HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٥٦٤

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حدثنا داود (يعني ابن قيس) عن أبي سعيد، مولى عامر بن كريز، عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ «لا تحاسدوا. ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض. وكونوا، عباد الله! إخوانا. المسلم أخو المسلم. لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره. التقوى ههنا» ويشير إلى صدره ثلاث مرات «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام. دمه وماله وعرضه».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص10
ج ٤ ص ١٩٨٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٨٥
[٧٨٣] وقوله: (لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخذُلُهُ) ؛ أي: إن المسلم إذا استعان به مسلم في أمر تُمكِنُه معونتهُ، أو طلب منه نصرةً على ظالمه؛ فعليه أن ينصره ويعينه، وقوله: (التَّقوَى هَاهُنَا)؛ أي: إن العبد لا يتقرب إلى الله بالعمل الظاهر من غير أن يوافق الباطن. ومن باب لا ينظر إلى صوركم وأموالكم
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٠ ص٣٦٦
رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ) أبو جعفر السرخسيّ، ثقة حافظٌ [١١] (ت ٢٥٣) (خ م د ت ق) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٩٣. ٢ - (حَبَّانُ) -بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة- ابن هلال، أبو حبيب البصريّ، ثقة ثبت [٩] (ت ٢١٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٥/ ٣٢٢. ٣ - (وُهَيْبُ) -بالتصغير- ابن خالد بن عَجْلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت، لكنه تغير قليلًا بأخرة [٧] (ت ١٦٥) وقيل: بعدها (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٣. ٤ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح السمّان المدنيّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. والباقيان ذُكرا قبله، والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في شرح حديث أول الباب، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٠) - (بَابُ تَحْرِيمِ ظُلْمِ الْمُسْلِمِ، وَخَذْلِهِ، وَاحْتِقَارِه، وَتَحْرِيمِ دَمِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَالِهِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٢٠] (٢٥٦٤) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ -يَعْنِي: ابْنَ قَيْسٍ- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِم، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَا هُنَا» -وُيشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) القعنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، أصله من المدينة، وسكنها مدةً، ثقةٌ عابدٌ، كان ابن معين، وابن المدينيّ لا يقدّمان عليه في «الموطأ» أحدًا، من صغار [٩] (ت ٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدم في «الطهارة» ١٧/ ٦١٧. ٢ - (دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ) الفرّاء الدبّاغ، أبو سليمان القرشيّ مولاهم المدنيّ، ثقة فاضل [٥] مات في خلافة أبي جعفر (خت م ٤) تقدم في «الصلاة» ٤٢/ ١٠٨٤. ٣ - (أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ) هو: أبو سعيد مولى عبد الله بن عامر بن كريز الخزاعيّ، ثقة [٤]. رَوَى عن أبي هريرة، والحسن البصريّ، وعنه صفوان بن سُليم، ومحمد بن عجلان، والعلاء بن عبد الرحمن، وأسامة بن زيد الليثيّ، وداود بن قيس الفرّاء، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال الذهبيّ في «الكاشف» : ثقةٌ. أخرج له المصنف، وأبو داود، في «المراسيل»، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٤ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٤٩٩) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁-؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَحَاسَدُوا) الحسد تمني الشخص زوال النعمة عن مستحق لها، وقد مضى شرحه مستوفًى. (وَلَا تَنَاجَشُوا) قال الحافظ ابن رجب ﵀: فَسَّره كثير من العلماء بالنجش في البيع، وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها، إما لِنَفْع البائع لزيادة الثمن له، أو بإضرار المشتري بتكثير الثمن عليه، وفي«الصحيحين» عن ابن عمر -﵄ -، عن النبيّ - ﷺ - أنه نَهَى عن النجش، وقال ابن أبي أوفى: الناجش آكل ربًا خائنٌ، ذَكَره البخاريّ، قال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أن فاعله عاصٍ لله تعالى؛ إذا كان بالنهي عالِمًا، واختلفوا في البيع، فمنهم من قال: إنه فاسد، وهو رواية عن أحمد، اختارها طائفة من أصحابه، ومنهم من قال: إن كان الناجش هو البائعَ، أو مَن واطأه البائع على النجش، فقد فسد؛ لأن النهي هنا يعود إلى العاقد نفسه، وإن لم يكن كذلك لم يفسد؛ لأنه يعود إلى أجنبيّ، وكذا حُكي عن الشافعي أنه عَلَّل صحة البيع بأن البائع غير الناجش، وأكثر الفقهاء على أن البيع صحيح مطلقًا، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعيّ، وأحمد في رواية عنه، إلا أن مالكًا وأحمد أثبتا للمشتري الخيار؛ إذا لم يعلم بالحال، وغُبِن غبنًا فاحشًا يخرج عن العادة، وقد رواه مالك، وبعض أصحاب أحمد بثلث الثَّمَن، فإن اختار المشتري حينئذ الفسخ فله ذلك، وإن أراد الإمساك، فإنه يحطّ ما غُبن به من الثمن، ذكره أصحابنا. ويَحْتَمِل أن يُفَسَّر التناجش المنهيّ عنه في هذا الحديث بما هو أعمّ من ذلك، فإن أصل النجش في اللغة إثارة الشيء بالمكر، والحيلة، والمخادعة، ومنه سُمِّي الناجش في البيع ناجشًا، ويُسَمَّى الصائد في اللغة ناجشًا؛ لأنه يصيد الصيد بحيلته عليه، وخداعه له، وحينئذ فيكون المعنى: لا تَتَخَادَعُوا، ولا يعامل بعضكم بعضًا بالمكر، والاحتيال، وإنما يراد بالمكر والمخادعة إيصال الأذى إلى المسلم، إما بطريق الأصالة، وإما اجتلاب نفعه بذلك، ويلزم منه وصول الضرر إليه، ودخوله عليه، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]، وفي حديث ابن مسعود -﵁- عن النبيّ - ﷺ -: «من غشنا فليس منا، والمكر، والخداع في النار» . وفي حديث أبي بكر الصديق -﵁- المرفوع: «ملعون من ضارّ مسلمًا، أو مَكَر به» خرّجه الترمذيّ ، فيدخل على هذا التقدير في التناجش المنهيّ عنه: جميع أنواع المعاملات بالغش، ونحوه، كتدليس العيوب، وكتمانها، وغَشّ المبيع الجيد بالرديء، وغَبْن المسترسل الذي لا يَعرف المماكسة، وقد وصف الله تعالى في كتابه الكفار والمنافقين بالمكر بالأنبياء، وأتباعهم، وما أحسن قول أبي العتاهية [من الخفيف]: لَيْسَ دُنْيَا إِلَّا بِدِينٍ وَلَيْـ … سَ الدِّينُ إلَّا مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ إِنَّمَا الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ فِي النَّا … رِ هُمَا مِنْ خِصَالِ أَهْلِ النّفَاقِ وإنما يجوز المكر بمن يجوز إدخال الأذى عليه، وهم الكفار، والمحاربون، كما قال النبيّ - ﷺ -: «الحرب خدْعَةٌ»، متّفقٌ عليه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد استوفيت ما يتعلّق بالنجش في «كتاب البيوع»، فارجع إليه تجد علومًا جمّة، وبالله تعالى التوفيق. (وَلَا تَبَاغَضُوا) نهي عن التباغض بينهم، وذلك فيما ليس لأمر شرعيّ، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى. (وَلَا تَدَابَرُوا) معنى التدابر: المعاداة، يقال: دابرته: أي: عاديته، وحَكَى عياض أن معناه: لا تجادلوا، ولكن تعاونوا، والأول أَولى. (وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ) تقدّم أن معناه أن يكون قد باع منه شيئًا، فيبذل للمشتري سلعته ليشتريها، ويفسخ بيع الأول، وتقدّم البحث في ذلك أيضًا مستوفى. (وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا) هذا ذكره النبيّ - ﷺ - كالتعليل لِمَا تقدّم، وفيه إشارة إلى أنهم إذا تركوا الحسد، وما ذُكر معه كانوا إخوانًا. (الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ)؛ أي: فليتعامل المسلمون فيما بينهم، ولْيتعاشروا معاملة الإخوّة، ومعاشرتهم في الموّدة، والرفق، والشفقة، والملاطفة، والتعاون في الخير، ونحو ذلك، مع صفاء القلوب، والنصيحة بكل حال . وقال في «الفتح»: قوله: «المسلم أخو المسلم» هذه أخوّة الإسلام، فإن كل اتفاق بين شيئين يُطلَق بينهما اسم الأخوة، ويشترك في ذلك الحرّ والعبد، والبالغ والمميز. انتهى . (لَا يَظْلِمُهُ)؛ أي: لا ينقصه حقّه، أو يمنعه إياه، وهو خبر بمعنى الأمر، فإنّ ظُلْم المسلم للمسلم حرام، زاد في حديث ابن عمر: «ولا يُسلمه»: أي: لا يتركه مع من يؤذيه، ولا فيما يؤذيه، بل ينصره، ويدفع عنه، وهذا أخصّ مِنْ تَرْك الظلم، وقد يكون ذلك واجبًا، وقد يكون مندوبًا، بحسب اختلاف الأحوال، وزاد الطبرانيّ: «ولا يُسلمه في مصيبة، نزلت به». (وَلَا يَخْذُلُهُ) -بضم الذال المعجمة، من باب نصر، والاسم: الْخِذلان-، وهو ترك النصرة، والإعانة ، وقال في «المشارق»: «لا يخذله، ولا يظلمه»: أي: لا يترك نصره في الحقّ، ومعونته، كما قال: «انصُر أخاك» . وقال القرطبيّ ﵀: «لا يخذله»: أي: لا يتركه لمن يظلمه، ولا ينصره، وقد قال - ﷺ -: «انصر أخاك ظالِمًا، أو مظلومًا» ، فقال: كيف أنصره ظالما؟ قال: «تكفّه عن الظلم، فذلك نصره» . (وَلَا يَحْقِرُهُ) قال القاضي عياض ﵀: كذا رواه السمرقنديّ، والسجزيّ بالحاء المهملة، والقاف، من الحقر: أي: لا يستصغره، ويذلّه، ويتكبر عليه، ورواه العذريّ: «ولا يُخفِره» بالخاء المعجمة، والفاء، وضم الياء أوّله: أي: لا يغدره، ويخونه، يقال: خَفَرت الرجل: إذا أَجَرْته، وأمّنته، وأخفرته: إذا لم تَفِ له بذمّته، وغَدَرْته، وكذلك الخلاف في آخر الحديث: «بحسب امرئ من الشرّ أن يحقر أخاه» على ما تقدم للرواة، والصواب أن يكون بالقاف، من الاحتقار هنا، وهو المرويّ في غير مسلم. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: و«لا يحقره»: أي: لا ينظره بعين الاستصغار، والقلّة، وهذا إنما يصدر في الغالب عمن غلب عليه الكِبْر والجهل، وذلك أنه لا يصح له استصغار غيره حتى ينظر إلى نفسه بعين أنه أكبر منه، وأعظم، وذلك جَهْل بنفسه، وبحال المحتقَر، فقد يكون فيه ما يقتضي عكس ما وقع للمتكبر. انتهى . وقال النوويّ ﵀: أمّا كون المسلم أخا المسلم فسَبَق شرحه قريبًا، وأمّا «لا يخذله»، فقال العلماء: الْخَذْلُ ترك الإعانة، والنصر، ومعناه: إذا استعان به في دَفْع ظالم ونحوه لزمه إعانته؛ إذا أمكنه، ولم يكن له عذر شرعيّ، «ولا يحقره» هو بالقاف، والحاء المهملة: أي: لا يحتقره، فلا يتكبر عليه، ولا يستصغره، ويستقلّه، قال القاضي: ورواه بعضهم: «لا يُخفره» بضم الياء، والخاء المعجمة، والفاء: أي: لا يغدر بعهده، ولا ينقض أمانه، قال: والصواب المعروف هو الأول، وهو الموجود في غير كتاب مسلم بغير خلاف. انتهى . وقوله: (التَّقْوَى) قال في «العمدة»: حقيقة التقوى أن يَقِي العبد نفسه تعاطي ما تستحق به العقوبة، من فعل، أو ترك، وتأتي في القرآن على معان: الإيمان، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦]؛ أي: التوحيد، والتوبة، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ [الأعراف: ٩٦]: أي: تابوا، والطاعة، نحو: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل: ٢]، وتَرْك المعصية، نحو قوله تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٨٩]: أي: ولا تعصوه، والإخلاص، نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]: أي: من إخلاص القلوب. [فإن قلت]: ما أصله؟. [قلت]: أصله من الوقاية، وهو فَرْط الصيانة، ومنه «المتقي» اسم فاعل مِن وقاه الله، فاتقى، والتقوى، والتُّقَى واحد، والواو مُبْدَلة من الياء، والتاء مبدلة من الواو؛ إذ أصله وَقْيَا، قُلبت الياء واوًا، فصار وَقْوَى، ثم أبدلت من الواو تاء، فصار تقوى، وإنما أبدلت من الياء واوُ في نحو «تقوى»، ولم تبدل في نحو «رَيّا»؛ لأن «ريا» صفة، وإنما يُبدلون الياء في فَعْلَى إذا كان اسمًا، والياء موضع اللام، كشَروَى، من شريت، وتقوى؛ لأنها من التقية، وإن كانت صفة تركوها على أصلها. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: وإلى هذه القاعدة التي ذُكرت أشار ابن مالك في «الخلاصة» حيث قال: مِنْ لَامِ فَعْلَى اسْمًا أَتَى الْوَاوُ بَدَلْ … يَاءٍ كَتَقْوَى غَالِبًا جَا ذَا الْبَدَلْ بِالْعَكْسِ جَاءَ لَامُ فُعْلَى وَصْفَا … وَكَوْنُ قُصْوَى نَادِرًا لَا يَخْفَى وقال القرطبيّ ﵀: قد تقدَّم أن التقوى مصدر اتَّقَى تُقَاةُ، وتَقْوى، وأن التاء فيه بدلٌ من الواو؛ لأنَّه من الوقاية، والمتّقي: هو الذي يجعل بينه وبين ما يخافه من المكروه وقاية تقيه منه، ولذلك يقال: اتّقى الطعنة بدَرَقَته، وبِتُرْسه، ومنه قوله - ﷺ -: «اتقوا النار ولو بشق تمرة»، «ولو بكلمة طيبة»، متّفق عليه؛ أي: اجعلوا هذه الأمور وقاية بينكم وبين النار. وعلى هذا فالمتّقي شرعًا: هو الذي يخاف الله تعالى، ويجعل بينه وبين عذابه وقاية من طاعته، وحاجزًا عن مخالفته، فإذًا أصل التقوى: الخوف، والخوف إنما يَنشأ عن المعرفة بجلال الله تعالى، وعظمته، وعظيم سلطانه، وعقابه، والخوف والمعرفة محلهما القلب، والقلب محلّه الصدر، فلذلك أشار - ﷺ - إلى صدره، وقال: «التقوى ها هنا»، والله تعالى أعلم. والتقوى خصلة عظيمة، وحالة شريفة آخذة بمجامع علوم الشريعة، وأعمالها، موصلة إلى خير الدنيا والآخرة. والكلام في التقوى، وتفاصيلها، وأحكامها، وبيان ما يترتب عليها يستدعي تطويلًا، قد ذكره أرباب القلوب في كتبهم المطوّلة . (هَا هُنَا»)؛ أي: في هذا المكان؛ فـ«هاهنا»اسم إشارة للمكان القريب، ويشار للبعيد مع الكاف، كما قال في«الخلاصة»: وَبِهُنَا أَو هَا هُنَا أَشِرْ إلَى … دَانِي الْمَكَانِ وَبِهِ الْكَافَ صَلَا فِي الْبُعْدِ أَو بِثَمَّ فُهْ أَو هَنَا … أَو بِهُنَالِكَ انْطِقَنْ أَو هِنَّا والمعنى: أن مجرّد الأعمال الظاهرة لا يحصل بها التقوى، وإنما يحصل بما يقع في القلب من عظمة الله تعالى، ومحبّته، وخشيته، ومراقبته ﷾. (وَيُشِيرُ) النبيّ - ﷺ - عند قوله:«ها هنا»(إِلَى صَدْرِهِ) الشريف - ﷺ -، (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) وفي بعض النسخ:«ثلاث مرار»، وكلاهما جمعان لمرّة، يقال: فعلت ذلك مرّةً: أي: تارةً . وقوله: («بِحَسْبِ امْرِئٍ) الباء زائدة، و»حسب« خبر مقدّم لقوله: »أن يحقر«، أو بالعكس، والأول أَولى؛ لأن ما سُبك من »أن« والفعل بمنزلة الضمير. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: (مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ) الباء في «بحسب» زائدة، وهو بإسكان السين، لا بفتحها، وهو خبر ابتداء مقدّمٌ، والمبتدأ: «أن يحقر»، تقديره: حسبُ امرئ من الشرّ احتقاره أخاه؛ أي: كافيه من الشرّ ذلك، فإنَّه النصيب الأكبر، والحظّ الأوفى، ويفيد أن احتقار المسلم حرام. انتهى . وقال المناويّ ﵀: «بحسب امرئ من الشر»: أي: يكفيه منه في أخلاقه، ومعاشه، ومعاده، «أن يحقر أخاه المسلم»: أي: يُذِلّه، ويُهينه، وَيَزدريه، ولا يعبأ به؛ لأن الله تعالى أحسن تقويمه، وسَخَّر ما في السماوات والأرض لأجله، ومشاركةُ غيره له إنما هي بطريق التَّبَع، وسمّاه مسلمًا، ومؤمنًا، وعبدًا، وجَعَل الأنبياء الذين هم أعظم الخلق من جنسه، فاحتقاره احتقار لِمَا عَظَّمه الله تعالى، وشرّفه، ومنه أن لا يبدأه بالسلام، ولا يَرُدّه عليه؛ احتقارًا. انتهى . (كُلُّ الْمُسْلِمِ) مبتدأ خبره «حرامٌ»، وقوله: (عَلَى الْمُسْلِمِ) متعلّق بـ (حَرَامٌ)، وقوله: (دَمُهُ) وما عُطف عليه بدل، أو عطف بيان لـ «كلُّ»، (وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ«) بكسر العين المهملة، وسكون الراء: النفس، والحسب، يقال: نقيّ العِرْض: أي: بريء من العيب . وقال ابن الأثير ﵀: العِرْضُ: موضع المدح والذمّ من الإنسان، سواءٌ كان في نفسه، أو في سلفه، أو من يلزمه أمره، وقيل: هو جانبه الذي يصونه من نفسه، وحَسَبه، ويحامي عنه أن يُنتقَص، ويُثْلَب، وقال ابن قتيبة: عِرْضُ الرجل نفسه، وبدنه، لا غير. انتهى . وقال ابن منظور ﵀ بعد ذِكر ما ذكره ابن الأثير ما نصّه: وقال أبو العباس: إذا ذُكر عِرض فلان، فمعناه أموره التي يَرتفع، أو يَسقط بذكرها من جهتها، بحمد، أو بذمّ، فيجوز أن تكون أمورًا يوصف هو بها دون أسلافه، ويجوز أن تُذكر أسلافه؛ لتلحقه النقيصة بعيبهم، لا خلاف بين أهل اللغة فيه، إلا ما ذكره ابن قتيبة من إنكاره أن يكون العِرض الأسلاف، والآباء، واحتجّ أيضًا بقول أبي الدرداء: أَقْرِض من عِرْضك ليوم فقرك، قال: معناه: أقْرِضْ من نفسك؛ أي: مَنْ عابك، وذمّك فلا تجازِه، واجعله قرضًا في ذمته؛ لتستوفيه منه يوم حاجتك في القيامة، وقول الشاعر: وَأُدْرِكُ مَيْسُورَ الْغِنَى وَمَعِي عِرْضِي أي: أفعالي الجميلة، وقال النابغة: يُنْبِئْكِ ذُو عِرْضِهِمْ عَنِّي وَعَالِمُهُمْ … وَلَيْسَ جَاهِلُ أَمْرٍ مِثْلُ مَنْ عَلِمَا ذو عرضهم: أشرافهم، وقيل ذو عرضهم: حَسَبهم، والدليل على أن العرض ليس بالنفس، ولا البدن، قوله: «دمه، وعرضه»، فلو كان العرض هو النفس لكان «دمه» كافيًا عن قوله: «عرضه»؛ لأن الدم يراد به ذهاب النفس، ويدل على هذا قول عمر للحطيئة: فاندفعت تُغَنِّي بأعراض المسلمين، معناه: بأفعالهم، وأفعال أسلافهم. انتهى . وقال المناويّ ﵀: قوله: «كل المسلم» مبتدأ، وفيه ردّ لزعم من زعم أن «كلّا» لا تضاف إلا إلى نكرة، وقوله: «على المسلم حرامٌ» خبره، وقوله: «ماله»: أي: أخذ ماله، بنحو غَصْب، وقوله: «وعرضه»: أي: هَتْك عرضه بلا استحقاق، وقوله: «ودمه»: أي: إراقة دمه بلا حقّ، وأدلة تحريم هذه الثلاثة مشهورة، معروفة من الدِّين بالضرورة، وجَعَلَها كلَّ المسلم، وحقيقَتَهُ؛ لشدّة اضطراره إليها، فالدم فيه حياته، ومادته المال، فهو ماء الحياة الدنيا، والعِرض به قيام صورته المعنوية، واقتصر عليها؛ لأن ما سواها فَرْع عنها، وراجع إليها؛ لأنه إذا قامت الصورة البدنية والمعنوية، فلا حاجة لغيرهما، وقيامها إنما هو بتلك الثلاثة، ولكون حرمتها هي الأصل والغالب، لم يَحتج لتقييدها بغير حقّ، فقوله في رواية: «إلا بحقها»؛ إيضاحٌ وبيانٌ، وهذا حديثٌ عظيم الفوائد، كثير العوائد، مشير إلى المبادئ، والمقاصد. انتهى كلام المناويّ ﵀، وهو بحثٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٦٥٢٠ و٦٥٢١ و٦٥٢٢] (٢٥٦٤)، و(أبو داود) في «سننه» (٤/ ٢٧٠)، و(ابن ماجه) في «سننه» (٢/ ١٢٩٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٧٧ و٣٦٠)، و(عبد بن حُميد) في «مسنده» (١/ ٤٢٠)، و(الطبرانيّ) في «مسند الشاميين» (٣/ ٣٠٩)، و(القضاعيّ) في «مسند الشهاب» (١/ ١٣٦ و١٣٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ٩٢ و٨/ ٢٤٩) و«شُعب الإيمان» (٥/ ٢٨١ و٧/ ٥٠٨)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٥٤٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم التحاسد، والتناجش، والتباغض، والتدابر، والبيع على بيع الآخر؛ لأن هذه الأشياء تورث التقاطع، والتنافر، وتقطع الصلة بين الإخوة. ٢ - (ومنها): بيان وجوب أن يكون عباد الله تعالى متآخين، متحابيّن في جلال الله ﷾. ٣ - (ومنها): بيان أن المسلم أخ لأخيه المسلم، فلا ينبغي له أن يظلمه، ولا يخذله بترك نَصْره على من ظلمه، ولا يحتقره. ٤ - (ومنها): بيان أن التقوى محلّه القلب، فينبغي العناية والاهتمام بإصلاح القلب. ٥ - (ومنها): بيان أنه لو لم يكن للمسلم شرّ سوى احتقاره لأخيه المسلم لكفاه ذلك شرًّا. ٦ - (ومنها): بيان تحريم كل المسلم على المسلم، دمًا، ومالًا، وعرضًا، فلا يجوز التعرّض له في شيء منها بسوء. ٧ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: يستفاد من هذا الحديث صرف الهمّة إلى الاعتناء بأحوال القلب، وصفاته، بتحقيق علومه، وتصحيح مقاصده، وعزومه، وتطهيره عن مذموم الصفات، واتصافه بمحمودها، فإنَّه لمّا كان القلب هو محل نَظَر الله تعالى، فحقّ العالِم بقَدْر اطّلاع الله تعالى على قلبه أن يُفَتِّش عن صفات قلبه، وأحوالها؛ لإمكان أن يكون في قلبه وصف مذموم يمقته الله تعالى بسببه. ٨ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀ أيضًا: إن الاعتناء بإصلاح القلب، وبصفاته مقدّم على الأعمال بالجوارح؛ لتخصيص القلب بالذكر مقدّمًا على الأعمال، وإنَّما كان كذلك؛ لأن أعمال القلوب هي المصحّحة للأعمال؛ إذ لا يصحّ عمل شرعيّ إلا من مؤمن، عالم بمن كلّفه، مُخلِصٍ له فيما يعمله، ثم لا يَكمُل ذلك إلا بمراقبة الحقّ فيه، وهو الذي عَبّر عنه - ﷺ - بالإحسان، حيث قال: «أن تعبد الله كأنك تراه»، متفق عليه، وقد تقدَّم قوله - ﷺ -: «إن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب»، متّفقٌ عليه. ٩ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ أيضًا: إنه لمّا كانت القلوب هي المصحّحة للأعمال الظاهرة، وأعمال القلب غيبٌ عنّا، فلا يُقطع بمغيَّب أحد لِمَا يُرَى عليه من صور أعمال الطاعة، أو المخالفة، فلعل من يحافظ على الأعمال الظاهرة يعلم الله تعالى من قلبه وصفًا مذمومًا، لا تصحّ معه تلك الأعمال، ولعل من رأينا عليه تفريطًا، أو معصيةً يعلم الله من قلبه وصفًا محمودًا يغفر له بسببه، فالأعمال أمارات ظنية، لا أدلة قطعية، ويترتّب عليها عدم الغلوّ في تعظيم من رأينا عليه أفعالًا صالحةً، وعدم الاحتقار لمسلم، رأينا عليه أفعالًا سيّئةً، بل تُحْتَقَر وتُذمّ تلك الحالة السيّئة، لا تلك الذات المسيئة، فتدبّر هذا، فإنَّه نظرٌ دقيق. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ وهو بحثٌ نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيس، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: قد كتب الحافظ ابن رجب ﵀ على هذا الحديث تحقيقات مفيدة، أحببت إيرادها في مسائل تكميلًا للفوائد، ونشرًا للعوائد، فقالت: (المسألة الرابعة): قال ﵀: قوله - ﷺ -: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذُله، ولا يَكْذِبه، ولا يحقره» هذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، فإذا كان المؤمنون إخوةً أُمروا فيما بينهم بما يوجب تآلف القلوب، واجتماعها، ونُهُوا عما يوجب تنافر القلوب، واختلافها، وهذا من ذلك، وأيضًا فإن الأخ من شأنه أن يوصل لأخيه النفعَ، ويكفّ عنه الضرر، وهذا من أعظم الضرر الذي يجب كفّه عن الأخ المسلم، وهذا لا يختص بالمسلم، بل هو محرّم في حق كل أحد. وسيأتي الكلام على الظلم مستوفًى عند ذكر حديث أبي ذر -﵁- الإلهيّ: «يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرّمًا، فلا تَظالموا …». ومن ذلك خِذلان المسلم لأخيه، فإن المؤمن مأمور أن ينصر أخاه، كما قال النبيّ - ﷺ -: «انصر أخاك ظالِمًا، أو مظلومًا»، قال: يا رسول الله أنصره مظلومًا، فكيف أنصره ظالِمًا؟ قال: «تمنعه من الظلم، فذلك نصرك إياه»، خرّجه البخاريّ بمعناه، من حديث أنس، وخرّجه مسلم بمعناه من حديث جابر، وخرّجه أبو داود من حديث أبي طلحة الأنصاريّ، وجابر بن عبد الله، عن النبيّ - ﷺ - قال: «ما من امرئ مسلم يَخذُل امرءًا مسلمًا في موضع تُنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عِرضه، إلا خذله الله في موضع يحب فيه نُصرته، وما من امرئ ينصر مسلمًا في موضع يُنتقص فيه من عرضه، وتُنتهك فيه حرمته إلا نصره الله في موضع يحب فيه نُصرته» . وخرّج الإمام أحمد من حديث أبي أمامة بن سهل، عن أبيه -﵁-، عن النبيّ - ﷺ - قال: «من أُذلّ عنده مؤمن، فلم ينصره، وهو يقدر على أن ينصره، أذلّه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة» . وخرّج البزار من حديث عمران بن حصين -﵄ - عن النبيّ - ﷺ - قال: «من نصر أخاه بالغيب، وهو يستطيع، نصره الله في الدنيا والآخرة» . ومن ذلك كَذِب المسلم لأخيه، فلا يحلّ له أن يحدّثه، ويَكْذِبه، بل لا يحدّثه إلا صدقًا. وفي «مسند الإمام أحمد» عن النواس بن سمعان -﵁- عن النبيّ - ﷺ - قال: «كَبُرت خيانةً أن تحدّث أخاك حديثًا، هو لك مصدِّق، وأنت به كاذب» . ومن ذلك احتقار المسلم لأخيه المسلم، وهو ناشئ عن الكِبْر، كما قال النبيّ - ﷺ -: «الكِبْر بَطَر الحقّ، وغَمْط الناس»، خرّجه مسلم، من حديث ابن مسعود -﵁-، وخرّجه الإمام أحمد، وفي رواية له: «الكِبْر سَفَهُ الحقّ، وازدراء الناس»، وفي رواية زيادة: «فلا يراهم شيئًا». وغَمْط الناس: الطعن عليهم، وازدراؤهم، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١]، فالمتكبِّر ينظر إلى نفسه بعين الكمال، وإلى غيره بعين النقص، فيحتقرهم، ويزدريهم، ولا يراهم أهلًا لأن يقوم بحقوقهم، ولا أن يقبل من أحدهم الحقّ إذا أورده عليه. انتهى ما كتبه ابن رجب ﵀ ، وهو بحثٌ مفيد جدًّا، والله تعالى أعلم. (المسألة الخامسة): قال ابن رجب ﵀ أيضًا: قوله - ﷺ -: «التقوى ها هنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات» فيه إشارة إلى أن كَرَم الخَلْق عند الله بالتقوى، فرُبّ من يحقره الناس؛ لِضَعفه، وقلة حظه من الدنيا هو أعظم قدرًا عند الله تعالى ممن له قدر في الدنيا، فإنما الناس يتفاوتون بحسب التقوى، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، وسئل النبيّ - ﷺ -: من أكرم الناس؟ قال: «أتقاهم لله تعالى» ، وفي حديث آخر: «الكرم التقوى» . والتقوى أصلها في القلب، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، وإذا كان أصل التقوى في القلوب، فلا يَطَّلع أحد على حقيقتها إلا الله تعالى، كما قال - ﷺ -: «إن الله لا ينظر إلى صوركم، وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، وأعمالكم» . وحينئذ فقد يكون كثير ممن له صورة حسنة، أو مال، أو جاه، أو رياسة في الدنيا قلبه خرابًا من التقوى، ويكون من ليس له شيء من ذلك قلبه مملوءًا من التقوى، فيكون أكرم عند الله تعالى، بل ذلك هو الأكثر وقوعًا، كما في «الصحيحين» عن حارثة بن وهب، عن النبيّ - ﷺ - قال: «ألا أخبركم بأهل الجنة، كل ضعيف، مستضعف، لو أقسم على الله لأبرّه، ألا أخبركم بأهل النار، كل عُتُلّ جَوَّاظ ، مستكبر» . وفي «المسند» عن أنس، عن النبيّ - ﷺ - قال: «أما أهل الجنة، فكل ضعيف، مستضعف، أشعث، ذو طِمْرين، لوأقسم على الله لأبره، وأما أهل النار، فكل جَعْظَريّ، جَوّاظ، جَمّاع، منّاع، ذي تَبَع» . وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة -﵁-، عن النبيّ - ﷺ - قال: «تحاججت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين، والمتجبرين، وقالت الجنة: لا يدخلني إلا ضعفاء الناس، وسَقَطهم، فقال الله تعالى للجنة: أنت رحمتي، أرحم بكِ من أشاء من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي، أعذب بك من أشاء من عبادي». وخرّجه الإمام أحمد من حديث أبي سعيد، عن النبيّ - ﷺ - قال: «افتخرت الجنة والنار، فقالت النار: يا رب يدخلني الجبابرة، والمتكبرون، والملوك، والأشراف، وقالت الجنة: يا رب يدخلني الضعفاء، والفقراء، والمساكين …»، وذكر الحديث. وفي «صحيح البخاريّ» عن سهل بن سعد، قال: مَرّ رجل على رسول الله - ﷺ -، فقال لرجل عنده جالسٍ: «ما رأيك في هذا؟»، فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حَرِيّ إن خطب أن يُنكَح، وإن شَفَع أن يُشَفَّع، وإن قال أن يُسمَع لقوله، قال: فسكت النبيّ - ﷺ -، ثم مرّ رجل آخر، فقال رسول الله - ﷺ -: «ما رأيك في هذا؟» قال: يا رسول الله هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حَرِيّ إن خطب أن لا يُنكَح، وإن شَفَع أن لا يُشَفَّع، وإن قال أن لا يُسْمَع لقوله، فقال رسول - ﷺ -: «هذا خير من مَلْء الأرض مثلُ هذا». وقال محمد بن كعب القرظيّ في قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣)﴾ [الواقعة: ١ - ٣] قال: تخفض رجالًا كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع رجالًا كانوا في الدنيا مخفوضين. انتهى كلام ابن رجب ﵀ ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (المسألة السادسة): قال ابن رجب ﵀ أيضًا: قوله - ﷺ -: «بحسب امرئ من الشرّ أن يحقر أخاه المسلم»؛ يعني: يكفيه من الشرّ احتقارُه أخاه المسلم، فإنه إنما يحقر أخاه المسلم لتكبّره عليه، والكِبْر من أعظم خصال الشرّ، وفي «صحيح مسلم» عن النبيّ - ﷺ - قال: «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرّة من كِبْر»، وفيه أيضًا عنه - ﷺ -: «قال تعالى: العز إزاري، والكبرياء ردائي ، فمن نازعني عذبته». فمنازعة الله تعالى في صفاته التي لا تليق بالمخلوق، كفى بها شرًّا. وفي«صحيح ابن حبان»عن فَضَالة بن عُبيد، عن النبيّ - ﷺ - قال:«ثلاثة لا يُسألُ عنهم: رجل ينازع الله إزاره، ورجل ينازع الله رداءه، فإن رداءه الكبرياء، وإزاره العزّ، ورجل في شكّ من أمر الله تعالى، والقنوط من رحمة الله». وفي«صحيح مسلم»عن أبي هريرة عن النبيّ - ﷺ - قال:«من قال: هلك الناسُ، فهو أهلكهم»، فأعادها مرارًا، ثم رفع رأسه، فقال:«اللَّهُمَّ هل بلغت؟ اللَّهُمَّ هل بلغت؟ »، قال مالك: إذا قال ذلك تحزّنًا لِمَا يرى في الناس؛ يعني: في دِينهم، فلا أرى به بأسًا، وإذا قال ذلك تعجبًا بنفسه، وتصاغرًا، فهو المكروه الذي نُهِي عنه، ذكره أبو داود في«سننه». انتهى كلام ابن رجب ﵀ ، وهو بحث مفيد، والله تعالى أعلم. (المسألة السابعة): قال ﵀: قوله - ﷺ -:«كلُّ المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه»، وهذا مما كان النبيّ - ﷺ - يخطب به في المَجامع العظيمة، فإنه خطب به في حجة الوداع يوم النحر، ويوم عرفة، ويوم الثاني من أيام التشريق، وقال:«إن أموالكم، ودماءكم، وأعراضكم عليكم حرام؛ كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا»، وفي رواية للبخاريّ وغيره:«وأبشاركم»، وفي رواية: فأعادها مرارًا، ثم رفع رأسه، فقال:«اللَّهُمَّ هل بلّغت؟ اللَّهُمَّ هل بلغت؟ »، وفي رواية: ثم قال:«ألا ليبلّغ الشاهد منكم الغائب»، وفي رواية للبخاريّ:«فإن الله حرّم عليكم أموالكم، وأعراضكم، ودماءكم إلا بحقها»، وفي رواية:«دماؤكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم = فنثبته كما أثبته النصّ الصحيح، على مراد الله تعالى، فلا نؤوّل، ولا نعطّل، ولا نشبّه، كما هو مذهب السلف الصالح، فلا تلتفت إلى ما كتبه المحقق على هامش «جامع العلوم» من دعوى المجاز، فإنه غير صحيح، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. حرام، مثل هذا اليوم، وهذا البلد، إلى يوم القيامة، حتى دفعةٌ يدفعها مسلم مسلمًا يريد بها سوءًا حرام». وفي رواية:«المؤمن حرام على المؤمن؛ كحرمة هذا اليوم، لحمه عليه حرام أن يأكله، أو يغتابه بالغيب، وعرضه عليه حرام، أن يخرقه، ووجهه عليه حرام، أن يلطِمه، ودمه عليه حرام، أن يسفكه، وحرام عليه أن يدفعه دفعة بغتة». وفي«سنن أبي داود»عن بعض الصحابة أنهم كانوا يسيرون مع النبيّ - ﷺ -، فقام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى حبل معه، فأخذها، ففَزِع، فقال النبيّ - ﷺ -:«لا يحل لمسلم أن يُرَوِّع مسلمًا». وخرّج أحمد، وأبو داود، والترمذيّ عن السائب بن يزيد، عن النبيّ - ﷺ - قال:«لا يأخذ أحدكم عصا أخيه، لاعبًا جادًّا، فمن أخذ عصا أخيه، فليردّها إليه»، قال أبو عبيد: يعني: أن يأخذ شيئًا، لا يريد سَرِقَته، إنما يريد إدخال الغيظ عليه، فهو لاعبٌ في مذهب السرقة، جادّ في إدخال الرَّوع والأذى عليه. وفي«الصحيحين»عن ابن مسعود، عن النبيّ - ﷺ - قال:«إذا كنتم ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون الثالث، فإن ذلك يُحْزنه»، ولفظه لمسلم. وخرّج الطبراني من حديث ابن عباس، عن النبيّ - ﷺ - قال:«لا يتناجى اثنان دون الثالث، فإن ذلك يؤذي المؤمن، والله يكره أذى المؤمن». وخرّج الإمام أحمد من حديث ثوبان، عن النبيّ - ﷺ - قال:«لا تؤذوا عباد الله، ولا تُعَيِّروهم، ولا تطلبوا عوراتهم، فإن من طلب عورة أخيه المسلم، طلب الله عورته، حتى يفضحه في بيته». وفي«صحيح مسلم»عن أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ - أنه سئل عن الغيبة، فقال:«ذِكْرك أخاك بما يكره»، قال: أرأيت إن كان فيه ما أقول؟ فقال:«إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول، فقد بَهَتَّه». فتضمَّنت هذه النصوص كلها أن المسلم لا يحلّ إيصال الأذى إليه بوجه من الوجوه، من قول، أو فعل، بغير حقّ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب: ٥٨]. وإنما جعل الله المؤمنين إخوة؛ ليتعاطفوا، ويتراحموا، وفي«الصحيحين»عن النعمان بن بشير، عن النبيّ - ﷺ - قال:«مَثَل المؤمنين في توادّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، مَثَل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر»، وفي رواية لمسلم:«المؤمنون كرجل واحد، إن اشتكى رأسه، تداعَى له سائر الجسد بالحمى»، وفي رواية له أيضًا:«المسلمون كرجل واحد، إن اشتكى عينه اشتكى كله، وإن اشتكى رأسه، اشتكى كله»، وفيهما عن أبي موسى، عن النبيّ - ﷺ - قال:«المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشدّ بعضه بعضًا». وخرّج أبو داود من حديث أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ - قال:«المؤمن مرآة المؤمن، المؤمن أخو المؤمن، يكفّ عنه ضيعته، ويحوطه من ورائه»، وخرّجه الترمذيّ، ولفظه:«إن أحدكم مرآة أخيه، فمن رأى به أذى فَلْيُمِطْه عنه». قال رجل لعمر بن عبد العزيز: اجعل كبير المسلمين عندك أبًا، وصغيرهم ابنًا، وأوسطهم أخًا، فأيّ أولئك تحب أن تسيء إليه؟. ومن كلام يحيى بن معاذ الرازيّ: ليكن حظ المؤمن منك ثلاثة: إن لم تنفعه فلا تضرّه، وإن لم تفرحه فلا تغمّه، وإن لم تمدحه فلا تذمّه. انتهى كلام ابن رجب ﵀ وهو بحث نفيس، مفيد، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٢١] (. . .) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ أُسَامَةَ -وَهُوَ ابْنُ زيدٍ- أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ دَاوُدَ، وَزَادَ، وَنَقَصَ، وَمِمَّا زَادَ فِيهِ: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ»، وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ إِلَى صَدْرِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) الليثيّ مولاهم، أبو زيد المدنيّ، صدوقٌ يَهِم [٧] (ت ١٥٣) وهو ابن بضع وسبعين (خت م ٤) تقدم في «الصلاة» ٤٢/ ١٠٨٥. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل خمسة أبواب. وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ دَاوُدَ … إلخ) فاعل «ذَكَر» ضمير أسامة بن فلد، وكذا فاعل «زاد»، و«نقص». وقوله: («إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ … إلخ») قال القرطبيّ ﵀: نَظَرُ الله تعالى الذي هو رؤيته للموجودات، واطّلاعه عليها، لا يخصّ نَظَرَ موجودٍ دون موجود، بل يعمّ جميع الأشياء؛ إذ لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ثم قد جاء في الشرع نَظَر الله تعالى بمعنى: رَحْمَته للمنظور إليه، وبمعنى: قبول أعماله، ومجازاته عليها، وهذا هو النظر الذي يُخَصّ به بعض الأنبياء، ويُنفَى عن بعضها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧]، وقد تقدَّم ذلك في «كتاب الإيمان»، فقوله هنا: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم»؛ أي: لا يُثيبكم عليها، ولا يقرّبكم منه، ذلك كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ [سبأ: ٣٧]، ثم قال: ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧]. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي طوّل به القرطبيّ نَفَسَه، ليس بصواب، والصواب ما عليه السلف من أن النظر على ظاهره، فنُثبت لله تعالى صفة النظر، كما نُثبت غيره من الصفات؛ كالرضى، والغضب، والرحمة، والانتقام، والاستواء، والنزول، وغير ذلك بلا تشبيه، ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تعطيل، وقد سبق تحقيق هذا الموضوع في مواضع كثيرة، فكن على بصيرة، والله تعالى وليّ التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٢٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قبل بابين. ٢ - (كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ) الكلابيّ، أبو سهل الرَّقِّيّ، نزيل بغداد، ثقة [٩] (ت ٧ أو ٢٠٨) (بخ م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦٣/ ٣٥٧. ٣ - (جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ) -بضم الموحّدة، وسكون الراء، بعدها قاف- الكلابيّ، أبو عبد الله الرَّقّيّ، صدوق يَهِم في حديث الزهريّ [٧] (ت ١٥٠) وقيل: بعدها (بخ م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦٣/ ٣٥٧. ٤ - (يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ) واسمه عمرو بن عُبيد بن معاوية البكائيّ -بفتح الموحّدة، وتشديد الكاف- أبو عوف، كوفيّ، نزل الرَّقَّة، وهو ابن أخت ميمونة أم المؤمنين -﵂-، يقال: له رؤية، ولا يثبت، وهو ثقة [٣] (ت ١٠٣) (بخ م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦٣/ ٣٥٧. و«أبو هريرة -﵁-» ذُكر قبله. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁-؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ) قد أسلفت آنفًا أن النظر هنا على ظاهره، ففيه إثبات النظر لله ﷾ على ما يليق بجلاله، فلا نؤوّل كما مشى عليه شراح هذا الحديث، فتنبّه. (إِلَى صُوَرِكُمْ)؛ أي: لا يجازيكم على ظاهرها، (وَأَمْوَالِكُمْ) الخالية من الخيرات؛ أي: لا يثيبكم عليها، ولا يقرّبكم منه، (وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ) التي هي محل التقوى، وموضع الإنابة، ومنبع الحكمة، والمعرفة، (وَأَعْمَالِكُمْ») التي تتقرّبون بها إليه ﷾، فينبغي الحرص على إخلاصها، وموافقتها للكتاب والسُّنَّة، فإن العمل لا يُقبل إلا إذا كان خالصًا لوجه الله ﷿، وموافقًا لِمَا جاء به النبيّ - ﷺ -، من الكتاب والسُّنَّة، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. قال بعضهم : معنى هذا الحديث: أن الله تعالى لا ينظر إلى قوّة أجسادكم، وصوركم الحسنة، وإنما ينظر إلى أعمالكم الظاهرة والباطنة جميعًا، فأشار بقوله: «إلى قلوبكم» إلى الأعمال الباطنة، كما أشار بقوله: «وأعمالكم» إلى الأعمال الظاهرة. والحاصل أن من حَسُن عمله رضي الله تعالى عنه، سواء كان نحيف الجسم، دميم الصورة، ومن ساء عمله سَخِط الله تعالى منه، سواء كان قويّ الجسم، حَسَن الصورة. فلا مجال في هذا الحديث لمن ادّعى أن المطلوب من الإنسان تزكيته للقلب فقط، ولا عبرة بأفعاله الظاهرة، فيفعل في ظاهره ما يشاء، كما تفوّه بذلك بعض الملاحدة، وجهلة المتصوّفة؛ لأن نصوص الكتاب والسُّنَّة مُطبِقة على كون الإنسان مكلّفًا بتصحيح أعماله الظاهرة، والواقع أن الأعمال الظاهرة لا تفسد إلا بفساد القلب، فهي علامة على فساد باطنه، وقد بيّن النبيّ - ﷺ - هذا المعنى أتمّ بيان حيث قال: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب»، ففساد الأعمال الظاهرة دليل على فساد القلب؛ لأنهما متلازمان، لا ينفكّ أحدهما عن الآخر. فلو لم يكن للأعمال الظاهرة قيمة واعتبار في الشرع لَمَا ذَكَر النبيّ - ﷺ -: «وأعمالكم» عَقِب قوله: «إلى قلوبكم»، ولكنه - ﷺ - قَرَن بينهما، فدلّ على المطلوب من المكلّف إصلاح الباطن والظاهر جميعًا. وكذلك لا يخفى بطلان قول من يستدلّ بهذا الحديث على أن الأجساد والصور لا يتعلّق بها حكم شرعيّ، فيجوز للمرء أن يختار لتزيين جسده، وتحسين صورته ما شاء من طريق؛ كحلق اللحية، وإسبال الشارب، ونحو ذلك، مع أنه - ﷺ - أمَر بإعفاء اللحية، وإحفاء الشارب، وتقليم الأظفار، ونهى عن إسبال الثوب، ولَعَن الواشمات، والمستوشمات، والنامصات، والمتنمّصات، والمتفلجات، فكل هذا ونحوه من الأعمال التي هي محل نَظَر الله تعالى؛ كنَظَره للقلب بلا فرق. وإنما المراد من نفي النظر إلى الأجساد والصُّوَر، أن حُسْن الصورة وقُبْحها، لا مدخل له في رضا الله تعالى، وسَخَطه، وإنما العبرة بالقلب، والأعمال. وبالجملة فالحديث واضح المعنى، وإنما الشيطان سوَّل لبعض الناس أن يفهموه على غير وجهه، فزيّن لهم الاستدلال به على انحرافهم عن سلوك سبل الهدى والرشاد، إلى طريق الضلال والغواية، والفساد، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، اللَّهُمَّ أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين. [تنبيه]: قال بعض العلماء: قد أبان هذا الحديث أن محل القلب موضع نَظَر الرب، فيا عجبًا ممن يَهْتَمّ بوجهه الذي هو نَظَر الخلق، فيغسله، وينظفه من القَذَر والدَّنَس، ويزيّنه بما أمكن؛ لئلا يَطَّلع فيه مخلوق على عيب، ولا يهتمّ بقلبه الذي هو محل نَظَر الخالق، فيطهّره، ويزيّنه؛ لئلا يَطَّلع ربه على دَنَس، أو غيره فيه. انتهى . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف: ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٦٥٢٢] (٢٥٦٤)، و(ابن ماجه) في «الزهد» (٤١٤٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٨٤ - ٢٨٥ و٥٣٩) وفي «الزهد» (ص ٥٩)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (١/ ٣٦٩)، و(أبو نعيم) في «الحلية» (٧/ ١٢٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٩٤)، و(ابن منده) في «الإيمان» (١/ ٤٦٠)، و(تمّام) في «فوائده» (١/ ٣٩)، و(البيهقيّ) في «شُعَب الإيمان» (٧/ ٣٢٨)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٤١٥٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان عظمة القلب؛ لأنه محل نظر الله ﷾، فينبغي العناية بتطهيره، وتنظيفه من الصفات الدنيّة، والأخلاق الرديّة.
مصادر المؤلف (٤٦)

١. وفي نسخة: «ثلاث مرار».

٢. هذا أولى من قوله في«التقريب»: مقبول؛ لأنه روى عنه جماعة، ووثقه ابن حبان، والذهبيّ، كما في«الكاشف»(٢/ ٤٣٠). وأخرج له مسلم هنا في«الصحيح»، ولم يتكلّم فيه أحد بجرح، فهو ثقة بلا شكّ، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، وبالله تعالى التوفيق.

٣. ٢/ ٤٣٠.

٤. رواه الطبرانيّ، وأبو نعيم، وصححه ابن حبّان.

٥. ضعيف، في سنده أبو سلمة الكنديّ مجهول، وفرقد السبخيّ متكلّم فيه.

٦. «جامع العلوم والحكم» ١/ ٣٢٨.

٧. «تحفة الأحوذي» ٦/ ٤٦.

٨. «الفتح» ١٠/ ٤٨٢.

٩. «تحفة الأحوذي» ٦/ ٤٦، و«المصباح المنير» ١/ ١٦٥.

١٠. «مشارق الأنوار» ١/ ٢٣١.

١١. رواه البخاريّ.

١٢. «المفهم» ٦/ ٥٣٦.

١٣. «مشارق الأنوار» ١/ ٢١١، و«إكمال المعلم» ٨/ ٣١.

١٤. «المفهم» ٦/ ٥٣٦.

١٥. «شرح النوويّ» ١٦/ ١٢٠ - ١٢١.

١٦. «عمدة القاري»١/ ١١٦.

١٧. أي: اسم مصدر، كما لا يخفى.

١٨. «المفهم»٦/ ٥٣٦ - ٥٣٧.

١٩. «المصباح المنير»٢/ ٥٦٨.

٢٠. «المفهم»٦/ ٥٣٧.

٢١. «فيض القدير»٥/ ١١.

٢٢. راجع:«المصباح المنير» ٢/ ٤٠٤.

٢٣. «النهاية في غريب الأثر» ٣/ ٢٠٩.

٢٤. «لسان العرب» ٧/ ١٧١ - ١٧٢.

٢٥. «فيض القدير» ٥/ ١١.

٢٦. في إسناده إسماعيل بن بشير: مجهول، كما في «التقريب»، وحسَّنه بعضهم لشواهده، راجع: ما كُتب في هامش «جامع العلوم» ٢/ ٢٧٤.

٢٧. في سنده ابن لهيعة.

٢٨. صحيح.

٢٩. في سنده عمر بن هارون، وهو متروك.

٣٠. «جامع العلوم والحكم» ٢/ ٢٧٣ - ٢٧٥.

٣١. متّفقٌ عليه.

٣٢. رواه الترمذيّ، وحسّنه، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبيّ، وصححه الألباني.

٣٣. رواه مسلم.

٣٤. «المستضعَف»بفتح العين، وكسرها، والفتح أشهر؛ أي: يستضعفه الناس لضعف حاله في الدنيا، و«العتُلّ»: الجافي الشديد الخصومة في الباطل، و«الجوّاظ»: هو الجَمُوع المَنُوع.

٣٥. متّفقٌ عليه.

٣٦. في سنده ابن لهيعة، لكن يتقوّى بحديث حارثة المتقدّم.

٣٧. «جامع العلوم والحكم ٢/ ٢٧٥ - ٢٧٨.

٣٨. قال الجامع عفا الله عنه: كون العزّ رداءه والكبرياء إزاره مما يجب الإيمان به، =

٣٩. «جامع العلوم والحكم» ٢/ ٢٧٥ - ٢٧٩.

٤٠. متّفقٌ عليه.

٤١. رواه الطبرانيّ في«الكبير»١٩/ ٤٠٠، وفي إسناده كرامة بنت الحسين، قال الهيثميّ: لم أجد مَنْ ذَكَرها.

٤٢. في سنده الحسن بن كثير، لم يوثّقه غير ابن حبّان، وأعلّه البخاري في«تاريخه»بالإرسال.

٤٣. صحيح.

٤٤. «جامع العلوم والحكم» ٢/ ٢٨٣.

٤٥. راجع: «تكملة فتح الملهم» ٥/ ٣٦٤ - ٣٦٥.

٤٦. «فيض القدير على الجامع الصغير» للمناويّ ٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨.