنوا أعداءهم بها فيُرووها من دمائهم. ومُصعِدات: مرتفعات، ومصغيات: مائلات. تَظَلُّ جِيَادُنا مُتَمَطِّراتٍ … تُلَطِّمُهُنَّ بالخُمُرِ النِّساءُ الجياد: الخيل. متمطرات؛ يعني: بالعرق من الجري، والرواية المشهورة: يلطمهن: من اللطم، وهو: الضرب في الخدّ، ويعني: أن هذه الخيل لكرمهن في أنفسهن، ولعزَّتهن عليهم تبادر النساء فيمسحن وجوه هذه الخيل بالخُمُر. وكان الخليل يروي هذا اللفظ: يطلمهن بتقديم الطاء على اللام، ويجعله بمعنى ينفض، وقال ابن دريد: الطلم: ضربك خبز الْمَلّة بيدك لينتفض ما به من الرماد. ورواية مسلم لهذا الحديث: «ثَكِلَتْ بُنَيتي» بدل «عدمنا خيلنا». والثكل: فَقْد الولد. وبُنيّتي: تصغير بنت. ومعنى صدر هذا البيت على الروايتين: الدعاء على نفسه إن لم يغز قريشًا. ووقع أيضًا لبعض رواة مسلم: موعدها كداء، ولبعضهم: «غايتها» بدل «موعدها». والمعنى متقارب. ووقع في بعض النُّسخ مكان «موعدها»: «من كنفي كداء» على الإقواء، وليس بشيء؛ إذ لا ضرورة تُحْوج إليه مع صحَّة الروايات المتقدِّمة، وكنفا كداء: جانباها. فإِمَّا تُعرِضو عنَّا اعتَمَرنا … وكَانَ الفَتحُ وانكَشَفَ الغِطَاءُ هذا يدل على أن حسان قال هذه القصيدة قبل يوم الفتح كما قال ابن هشام. وظاهره أن ذلك كان في عُمرة الحديبية حين صدّوا رسول الله -ﷺ- عن البيت، وقال ابن إسحاق: إن حسان قالها في فتح مكة، وفيه بُعدٌ. وإِلا فَاصبِرُوا لِضراب يَومٍ … يُعِزُّ اللهُ فيهِ مَنْ يَشاءُ هذا من باب إلهام الَعالم؛ لأنَّ حسان قد علم أن الله قد أعز نبيَّه -ﷺ-، وقد قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [النور: ٥٥]، وقال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]، إلى غير ذلك، وقد دلَّ على هذا قوله بعد هذا: وجِبرِيلُ رَسُولُ اللهِ فينا … ورُوحُ القُدسِ ليسَ لَهُ كِفَاءُ أي: لا يقاومه أحد، ولا يماثله. وروح القدس: هو جبريل -﵇-، والقدس: الطهارة، وهو معطوف على رسول الله، والكفاء: الكفؤ، وهو المثل. وقالَ الله قد أَرسَلْتُ عَبدًا … يقُولُ الحقَّ إِن نَفَعَ البَلاءُ أي: الابتلاء، وهو الاختبار، وقد ضمّن صدر هذا البيت معنى الابتلاء، ولذلك أشار بقوله: البلاء؛ لأنَّ اللام فيه للعهد لا للجنس، فتدبَّره، ورواية مسلم في هذا البيت: ......................... … يقُولُ الحَقَّ لَيسَ به خَفاءُ ثم شهد حسَّان بتصديقه فقال: شَهِدتُ به فَقُومُوا صدِّقُوه … فَقُلتُم لا نَقُومُ ولا نَشَاءُ أي: لا نقوم لتصديقه، ولا نريده، فعاندوا، ولمّا كان ذلك قال: وقَال اللهُ قَد يَسَّرتُ جُندًا … هُمُ الأَنصارُ عُرضَتُها اللِّقاءُ أي: قَصدُها وهمُّها: لقاؤكم، وقتالكم؛ يعني: أنهم لمّا ظهر عنادهم، نصر الله نبيَّه بجند الأنصار، ولم يذكر المهاجرين؛ لأنَّهم لم يظهر لهم أثر إلا عند اجتماعهم بالأنصار، والله تعالى أعلم. لَنا فِي كُلِّ يومٍ مِنْ مَعَدٍّ … سِبَابٌ أو قِتَالٌ أو هِجاءُ هكذا رواية ابن إسحاق، ويروى: سباء من السَّبي، ومعناه واضح، فالهمزة مكان الباء، والذي في كتاب مسلم: يُلاقي كل يوم من معدٍّ سباب. ويعني بمعدٍّ: قريشًا، نَسَبَهم لمعدِّ بن عدنان، و«أو» في البيت للتنويع، ويعني بالسباب: السب نثرًا، وبالهجاء: السب نظمًا، والله تعالى أعلم. وقد دلَّ عليه قوله: فَنُحكِم بالقَوَافي مَن هَجَانا … ونَضرِبُ حِينَ تَختَلِطُ الدِّماءُ فنحكم: نمنع، ويعني: أنه يجيب الهاجي بأبلغ من هجائه، وأصعب عليه، فيمتنع من العود، ويعني باختلاط الدماء: التحام الحرب، ومخالطة الدماء عند الحرب. أَلا أَبلِغ أَبا سفيانَ عَنِّي … مُغَلغَلةً فقد بَرِحَ الخَفَاءُ أبو سفيان هذا: هو ابن الحارث، وهو كان الهاجي أولًا، وقد تقدَّم أنه كان أحد الشعراء. والمغلغلة: الرسالة تُحمل من بلد إلى بلد. وبرح الخفاء؛ أي: انكشف السر، وظهر المُضْمَر، وهو مَثَلٌ. فإنَّ سيوفنا تَرَكَتكَ عبدًا … وعبد الدَّارِ ساد بها الإماء عبدًا: يعني: ذليلًا ذُلّ العبيد. انتهى من شرح القرطبيّ -﵀- . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٥) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيِّ -﵁-) هو: أبو هريرة بن عامر بن عبد ذي الشَّرَى بن طريف بن عتاب بن أبي صعب بن منبه بن سعد بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غَنْم بن دوس بن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب الدوسي، هكذا سمّاه، ونسبه ابن الكلبيّ، ومن تبعه، وقوّاه أبو أحمد الدمياطيّ. وقال ابن إسحاق: كان وسيطًا في دوس، وأخرج الدولابيّ من طريق ابن لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، قال: اسم أبي هريرة: عبد نهم بن عامر، وهو دوسي، حليف لأبي بكر الصديق، وخالف ابن الْبَرْقي في نَسَبه، فقال: هو ابن عامر بن عبد شمس بن عبد الساطع بن قيس بن مالك بن ذي الأسلم بن الأحمس بن معاوية بن المسلم بن الحارث بن دهمان بن سليم بن فهم بن عامر بن دوس، قال: ويقال: هو ابن عتبة بن عمرو بن عيسى بن حرب بن سعد بن ثعلبة بن عمرو بن فهم بن دوس، وقال أبو علي بن السكن: اختُلف في اسمه، فقال أهل النسب: اسمه عمير بن عامر، وقال ابن إسحاق: قال لي بعض أصحابنا عن أبي هريرة: كان اسمي في الجاهلية عبد شمس بن صخر، فسمّاني رسول الله -ﷺ-: عبد الرحمن، وكُنيت أبا هريرة؛ لأني وجدت هرة، فحملتها في كمي، فقيل لي: أبو هريرة، وهكذا أخرجه أبو أحمد الحاكم في «الكنى» من طريق يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، وأخرجه ابن منده من هذا الوجه مطولًا، وأخرج الترمذي بسند حسن، عن عبيد الله بن أبي رافع، قال: قلت لأبي هريرة: لِمَ كنيت بأبي هريرة؟ قال: كنت أرعى غنم أهلي، وكانت لي هرة صغيرة، فكنت أضعها بالليل في شجرة، وإذا كان النهار ذهبت بها معي، فلعبت بها، فكنوني أبا هريرة. انتهى. وفي «صحيح البخاري»: أن النبيّ -ﷺ- قال له: «يا أبا هِرّ». وأخرج البغوي من طريق إبراهيم بن الفضل المخزومي، وهو ضعيف، قال: كان اسم أبي هريرة في الجاهلية عبد شمس، وكنيته أبو الأسود، فسمّاه رسول الله -ﷺ- عبد الله، وكناه أبا هريرة. وأخرج ابن خزيمة بسند قوي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عبد شمس، من الأزد، ثم من دوس. وأخرج الدولابي بسند حسن، عن أسامة بن زيد الليثي، عن عبيد الله بن أبي رافع، والمقبري، قالا: كان اسم أبي هريرة: عبد شمس بن عامر بن عبد الشَّرَى -والشَّرَى: اسم صنم لدوس- فلما أسلم سُمّي بعبد الله بن عامر، وقال عبد الله بن إدريس عن شعبة: كان اسم أبي هريرة عبد شمس، وكذا قال يحيى بن معين، وأحمد بن صالح المصري، وهارون بن حاتم، وكذا قال أبو زرعة، عن أبي مسهر، وقال أبو نعيم الفضل بن دكين مثله، وزاد: ويقال: عبد عمرو، وقال مرة أخرى: أبو هريرة: سُكين، ويقال: عامر بن عبد غنم، وكذا قال إسماعيل بن أبي أويس: وجدت في كتاب أبي: كان اسم أبي هريرة: عبد شمس، واسمه في الإسلام: عبد الله، وعن أبي: نمير مثله، وذكر الترمذي عن البخاري مثله، وقال صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه: أبو هريرة عبد شمس، ويقال: عبد نهم، ويقال: عبد غنم، ويقال: سُكَين، ويقال: عبد الله بن عامر، أخرجه البغوي عن صالح، وكذا قال الأحوص بن المفضل العلائي عن أبيه، وكذا حكاه يعقوب بن سفيان في «تاريخه»، وذكر ابن أبي شيبة مثله، وزاد: ويقال: عبد الرحمن بن صخر، وذكر البغوي عن عبد الله بن أحمد، قال: سمعت شيخًا لنا كبيرَّا يَقول: اسم أبي هريرة: سُكين بن دُومة، وهذا حكاه الحسن بن سفيان بسنده عن أبي عمر الضرير، وزاد: ويقال: عبد عمرو بن غنم، وقال عمرو بن علي الفلاس، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن المحرر بن أبي هريرة: كان اسم أبي: عبد عمرو بن عبد غنم، أخرجه أسلم بن سهل في «تاريخه»، وأخرجه البغوي عن المقدمي، عن عمة سفيان، ولفظه: كان اسم أبي هريرة: عبد الرحمن بن غنم، كذا في رواية عيسى بن علي، عن البغوي، وأخرجه ابن أبي الدنيا من طريق المقدمي مثل ما قال عمرو بن علي، وكذا هو في «الذهليات» عن بكر بن بكار، عن عُمَر بن علي المقدمي ، وقال ابن خزيمة: قال الذهلي: هذا أوضح الروايات عندنا على القلب. قال ابن خزيمة: وإسناد محمد بن عمرو، عن أبي سلمة أحسن من سفيان بن حسين، عن الزهري، عن المحرر، إلا أن يكون كان له اسمان قبل إسلامه، وأما بعد إسلامه، فلا أحسب اسمه استمر. قلت: أنكر أن يكون النبيّ -ﷺ- غيّر اسمه، فسمّاه عبد الرحمن، كما نَقل أحمد بن حنبل، عن أبي عبيدة الحداد، وأخرج أبو محمد بن زيد، عن الأصمعي أن اسمه: عبد عمرو بن عبد غنم، ويقال: عمرو بن عبد غنم، وجزم بالأول النسائي، وقال البغوي: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا أبو إسماعيل المؤدب، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، واسمه: عبد الرحمن بن صخر، قال الحافظ: وأبو إسماعيل صاحب غرائب، مع أن قوله: واسمه: عبد الرحمن بن صخر، يحتمل أن يكون من كلام أبي صالح، أو من كلام مَن بعده، وأخلق به أن يكون أبو إسماعيل الذي تفرد به، والمحفوظ في هذا قول محمد بن إسحاق، وأخرج أبو نُعيم من طريق إسحاق بن راهويه، قال: أبو هريرة مختلَف في اسمه، فقيل: سُكَين بن مل، وقيل: ابن هانئ، وقال بعضهم: عمر بن عبد شمس، وقيل: ابن عبد نهم، وقال عباس الدوري، عن أبي بكر بن أبي الأسود: سكين بن جابر، وأخرج أبو أحمد الحاكم بسند صحيح، عن صالح بن كيسان، قال: اسمه عامر، ومثله حكاه الهيثم بن عبدي، عن ابن عباس، وهو المسوق، وزاد أنه ابن عبد شمس بن عبد غنم بن عبد ذي الشَّرَى، وقال أبو مسهر، عن سعيد بن عبد العزيز: هو عامر بن عبد شمس، وقيل: عبد غنم، وقيل: سكين بن عامر، وقال خليفة: اختلف في اسمه، فقيل: عمير بن عامر، وقيل: سكين بن دومة، ويقال: عبد عمرو بن عبد غنم، وقيل: عبد الله بن عامر، وقيل: برير، أو يزيد بن عشرقة، وقال الفلاس: اختلفوا في اسمه، والذي صح أنه عبد عمرو بن عبد غنم، ويقال: سكين، وقال البغوي: حدثنا محمد بن حميد، حدثنا أبو نميلة، حدثنا محمد بن عبيد الله، قال: اسمه: سعد بن الحارث، قال البغوي: وبلغني أن اسمه: عبد ياليل، وقال ابن سعد، عن الواقدي: كان اسمه عبد شمس، فسمّي في الإسلام عبد الله، ونقل عن الهيثم مثله، وزاد البغوي عن الواقدي: ويقال: إنه عبد الله بن عائذ، وقال ابن البرقي: اسمه عبد الرحمن، ويقال: عبد شمس، ويقال: عبد غنم، ويقال: عبد الله، ويقال: بل هو عبد نهم، وقيل: عبد تيم، وحكى ابن منده في أسمائه: عبد، بغير إضافة، وفي اسم أبيه: عبد غنم، وحكى أبو نعيم فيه: عبد العزى، وسَكَن -بفتحتين-. قال النووي في مواضعٍ من كتبه: اسم أبي هريرة: عبد الرحمن بن صخر على الأصح من ثلاثين قولًا. وقال القطب الحلبي: اجتمع في اسمه واسم أبيه أربعة وأربعون قولًا، مذكورة في «الكنى» للحاكم، وفي «الاستيعاب»، وفي «تاريخ ابن عساكر». قال الحافظ: وجه تكثره أنه يجتمع في اسمه خاصة عشرة أقوال مثلًا، وفي اسم أبيه نحوها، ثم تركَّبت، ولكن لا يوجد جميع ذلك منقولًا، فمجموع ما قيل في اسمه وحده نحو من عشرين قولًا: عبد شمس، وعبد نهم، وعبد تيم، وعبد غنم، وعبد العزى، وعبد ياليل، وهذه جائز أن تبقى بعد أن أسلم، كما أشار إليه ابن خزيمة، وقيل فيه أيضًا: عبيد بغير إضافة، وعبيد الله بالإضافة، وسُكين بالتصغير، وسكن بفتحتين، وعمرو بفتح العين، وعمير بالتصغير، وعامر، وقيل: برير، وقيل: بر، وقيل: يزيد، وقيل: سعد، وقيل: سعيد، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وجميعها محتمل في الجاهلية والإسلام، إلا الأخير، فإنه إسلامي جزمًا، والذي اجتمع في اسم أبيه خمسة عشر قولًا، فقيل: عائذ، وقيل: عامر، وقيل: عمرو، وقيل: عمير، وقيل: غنم، وقيل: دومة، وقيل: هانئ، وقيل: ملّ، وقيل: عبد نهم، وقيل: عبد غنم، وقيل: عبد شمس، وقيل: عبد عمرو، وقيل: الحارث، وقيل: عشرقة، وقيل: صخر، فهذا معنى قول من قال: اختُلف في اسمه واسم أبيه على أكثر من ثلاثين قولًا. فأما مع التركيب بطريق التجويز، فيزيد على ذلك نحو مائتين وسبعة وأربعين، مِنْ ضَرْب تسعة عشر في ثلاثة عشر، وأما مع التنصيص، فلا يزيد على العشرين، فإن الاسم الواحد من أسمائه يركب مع ثلاثة، أو أربعة من أسماء الأب، إلى أن يأتي العد عليهما، فيخلص للمغايرة مع التركيب عدد أسمائه خاصة، وهي تسعة عشر، مع أن بعضها وقع فيه تصحيف، أو تحريف، مثل: بر، وبرير، ويزيد، فإنه لم يَرِدْ شيء منها إلا مع عشرة، والظاهر أنه تغيير من بعض الرواة، وكذا سكن وسُكَين، والظاهر أنه يرجع إلى واحد، وكذا سعد وسعيد، مع أنهما أيضًا لم يَرِدا إلا مع الحارث، وبعضها انقلب اسمه مع اسم أبيه كما تقدم في قول من قال: عبد عمرو بن عبد غنم، وقيل: عبد غنم بن عبد عمرو، فعند التأمل لا تبلغ الأقوال عشرة خالصة، ومرجعها من جهة صحة النقل إلى ثلاثة: عمير، وعبد الله، وعبد الرحمن، الأولان محتملان في الجاهلية والإسلام، وعبد الرحمن في الإسلام خاصة، كما تقدم. قال ابن أبي داود: كنت أجمع سند أبي هريرة، فرأيته في النوم، وأنا بأصبهان، فقال لي: أنا أول صاحب حديث في الدنيا. وقد أجمع أهل الحديث على أنه أكثر الصحابة حديثًا، وذكر أبو محمد بن حزم أن مسند بقي بن مخلد احتوى من حديث أبي هريرة على خمسة آلاف وثلاثمائة حديث وكسر، وحدّث أبو هريرة أيضًا عن أبي بكر، وعمر، والفضل بن العباس، وأُبيّ بن كعب، وأسامة بن زيد، وعائشة، وبصرة الغفاري، وكعب الأحبار، وروى عنه ولده: المحرر -بمهملات- ومن الصحابة: ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأنس، وواثلة بن الأسقع، ومن كبار التابعين: مروان بن الحكم، وقبيصة بن ذؤيب، وعبد الله بن ثعلبة، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وسلمان الأغر، والأغر أبو مسلم، وشريح بن هانئ، وخباب صاحب المقصورة، وأبو سعيد المقبري، وسليمان بن يسار، وسنان بن أبي سنان، وعبد الله بن شقيق، وعبد الرحمن بن أبي عمرة، وعراك بن مالك، وأبو رزين الأسدي، وعبد الله بن قارظ، وبسر بن سعيد، وبشير بن نهيك، وبعجة الجهني، وحنظلة الأسلمي، وثابت بن عياض، وحفص بن عاصم بن عُمَر، وسالم بن عبد الله بن عمر، وأبو سلمة وحميد ابنا عبد الرحمن بن عوف، وحميد بن عبد الرحمن الحميري، وخلاس بن عمرو، وزُرارة بن أوفى، وسالم أبو الغيث، وسالم مولى شداد، وعامر بن سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، وأبو الحباب سعيد بن يسار، وعبد الله بن الحارث البصري، ومحمد بن سيرين، وسعيد بن مرجانة، والأعرج، وهو عبد الرحمن بن هرمز، والمقعد، وهو عبد الرحمن بن سعيد، ويقال له: الأعرج أيضًا، وعبد الرحمن بن أبي نعيم، وعبد الرحمن بن يعقوب، والد العلاء، وأبو صالح السمان، وعبيدة بن سفيان، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعطاء بن ميناء، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن يزيد الليثي، وعطاء بن يسار، وعبيد بن حنين، وعجلان والد محمد، وعبيد الله بن أبي رافع، وعنبسة بن سعيد بن العاص، وعمرو بن الحكم، أبو السائب، مولى ابن زُهرة، وموسى بن يسار، ونافع بن جبير بن مطعم، وعبد الله بن رَباح، وعبد الرحمن بن مهران، وعمرو بن أبي سفيان، ومحمد بن زياد الجمحي، وعيسى بن طلحة، ومحمد بن قيس بن مَخْرَمة، ومحمد بن عباد بن جعفر، ومحمد بن أبي عائشة، والهيثم بن أبي سنان، وأبو حازم الأشجعي، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو الشعثاء المحاربي، ويزيد بن الأصم، ونعيم المجمر، ومحمد بن المنكدر، وهمام بن منبه، وأبو عثمان الطنبذي، وأبو قيس مولى أبي هريرة، وآخرون كثيرون. قال البخاري: روى عنه نحو الثمانمائة من أهل العلم، وكان أحفظ من روى الحديث في عصره، قال وكيع في نسخته: حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، قال: كان أبو هريرة أحفظ أصحاب محمد -ﷺ-، وأخرجه البغوي من رواية أبي بكر بن عياش، عن الأعمش بلفظ: ما كان أفضلهم، ولكنه كان أحفظ، وأخرج ابن أبي خيثمة، من طريق سعيد بن أبي الحسن، قال: لم يكن أحد من الصحابة أكثر حديثًا من أبي هريرة، وقال الربيع: قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، وقال أبو الزُّعَيزِعَة، كاتب مروان: أرسل مروان إلى أبي هريرة، فجعل يحدّثه، وكان أجلسني خلف السرير، أكتب ما يحدّث به حتى إذا كان في رأس الحول، أرسل إليه فسأله، وأمرني أن انظر، فما غَيّر حرفًا عن حرف. وفي «صحيح البخاري» من طريق وهب بن منبه، عن أخيه همام، عن أبي هريرة، قال: لم يكن من أصحاب رسول الله -ﷺ- أكثر حديثَّا مني، إلا عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب، ولا أكتب. وقال الحاكم أبوأحمد -بعد أن حكى الاختلاف في اسمه ببعض ما تقدم-: كان من أحفظ أصحاب رسول الله -ﷺ-، وألزمهم له صحبة، على شِبَع بطنه، فكانت يده مع يده، يدور معه حيث دار، إلى أن مات، ولذلك كَثُر حديثه. وقد أخرج البخاري في «الصحيح» من طريق سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «لقد ظننت ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أوّل منك لِمَا رأيت من حرصك على الحديث». وأخرج أحمد من حديث أُبيّ بن كعب: أن أبا هريرة كان جريئًا على أن يسأل رسول الله -ﷺ- عن أشياء، لا يسأله عنها غيره. وقال أبو نعيم: كان أحفظ الصحابة لأخبار رسول الله -ﷺ-، ودعا له بأن يحببه إلى المؤمنين، وكان إسلامه بين الحديبية وخيبر، قدم المدينة مهاجرًا وسكن الصُّفّة، وقال أبو معشر المدائني، عن محمد بن قيس قال: كان أبو هريرة يقول: لا تكنوني أبا هريرة، فإن النبي -ﷺ- كناني أبا هر، والذَّكَر خير من الأنثى. وأخرجه البغوي بسند حسن عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، وقال عبد الرحمن بن أبي لبيبة: أتيت أبا هريرة، وهو آدم، بَعيدُ ما بين المنكبين، ذو ضفيرتين، أفرق الثنيتين. وأخرج ابن سعد من طريق قرة بن خالد: قلت لمحمد بن سيرين: أكان أبو هريرة مُخشوشنًا؟ قال: لا، كان ليّنًا، قلت: فما كان لونه؟ قال: أبيض، وكان يخضب، وكان يلبس ثوبين ممشقين، وتمخّط يومًا، فقال: بخ بخ، أبو هريرة يتمخط في الكتان. وقال أبو هلال عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: لقد رأيتني أُصرَع بين منبر رسول الله -ﷺ-، وحجرة عائشة، فيقال: مجنون، وما بي جنون، زاد يزيد بن إبراهيم، عن محمد عنه: وما بي إلا الجوع، ولهذا الحديث طرق في «الصحيح»، وغيره، وفيها سؤال أبي بكر، ثم عمر عن آية، وقال: لعل أن يسبقني، فيفتح علي الآية، ولا يفعل. وقال داود بن عبد الله، عن حميد الحميري: صحبت رجلًا صحب النبيّ -ﷺ- أربع سنين، كما صحبه أبو هريرة. وقال ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم: نزل علينا أبو هريرة بالكوفة، واجتمعت أحمس، فجاءوا ليسلّموا عليه، فقال: مرحبًا، صحبت رسول الله -ﷺ- ثلاث سنين، لم أكن أحرص على أن أعي الحديث مني فيهن. وقال البخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا عمر بن ذر، حدثنا مجاهد، عن أبي هريرة قال: والله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد على الأرض بكبدي من الجوع، وأشد الحجر على بطني، فذَكَر قصة القدح واللبن. وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن هو ابن مهدي، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثني أبو كثير، حدثني أبو هريرة، قال: أما والله ما خلق الله مؤمنًا يسمع بي، ولا يراني إلا أحبني، قال: وما عِلْمك بذلك يا أبا هريرة؟ قال: إن أمي كانت مشركة، وإني كنت أدعوها إلى الإسلام، وكانت تأبى عليّ، فدعوتها يومًا، فأسمعتني في رسول الله -ﷺ- ما أكره، فأتيت رسول الله -ﷺ-، وأنا أبكي، فذكرت له، فقال: «اللَّهُمَّ اهدِ أم أبي هريرة»، فخرجت عَدْوًا، فإذا بالباب مُجاف، وسمعت حصحصة الماء، ثم فتحت الباب، فقالت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فرجعت وأنا أبكي من الفرح، فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يحببني وأمي إلى المؤمنين، فدعا. وقال الجريري عن أبي بصرة، عن رجل من الطفاوة، قال: نزلت على أبي هريرة، قال: ولم أدرك من الصحابة رجلًا أشد تشميرًا، ولا أقْوَم على ضيف منه. وقال عمرو بن علي الفلاس: كان مَقْدَمه عام خيبر، وكانت في المحرم سنة سبع. وفي «الصحيح» عن الأعرج قال: قال أبو هريرة: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله -ﷺ-، والله الموعد، إني كنت امرءًا مسكينًا، أصحب رسول الله -ﷺ- على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، فحضرت من النبيّ -ﷺ- مجلسًا، فقال: «من يبسط رداءه حتى أقضي مقالتي، ثم يقبضه إليه، فلن ينسى شيئًا سمعه مني»، فبسطت بردة عليَّ حتى قضى حديثه، ثم قبضتها إلي، فوالذي نفسي بيده ما نسيت شيئًا سمعته منه بعد. وأخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي من طريق الزهري، عن الأعرج، ومن طريق الزهري أيضًا عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة، يزيد بعضهم على بعض. وأخرجه البخاري وغيره، من طريق سعيد المقبري عنه مختصرًا: قلت: يا رسول الله إني لأسمع منك حديثًا كثيرًا أنساه، فقال: «ابسط رداءك»، فبسطته، ثم قال: «ضمه إلى صدرك»، فضممته، فما أنسيت حديثًا بعد. وأخرج أبو يعلى من طريق الوليد بن جميع، عن أبي الطفيل، عن أبي هريرة قال: شكوت إلى رسول الله -ﷺ- سوء الحفظ، فقال: «افتح كساءك»، فذكر نحوه. وأخرج أبو نعيم من طريق عبد الله بن أبي يحيى، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله -ﷺ-، قال: «ألا تسألني عن هذه الغنائم؟» قلت: أسألك أن تعلمني مما علَّمك الله، قال: فنزع نمرة على ظهري، ووسطها بيني وبينه، فحدَّثني حتى إذا استوعبت حديثه، قال: «اجمعها، فصُرها إليك»، فأصبحت لا أُسقط حرفًا مما حدثني، وقد تقدمت طرق هذا الحديث الصحيحة، وله طرق أخرى، منها عند أبي يعلى من طريق يونس بن عبيد، عن الحسن، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله -ﷺ- قال: «من يأخذ مني كلمة، أو كلمتين، أو ثلاثًا، فيُصِرْهُنَّ في ثوبه، فيتعلمهن، ويعلّمهن؟» قال: فنشرت ثوبي، وهو يحدث، ثم ضممته، فأرجو ألا أكون نسيت حديثًا مما قال. وأخرجه أحمد من طريق المبارك بن فضالة، عن الحسن نحوه، وفيه: فقلت: أنا، فقال: «ابسط ثوبك»، وفي آخره: فأرجو ألا أكون نسيت حديثًا سمعته منه بعد ذلك. وأخرج ابن عساكر من طريق شعبة، عن سماك بن حرب، عن أبي الربيع، عن أبي هريرة: كنت عند النبيّ -ﷺ-، فبسطت ثوبي، ثم جمعته، فما نسيت شيئًا بعد هذا، مختصر مما قبله. قال الحافظ: ووقع لي بيان ما كان حدَّث به النبي -ﷺ- في هذه القصة، إن ثبت الخبر، فأخرج أبو يعلى من طريق أبي سلمة: جاء أبو هريرة، فسلَّم على النبي -ﷺ-، في شكواه يعوده، فأَذِن له، فدخل، فسلَّم وهو قائم، والنبيّ -ﷺ-، متساند إلى صَدْر علي، ويده على صدره ضامّه إليه، والنبيّ -ﷺ- باسط رجليه، فقال: «ادن يا أبا هريرة»، فدنا، ثم قال: «ادن يا أبا هريرة»، ثم قال: «ادن يا أبا هريرة»، فدنا حتى مست أطراف أصابع أبي هريرة أصابع النبي -ﷺ-، ثم قال له: «اجلس»، فجلس، فقال له: «أدْنِ مني طرف ثوبك»، فمدّ أبو هريرة ثوبه، فأمسك بيده، ففتحه، وأدناه من النبيّ -ﷺ-، فقال له النبي -ﷺ-: «أوصيك يا أبا هريرة بخصال، لا تدعهن ما بقيت»، قال: أوصني ما شئت، فقال له: «عليك بالغسل يوم الجمعة، والبكور إليها، ولا تَلْغُ، ولا تَلْهُ، وأوصيك بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، فإنه صيام الدهر، وأوصيك بركعتي الفجر، لا تدعهما، وإن صليت الليل كله، فإن فيها الرغائب»، قالها ثلاثًا، ثم قال: «ضُمَّ إليك ثوبك»، فضَمّ ثوبه إلى صدره، فقال: يا رسول الله بأبي وأمي أسرٌّ هذا، أو أعلنه؟ قال: «أعلنه يا أبا هريرة»، قالها ثلاثًا، والحديث المذكور من علامات النبوة، فإن أبا هريرة كان أحفظ الناس للأحاديث النبوية في عصره. وقال طلحة بن عبيد الله: لا أشك أن أبا هريرة سمع من رسول الله -ﷺ- ما لم نسمع. وقال ابن عمر: أبو هريرة خير مني، واعلم بما يحدّث. وأخرج النسائي بسند جيد في «العلم» من «كتاب السنن الكبرى» ٣/ ٤٤٠؛ أن رجلًا جاء زيد بن ثابت، فسأله عن شيء، فقال له زيد: عليك بأبي هريرة، فإني بينما أنا وأبو هريرة وفلان في المسجد ذات يوم، ندعو الله، ونذكر ربنا، خرج علينا رسول الله -ﷺ-، حتى جلس إلينا، فسكتنا، فقال: «عودوا للذي كنتم فيه»، قال زيد: فدعوت أنا وصاحبي، قبل أبي هريرة، وجعل رسول الله -ﷺ- يؤمِّن على دعائنا، ثم دعا أبو هريرة، فقال: اللَّهُمَّ إني أسألك مثل ما سألك صاحباي هذان، وأسألك علمًا لا ينسى، فقال رسول الله -ﷺ-: «آمين»، فقلنا: يا رسول الله ونحن نسأل الله علمًا لا ينسى، فقال: «سبقكم بها الغلام الدوسي». وأخرج الترمذي من طريق سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قلت: يا رسول الله إني أسمع منك أشياء لا أحفظها، قال: «ابسط رداءك»، فبَسَطْته، فحدّث حديثًا كثيرًا، فما نسيت شيئًا حدّثني به، وسنده صحيح، وأصله عند البخاري بلفظ: «فما نسيت شيئًا سمعته بعدُ». وأخرج الترمذي أيضًا عن عمر؛ أنه قال لأبي هريرة: أنت كنت ألزمنا لرسول الله -ﷺ-، وأحفظنا لحديثه. وعن الدراوردي، عن سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، قال: تواعد الناس ليلة إلى قبّة من قباب معاوية، فاجتمعوا فيها، فقام أبو هريرة يحدّثهم عن رسول الله -ﷺ- حتى أصبح. وأخرج ابن سعد من طريق سالم مولى بني نصر، سمعت أبا هريرة، يقول: بعثني رسول الله -ﷺ- مع العلاء الحضرمي، فأوصاه بي خيرًا، فقال لي: ما تحب؟ قلت: أُؤَذِّن لك، ولا تسبقني بـ «آمين»، وأخرجه البخاري من طريق سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: حفظت من رسول الله -ﷺ- وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم. قال الحافظ الذهبيّ رحمه الله تعالى معلّقًا على هذا الأثر: هذا دالّ على جواز كتمان بعض الأحاديث التي تحرّك فتنة في الأصول، أو الفروع، أو المدح والذمّ، أما حديث يتعلّق بحلّ، أو حرام، فلا يحلّ كتمانه بوجه، فإنه من البينات والهدى، وفي «صحيح البخاريّ» قول الإمام عليّ -﵁-: «حدّثوا الناس بما يَعرفون، ودعوا ما يُنكرون، أتحبّون أن يكذّب الله ورسوله؟»، وكذا لو بثّ أبو هريرة -﵁- ذلك الوعاء لَأُوذِي، بل لقُتل، ولكن العالم قد يؤدّيه اجتهاده إلى أن ينشر الحديث الفلانيّ؛ إحياء للسُّنَّة، فله ما نوى، وله أجر، وإن غلط في اجتهاده. انتهى . وعند أحمد من طريق يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، وقيل له: أكثرت، فقال: لو حدثتكم بما سمعت لرميتموني بالقَشَع؛ أي: الجلود. وفي «الصحيح» عن نافع قال: قيل لابن عمر: حديث أبي هريرة؛ أن من اتبع جنازة، فصلى عليها فله قيراط … الحديث، فقال: أكثر علينا أبو هريرة، فسأل عائشة، فصدّقته، فقال: لقد فرّطنا في قراريط كثيرة. وأخرج البغوي بسند جيد، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن ابن عمر؛ أنه قال لأبي هريرة: أنت كنت ألزمنا لرسول الله -ﷺ-، وأعلمنا بحديثه. وأخرج ابن سعد بسند جيد، عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، قال: قالت عائشة لأبي هريرة: إنك لَتُحَدِّث بشيء ما سمعته، قال: يا أمه طَلَبْتُها، وشَغَلَك عنها المكحلة والمرآة، وما كان يشغلني عنها شيء، والأخبار في ذلك كثيرة. وأخرج البيهقي في «المدخل» من طريق بكر بن عبد الله، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أنه لقي كعبًا، فجعل يحدثه ويسأله، فقال كعب: ما رأيت رجلًا لم يقرأ التوراة أعلم بما في التوراة من أبي هريرة. وأخرج أحمد من طريق عاصم بن كليب، عن أبيه: سمعت أبا هريرة يبتدئ حديثه بأن يقول: قال رسول الله الصادق المصدوق، أبو القاسم -ﷺ-: «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار». وأخرج مسدد في «مسنده» من رواية معاذ بن المثنى، عن خالد، عن يحيى بن عبيد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: بلغ عمر حديثي، فقال لي: كنت معنا يوم كنا في بيت فلان؟ قلت: نعم، إن رسول الله -ﷺ- قال يومئذ: «من كذَّب علي. . .» الحديث، قال: اذهب الآن فحدِّث. قال الذهبيّ: يحيى ضعيف. وعن سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عُبيد الله، عن السائب بن يزيد، سمع عمر يقول لأبي هريرة: لتتركنّ الحديث عن رسول الله -ﷺ-، أو لأُلحقنك بأرض دوس، وقال لكعب: لتتركن الحديث، أو لألحقنك بأرض الْقِرَدة. وعن يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان أن أبا هريرة كان يقول: إني لَأُحَدِّث أحاديث، لو تكلمت بها في زمن عمر لشُجّ رأسي. قال الحافظ الذهبيّ: هكذا كان عمر -﵁- يقول: أقلّوا الحديث عن رسول الله -ﷺ-، وزجر غير واحد من الصحابة عن بثّ الحديث، وهذا مذهب لعمر ولغيره، فبالله عليك إذا كان الإكثار من الحديث في دولة عمر، بل هو غضّ لم يُشَب، فما ظنك بالإكثار من رواية الغرائب، والمناكير في زماننا مع طول الأسانيد، وكثرة الوهم والغلط؟ فبالحريّ أن نزجُر القوم عنه، فيا ليتهم يقتصرون على رواية الغريب والضعيف، بل يروون -والله- الموضوعات والأباطيل، والمستحيل في الأصول والفروع، والملاحم والزهد، نسأل الله العافية، فمن روى ذلك مع عِلْمه ببطلانه، وغرّ المؤمنين، فهذا ظالم لنفسه، جانٍ على السنن والآثار، يستتاب من ذلك، فإن أناب وأقصر، وإلا فهو فاسق كفى به إثمًا أن يحدّث بكلِّ ما سمع، وإن هو لم يعلم، فليتورعّ، وليستعن بمن يُعينه على تنقية مروياته، نسأل الله العافية، فلقد عمّ البلاء، وشملت الغفلة، ودخل الداخل على المحدّثين الذين يركن إليهم المسلمون، فلا عُتبى على الفقهاء وأهل الكلام. انتهى كلام الذهبيّ . وأخرج مسدد من طريق عاصم بن محمد بن يزيد بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، كان ابن عمر إذا سمع أبا هريرة يتكلم قال: إنا نعرف ما يقول، ولكنا نجبُن ويجترئ. وفي «فوائد المزكى»، تخريج الدارقطني من طريق عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رفعه: «إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه»، فقال له مروان: أما يكفي أحدنا ممشاه إلى المسجد حتى يضطجع؟ قال: لا، فبلغ ذلك ابن عمر، فقال: أكثر أبو هريرة، فقيل لابن عمر: هل تُنكر شيئًا مما يقول؟ قال: لا، ولكنه اجترأ وجبُنَّا، فبلغ ذلك أبا هريرة، فقال: ما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا. وقد أخرج أبو داود الحديث المرفوع. وأخرج ابن سعد من طريق الوليد بن رباح، سمعت أبا هريرة يقول لمروان حين أرادوا أن يدفنوا الحسن عند جده: تَدْخُل فيما لا يعنيك؟ وكان الأمير يومئذ غيره، ولكنك تريد رضا الغائب، فغضب مروان، وقال: إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة الحديث، وإنما قدم قبل وفاة رسول الله -ﷺ- بيسير، فقال أبو هريرة: قدمت ورسول الله -ﷺ- بخير، وأنا يومئذ قد زدت على الثلاثين، فأقمت معه حتى مات، أدور معه في بيوت نسائه، وأخدمه، وأغزو معه، وأحج، فكنت أعلم الناس بحديثه، وقد والله سبقني قوم بصحبته، فكانوا يعرفون لزومي له، فيسألونني عن حديثه، منهم عمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، ولا والله لا يخفى عليَّ كل حديث كان بالمدينة، وكل من كانت له من رسول الله -ﷺ- منزلة، ومن أخرجه من المدينة أن يساكنه، قال: فوالله ما زال مروان بعد ذلك كافًّا عنه. وأخرج ابن أبي خيثمة من طريق ابن إسحاق، عن عمر، أو عثمان بن عروة عن أبيه، قال: قال أبي: أدْنِني من هذا اليماني -يعني: أبا هريرة- فإنه يُكثر، فأدنيته، فجعل يحدّث، والزبير يقول: صدق، كذب، فقلت: ما هذا؟ قال: صدق أنه سمع هذا من رسول الله -ﷺ-، ولكن منها ما وَضَعَه في غير موضعه. وتقدم قول طلحة: قد سمعنا كما سمع، ولكنه حفظ ونسينا. وفي «فوائد تمام» من طريق أشعث بن سليم، عن أبيه، سمعت أبي يحدث عن أبي هريرة، فسألته، فقال: إن أبا هريرة سمع. وأخرج أحمد في «الزهد» بسند صحيح، عن أبي عثمان النهدي، قال: تضيَّفت أبا هريرة سبعًا، فكان هو وامرأته وخادمه، يَقْسِمون الليل أثلاثًا، يصلي هذا ثم يوقظ هذا. وأخرج ابن سعد بسند صحيح عن عكرمة؛ أن أبا هريرة كان يسبّح كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة، يقول: أسبّح بقدر ديتي . وفي «الحلية» من تاريخ أبي العباس السراج بسند صحيح، عن مضارب بن حزن: كنت أسير من الليل، فإذا رجل يكبّر، فلحقته، فقلت: ما هذا؟ قال: أكثر شُكر الله عليّ أن كنت أجيرًا لبسرة بنت غزوان لنفقة رحلي، وطعام بطني، فإذا ركبوا سبقت بهم، وإذا نزلوا خدمتهم، فزوَّجنيها الله، فأنا أركب، وإذا نزلت خُدِمت. وأخرجه ابن خزيمة من هذا الوجه، وزاد: وكانت إذا أتت على مكان سهل نزلت، فقالت: لا أَرِيم حتى تجعل لي عصيدة، فها أنا إذا أتيت على نحو من مكانها، قلت: لا أريم حتى تجعلي لي عصيدة. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين؛ أن عمر استعمل أبا هريرة على البحرين، فقَدِم بعشرة آلالف، فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال، فمن أين لك؟ قال: خيل نُتجت، وأعطية تتابعت، وخَرَاج رقيق لي، فنظر فوجدها كما قال، ثم دعاه ليستعمله، فأبى، فقال: لقد طلب العمل من كان خيرًا منك، قال: ومن؟ قال: يوسف -﵇-، قال: إن يوسف نبي الله ابن نبي الله، وأنا أبو هريرة ابن أميمة، وأخشى ثلاثًا: أن أقول بغير علم، أو أقضي بغير حُكم، ويُضرب ظهري، ويُشتم عِرضي، ويُنزع مالي. وأخرج ابن أبي الدنيا في «كتاب المزاح»، والزبير بن بكار فيه، من طريق ابن عجلان، عن سعيد، عن أبي هريرة: أن رجلًا قال له: إني أصبحت صائمًا، فجئت أبي، فوجدت عنده خبزًا ولحمًا، فأكلت حتى شبعت، ونسيت أني صائم، فقال أبو هريرة: الله أطعمك، قال: فخرجت حتى أتيت فلانًا، فوجدت عنده لقحة تُحلب، فشربت من لبنها حتى رويت، قال: الله سقاك، قال: ثم رجعت إلى أهلي فقِلتُ، فلما استيقظت دعوت بماء فشربته، فقال: يا ابن أخي أنت لم تعوّد الصيام. وأخرج ابن أبي الدنيا في «المحتضرين» بسند صحيح، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: دخلت على أبي هريرة، وهو شديد الوجع، فاحتضنته، فقلت: اللَّهُمَّ اشف أبا هريرة، فقال: اللَّهُمَّ لا تُرجعها، قالها مرتين، ثم قال: إن استطعت أن تموت فمت، والله الذي نفس أبي هريرة بيده، ليأتينّ على الناس زمان، يمر الرجل على قبر أخيه، فيتمنى أنه صاحبه. وقد جاء هذا الحديث مرفوعًا، عن أبي هريرة. وعن عمير بن هانئ، قال: كان أبو هريرة يقول: تشبثوا بصُدْغَي معاوية، اللَّهُمَّ لا تدركني سنة ستين. وأخرج أحمد، والنسائي بسند صحيح، عن عبد الرحمن بن مهران، عن أبي هريرة؛ أنه قال حين حضره الموت: لا تضربوا عليّ فسطاطًا، ولا تَتَّبعوني بمجمرة، وأسرعوا بي. وأخرج أبو القاسم بن الجراح في «أماليه» من طريق عثمان الغطفاني، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: إذا مت فلا تنوحوا علي، ولا تتبعوني بمجمرة، وأسرعوا بي. وأخرج البغوي من وجه آخر عن أبي هريرة؛ أنه لمّا حضرته الوفاة بكى، فسئل، فقال: من قلة الزاد، وشدة المفازة. وأخرج ابن أبي الدنيا من طريق مالك، عن سعيد المقبري، قال: دخل مروان على أبي هريرة، في شكواه الذي مات فيه، فقال: شفاك الله، فقال أبو هريرة: اللَّهُمَّ إني أحب لقاءك، فأحبب لقائي، فما بلغ مروان -يعني: وسط السوق- حتى مات. وقال ابن سعد عن الواقدي: حدثني ثابت بن قيس، عن ثابت بن مِسحل قال: صلى الوليد بن عقبة بن أبي سفيان، على أبي هريرة بعد أن صلى بالناس العصر، وفي القوم ابن عمر، وأبو سعيد الخدري، قال: وكتب الوليد إلى معاوية يخبره بموته، فكتب إليه: انظر من ترك، فادفع إلى ورثته عشرة آلاف درهم، وأحْسِن جوارهم، فإنه كان ممن نَصَر عثمان يوم الدار. قال أبو سليمان بن زَبْر في «تاريخه»: عاش أبو هريرة ثمانيًا وسبعين سنة. قال الحافظ: وكأنه مأخوذ من الأثر المتقدم عنه؛ أنه كان في عهد النبي -ﷺ- ابن ثلاثين سنة، وأزْيَد من ذلك، وكانت وفاته بقصره بالعقيق، فحمل إلى المدينة، قال هشام بن عروة، وخليفة، وجماعة: توفي أبو هريرة سنة سبع وخمسين، وقال الهيثم بن عدي، وأبو معشر، وضمرة بن ربيعة: مات سنة ثمان وخمسين، وقال الواقدي، وأبو عبيد، وغيرهما: مات سنة تسع وخمسين، وزاد الواقدي: وصلى على عائشة في رمضان سنة ثمان، وعلى أم سلمة في شوال سنة تسع، ثم توفي بعد ذلك. قال الحافظ: وهذا الذي قاله في أم سلمة وَهَلٌ منه، وإن تابعه عليه جماعة، فقد ثبت في «الصحيح» ما يدل على أن أم سلمة عاشت إلى خلافة يزيد بن معاوية، والمعتمَد في وفاة أبي هريرة قول هشام بن عروة، وقد تردَّد البخاري فيه، فقال: مات سنة سبع وخمسين . أخرج له الجماعة. وقال القرطبيّ -﵀-: حُفِظ لأبي هريرة -﵁- من الحديث عن رسول الله -ﷺ- ما لم يُحْفَظ لأحد من الصحابة -﵃-، وذلك خمسة الآف حديث وثلاثمئة وأربعة وسبعون حديثًا، أُخرج له منها في «الصحيحين» ستمائة وتسعة أحاديث، قال البخاريّ: رَوَى عنه أكثر من ثمانمئة رجل من بين صحابيّ وتابعيّ. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٧٦] (٢٤٩١) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْيَمَاميُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي كَثِيرٍ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلَام، وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا، فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللهِ -ﷺ- مَا أَكْرَهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، وَأَنَا أَبْكِي، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلَامِ، فَتَأْبَى عَلَيَّ، فَدَعَوْتُهَا الْيَوْمَ، فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ، فَادْعُ اللهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِيَ هُرَيْرَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ»، فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا بِدَعْوَةِ نَبِيِّ اللهِ -ﷺ-، فَلَمَّا جِئْتُ، فَصِرْتُ إِلَى الْبَابِ، فَإِذَا هُوَ مُجَافٌ، فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَميَّ، فَقَالَتْ: مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ، قَالَ: فَاغْتَسَلَتْ، وَلَبِسَتْ دِرْعَهَا، وَعَجلَتْ عَنْ خِمَارِهَا، فَفَتَحَتِ الْبَابَ، ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَأَتَيْتُهُ، وَأَنَا أَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَبْشِرْ، قَدِ اسْتَجَابَ اللهُ دَعْوَتَكَ، وَهَدَى أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ خَيْرًا، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، ادْعُ اللهَ أَنْ يُحَبِّبَنِي أَنَا وَأُمِّي إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيُحَبِّبَهُمْ إِلَيْنَا، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا -يَعْنِي: أَبَا هُرَيْرَةَ، وَأُمَّهُ- إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ، وَحَبِّبْ إِلَيْهِمُ الْمُؤْمِنِينَ»، فَمَا خُلِقَ مُؤْمِنٌ يَسْمَعُ بِي، وَلَا يَرَانِي إِلَّا أَحَبَّنِي). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: ابن محمد بن بُكير، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْيَمَامِيُّ) تقدّم قبل بابين. ٣ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) اليماميّ، بصريّ الأصل، تقدّم أيضًا قبل بابين. ٤ - (أَبُو كَثِيرِ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) السُّحَيميّ -بمهملتين مصغرًا- الْغُبَريّ -بضم المعجَمة، وفتح الموحّدة- اليماميّ الأعمى، قيل: هو يزيد بن عبد الرحمن، وقيل: يزيد بن عبد الله بن أُذينة، أو ابن غُفَيلة -بمعجمة، وفاء، مصغرًا- ثقةٌ [٣] (بخ م ٤) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٥. و«أَبُو هُرَيْرَةَ -﵁-» ذُكر أول الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ باليماميين، غير شيخه، فبغداديّ، والصحابيّ، فمدنيّ، وأبو هريرة -﵃- تقدّم القول فيه قريبًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي كَثِيرٍ) السُّحَيميّ اليماميّ، وقوله: (يَزِيدَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بالجرِّ بدلًا، أو عطف بيان لِمَا قبله، أنه قال: (حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- (قَالَ: كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي) قال ابن بشكوال: هي أُميمة بنت صبيح . (إِلَى الإِسْلَام، وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فَدَعَوْتُهَا) إلى الإسلام (يَوْمًا، فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُول اللهِ -ﷺ- مَا أَكْرَهُ)؛ أي: تكلّمت في شأنه -ﷺ- بشيء مكروه، بأن عابت من دينه شيئًا. (فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، وَأَنَا أَبْكِي) جملة حاليّة من الفاعل، وإنما بكى إما لِمَا سمعه من المكروه في رسول الله -ﷺ-، أو لمّا أيس من إسلام أمه . (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلَامِ، فَتَأْبَى عَلَيَّ)؛ أي: تمتنع من الدخول فيما دعوتها، (فَدَعَوْتُهَا الْيَوْمَ)؛ أي: في هذا اليوم، فـ «أل» للعهد الحضوريّ، (فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ، فَادْعُ اللهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ») قال أبو هريرة ﵁-: (فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا)؛ أي: فَرِحًا (بِدَعْوَةِ نَبِيِّ اللهِ -ﷺ-) لأمه، (فَلَمَّا جِئْتُ، فَصِرْتُ إِلَى الْبَابِ، فَإذَا هُوَ مُجَافٌ) «إذا» هي الفجائيّة؛ أي: ففاجأني كونه مُجافًا، بضمّ الميم: اسم مفعول من أجاب الباب: إذا أغلقه. (فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَمَيَّ) بفتح الخاء والشين المعجمتين، وبسكون الشين أيضًا؛ أي: صوتهما في الأرض، وقال المجد -﵀-: الْخَشْف، والْخَشْفة؛ أي: بسكون الشين: وُيحرَّك: الصوت، والحركة، أو الحِسّ الخفيّ، قال: وخَشَفَ، كضَرَبَ، ونصرَ: صَوَّتَ. انتهى . (فَقَالَتْ: مَكَانَكَ) منصوب على الإغراء؛ أي: الزم مكانك، ولا تتحرك إلى غيره، (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ) قال أبو هريرة: (وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ)؛ أي: صوت تحريكه، وإنما سمعه؛ لأن أمه كانت تغتسل. (قَالَ) أبو هريرة: (فَاغْتَسَلَتْ، وَلَبِسَتْ) بكسر الباء الموحّدة، (دِرْعَهَا) بكسر الدال، وسكون الراء، آخره عين مهملة؛ أي: قميصها، (وَعَجِلَتْ) بكسر الجيم؛ أي: استعجلت (عَنْ خِمَارِهَا)؛ أي: عن لُبسه؛ يعني: أنها لاستعجالها نسيت أن تلبس خمارها؛ أي: عجلت في الخروج إلى الباب دون أن تغطي رأسها بالخمار، وهو بكسر الخاء، وتخفيف الميم: ثوب تُغَطّي به المرأة رأسها. (فَفَتَحَتِ الْبَابَ، ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه) -ﷺ-. (قَالَ) أبو هريرة: (فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَأَتَيْتُهُ، وَأَنَا أَبْكِي مِنَ الْفَرَح) جملة حاليّة من الفاعل؛ يعني: أنه من شدّة فرحه بإسلام أمه بكى. (قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَبْشِرْ) يَحْتمل أن يكون بقطع الهمزة، من أبشر إبشارًا، بمعنى فَرِحَ، ويَحتمل أن يكون بوصل الهمزة، مع كسر الشين، وفتحها، من بَشَر، كضرب، وبَشِرَ، كعَلِم، بمعنى سُرَّ، وافرَحْ. (قَدِ اسْتَجَابَ اللهُ دَعْوَتَكَ، وَهَدَى أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَحَمِدَ) النبيّ -ﷺ- (اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ خَيْرًا)؛ أي: تكلّم بخير بأن أثنى على أبي هريرة في سعيه إلى إسلام أمه، أو دعا لأمه بالثبات على الإسلام، أو نحو ذلك. (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، ادْعُ اللهَ أَنْ يُحَبِّبَنِي)؛ أي: يجعلني محبوبًا، (أَنَا وَأُمِّي إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ) قال الأبيّ -﵀-: يَحْتَمل أنه تلطّف في سؤال أن يُحبّه الله تعالى؛ لأن ذلك فَرْع محبة الله -﷾- إياه، لِمَا في «الصحيحين» عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانًا، فأحبه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحب فلانًا فأحبّوه، فيحبه أهل السماء -قال-: ثم يوضع له القبول في الأرض. . .» الحديث. (وَيُحَبِّبَهُمْ إِلَيْنَا)؛ أي: ويجعلهم محبوبين لدينا. (قَالَ) أبو هريرة: (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ) بالتصغير، وليس تصغير تحقير، بل أسلوب من أساليب المحبّ، كما يفعل الآباء مع الأبناء. (هَذَا -يَعْنِي: أَبَا هُرَيْرَةَ، وَأُمَّهُ- إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ، وَحَبِّبْ إِلَيْهِمُ الْمُؤْمِنِينَ») قال أبو هريرة -﵁-: (فَمَا) نافية، (خُلِقَ) بالبناء للمفعول، (مُؤْمِنٌ يَسْمَعُ بِي)؛ أي: يسمع بذكر اسمي بعد مماتي (وَلَا يَرَانِي)؛ أي: في حياته (إِلَّا أَحَبَّنِي) إنما جزم أبو هريرة -﵁- بهذا، وإن كان مغيّبًا؛ لقوّة اعتقاده باستجابة دعاء النبيّ -ﷺ-، ولا سيّما، وقد شاهده في المرّة الأولى، حيث دعا -ﷺ- لأمه، وكانت شديدة البغض للإسلام، فهداها الله تعالى بسبب دعائه، فلهذا جزم هنا، والله تعالى أعلم.
مصادر المؤلف (١٥٦)

١. «الفتح» ٨/ ٥١٣، كتاب «مناقب الأنصار» رقم (٣٨١٢).

٢. وفي نسخة: «في وجهه بعض أثر من».

٣. وفي نسخة: «فقيل له: ارقه».

٤. وفي نسخة: «تلك الروضة روضة الإسلام».

٥. قال في «الفتح» (١٦/ ٣٥٢): ليس له في البخاري سوى حديثين، وهو بصريّ تابعيّ ثقةٌ كبير، له إدراك. قدم المدينة في خلافة عمر، ووَهِمَ من عدّه في الصحابة. انتهى.

٦. «الفتح» ١٦/ ٣٥٢ - ٣٥٣، كتاب «التعبير» رقم (٧٠١٠).

٧. «المصباح المنير»١/ ١١٥.

٨. راجع: النسخة الإستانبولية ٧/ ١٦٠.

٩. «شرح النوويّ»١٦/ ٤٢.

١٠. «المصباح المنير»١/ ٢٥.

١١. «تنبيه المعلم»ص ٤١٧.

١٢. «الفتح» ١٦/ ٣٥٢ - ٣٥٣، كتاب «التعبير» رقم (٧٠١٠).

١٣. «المصباح المنير» ١/ ٢٦٣.

١٤. «شرح النوويّ» ١٦/ ٤٢.

١٥. «الفتح» ٨/ ٥١٥، كتاب «مناقب الأنصار» رقم (٣٨١٣).

١٦. «الفتح» ١٦/ ٣٥٣، كتاب «التعبير» رقم (٧٠١٠).

١٧. «المصباح المنير» ١/ ٢٤٧.

١٨. «حاشية الخضري على شرح ابن عَقِيل على الخلاصة» ١/ ١٥١.

١٩. «المصباح المنير» ١/ ٢٤٥.

٢٠. «عمدة القاري» ٢٤/ ١٤٩.

٢١. «المصباح المنير» ٢/ ٤١٠.

٢٢. «القاموس المحيط» ص ٣٧٦.

٢٣. «النهاية في غريب الأثر» ص ٩٧١ - ٩٧٢.

٢٤. «تاج العروس» ١/ ٥٠٣٤ - ٥٠٣٦.

٢٥. بنقل حركة الهمزة إلى اللام، ودرجها، وهو لغة، لا ضرورة، فتنبّه.

٢٦. «تاج العروس» ١/ ٨٤٩٤.

٢٧. فما قاله في «الفتح» من أن التفسير من ابن سيرين، فيه نظر لا يخفى، فتنبّه.

٢٨. «شرح النوويّ»١٦/ ٤٢.

٢٩. «القاموس المحيط»ص ١٢٨٩.

٣٠. «القاموس المحيط»ص ١٤٠٢.

٣١. «شرح النوويّ»١٦/ ٤٢ - ٤٣.

٣٢. «الفتح»٨/ ٥١٥، كتاب«مناقب الأنصار»رقم (٢٨١٣).

٣٣. «الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون»٢/ ٥٤٨.

٣٤. «المفهم»٦/ ٤١٥.

٣٥. «الفتح» ١٦/ ٣٥٥، كتاب «التعبير» رقم (٧٠١٠).

٣٦. وفي نسخة: «وفي أسلفه».

٣٧. وفي نسخة: «فرقيته».

٣٨. «المصباح المنير» ١/ ١٤٦ - ١٤٧.

٣٩. «القاموس المحيط» ١/ ١١٣٠ - ١١٣١.

٤٠. «الفتح» ١٦/ ٣٥٣.

٤١. وفي نسخة: «عن يميني».

٤٢. وفي نسخة: «به».

٤٣. «المصباح المنير» ٢/ ٦٤٥.

٤٤. «شرح النوويّ» ١٦/ ٤٤.

٤٥. «شرح النوويّ» ١٦/ ٤٤.

٤٦. «المفهم» ٦/ ٤١٤.

٤٧. «القاموس المحيط» ص ٧٣٩.

٤٨. «المصباح المنير» ١/ ٣٤٠.

٤٩. «تاج العروس» ١/ ٢٠٧٢.

٥٠. أي: هي الأسماء العشرة، بزيادة «أل» الموصولة، ومصدر الخماسيّ، والسداسيّ، صارت اثني عشر.

٥١. «المزراق»: الرمح القصير«.

٥٢. «المفهم»٦/ ٤١٥.

٥٣. «المفهم» ٦/ ٤١٥.

٥٤. لَقَبُ محمد بن سعيد المصّيصيّ.

٥٥. «الإصابة في تمييز الصحابة» ٢/ ٦٢ - ٦٤.

٥٦. «المفهم» ٦/ ٤١٧ - ٤١٨.

٥٧. «الفتح» ٢/ ١٩٧ - ١٩٨، كتاب «الصلاة» رقم (٤٥٣).

٥٨. «القاموس المحيط» ص ١١٦٨.

٥٩. أخرجه مسلم وغيره بلفظ: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس. . .» الحديث، وأما بلفظ: «إن هذه المساجد. . .» قال القرطبيّ: لا أظنه ثابتًا، وإنما الثابت ما ذكرته، وكذا ثبت في مسلم وغيره بلفظ: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله تعالى. . .» الحديث، ولعلّه التبس على القرطبيّ أحدهما بالآخر، فليُتنبّه.

٦٠. «المفهم» ٦/ ٤١٨.

٦١. «المصباح المنير» ٢/ ٦٠٥.

٦٢. «عمدة القاري» ٤/ ٢١٨.

٦٣. «عمدة القاري»٤/ ٢١٨.

٦٤. «الفتح»٢/ ١٩٨ - ١٩٩ بزيادة من«المفهم» ٦/ ٤٢١.

٦٥. «عمدة القاري» ٤/ ٢١٨.

٦٦. «عمدة القاري» ٤/ ٢١٨.

٦٧. «الفتح» ٢/ ١٩٩، كتاب «الصلاة» رقم (٤٥٣).

٦٨. «عمدة القاري» ٤/ ٢١٩.

٦٩. «المِقول»: اللسان.

٧٠. «القُرْد» بضمّ، فسكون: جمعه قِردان: دُويبّة، كما في «القاموس».

٧١. ضعيف. رواه عبد بن حميد، والبزّار، وغيرهما، وفي سنده موسى بن عُبيدة الربذيّ ضعيف.

٧٢. «مصنف عبد الرزاق» ١١/ ٢٦٧.

٧٣. «عمدة القاري» ٤/ ٢١٨.

٧٤. وفي نسخة: «يقول: سمعت».

٧٥. «تقريب النواوي» مع شرحه «تدريب الراوي» ٢/ ١١٣ - ١١٤.

٧٦. «غريب الحديث لابن الجوزيّ» ٢/ ٤٩١.

٧٧. «عمدة القاري» ١٥/ ١٣٤.

٧٨. «عمدة القاري» ١٧/ ١٩٣ بزيادة من «المصباح» ٢/ ٦٣٥.

٧٩. «الفتح» ٩/ ٢٢٠، كتاب «المغازي» رقم (٤١٢٣ و٤١٢٤).

٨٠. هو: الشيخ الهرري. راجع: «شرحه» ٢٤/ ٧٥.

٨١. «فضائل الصحابة لابن حنبل» ٢/ ٨٠٨.

٨٢. «عمدة القاري» ١٦/ ٩٥.

٨٣. «الفتح» ٦/ ٥٥٤.

٨٤. «صحيح البخاريّ» ٣/ ١٢٩٩.

٨٥. وفي نسخة: «فقالت: إنه كان».

٨٦. «عمدة القاري» ١٧/ ٢١٢.

٨٧. «الفتح» ١٠/ ٤٤٠، كتاب «التفسير» رقم (٤٧٥٦).

٨٨. ككرم.

٨٩. «المفهم» ٦/ ٤٢١ - ٤٢٢.

٩٠. «الفتح» ١٠/ ٤٤٠، كتاب «التفسير» رقم (٤٧٥٦).

٩١. «عمدة القاري» ١٧/ ٢١٢.

٩٢. «عمدة القاري» ١٧/ ٢١٢.

٩٣. «عمدة القاري» ١٧/ ٢١٢.

٩٤. «الفتح» ١٠/ ٤٤١، كتاب «التفسير» رقم (٤٧٥٦).

٩٥. «المفهم» ٦/ ٤٢٢.

٩٦. «الفتح» ١٠/ ٤٤١، كتاب «التفسير» رقم (٤٧٥٦).

٩٧. «تكملة فتح الملهم» ٥/ ٢٤٤ - ٢٤٥.

٩٨. «الفتح» ١٠/ ٤٤٠، كتاب «التفسير» رقم (٤٧٥٦).

٩٩. «تكملة فتح الملهم» ٥/ ١٤٥.

١٠٠. «تكملة فتح الملهم» ٥/ ١٤٦.

١٠١. أي: ضُرب.

١٠٢. «تفسير ابن كثير» ٣/ ٢٧٣ - ٢٧٤.

١٠٣. وفي نسخة: «بنو ابنة».

١٠٤. «الفتح»٨/ ١٨٤، كتاب«المناقب»رقم (٣٥٣١).

١٠٥. «شرح النوويّ»١٦/ ٤٨.

١٠٦. «مشارق الأنوار»١/ ٢٤٠.

١٠٧. «الفتح»٨/ ١٨٤، كتاب«المناقب»رقم (٣٥٣١).

١٠٨. تقدمت هذه القصيدة مع بعض المخالفة قريبًا.

١٠٩. «القُرْد» بضمّ، فسكون: جمعه قِردان: دُويّبة، كما في «القاموس».

١١٠. «تكملة فتح الملهم» ٥/ ٢٤٧ - ٢٤٨.

١١١. «صحيح البخاريّ» ٣/ ١٢٩٩.

١١٢. وفي نسخة: «وأجبت».

١١٣. وفي نسخة: «برًّا حنيفًا».

١١٤. وفي نسخة: «ووالدتي».

١١٥. وفي نسخة: «ينازعن».

١١٦. وفي نسخة: «يلاقي كلَّ يوم».

١١٧. هذا أَولى من قوله في «التقريب»: لا بأس به. راجع ترجمته في: «تهذيب التهذيب».

١١٨. «المفهم» ٦/ ٤٢٣.

١١٩. «المفهم» ٦/ ٤٢٣.

١٢٠. «شرح النوويّ» ١٦/ ٤٩.

١٢١. «المفهم» ٦/ ٤٢٤.

١٢٢. «القاموس المحيط» ص ٤٤٢.

١٢٣. «شرح النوويّ» ١٦/ ٤٩.

١٢٤. «المفهم» ٦/ ٤٢٤ - ٤٢٥.

١٢٥. «الديباج على مسلم» ٥/ ٤٥٧.

١٢٦. «المفهم» ٦/ ٤٢٤ - ٤٢٥.

١٢٧. «المفهم» ٦/ ٤٢٤ - ٤٢٥.

١٢٨. وفي نسخة: «وأجبت».

١٢٩. انظر: «الأغاني» ٤/ ١٦٣ والله أعلم بصحّته.

١٣٠. وفي نسخة: «برًّا حنيفًا».

١٣١. «المفهم» ٦/ ٤٣١.

١٣٢. «شرح النوويّ» ١٦/ ٤٩ - ٥٠.

١٣٣. هذا البيت ليس في نصّ مسلم، وإنما ذكره القرطبيّ، فتنبّه.

١٣٤. وفي نسخة: «ووالدتي».

١٣٥. «شرح النوويّ» ١٦/ ٤٩ - ٥٠.

١٣٦. «المفهم» ٦/ ٤٢٩.

١٣٧. هذا ليس من أبيات مسلم، بل هو من شرح الأبيّ.

١٣٨. أي: يلاقينا منهم»، فقوله:«سبابٌ»مرفوع على الفاعلية لـ«يُلاقي».

١٣٩. هذا ليس من أبيات مسلم.

١٤٠. وهذا ليس من أبيات مسلم.

١٤١. وقع في شرح الأبي«مغلفة»بغين، ثم لام، ثم فاء، وهو غلط، والصواب:«مغلغلة»بغينين معجمتين، كما في«القاموس».

١٤٢. وهذا أيضًا ليس من أبيات مسلم، بل من شرح الأبّيّ، فتنبّه.

١٤٣. راجع:«شرح الأبيّ»، و«السنوسي»ص ٣٢٢ - ٣٢٨، و«تكملة فتح الملهم» ٥/ ٢٤٦ - ٢٥٢.

١٤٤. «المفهم» ٦/ ٤٢٥ - ٤٣٣.

١٤٥. في «القاموس»: ذو الشَّرَى -أي: مقصورًا-: صنم لدوس. انتهى.

١٤٦. كذا نسخة «الإصابة»، أبو نمير، وليُحرّر.

١٤٧. كان في النسخة: «عن عمر بن بكار، عن عمرو بن علي المقدسي»، والإصلاح من «تاريخ ابن عساكر» ٦٧ ص ٣٠٤.

١٤٨. ولفظ «تاريخ ابن عساكر»: «وأوقع الروايات على القلب».

١٤٩. «سير أعلام النبلاء» ٢/ ٥٩٧ - ٥٩٨.

١٥٠. راجع: «سير أعلام النبلاء» ٢/ ٦٠١ - ٦٠٢.

١٥١. هكذا في «سير أعلام النبلاء»: «ديتي»، ووقع في «الإصابة» وغيرها بلفظ: «ذنبي»، والظاهر أنه مصحّف.

١٥٢. راجع: «الإصابة» ١٢/ ٦٣ - ٧٩، و«تهذيب الكمال» ٣٤/ ٣٦٦ - ٣٧٩، و«سير أعلام النبلاء» ٢/ ٥٧٨ - ٦٣٢، و«تهذيب التهذيب» ٤/ ٦٠١ - ٦٠٣.

١٥٣. «المفهم» ٦/ ٤٣٥.

١٥٤. «تنبيه المعلم» ص ٤١٨.

١٥٥. «تكملة فتح الملهم» ٥/ ٢٥٣.

١٥٦. «القاموس المحيط» ص ٣٧١.