HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٥٦٩

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قال: قال رسول الله ﷺ «إِنَّ اللَّهَ ﷿ يقول، يوم القيامة: يا ابن آدم! مرضت فلم تعدني. قال: يا رب! كيف أعودك؟ وأنت رب العالمين. قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده. أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم! استطعمتك فلم تطعمني. قال: يا رب! وكيف أطعمك؟ وأنت رب العالمين. قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم! استسقيتك فلم تسقني. قال: يا رب! كيف أسقيك؟ وأنت رب العالمين. قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه. أما أنك لو سقيته وجدت ذلك عندي».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص13
ج ٤ ص ١٩٩٠

سلسلة الرواة

التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٩٠
[٧٩٠] وقوله: (مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي) ، في هذا مرتبة عظيمة للمؤمن؛ إذ جعل عيادته كعيادة نفسه، تعالى الله الرؤوف عن أن يكون له مثل. ومن باب كفارة المرض
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٠ ص٤٢٣
حديثه، فأفحش فيه ابن معين القول، من قدماء [١٠] (ت ٢٤٠) وله مائة سنة (م ق) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٧. ٢ - (مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ) بن الحارث بن أسماء الفزاريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثمّ دمشق، ثقةٌ حافظٌ، وكان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٨. و«عاصم الأحول» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية مروان بن معاوية عن عاصم الأحول هذه لم أجد من ساقها، فلْيُنظَر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٣٤] (٢٥٦٩) - (حَذَثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ اللهَ ﷿ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ، فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ، فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ، يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ، فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ، فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ، لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ، فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ، وَأنتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ، فَلَمْ تَسْقِه، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ، وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي»). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ) السمين البغداديّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمِيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبت [٩] مات بعد المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدم في«الإيمان»٣/ ١١٢. والباقون ذُكروا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وأنه مسلسل بالبصريين غير شيخه فبغداديّ، والصحابيّ، فمدنيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة -﵁-، وقد مرّ القول فيه غير مرّة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁-؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:«إِنَّ اللهَ ﷿ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ) أضاف المرض إليه، والمراد مرض العبد تشريفًا له وتقريبًا، (فَلَمْ تَعُدْني)؛ أي: لم تزرني، بمعنى لم تزر عبدي المريض. (قَالَ) ابن آدم: (يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ، وَأنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟) حالٌ مقررٌ للإشكال الذي تضمّنه معنى «كيف»؛ أي: أن العيادة إنما هي للمريض العاجز، وذلك على المالك الحقيقيّ محال، فكيف أعودك، وأنت القادر القاهر القويّ المتين؟ (قَالَ) الله تعالى: (أَمَا) بفتح الهمزة، وتخفيف الميم: أداة استفتاح وتنبيه؟ كـ«ألا»، (عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ، فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ)؛ أي: وجدت ثوابي وكرامتي في عيادته، ويدلّ على هذا قوله تعالى في تمام الحديث: «لو أطعمته لوجدت ذلك عندي»، «أَبُو سقيته لوجدت ذلك عندي»؛ أي: ثوابه، قاله النوويّ . وقيل: هذا خرج مخرج التنبيه على شرف المؤمن، والتعريف بحظوته عند ربه، وحثٌّ للخلْق على مواصلة العمل لذاته تعالى، والتحبب إليه، والإحسان لوجهه، فأخبر النبيّ - ﷺ - عن ربه أن عيادة المؤمن لأخيه عيادة لله تعالى، من حيث إنها إنما فُعِلت لوجهه، والمجازُ والاستعارةُ في كلامهم باب واسع . وقال القرطبيّ ﵀: هذا تنزّل في الخطاب، ولُطف في العِتاب، ومقتضاه التعريف بعظيم فضل ذي الجلال، وبمقادير ثواب هذه الأعمال، ويستفاد منه أن الإحسان للعبيد، إحسان للسادة، فينبغي لهم أن يعرفوا ذلك، وأن يقوموا بحقه. انتهى . (يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ، فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ) ابن آدم: (يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ، وَأَنتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟)؛ أي: كيف أطعمك؟ والإطعام إنما يَحتاج إليه الضعيف الذي يتقوّى به، فيقيم به صُلْبه، ويُصلح به عَجْزه، وأنت مربّي العالمين؟ (قَالَ) الله ﷿: (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ، فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ، لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي) قيل: قال في العيادة: «لوجدتني عنده»، وفي الإطعام، وكذا السقي: «لوجدت ذلك عندي» إشارةً إلى أن الزيارة، والعيادة أكثر ثوابًا منهما، وقال السبكيّ ﵀: سرّ ذلك أن المريض لا يروح إلى أحد، بل يأتي الناس إليه، فناسب قوله: «لوجدتني عنده» بخلاف ذينك، فإنهما قد يأتيان لغيرهما من الناس . (يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ)؛ أي: طلبت منك أن تسقيني ماءً (فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟)؛ أي: كيف أسقيك، وإنما يظمأ ويحتاج للشرب العاجز المسكين المحتاج لتعديل أركانه، وطبيعته، وأنك غنيّ، منزهٌ، متعالٍ عن ذلك كله؟ (قَالَ) الله ﷿: (اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ، فَلَمْ تَسْقِه، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ، وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي»)؛ أي: وجدت ثوابه عندي. وقال الكَلاباذي ﵀: جعل الله أوصاف المؤمنين صفته، فقال:«مرضت»، و«استسقيتك»، و«استطعمتك»؛ لأن الوصلة إذا استحكمت، والمودة إذا تأكدت، صار فعل كل واحد من المتواصلين فعل الآخر، وكل ما فعله الحبيب فهو يَسُرّ حبيبه، ألا ترى قيسًا المجنون كان إذا أراد أن يَسْكن ما به ذُكِرت له ليلى، فينجلي ما هو فيه، ويتكلم بأحسن كلام، فيقال له: أتحب ليلى؟ فيقول: لا، فيقال: لم؟ فيقول: المحبة ذريعة الوصلة، وقد وقعت الوصلة، فسقطت الذريعة، فأنا ليلى، وليلى أنا، وقال [من الرمل]: أَنَا مَنْ أَهْوَى وَمَنْ أَهْوَى أَنَا … نَحْنُ رُوحَانِ حَلَلْنَا بَدَنَا فَإِذَا أَبْصَرْتُنِي أَبْصَرْتُهُ .... وَإِذَا أَبْصَرْتُهُ كُنْتُ أَنَا [تتمة]: سئل بعضهم عن تنزلات الحقّ في إضافة الجوع والظمأ لنفسه، هل الأَولى إبقاؤها على ما وردت، أو تأويلها كما أَوَّلها الحقّ لعبده، حين قال: كيف أطعمك … إلخ؟. فقال: الواجب تأويلها للعوامّ؛ لئلا يقعوا في جانب الحقّ بارتكاب محظور، وانتهاك حرمة، وأما العارف فعليه الإيمان بها على حدّ ما يعلمه الله، لا على حدّ نِسبتها للخَلْق؛ لاستحالته، وحقيقتُهُ تعالى مخالفة لسائر الحقائق، فلا يجتمع قط مع خَلْقه في جنس، ولا نوع، ولا شخص، ولا تلحقه صفة تشبيه؛ لأنها لا تكون إلا لمن يجتمع مع خَلْقه في حال من الأحوال، ولذا أبقاها السلف على ظاهرها؛ لئلا يفوتهم كمال الإيمان؛ لأنه ما كلّفهم إلا بالإيمان به، لا بما أوَّلوه، فقد لا يكون مرادًا للحقّ، فالأدب إضافتنا إليه كل ما أضافه لنفسه تعالى، كما قيل: إذا نزل الحق من عزّه إلى منزل الجوع، والمرحمة، فخذه على حدّ ما قاله، فإنّ به تحصل المكرمة، ولا تلقينّه على جاهل، فتحصل في موطن المذمّة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا التحقيق الذي ذكره البعض تحقيق نفيسٌ جدًّا، غير قوله: الواجب تأويلها للعوامّ، فإنه مخالف لِمَا كان عليه النبيّ - ﷺ -، فإنه كان يلقي هذا الحديث، وأمثاله للعوامّ والخواص من غير فرق، اللَّهُمَّ إلا إن قلنا: إنه لمّا فسدت العقائد، واتّجه الناس اتجاهًا مخالفًا لهدي الكتاب والسُّنَّة، وكَثُر المشبّهون والمشكّكون للناس في عقائدهم كان عدم الإلقاء إلى من يُخاف عليهم أن يفهموا غير الصواب أَولى، كما قال عليّ -﵁-: «حدّثوا الناس بما يعرفون، أتحبّون أن يكذَّب الله، ورسوله؟»، رواه البخاريّ، فيمن حمل هذا القول على مثل هذا، وإلا فالأصل أن يُلقى الحديث على الخواصّ والعوامّ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ٦٥٣٤] (٢٥٦٩)، و(البخاريّ) في «الأدب المفرد» (٥١٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٦٩ و٩٤٤)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (١/ ١١٥)، و(البيهقيّ) في «شُعَب الإيمان» (٦/ ٥٣٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): هذا الحديث قد يستشكله بعض الناس، وليس بمُشكِل؛ لأنه حديث مفسَّر بنفسه، فقد فسّر الله ﷿ المرض، والجوع، والعطش تفسيرًا واضحًا لا لَبْس فيه، ولا يُتوهّم معه إلى تشبيه، ولا تمثيل، وأنا أنقل قول المحقّقين في هذا الموضوع - إن شاء الله تعالى -: قال شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ كما في «مجموع الفتاوى»: وهذا صريح في أن الله سبحانه لم يَمْرَض ولم يَجُع، ولكن مَرِض عبده، وجاع عبده، فجعل جوعه جوعَه، ومرضَه مرضَه، مفسرًا ذلك بأنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، ولو عُدْته لوجدتني عنده، فلم يبق في الحديث لفظ يحتاج إلى تأويل. انتهى . وقال وليد الشعلان في «القواعد المذاعة في مذهب أهل السُّنَّة والجماعة» في الرد على قولهم: إن هذا الحديث معارض للعقل من كل وجه: فإن العقل يوجب لله تعالى صفات الكمال، وهذا الحديث فيه وَصْف الله تعالى بالجوع، والظمأ، والمرض، فالواجب هو اطّراحه، كذا قالوا ولبئس ما قالوا، هذا هو دَأب القوم يجعلون عقولهم الناقصة، وأهواءهم النتنة حاكمة على نصوص الكتاب والسُّنَّة، فأيّ نصّ يعارضها رَمَوا به عُرض الحائط غير آبهين به. والجواب عما ذكروه أن يقال: الدليل لنا لا لكم؛ فالسند مثل الشمس فقد رواه مسلم، وأما معناه الصحيح، فيفسِّره آخر الحديث، فإن في آخره أن النبيّ - ﷺ - قال: «أما علمت أن عبدي فلانًا مرض، فلم تَعُدْه؟ أما إنك أَبُو عدته لوجدتني عنده، أما علمت أن عبدي فلانًا، استطعمك فلم تطعمه؟ أما إنك أَبُو أطعمته لوجدت ذلك عندي، أما علمت أن عبدي فلان استسقاك فلم تَسْقِه؟ أما إنك لو أسقيته لوجدت ذلك عندي»، فهذا الكلام فيه تصريح لأهل العقول السليمة أن الله تعالى لم يَمْرَض ولم يَجُعْ، ولم يَظمأ، وإنما الذي جاع هو المخلوق، والذي عَطِش، واستطعم هو المخلوق، فهذا موافق للعقل السليم أتمّ الموافقة، والفروع على هذه القاعدة كثيرة، وإنما المقصود الإشارة، والله تعالى أعلم. انتهى . وقال الدكتور عبد العزيز آل عبد اللطيف في «تقريرات ابن تيمية في بيان ما يُشكل من الرسالة التدمرية»: أما النصوص التي يزعمون أن ظاهرها كفر، فإذا تدبَّرت النصوص وجدتها قد بيّنت المراد، وأزالت الشبهة، فإن الحديث الصحيح لفظه: «عبدي مرضت فلم تَعُدْني، فيقول: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض؟ فلو عُدْتَه لوجدتني عنده»، فنَفْس ألفاظ الحديث نصوص في أن الله نفسه لا يمرض، وإنما الذي مرض عبده المؤمن .. ومثل هذا لا يُقال: ظاهره أن الله يمرض، فيحتاج إلى تأويل؛ لأن اللفظ إذا قُرن به ما يبيّن معناه، كان ذلك هو ظاهره. انتهى . وقال ابن تيميّة ﵀ في «كتاب الاستغاثة» بتلخيص ابن كثير له: وأما الخبر الذي استشهد به من قوله: «استطعمتك» فلفظه في الصحيح: «يقول الله تعالى: عبدي جُعْت، فلم تطعمني، فيقول: رب كيف أطعمك، وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا جاع؟ فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي، عبدي مَرِضت فلم تَعُدْني، فيقول: رب كيف أعودك، وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض؟ فلو عُدْته لوجدتني عنده»، وهذا الخبر ليس فيه فِعل للعبد، وإنما فيه جوعه، ومرضه، ولكن ظنّ أن لفظة استطعمتك، وأنه جعل استطعام العبد استطعام الرب، وأيضًا فالخبر مقيَّد لم يُطلق الخطاب إطلاقًا، وإنما بيَّن أن عبده هو الذي مرض، وهو الذي جاع، وقال: لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، ولم يقل: لَوَجَدْتَنِي أكلتُهُ، وقال: أَبُو عُدْته لوجدتني عنده، ولم يقل لوجدتني إياه، والحديث خطاب مفسَّر مُبَيَّن أن الرب ﷿ ليس هو العبد، ولا صفته صفته، ولا فِعله فِعله، أكثر ما فيه استعمال لفظ الجوع والمرض مقيَّدًا مبيّنًا للمراد، فلم يُطلق الخطاب إطلاقًا. وأيضًا فقد عَلمَ المخاطب أن الرب تعالى لا يجوع، ولا يمرض، فلم يكن فيه تلبيس، لا من جهة السمع، ولا من جهة العقل، بل المتكلم بَيّن فيه مراده، والمستمع له لم يشتبه عليه، بخلاف ما إذا أضيف لفعل العبد الذي يمكن منه الفعل، والفعل قد قام به، فإنه إذا جعل فِعله فِعل الرب لم يعقل هذا، إلا إذا أريد أنه خالقه، وإذا أُريد ذلك فالصواب أن يقال: فِعْل العبد مخلوق للرب تعالى، ومفعول له لا يُطلق أنه فِعله لِمَا فيه من التلبيس، ولمَا فيه من نفي فِعل الرب، ولمَا فيه من نفي كون العبد فاعلًا. انتهى . وقال ابن تيميّة ﵀ أيضًا في «درء تعارض العقل والنقل»: (فإنه لا يجوز لعاقل أن يقول: إن دلالة هذا الحديث مخالفة لعقل ولسمع، إلا من يظن أنه قد دلّ على جواز المرض والجوع على الخالق - ومن قال هذا فقد كذب على الحديث، - ومن قال: إن هذا ظاهر الحديث، أو مدلوله، أو مفهومه، فقد كذب، فإن الحديث قد فسَّره المتكلم به، وبيَّن مراده بيانًا زالت به كل شبهة، وبيَّن فيه أن العبد هو الذي جاع، وأكل، ومرض، وعاده العُوَّاد، وأن الله سبحانه لم يأكل، ولم يُعَدْ) . وفي موضع آخر من «درء تعارض العقل والنقل»: (فهذا الحديث قد قَرَن به الرسول - ﷺ - بيانه، وفَسَّر معناه، فلم يَبْقَ في ظاهره ما يدلّ على باطل، ولا يحتاج إلى معارضة بعقل، ولا تأويل، يُصرف فيه ظاهره إلى باطنه بغير دليل شريرّ، فأما أن يقال: إن في كلام الله تعالى ورسوله - ﷺ - ما ظاهره كُفْر هالحاد من غير بيان من الله ورسوله - ﷺ - لِمَا يزيل الفساد، ويبيّن المراد، فهذا هو الذي يقوله أعداء الرسل الذين كفروا من المشركين وأهل الكتاب، وهو الذي لا يوجد في كلام الله أبدًا) . وقال أيضًا في «درء تعارض العقل والنقل»: (أما النصوص التي يزعمون أن ظاهرها كفر، فإذا تدبرت النصوص وجدتها قد بيّنت المراد، وأزالت الشبهة، فإن الحديث الصحيح لفظه: «عبدي مرضت فلم تَعُدْني، فيقول: كيف أعودك، وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض؟ فلو عُدْتَه لوجدتني عنده»، فنفس ألفاظ الحديث نصوص في أن الله نفسه لا يمرض، وإنما الذي مرض عبده المؤمن، ومثل هذا لا يقال: ظاهره أن الله يمرض، فيحتاج إلى تأويل؛ لأن اللفظ إذا قُرن به ما يُبيِّن معناه كان ذلك هو ظاهره؛ كاللفظ العامّ؛ إذا قُرن به استثناء، أو غاية، أو صفة؛ كقوله: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤]، وقوله: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢]، ونحو ذلك، فإن الناس متفقون على أنه حينئذ ليس ظاهره ألفًا كاملة، ولا شهرين سواءٌ كانا متفرقين، أو متتابعين) . ولمّا احتَجَّ بعض الاتحادية بهذا الحديث ردّ عليهم شيخ الإسلام ﵀ في رسالة «الرد الأقوم على ما في كتاب فصوص الحكم»، فقال: فقوله: «جعت ومرضت» لفظ اتحاد يثبت الحقّ. وقوله: «لوجدتني عنده ووجدت ذلك عندي» نفي للاتحاد العيني بنفي الباطل وإثبات لتمييز الرب عن العبد. وقوله: «لوجدتني عنده» لفظ ظرف؛ وبكل يثبت المعنى الحقّ من الحلول الحقّ؛ الذي هو بالإيمان لا بالذات، ويفسّر قوله: «مرضت فلم تَعُدْني» فلو كان الرب عين المريض والجائع لكان إذا عاده وإذا أطعمه يكون قد وجده إياه وقد وجده قد أكله، وفي قوله في المريض: «وجدتني عنده» وفي الجائع: «لوجدت ذلك عندي» فرقان حسن؛ فان المريض الذي تُستحب عيادته ويجد الله عنده: هو المؤمن بربه الموافق لإلهه الذي هو وليّه؛ وأما الطاعم فقد يكون فيه عموم لكل جائع يُستحب إطعامه، فإن الله يقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] فمن تصدق بصدقة واجبة أو مستحبة: فقد أقرض الله سبحانه بما أعطاه لعبده. وقد ثبت في «الصحيح» عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - فإن الله يأخذها بيمينه، فيربيها كما يربي أحدكم فَلُوَّه، أو فصيله حتى تكون مثل الجبل العظيم»، وقال: «إن الصدقة لتقع بيد الحق قبل أن تقع بيد السائل»، لكن الأشبه: أن هذا العبد المذكور في الجوع هو المذكور في المرض، وهو العبد الولي الذي فيه نوع اتحاد، وإن كان الله يثيب على طعام الفاسق والذمي. ونظير القرض: النصر في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]، وقوله: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] ونحو ذلك لكن النصر فيه معنى؛ لكن لا يقال في مثله: جِعت، فقد ذكر الله في القرآن القرض والنصر وجعله له هذا في الرزق وهذا في النصر، وجاء في الحديث: العيادة، وهذه الثلاثة هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧] وقوله: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ [البقرة: ٢١٤] وإنما في الحديث أمْر البأساء والضراء فقط؛ لأن ذلك ينفرد به الواحد المخاطَب بقوله: «عبدي مرضت وَجِعت» فلذلك عاتبه. وأما النصر: فيحتاج في العادة إلى عدد؛ فلا يعتب فيه على أحد معيّن غالبًا، أو المقصود بالحديث التنبيه، وفي القرآن النصر والرزق وليس فيه العيادة؛ لأن النصر والقرض فيه عموم لا يختص بشخص دون شخص. وأما العيادة: فإنما تكون لمن يجد الحق عنده. [فصل] فهذان المعنيان صحيحان ثابتان بل هما حقيقة الدين واليقين والإيمان. أما الأول - وهو كون الله في قلبه بالمعرفة والمحبة -: فهذا فرض على كل أحد ولا بد لكل مؤمن منه؛ فإن أدى واجبه فهو مقتصد، وإن ترك بعض واجبه فهو ظالم لنفسه، وإن تركه كله فهو كافر بربه. وأما الثاني - وهو موافقة ربه فيما يحبه ويكرهه ويرضاه ويسخطه - فهذا على الإطلاق إنما هو للسابِقِين المقرَّبين: الذين تقربوا إلى الله بالنوافل - التي يحبها ولم يفرضها - بعد الفرائض التي يحبها ويفرضها ويعذب تاركها. ولهذا كان هؤلاء لمَّا أتوا بمحبوب الحق من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة المنتظمة للمعارف والأحوال والأحمال: أحبهم الله تعالى. فقال: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» فعلوا محبوبه فأحبهم، فإن الجزاء من جنس العمل مناسب له مناسبة المعلول لعلته، ولا يتوهم أن المراد بذلك: أن يأتي العبد بعين كل حركة يحبها الله؛ فإن هذا ممتنع، وإنما المقصود أن يأتي بما يقدر عليه من الأعمال الباطنة والظاهرة؛ والباطنة يمكنه أن يأتي منها بأكثر مما يأتي به من الظاهرة، كما قال بعض السلف: «قوة المؤمن في قلبه، وضَعْفه في جسمه، وقوة المنافق في جسمه، وضعفه في قلبه» ولهذا قال - ﷺ -: «المرء مع من أحب»، «وقال: إن بالمدينة لرجالًا، ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا، إلا كانوا معكم، حبسهم العذر»، وقال: «فهما في الأجر سواء» في حديث القادر على الإنفاق والعاجز عنه الذي قال: «لو أن لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما عمل» فإنهما لمّا استويا في عمل القلب، وكان أحدهما معذور الجسم استويا في الجزاء، كما قال النبيّ - ﷺ -: «إذا مرض العبد، أو سافر كُتب له من العمل مثل ما كان يعمل، وهو صحيح مقيم») . وفي رسالة شيخ الإسلام إلى نصر الدين بن المنجى قال: (ففسَّرّ ما تكلم به في هذا الحديث أنه جوع عبده ومحبوبه لقوله: «لوجدت ذلك عندي»، ولم يقل: لوجدتني قد أكلته، ولقوله: «لوجدتني عنده» ولم يقل: لوجدتني إياه، وذلك لأن المحب يتّفق هو ومحبوبه بحيث يرضى أحدهما بما يرضاه الآخر، ويأمر بما يأمر به، ويبغض ما يبغضه، ويكره ما يكرهه، وينهى عما ينهى عنه، وهؤلاء هم الذين يرضى الحقّ لرضاهم، ويغضب لغضبهم، والكامل المطلق في هؤلاء محمد - ﷺ -. ولهذا قال تعالى فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]، وقال: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]). انتهى الغرض من كلام شيخ الإسلام ابن تيميّة: في بحثه المتعلّق بحديث: «عبدي جُعتُ، فلم تُطعمني … إلخ». قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من تحقيق شيخ الإسلام ﵀،
مصادر المؤلف (١٤)

١. «شرح النوويّ» ١٦/ ١٢٦.

٢. «فيض القدير» ٢/ ٣١٣.

٣. «المفهم» ٦/ ٥٥١.

٤. «فيض القدير» ٢/ ٣١٣.

٥. راجع: «فيض القدير» للمناويّ ٢/ ٣١٣.

٦. «مجموع الفتاوى» ٣/ ٤٤.

٧. «القواعد المذاعة في مذهب أهل السُّنَّة والجماعة» ١/ ١٠.

٨. «تقريرات ابن تيمية في بيان ما يُشكل من الرسالة التدمرية» ١/ ٣٩.

٩. كتاب «الاستغاثة». انظر: «تلخيص ابن كثير» له ١/ ٣٤٤.

١٠. «درء تعارض العقل والنقل» ١/ ١٥٠.

١١. «درء تعارض العقل والنقل» ٥/ ٢٣٣.

١٢. «درء تعارض العقل والنقل»٥/ ٢٣٥، ٢٣٦.

١٣. «درء تعارض العقل والنقل» ٥/ ٢٣٥، ٢٣٦.

١٤. (١/ ٥).