HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٥٧٧

حدثنا عبيد اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَهْرَامٍ الدَّارِمِيُّ. حدثنا مَرْوَانُ (يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيَّ). حَدَّثَنَا سَعِيدُ بن عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أبي إدريس الخولاني، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فيما روى عن الله ﵎ أنه قال «يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما. فلا تظالموا. يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته. فاستهدوني أهدكم. يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته. فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته. فاستكسوني أكسكم. يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا. فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني. ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم. كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم. ما زاد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم. وإنسكم وجنكم. كانوا على أفجر قلب رجل واحد. ما نقص ذلك من ملكي شيئا. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم. وإنسكم وجنكم. قاموا في صعيد واحد فسألوني. فأعطيت كل إنسان مسألته. ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم. ثم أوفيكم إياها. فمن وجد خيرا فليحمد الله. ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». قال سعيد: كان أبو إدريس الخولاني، إذا حدث بهذا الحديث، جثا على ركبتيه.
ج ٤ ص ١٩٩٤

سلسلة الرواة

التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٩١
[٧٩٣] حديث أبي ذر ﵁ : وفيه بيان تحريم الظلم، وبيان أن الهدى عطية من الله، وأن الرزق من قِبَلِه، ومنها: استغناء الرب عن المخلوقين، ومنها: أن خزائن الله لا تنقص أبدًا، ومنها: أن الناس مجزيون بأعمالهم لا ظلم عليهم، ومنها: أن الظلم مهلك للظالم إذا سلب النور في الآخرة، ومنها: أن الإفلاس الحقيقي هو في الآخرة.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٠ ص٤٨١
تأثير الأدوية البدنية، ولكن إنما ينجع بامرين: أحدهما: من جهة العليل، وهو صِدْق القصد، والآخر: من جهة المداوي، وهو قوّة توجّهه، وقوّة قلبه بالتقوى، والتوكل على الله تعالى، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٥) - (بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٥٠] (٢٥٧٧) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَهْرَامَ الدَّارِمِيّ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ - يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيَّ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ ﵎، أَنَّهُ قَالَ: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ محرّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ، إِلا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ، إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ، إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي، فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي، فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَن أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي، إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ، إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ، أُحْصِيهَا لَكُمْ ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ»، قَالَ سَعِيدٌ: كَانَ أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَهْرَامَ الدَّارِمِيّ) السَّمَرْقنديّ، أبو محمد الحافظ، صاحب«المسند»، ثقةٌ فاضلٌ متقنٌ [١١] (ت ٢٥٥) وله أربع وسبعون سنةً (م د ت) تقدم في«المقدمة»٥/ ٢٩. ٢ - (مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيُّ) الأسديّ الطّاطَرِيّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢١٠) وله ثلاث وستون سنةً (م ٤) تقدم في«المقدمة»٥/ ٢٩. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) التَّنُوخيّ الدمشقيّ، ثقةٌ إمامٌ، سوّاه أحمد بالأوزاعيّ، وقدّمه أبو مسهر، لكنه اختَلَط في آخر أمره [٧] (ت ١٦٧) وقيل: بعدها، وله بضع وسبعون سنةً (بخ م ٤) تقدم في«المقدمة»٥/ ٢٩. ٤ - (رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ) الدمشقيّ، أبو شُعيب الإياديّ القصير، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١ أو ١٢٣) (ع) تقدم في«الطهارة»٦/ ٥٥٩. ٥ - (أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ) عائذ الله بن عبد الله، وُلد في حياة النبيّ - ﷺ -، يوم حنين، وسمع من كبار الصحابة، ومات سنة ثمانين، قال سعيد بن عبد العزيز: كان عالم الشام بعد أبي الدرداء [٢] (ع) تقدم في«الطهارة»٦/ ٥٥٩. ٦ - (أَبُو ذَرٍّ) الغِفَاريّ الصحابيّ المشهور، اسمه جُنْدُب بن جُنَادة على الأصح، وقيل: بُرَير بموحّدة مصغرًا، أو مكبَّرًا، واختُلف في أبيه، فقيل: جندب، أو عَشْرقة، أو عبد الله، أو السكن، تقدّم إسلامه، وتأخرت هجرته، فلم يشهد بدرًا، ومناقبه كثيرة جدًّا، مات سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان - ﵄ - (ع) تقدم في«الإيمان»٢٩/ ٢٢٤. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسل بالدمشقيين، سوى شيخه، فسَمَرْقنديّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة - ﵃ -، ذُو مناقب جمّة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جندب بن جُنادة الغفاريّ - ﵁ - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ) قال القاضي عياض: وفي قول أبي ذرّ - ﵁ -:«فيما روى عن الله»وقد جاء مثل هذا في غير حديث عن ابن عبّاس وغيره حجة في جواز إطلاق هذا اللفظ في حقّ النبيّ - ﷺ - فيما أوحي إليه . (تَبَارَكَ)؛ أي: تكاثر خيره، وظهر في هذا الخبر بعض أثره، (وَتَعَالَى)؛ أي: ارتفع عن مشابهة المخلوقين؛ (أَنَّهُ) قيل: ضُبط بفتح الهمزة، وكسرها، (قَالَ) الله - ﷾ -: («يَا عِبَادِي) قال البيضاويّ: الخطاب مع الثقلين خاصّةً؛ لاختصاص التكليف، وتعاقُب التقوى والفجور فيهم، ولذا خصّ المخاطَبين بالإنس والجنّ، ويَحْتمل أن يكون عامًّا شاملًا لذوي العلم كلّهم، من الملائكة والثقلين، ويكون ذِكر الملائكة مطويًّا مدرجًا في قوله: »وجِنِّكم«؛ لشمول الاجتنان لهم، وتوجُّه هذا الخطاب نحوهم لا يتوقّف على صدور الفجور منهم، ولا على إمكانه؛ لأنه كلام صادر على سبيل الفرض والتقدير. قال الطيبيّ: يمكن أن يكون الخطاب عامًّا، ولا يدخل الملائكة في الجنّ؛ لأن الإضافة في «جنّكم» تقتضي المغايرة، فلا يكون تفصيلًا، بل إخراجًا للقبيلين اللذين يصحّ اتّصاف كلّ منهما بالتقوى والفجور. انتهى . (إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي) قال النوويّ: معناه: تقدستُ عنه، وتعاليتُ، والظلم مستحيل في حق الله - ﷾ -، كيف يجاوز سبحانه حدًّا، وليس فوقه من يطيعه؟، وكيف يتصرف في غير مُلك، والعالم كله في مُلكه وسلطانه؟ وأصل التحريم في اللغة المنع، فسمّي تقدّسه عن الظلم تحريمًا؛ لمشابهته للممنوع في أصل عدم الشيء. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله تعالى: «إني حرمت الظلم على نفسي»؛ أي: لا ينبغي لي، ولا يجوز عليّ، كما قال - ﷾ -: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٢]، وقد اتفق العقلاء على أن الظلم على الله تعالى محال، وإنما اختلفوا في الطريق، فالقائلون بالتقبيح والتحسين عقلًا يقولون: يستحيل عليه؛ لِقُبحه، ومن لا يقول بذلك يقولون: يستحيل عليه؛ لاستحالة شرطه في حقه تعالى، وذلك أن الظلم إنما يتصوّر في حقّ من حدّت له حدود، ورُسمت له مراسم، فمن تعدّاها كان ظالِمًا، والله تعالى هو الذي حدّ الحدود، ورَسَم الرسوم؛ إذ لا حاكم فوقه، ولا حاجر عليه، فلا يجب عليه حكم، ولا يترتّب عليه حقّ، فلا يُتصوّر الظلم في حقه. انتهى . (وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا)؛ أي: حكمت بتحريمه عليكم، وألزمته إيّاكم (فَلَا تَظَالَمُوا) بفتح التاء، أصله: تتظالموا، حُذفت منه إحدى التاءين تخفيفًا، كما في قوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، قال في «الخلاصة»: وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَـ «تَبَيّنُ الْعِبَرْ» أي: لا يظلم بعضكم بعضًا، وهذا توكيد لقوله تعالى: «وجعلته بينكم محرّمًا»، وزيادة تغليظ في تحريمه. (يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ)؛ أي: عن كلّ كمال وسعادة دينيّة، ودنيويّة، (إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ) قال الطيبيّ - ﵀ -: لمّا كان الخطاب بعدَ «يا عبادي» معنيًّا به، مهتمًّا بشأنه كرّره تنبيهًا على فخامته، ونسبة الضلال إلى الكلّ بحسب مراتبهم. انتهى . وقال المازريّ: ظاهر هذا أنهم خُلقوا على الضلال، إلا من هداه الله تعالى، وفي الحديث المشهور: «كلُّ مولود يولد على الفطرة». قال: فقد يكون المراد بالأول: وَصْفهم بما كانوا عليه قبل مبعث النبيّ - ﷺ -، أو أنهم لو تُركوا، وما في طباعهم من إيثار الشهوات والراحة، وإهمال النظر لضلُّوا، وهذا الثاني أظهر. وفي هذا دليل لمذهب أصحابنا وسائر أهل السُّنَّة أن المهتدي هو من هداه الله، وبهدي الله اهتدى، وبإرادة الله تعالى ذلك، وأنه - ﷾ - إنما أراد هداية بعض عباده، وهم المهتدون، ولم يُرد هداية الآخرين، ولو أرادها لاهتَدَوا؛ خلافًا للمعتزلة في قولهم الفاسد: إنه - ﷾ - أراد هداية الجميع، جلّ الله أن يريد ما لا يقع، أو يقع ما لا يريد. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «كلّكم ضالّ إلا من هديته» قيل في معناه قولان: أحدهما: أنهم لو تُركوا مع العادات، وما تقتضيه الطباع من الميل إلى الراحات، وإهمال النظر المؤدِّي إلى المعرفة لغلبت عليهم العادات، والطباع، فضلّوا عن الحقّ، فهذا هو الضلال المعنيّ، لكن من أراد الله تعالى توفيقه ألهمه إلى إعمال الفكر المؤدّي إلى معرفة الله تعالى، ومعرفة الرسول؛ وأعانه على الوصول إلى ذلك، وعلى العمل بمقتضاه، وهذا هو الهُدَى الذي أمرنا الله تعالى بسؤاله. وثانيهما: أن الضلال ها هنا يُعنَى به الحال التي كانوا عليها قبل إرسال الرُّسل من الشرك، والكفر، والجهالات، وغير ذلك، كما قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣]؛ أي: على حالة واحدة من الضلال والجهل، فأرسل الله الرسل؛ ليزيلوا عنهم ما كانوا عليه من الضلال، ويبيّنوا لهم مرادَ الحقّ منهم في حالهم، ومآل أمرهم، فمن نبّهه الحقّ - ﷾ -، وبصّره، وأعانه فهو المهتدي، ومن لم يفعل الله به ذلك بقي على ذلك الضلال. وعلى كل واحد من التأويلين فلا معارضة بين قوله تعالى: «كلكم ضال إلا من هديته»، وبين قوله: «كلّ مولود يولد على الفطرة»؛ لأنَّ هذا الضلال المقصود في هذا الحديث هو الطارئ على الفطرة الأولى المغيِّر لها، الذي بيّنه النبيّ - ﷺ - بالتمثيل في بقية الخبر، حيث قال: «كما تُنتج البهيمة بهيمة جمعاء»، وبقوله: «خلق الله الخلق على معرفته، فاجتالتهم الشياطين». وهذا الحديث حجَّة لأهل الحقّ على قولهم: إن الهدى والضلال خَلْقه، وفِعله، يختص بما شاء منهما من شاء مِنْ خَلْقه، وأن ذلك لا يقدر عليه إلا هو، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١]، وكما قال: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، وكما قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]. وقد نطق الكتاب بما لا يبقى معه ريبٌ لذي فهم سليم بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ [يونس: ٢٥]، فعمّ الدعوة، وخصّ بالهداية من سبقت له العناية. وحاصل قوله: «كلكم ضالّ إلا من هديته. . . إلخ» التنبيه على فقرنا، وعجزنا عن جلب منافعنا، ودفع مضارّنا بأنفسنا، إلا أن ييسّر الله ذلك لنا، بأن يخلق ذلك لنا، ويعيننا عليه، ويصرف عنا ما يضرّنا، وهو تنبيه على معنى قوله: «لا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم»، ومع ذلك، فقال في آخر الحديث: «يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه»؛ تنبيهًا على أن عدم الاستقلال بإيجاد الأعمال لا يناقض خطاب التكليف بها، إقدامًا عليها، وإحجامًا عنها، فنحن، وإن كنا نعلم أنّا لا نستقلّ بأفعالنا نُحِسّ بوجدان الفرق بين الحركة الضرورية، والاختيارية، وتلك التفرقة راجعة إلى تمكّن محسوس، وتأتّ معتادٍ يوجد مع الاختيارية، ويُفقد مع الضرورية، وذلك هو المعبَّر عنه بالكسب، وهو مورد التكليف، فلا تناقض، ولا تعنيف. انتهى . [فائدة]: ذكر الراغب الأصفهانيّ في «مفرداته» بحثًا نفيسًا في «الضلال»، فقال - ﵀ -: الضلال: العدول عن الصراط المستقيم، وتضادّه الهداية، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [يونس: ١٠٨]، ويقال: الضلال لكل عدول عن المنهج، عمدًا كان أو سهوًا، يسيرًا كان أو كثيرًا، فإن الطريق المستقيم الذي هو المرتضى صَعْبٌ جدًّا، قال النبيّ - ﷺ -: «استقيموا، ولن تحصوا. . .» الحديث . وقال بعض الحكماء: كوننا مصيبين من وجه، وكوننا ضالين من وجوه كثيرة، فإن الاستقامة والصواب يجري مجرى الْمُقَرْطس من الْمَرْمَى، وما عداه من الجوانب كلها ضلال. ولما قلنا: روي عن بعض الصالحين أنه رأى النبيّ - ﷺ - في منامه فقال: يا رسول الله يروى لنا أنك قلت: «شيَّبتني سورة هود، وأخواتها، فما الذي شيَّبك منها؟ فقال: قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]». وإذا كان الضلال تَرْك الطريق المستقيم عمدًا كان أو سهوًا، قليلًا كان أو كثيرًا، صحّ أن يُستعمل لفظ الضلال ممن يكون منه خطأٌ ما، ولذلك نُسب الضلال إلى الأنبياء، وإلى الكفار، وإن كان بين الضلالين بَوْنٌ بعيدٌ، ألا ترى أنه قال في النبيّ - ﷺ -: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾ [الضحى: ٧]؛ أي: غير مهتدٍ لِمَا سيق إليك من النبوة، وقال في يعقوب: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥]، وقال أولاده: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: ٨]، إشارة إلى شغفه بيوسف، وشوقه إليه، وكذلك: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: ٣٠]، وقال عن موسى - ﵇ -: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠]، تنبيهٌ أن ذلك منه سهوٌ، وقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ أي: تنسى، وذلك من النسيان الموضوع عن الإنسان. والضلال من وجه آخر ضربان: ضلالٌ في العلوم النظرية؛ كالضلال في معرفة الله ووحدانيته، ومعرفة النبوة، ونحوهما المشار إليهما بقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦]. وضلال في العلوم العملية؛ كمعرفة الأحكام الشرعية التي هي العبادات، والضلال البعيد إشارة إلى ما هو كفر؛ كقوله على ما تقدم من قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧)﴾ [النساء: ١٦٧]، وكقوله: ﴿فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ [سبأ: ٨]؛ أي: في عقوبة الضلال البعيد، وعلى ذلك قوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ = أخرجه مالك في «الموطأ» ١/ ٣٤، وأحمد ٥/ ٢٨٠، والحاكم ١/ ١٣٠، والدرامي من طرق صحاح ١/ ١٦٨. كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٩]، ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]، وقوله: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ١٠]، كناية عن الموت، واستحالة البدن، وقوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، فقد قيل: عُني بالضالين: النصارى ، وقوله: ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢]؛ أي: لا يضل عن ربي، ولا يضل ربي عنه؛ أي: لا يُغفله، وقوله: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢)﴾ [الفيل: ٢]؛ أي: في باطل وإضلال لأنفسهم. والإضلال ضربان: أحدهما: أن يكون سببه الضلال، وذلك على وجهين: إما بأن يَضِلّ عنك الشيء كقولك: أضللت البعير؛ أي: ضلّ عني، وإما أن تحكم بضلاله، والضلال في هذين سبب الإضلال. والضرب الثاني: أن يكون الإضلال سببًا للضلال، وهو أن يُزَيَّن للإنسان الباطلُ؛ ليضلّ كقوله: ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١١٣]؛ أي: يتحرَّون أفعالًا يقصدون بها أن تَضِلّ، فلا يحصل من فعلهم ذلك إلا ما فيه ضلال أنفسهم، وقال عن الشيطان: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ [النساء: ١١٩]، وقال في الشيطان: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ [يس: ٦٢]، ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠]، ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، وإضلال الله تعالى للإنسان على أحد وجهين: أحدهما: أن يكون سببه الضلال، وهو أن يَضِلّ الإنسان فيحكم الله عليه بذلك في الدنيا، ويَعْدِل به عن طريق الجنة إلى النار في الآخرة، وذلك إضلال هو حقٌّ وعدلٌ، فالحكم على الضال بضلاله، والعدول به عن طريق الجنة إلى النار عدلٌ وحقّ. والثاني من إضلال الله: هوأن الله تعالى وضع جبلة الإنسان على هيئة إذا راعى طريقًا، محمودًا كان أو مذمومًا، أَلِفه، واستطابه، ولَزِمه، وتعذَّر صرفه، وانصرافه عنه، ويصير ذلك كالطبع الذي يأبى على الناقل، ولذلك قيل: العادة طبع ثان، وهذه القوة في الإنسان فعل إلهيّ، وإذا كان كذلك - وقد ذُكر في غير هذا الموضع أن كل شيء يكون سببًا في وقوع فعل - صح نسبة ذلك الفعل إليه، فصح أن يُنسب ضلال العبد إلى الله من هذا الوجه، فيقال: أضله الله، لا على الوجه الذي يتصوره الجهلة، ولِمَا قلناه جَعَل الإضلال المنسوب إلى نفسه للكافر، والفاسق، دون المؤمن، بل نفى عن نفسه إضلال المؤمن، فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ [التوبة: ١١٥]، ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ﴾ [محمد: ٤، ٥]، وقال في الكافر والفاسق: ﴿فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٨]، ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦]، ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ [غافر: ٧٤]، ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، وعلى هذا النحو تقليب الأفئدة في قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠]، والختم على القلب في قوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]، وزيادة المرض في قوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠]. انتهى كلام الراغب - ﵀ - ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (فَاسْتَهْدُونِي)؛ أي: اطلبوا منّي الهداية، (أَهْدِكُمْ) بفتح الهمزة، مضارع هدى ثلاثيًّا، وبضمها، فإنه مضارع أهدى رباعيًّا، ولا يُناسِب هنا، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ولَمّا فرغ من الامتنان بالأمور الدينيّة، شرع في الأمور الدنيويّة تكميلًا للمرتبتين، مقتصرًا على الأمرين الأهمّين منها، وهما: الأكل واللبس؛ كقوله تعالى في وصف الجنّة: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾ [طه: ١١٨، ١١٩]، ولعلّه تَرَك الظمأ اكتفاء بدلالة المقابلة، نحو قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]؛ أي: والبرد، وترك المأوى لشمول الكسوة التي هي السترة له إيماءً، أو إشارةً، قاله القاري . وعبارة الطيبيّ: ولَمّا فرغ من الامتنان بأمور الدين شرع في الامتنان بأمور الدنيا، وذكر منها ما هو أصلٌ فيها، ومكمِّل لمنافعها، من الشِّبَع، واللُّبس، ولا يُستغنى عنهما، ومن ثمّ وصف الجنّة بقوله: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨)﴾ [طه: ١١٨] . (يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ)؛ أي: محتاج إلى الطعام (إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ)؛ أي: بسطت عليه الرزق، وأغنيته، (فَاسْتَطْعِمُونِي)؛ أي: اطلبوا الطعام من جنابي، وتيسير القوت والقوّة من بابي، (أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي) كرّره للتنبيه على فخامته، والاعتناء بشأنه، (كُلُّكُمْ عَارٍ)؛ أي: محتاج إلى ستر عورته، وإلى التنعّم بأنواع اللباس، وزينته، (إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي)؛ أي: اطلبوا مني الكسوة (أَكْسُكُمْ) بضمّ السين، من باب غزا يغزو، قال الطيبيّ - ﵀ -: فإن قلت: ما معنى الاستثناء في قوله: «إلا من أطعمته»، و«إلا من كسوته»؛ إذ ليس أحد من الناس محرومًا عنهما؟. قلت: الإطعام والكسوة لَمّا كانا معبِّرَين عن النفع التّامّ، والبسط في الرزق، وعدمهما عن التقتير والتضيّق، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الزمر: ٥٢] ظهر من هذا أنه ليس المراد من إثبات الجوع والعري في المستثنى منه نفي الشبع، والكسوة بالكليّة، وليس في المستثنى إثبات الشبع والكسوة مطلقًا، بل المراد بَسْطهما، وتكثيرهما. انتهى كلام الطيبيّ - ﵀ - ببعض تصرّف . (يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ) قال النوويّ - ﵀ -: الرواية المشهورة: «تُخطئون» بضم التاء، ورُوي بفتحها، وفتح الطاء، يقال: خَطِئَ يَخْطَأ: إذا فَعَل ما يأثم به، فهو خاطئ، ومنه قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩٧]، ويقال في الإثم أيضًا: أخطأ، فهما صحيحان. انتهى . وعبارة الفيّوميّ - ﵀ -: «الخَطَأُ»: مهموز بفتحتين: ضدّ الصواب، ويُقصر، ويُمدّ، وهو اسم من أَخْطَأَ، فهو مُخْطِئٌ، قال أبو عبيدة: خَطِئَ خِطْئًا، من باب عَلِمَ، وأَخْطَأَ: بمعنى واحد لمن يُذنب على غير عمد، وقال غيره: خَطِئَ في الدِّين، وأَخْطَأَ في كلّ شيء عامدًا كان، أو غير عامد، وقيل: خَطِئَ: إذا تعمَّد ما نُهي عنه، فهو خَاطِئٌ، وأَخطَأ: إذا أراد الصواب، فصار إلى غيره، فإن أراد غير الصواب، وفَعَله، قيل: قَصَده، أو تعمَّده، والخِطْءُ: الذنب؛ تسميةً بالمصدر، وخَطَّأْتُهُ بالتثقيل: قلت له: أَخْطَأْتُ، أو جعلته مُخْطِئًا، وأَخْطَأَهُ الحقّ: إذا بَعُد عنه، وأَخْطَأَهُ السهمُ: تجاوزه، ولم يُصبه، وتخفيف الرباعي جائز. انتهى . وقوله: (بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)؛ أي: في هذين الزمانين، وأما تخصيص النهار في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]؛ لغَلَبة الذنب فيه . (وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا)؛ أي: بالتوبة، أو ما عدا الشرك إن شاء، جمعًا بين آيتي الزمر والنساء، أو بالاستغفار والأذكار، ونحوهما . (فَاسْتَغْفِرُونِي)؛ أي: اطلبوا منّي مغفرة ذنوبكم (أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي)، وقوله: (فَتَضُرُّونِي) منصوب بعد الفاء السببيّة في جواب النفي، كما قال في «الخلاصة»: وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَو طَلَبْ … مَحْضَيْنِ «أَنْ» وَسَتْرُهَا حَتْمٌ نَصبْ والمحذوف منه نون الرفع، والموجودة هي نون الوقاية، ومثله قوله: «فتنفعوني». (وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي، فَتَنْفَعُونِي) قال الطيبيّ؛ أي: لن تبلغوا لعجزكم إلى مضرّتي، ولا يستقيم، ولا يصحّ منكم أن تضرّوني، أو تنفعوني، حتى أتضرّر، أو أنتفع بكم؛ لأنكم لو اجتمعتم على عبادتي أقصى ما يمكن ما نفعتموني، ولا زدتم في ملكي شيئًا، ولو اجتمعتم كلّكم على عصياني ما ضررتموني، ولا نقصتم من ملكي شيئًا، فالقرينتان الأخيرتان كالنشر للأوَّلَيْن. انتهى . (يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ)؛ أي: الموجودين، (وَآخِرَكُمْ) ممن سيوجد، وقيل؛ أي: من الأموات والأحياء، والمراد: جميعكم، (وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ) تعميم بعد تعميم؛ للتأكيد، أو تفصيل وتبيين . (كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ)؛ أي: لو كنتم على غاية التقوى، بأن تكونوا جميعًا على تقوى أتقى قلب رجل واحد منكم، قاله القاري . وقال البيضاويّ؛ أي: على تقوى قلب رجل، أو على أتقى أحوال رجل واحد، قال الطيبيّ بعد نقل كلام البيضاويّ هذا: أقول: لا بُدّ من هذا التقدير ليستقيم أن يقع «أتقى» خبرًا لـ «كان»، ثم إنه لم يُرَد أن كلّهم بمنزلة رجل واحد، هو أتقى من الناس، بل كلّ واحد من الجمع بمنزلته؛ لأن هذا أبلغ؛ كقولك: ركبوا فرسهم، وعليه قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] في وجه. ثم إضافة «أفعل» إلى نكرة مفردة تدلّ على أنك لو تقضيت قلب رجل رجل من كل الخلائق لم تجد أتقى قلبًا من هذا الرجل. انتهى . قال القاري بعد نقل كلام الطيبيّ المذكور ما نصّه: ولهذا فُسّر بقلب نبيّنا - ﷺ -، وقلب الأشقى بقلب إبليس. انتهى . (مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا) قال القاري: «شيئًا» إما مفعول به، أو مصدرٌ، وهذا راجع إلى «لن تبلغوا»، ففي «فتنفعوني» نشر مشوّشٌ؛ اعتمادًا على فهم السامع، ولمقاربة المناسبة بين المتوسّطين، ويُسمّى ترقّيًا، وتدلّيًا، ونظيره قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٠٦]. انتهى . (يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ)؛ أي: فجور أفجر، أو على أفجر أحواله، (قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ) زاد في بعض النُّسخ: «منكم»، (مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا) قال الطيبيّ: «شيئًا» يجوز أن يكون مفعولًا به، إن قلنا: إن «نقص» متعدّ، ومفعولًا مطلقًا، إن قلنا: إنه لازم؛ أي: نقص نُقصانًا قليلًا، فالتنكير فيه للتحقير بقرينة قوله في الحديث الآخر: «جناح بعوضة» . انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: أشار الطيبيّ - ﵀ - إلى أن «نقص» يتعدّى، ويلزم، وعبارة الفيّوميّ - ﵀ -: نَقَصَ نَقْصًا، من باب قَتَل، ونُقْصَانًا، وانْتَقَصَ: ذهب منه شيء بعد تمامه، ونَقَصْتُهُ، يتعدى، ولا يتعدى، هذه اللغة الفصيحة، وبها جاء القرآن في قوله: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١]، ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩]، وفي لغة ضعيفة يتعدى بالهمزة، والتضعيف، ولم يأت في كلام فصيح، ويتعدى أيضًا بنفسه إلى مفعولين، فيقال: نَقَصْتُ زيدًا حَقَّهُ، وانْتَقَصْتُهُ مثله، ودرهم نَاقِصٌ: غير تام الوزن. انتهى . وقال القاري: وهذا - يعني: قوله: «ما نقص. . . إلخ» - راجع إلى قوله: «لن تبلغوا ضرّي، فتضرّوني». (يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا)؛ أي: وقفوا، أو استمرّوا (فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ) الصعيد وجه الأرض، قال البيضاويّ: قيّد السؤال بالاجتماع في مقام واحد؛ لأن تزاحم السُّؤَال، وازدحامهم مما يُدهش المسؤول، ويَبْهَته، ويعسر عليه إنجاح مآربهم، والإسعاف إلى مطالبهم. انتهى . (فَسَأَلُونِي)؛ أي: كلهم أجمعون، (فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ)؛ أي: في آن واحد، ومكان واحد، (مَا نَقَصَ ذَلِكَ) الإعطاء (مِمَّا عِنْدِي) ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١]، (إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ) «ما» مصدريّة، أو مؤولة؛ أي: كالنقص، أو الشيء الذي ينقصه (الْمِخْيَطُ) بكسر الميم، وسكون الخاء المعجمة: الإبرة، (إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ) ببناء الفعل للمفعول، و«البحرَ» منصوب على أنه مفعول ثانٍ. قال الطيبيّ: غَمْس المخيط في البحر، وإن لم يَخْلُ عن نقصٍ ما، لكنه لَمّا لم يَظهر ما ينقصه للحسّ، ولم يَعتدّ به العقل، وكان أقرب المحسوسات نظيرًا ومثالًا، شبّه به صرفَ ملتمسات السائلين مما عنده، فإنه لا يَغيضه مثل ذلك، ولا أقلّ منه . وقال النوويّ - ﵀ -: «المخيط»: بكسر الميم، وفتح الياء: هو الإبرة، قال العلماء: هذا تقريب إلى الأفهام، ومعناه: لا ينقص شيئًا أصلًا، كما قال في الحديث الآخر: «لا يَغيضها نفقةٌ»؛ أي: لا ينقصها نفقةٌ؛ لأن ما عند الله لا يدخله نقص، وإنما يدخل النقص المحدودَ الفانيَ، وعطاءُ الله تعالى من رحمته، وكرمه، وهما صفتان قديمتان، لا يتطرق إليهما نقص، فضَرَب المثل بالمخيط في البحر؛ لأنه غاية ما يُضْرَب به المثل في القلّة، والمقصود: التقريب إلى الأفهام بما شاهدوه، فإن البحر من أعظم المرئيات عيانًا، وأكبرها، والإبرة من أصغر الموجودات، مع أنها صقيلة، لا يتعلق بها ماء، والله أعلم. انتهى . (يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ، أُحْصِيهَا لَكُمْ) وفي بعض النسخ: «عليكم»؛ أي: أحفظها، وأكتبها، (ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا) التوفية إعطاء حقّ كلّ واحد على التمام، قال البيضاويّ؛ أي: هي جزاء أعمالكم، فأحفظها لكم، ثم أؤدّيها إليكم تامّة وافيةً، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرّ. وقال المظهر: «أعمالكم» تفسير لضمير المؤنّث في قوله: «إنما هي»؛ يعني: إنما نُحصي أعمالكم؛ أي: نعدّ، ونكتب أعمالكم من الخير والشرّ؛ توفيةً لجزاء عمل أحدكم على التمام. وقال الطيبيّ: يمكن أن يرجع الضمير إلى ما يُفهم من قوله: «أتقى قلب رجل»، و«أفجر قلب رجل»، وهي الأعمال الصالحات، والطالحات، ويشهد له لفظ «إنما»، فإنها تستدعي الحصر؛ أي: ليس نفعها، وضرّها راجعًا إليّ، بل أحصيها لكم؛ لأجازيكم بها، (فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا)؛ أي: توفيقًا للخير من ربّه، وعَمَلَ خيرٍ من نفسه، (فَلْيَحْمَدِ اللهَ)؛ أي: ليشكره على ذلك الخير؛ لأنه تعالى هو هادي الضّلّال، وموفّقهم للخيرات. (وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ)؛ أي: وجد الشرّ، (فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ«) لأنه صدر من نفسه، أو لأنه باق على ضلاله الذي أشار إليه بقوله:»كلّكم ضالّ«. قال ابن تيميّة - ﵀ -: فقد بيَّن هذا الحديث أن من وجد خيرًا بالعمل الصالح، فليحمد الله تعالى، فإنه هو الذي أنعم عليه بذلك، وإن وجد غير ذلك، إما شرًّا له عقاب، وإما عَبَثًا لا فائدة فيه، فلا يلومنّ إلا نفسه، فإنه هو الذي ظلم نفسه، وكل حادث فبقدرة الله ومشيئته. انتهى. وقوله: (قَالَ سَعِيدٌ) هو سعيد بن عبد العزيز الراوي عن ربيعة بن يزيد، والظاهر أنه أخذه عن ربيعة؛ لأنه لم يُدرك أبا إدريس، فإنه مات سنة ثمانين من الهجرة، ووُلد سعيد سنة تسعين من الهجرة، على ما نُقل عن أبي مسهر ، فيكون ولادته بعد عشر سنين من موت أبي إدريس، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (كَانَ أَبُو إِدْرِيسَ) عائذ الله بن عبد الله (الْخَوْلَانِيُّ) بفتح الخاء المعجمة، وسكون الواو: نسبة إلى خَوْلان بن عمرو بن مالك بن الحارث بن مُرّة بن أُدَد بن يشجب بن عَريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، وبعض خولان يقولون: خولان بن عمرو بن إلحاف بن قُضاعة، وهكذا قال ابن الكلبيّ، واسم خولان: أَفْكل، وهي قبيلة نزلت الشام، قاله في «اللباب» . (إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ) إجلالًا لهذا الحديث القدسيّ الشريف، وتعظيمًا له، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي الدرداء - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٦٥٥٠ و٦٥٥١ و٦٥٥٢] (٢٥٧٧)، و(البخاريّ) في «الأدب المفرد» (٤٩٠)، و(الترمذيّ) في «صفة القيامة» (٢٤٩٥)، و(ابن ماجه) في «الزهد» (٤٢٥٧)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٤٦٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ١٦٠)، و(البزّار) في «مسنده» (٩/ ٤٤١)، و(الطبرانيّ) في «مسند الشاميين» (١/ ١٩٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦١٩)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٤/ ٢٤١)، و(أبو نعيم) في «الحلية» (٥/ ١٢٥ - ١٢٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ٩٣)، و(الرافعيّ) في «أخبار قزوين» (٢/ ١٧٦)، و(ابن عساكر) في «تاريخه» (٢٦/ ١٣٨ و٣٨/ ٢٢٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (اعلم) أن الحافظ ابن رجب - ﵀ - شرح هذا الحديث شرحًا موسّعًا في كتابه «جامع العلوم والحكم»، وذكر فوائده خلال الشرح، فأجاد، وأفاد، أحببت نَقْله هنا؛ لكثرة فوائده، وغزارة عوائده، قال - بعد أن أورد سياق مسلم - ما نصّه: هذا الحديث خرّجه مسلم من رواية سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولانيّ، عن أبي ذرّ، وفي آخره: قال سعيد بن عبد العزيز: كان أبو إدريس الخولانيّ إذا حدّث بهذا الحديث جثا على ركبتيه، وخرّجه مسلم أيضًا من رواية قتادة، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن أبي ذرّ، عن النبيّ - ﷺ -، ولم يَسُقْه بلفظهم، ولكنه قال: وساق الحديث بنحو سياق أبي إدريس، وحديث أبي إدريس أتمّ، وخرّجه الإمام أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، من رواية شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي ذرّ قال: قال رسول الله - ﷺ -: يقول الله تعالى: «يا عبادي كلكم ضالّ إلا من هديته، فاسألوني الْهُدَى أَهْدِكم، وكلكم فقير إلا من أغنيته، فاسألوني أرزقكم، وكلكم مذنب إلا من عافيته، فمن عَلِم منكم أني ذو قدرة على المغفرة، واستغفرني غفرت له، ولا أبالي، ولوأن أولكم وآخركم، وحيَّكم وميتكم، ورَطْبكم ويابسكم، اجتمعوا على أتقى قلب عبد من عبادي، ما زاد ذلك في ملكي جناح بعوضة، ولو أن أولكم وآخركم، وحيّكم وميتكم، ورطبكم ويابسكم، اجتمعوا في صعيد واحد، فيسأل كل إنسان منكم ما بلغت أُمنيته، فأعطيت كل سائل منكم، ما نقص ذلك من ملكي، إلا كما لوأن أحدكم مَرّ بالبحر، فغمس فيه إبرةً، ثم رفعها إليه، ذلك بأني جواد واجد ماجد، أفعل ما أريد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له: كن فيكون»، وهذا لفظ الترمذيّ، وقال: حديث حسن. وخرّجه الطبرانيّ بمعناه، من حديث أبي موسى الأشعريّ، عن النبيّ - ﷺ - إلا أن إسناده ضعيف، وحديث أبي ذرّ قال الإمام أحمد: هو أشرف حديث لأهل الشام. فقوله - ﷺ - فيما يرويه عن ربه:«يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي»؛ يعني: أنه منع نفسه من الظلم لعباده، كما قال - ﷿ -: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩]، وقال: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٨]، وقال: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١]، وقال: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس: ٤٤]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ [طه: ١١٢]، والهضم أن ينقص من جزاء حسناته، والظلم أن يعاقب بذنوب غيره، ومثل هذا كثير في القرآن. وهو مما يدلّ على أن الله قادر على الظلم، ولكن لا يفعله فضلًا منه وَجُودًا وكَرَمًا وإحسانًا إلى عباده. وقد فسَّر كثير من العلماء الظلم بأنه وَضْع الأشياء في غير مواضعها، وأما من فسَّره بالتصرف في مُلك الغير بغير إذنه، وقد نُقل نحوه عن إياس بن معاوية وغيره، فإنهم يقولون: إن الظلم مستحيل عليه، وغير متصوَّر في حقه؛ لأن كل ما يفعله فهو تصرُّف في ملكه، وبنحو ذلك أجاب أبو الأسود الدؤلي لعمران بن حصين، حين سأله عن القَدَر. وخرّج أبو داود، وابن ماجه، من حديث أبي سنان سعيد بن سنان، عن وهب بن خالد الحمصيّ، عن ابن الديلميّ، أنه سمع أُبَيّ بن كعب يقول: لو أن الله تعالى عَذّب أهل سمواته، وأهل أرضه، لعذّبهم، وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم، لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، وأنه أَتَى ابن مسعود، فقال له مثل ذلك، ثم أتى زيد بن ثابت، فحدّثه عن النبيّ - ﷺ - بمثل ذلك . وفي هذا الحديث نظر، ووهب بن خالد ليس بذلك المشهور بالعلم ، وقد يُحمَل على أنه لو أراد تعذيبهم لقدّر لهم ما يعذبهم عليه، فيكون غير ظالم لهم حينئذ، وكونه خَلَق أفعال العباد، وفيها الظلم، لا يقتضي وَصْفه بالظلم - ﷾ -، كما أنه لا يوصف بسائر القبائح التي يفعلها العباد، وهي خَلْقه، وتقديره، فإنه لا يوصف إلا بأفعاله، ولا يوصف بأفعال عباده، فإن أفعال عباده مخلوقاته، ومفعولاته، وهو لا يوصف بشيء منها، إنما يوصف بما قام به من صفاته، وأفعاله، والله أعلم. وقوله: «وجعلته بينكم محرّمًا، فلا تظالموا»؛ يعني: أنه تعالى حرَّم الظلم على عباده، ونهاهم أن يتظالموا فيما بينهم، فحرام على كلّ عبد أن يظلم غيره، مع أن الظلم في نفسه محرَّم مطلقًا، وهو نوعان: أحدهما: ظلم النفس، وأعظمه الشرك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، فإن المشرك جعل المخلوق في منزلة الخالق، فعبده، وتألّهه، فهو وَضْع الأشياء في غير مواضعها، وأكثر ما ذُكر في القرآن من وعيد الظالمين إنما أريد به المشركون، كما قال الله - ﷿ -: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، ثم يليه المعاصي على اختلاف أجناسها، من كبائر، وصغائر. والثاني: ظُلم العبد لغيره، وهو المذكور في هذا الحديث، وقد قال النبيّ - ﷺ - في خطبته في حجة الوداع: «إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، عليكم حرام؛ كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا»، ورُوي عنه أنه خطب بذلك في يوم النحر من عرفة، وفي يوم النحر، وفي اليوم الثاني من أيام التشريق، وفي رواية ثم قال: «اسمعوا مني، تعيشوا، ألا لا تظالموا، إنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» ، وفي «الصحيحين» عن ابن عمر، عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «إن الظلم ظلمات يوم القيامة»، وفيهما عن أبي موسى، عن النبيّ - ﷺ - قال: «إن الله لَيُمْلي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفْلِته، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢]»، وفي «صحيح البخاريّ» عن أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ - قال: «من كانت عنده مظلمة لأخيه، فليتحلل منها، فإنه ليس ثَمّ دينار، ولا درهم، من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات، أُخذ من سيئات أخيه، فطُرحت عليه». قوله: «يا عبادي كلكم ضالّ إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع، إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم». هذا يقتضي أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله تعالى في جَلْب مصالحهم، ودَفْع مضارّهم في أمور دينهم ودنياهم، وأن العباد لا يملكون لأنفسهم شيئًا من ذلك كلّه، وأن من لم يتفضل الله عليه بالْهُدى والرزق، فإنه يُحْرَمهما في الدنيا، ومن لم يتفضل الله عليه بمغفرة ذنوبه، أوبقته خطاياه في الآخرة، قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]، ومثل هذا كثير في القرآن، وقال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [فاطر: ٢]، وقال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وقال تعالى حاكيًا عن آدم وزوجه - ﵉ - أنهما قالا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وعن نوح - ﵊ - أنه قال: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧]. وقد استَدَلّ إبراهيم الخليل - ﵇ - بتفرّد الله بهذه الأمور على أنه لا إله غيره، وأن كل ما أُشرك معه باطل، فقال لقومه: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢) رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٨٣]، فإن من تفرَّد بخلق العبد، وبهدايته، وبرزقه، وإحيائه، وإماتته في الدنيا، وبمغفرة ذنوبه في الآخرة مستحقّ أن يُفْرد بالإلهية، والعبادة، والسؤال، والتضرع، والاستكانة له، قال الله - ﷿ -: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠)﴾ [الروم: ٤٠]. وفي الحديث دليل على أن الله يحب أن يسأله العباد جميع مصالح دينهم ودنياهم، من الطعام، والشراب، والكسوة، وغير ذلك، كما يسألونه الهداية، والمغفرة، وفي الحديث: «لِيَسْأل أحدكم ربه حاجته كلها، حتى شِسَع نَعْله إذا انقطع» . وكان بعض السلف يسأل الله في صلاته كل حوائجه، حتى مِلْح عجينه، وعَلَفَ شاتِه، وفي الإسرائيليات أن موسى - ﵇ - قال: «يا رب إنه ليَعْرض لي الحاجة من الدنيا، فأستحي أن أسألك، قال: سَلْني حتى ملح عجينك، وعلف حمارك»، فإن كل ما يحتاج العبد إليه إذا سأله من الله، فقد أظهر حاجته فيه، وافتقاره إلى الله، وذاك يحبه الله، وكان بعض السلف يستحي من الله أن يسأله شيئًا من مصالح الدنيا، والاقتداء بالسُّنَّة أَولى. وقوله: «كلكم ضالّ إلا من هديته» قد ظنّ بعضهم أنه معارِض لحديث عياض بن حمار، عن النبيّ - ﷺ - يقول الله - ﷿ -: «خلقت عبادي حنفاء - وفي رواية - مسلمين، فاجتالتهم الشياطين» وليس كذلك، فإن الله خلق بني آدم، وفَطَرهم على قبول الإسلام، والميل إليه دون غيره، والتهيؤ، والاستعداد له بالقوّة، لكن لا بدّ للعبد من تعلّم الإسلام بالفعل، فإنه قبل التعلّم جاهل لا يعلم، كما قال - ﷿ -: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، وقال لنبيّه - ﷺ -: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾ [الضحى: ٧]، والمراد: وجدك غير عالم بما علّمك من الكتاب والحكمة، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، فالإنسان يولد مفطورًا على قبول الحقّ، فإن هداه الله تعالى سبّب له من يُعَلِّمه الهدى، فصار مهديًّا بالفعل، بعد أن كان مهديًّا بالقوة، وإن خذله الله قيّض له من يعلّمه ما يغيّر فطرته، كما قال - ﷺ -: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه، وينصّرانه، ويمجّسانه» . وأما سؤال المؤمن من الله الهداية، فإن الهداية نوعان: هداية مجملة، وهي الهداية للإسلام والإيمان، وهي حاصلة للمؤمن، وهداية مفصّلة، وهي هداية إلى معرفة تفاصيل أجزاء الإيمان والإسلام، وإعانته على فعل ذلك، وهذا يحتاج إليه كل مؤمن ليلًا ونهارًا، ولهذا أمر الله عباده أن يقرؤوا في كل ركعة من صلاتهم قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦]، وكان النبيّ - ﷺ - يقول في دعائه بالليل: «اهدني لِمَا اختُلف فيه من الحقّ بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم»، ولهذا يُشَمَّت العاطس، فيقال له: «يرحمك الله»، فيقول: «يَهديكم الله»، كما جاءت به السُّنَّة، وإن أنكره من أنكره من فقهاء العراق ظنًّا منهم أن المسلم لا يحتاج أن يُدْعَى له بالهدى، وخالفهم جمهور العلماء؛ اتّباعًا للسُّنَّة في ذلك، وقد أمر النبيّ - ﷺ - عليًّا أن يسأل الله السَّدَاد، والهدى، وعَلّم الحسن أن يقول في قنوت الوتر: «اللَّهُمَّ اهدني فيمن هديت». وأما الاستغفار من الذنوب فهو طلب المغفرة، والعبد أحوج شيء إليه؛ لأنه يخطئ بالليل والنهار، وقد تكرر في القرآن ذِكر التوبة والاستغفار، والأمر بهما، والحثّ عليهما، وخرّج الترمذيّ، وابن ماجه، من حديث أنس - ﵁ - عن النبيّ - ﷺ - قال: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون». وخرّج البخاريّ من حديث أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ - قال: «والله إني لأستغفر الله، وأتوب إليه، كلَّ يوم مائة مرّة». وخرّج من حديث الأغرّ المزنيّ، سمع النبيّ - ﷺ - يقول: «يا أيها الناس توبوا إلى ربكم، فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرّة»، وخرّجه النسائيّ، ولفظه: «يا أيها الناس توبوا إلى ربكم، واستغفروه، فإني أتوب إلى الله، وأستغفره كل يوم مائة مرّة»، وخرّج الإمام أحمد، من حديث حذيفة، قال: كان في لساني ذَرَبٌ على أهلي، لم أَعْدُه إلى غيره، فذكرت ذلك للنبيّ - ﷺ -، فقال: «أين أنت من الاستغفار يا حذيفة؟ إني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة» ، ومن حديث أبي موسى، عن النبيّ - ﷺ - قال: «إني أستغفر الله مائة مرة، وأتوب إليه» ، وخرّج النسائيّ من حديث أبي موسى، قال: كنا جلوسًا، فجاء النبيّ - ﷺ - قال: «ما أصبحت غداةً قط إلا استغفرت الله مائة مرّة»، وخرّج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، من حديث ابن عمر قال: إن كنا لنعُدّ لرسول الله - ﷺ - في المجلس الواحد مائة مرة يقول: «رب اغفر لي، وتب عليّ، إنك أنت التواب الرحيم» ، وخرّج النسائيّ من حديث أبي هريرة قال: لم أر أحدًا أكثر أن يقول: أستغفر الله وأتوب إليه من رسول الله - ﷺ - ، وخرّج الإمام أحمد من حديث عائشة - ﵂ -، عن النبيّ - ﷺ - أنه كان يقول: «اللَّهُمَّ اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساؤوا استغفروا» . وقوله: «يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري، فتضروني، ولن تبلغوا نفعي، فتنفعوني»؛ يعني: أن العباد لا يقدرون أن يوصلوا إلى الله نفعًا ولا ضرًّا، فإن الله تعالى في نفسه غنيّ حميد، لا حاجة له بطاعات العباد، ولا يعود نفعها إليه، وإنما هم ينتفعون بها، ولا يتضرر بمعاصيهم، وإنما هم يتضررون بها، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٦]، وقال: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٤٤]، وكان النبيّ - ﷺ - يقول في خطبته: «ومن يعص الله ورسوله، فقد غَوَى، ولا يضرّ إلا نفسه، ولا يضرّ الله شيئًا»، وقال الله - ﷿ -: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ [النساء: ١٣١]، وقال حاكيًا عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)﴾ [إبراهيم: ٨]، وقال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقال: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]؛ والمعنى: أنه تعالى يحبّ من عباده أن يتقوه، ويطيعوه، كما أنه يكره منهم أن يعصوه، ولهذا يفرح بتوبة التائبين أشدّ من فَرَح مَن ضلّت راحلته التي عليها طعامه وشرابه بفلاة من الأرض، وطَلَبها حتى أعيى، وأَيِس منها، واستسلم للموت، وأيس من الحياة، ثم غلبته عينه، فنام، واستيقظَ، وهي قائمة عنده، وهذا أعلى ما يتصوره المخلوق من الفرح، هذا كله مع غناه عن طاعات عباده، وتوباتهم إليه، وإنه إنما يعود نَفْعها إليهم دونه، ولكن هذا من كمال جوده، وإحسانه إلى عباده، ومحبته لنفعهم، ودَفْع الضرّ عنهم، فهو يحب من عباده أن يعرفوه، ويحبوه، ويخافوه، ويتقوه، ويطيعوه، ويتقربوا إليه، ويحب أن يعلموا أنه لا يغفر الذنوب غيره، وأنه قادر على مغفرة ذنوب عباده، كما في رواية عبد الرحمن بن غنم، عن أبي ذرّ لهذا الحديث: «من عَلِم منكم أني ذو قدرة على المغفرة، ثم استغفرني غفرت له، ولا أبالي». وفي «الصحيح» عن النبيّ - ﷺ - أن عبدًا أذنب ذنبًا، فقال: «يا رب إني فعلت ذنبًا، فاغفر لي، فقال الله: عَلِم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنوب، ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي»، وفي حديث عليّ بن أبي طالب - ﵁ - عن النبيّ - ﷺ - أنه لمّا ركب دابته، حمد الله ثلاثًا، وكبّر ثلاثًا، وقال: «سبحانك إني ظلمت نفسي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك، وقال: إن ربك لَيَعْجب من عبده، إذا قال: رب اغفر لي ذنوبي، يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري»، خرّجه الإمام أحمد، والترمذيّ، وصححه، وفي «الصحيح»، عن النبيّ - ﷺ - قال: «واللهِ لَلَّهُ أرحم بعباده من الوالدة بولدها»، كان بعض أصحاب ذي النون يطوف ينادي: آه أين قلبي؟ من وجد قلبي؟ فدخل يومًا بعض السكك، فوجد صبيًّا يبكي، وأمه تضربه، ثم أخرجته من الدار، وأغلقت الباب دونه، فجعل الصبيّ يلتفت يمينًا وشمالًا، لا يدري أين يذهب؟ ولا أين يقصد؟ فرجع إلى باب الدار، فجعل يبكي، ويقول: يا أماه من يفتح لي الباب، إذا أغلقت بابك عني؟ ومن يدنيني إذا طردتيني؟ ومن الذي يدنيني إذا غضبتِ عليّ؟ فرحمته أمه، فنظرت من خلل الباب، فوجدت ولدها تجري الدموع على خديه، متمعكًا في التراب، ففتحت الباب، وأخذته حتى وضعته في حجرها، وجعلت تقبّله، وتقول: يا قرة عيني، ويا عزيز نفسي، أنت الذي حملتني على نفسك، وأنت الذي تعرضت لِمَا حلّ بك، لو كنت أطعتني لم تلق مني مكروهًا، فتواجد الفتى، ثم صاح، وقال: قد وجدت قلبي، قد وجدت قلبي. وتفكروا في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَو ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، فإن فيه إشارة إلى أن المذنبين ليس لهم من يلجأون إليه، ويعوِّلون عليه في مغفرة ذنوبهم غيره، وكذلك قوله في حق الثلاثة الذين خُلِّفوا: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨]، فرتّب توبته على ظنهم أن لا ملجأ من الله إلا إليه، فإن العبد إذا خاف من مخلوق هرب منه، وفرّ إلى غيره، وأما من خاف من الله فما له من ملجأ يلجأ إليه، ولا مهرب يهرب إليه، إلا هو، فيهرب منه إليه، كما كان النبيّ - ﷺ - يقول في دعائه: «لا ملجأ، ولا منجا منك إلا إليك»، وكان يقول: «أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك»، قال الفضيل بن عياض - ﵀ -: ما من ليلة اختلط ظلامها، وأرخى الليل سربال سِترها، إلا نادى الجليل ﷻ: مَن أعظم مني جودًا؟ والخلائق لي عاصون، وأنا لهم مراقب، أكلؤهم في مضاجعهم؛ كأنهم لم يعصوني، وأتولى حفظهم؛ كأنهم لم يذنبوا فيما بيني وبينهم، أجود بالفضل على العاصي، وأتفضل على المسيء، من ذا الذي دعاني، فلم أستجب إليه؟، أم من ذا الذي سألني فلم أعطه؟ أم من الذي أناخ ببابي فنحّيته؟ أنا الفضل، ومني الفضل، أنا الجواد، ومني الجود، وأنا الكريم، ومني الكرم، ومن كرمي أن أغفر للعاصين بعد المعاصي، ومن كرمي أن أعطي العبد ما سألني، وأعطيه ما لم يسألني، ومن كرمي أن أعطي التائب؛ كأنه لم يعصني، فأين إلى غيره يهرب الخلائق؟ وأين عن بابه يتنحّى العاصون؟ خرّجه أبو نعيم . ولبعضهم في المعنى قائلًا [من الطويل]: أَسَأْتُ وَلَمْ أُحْسِنْ وَجِئْتُكَ تَائِبًا … وَأَنَّى لِعَبْدٍ عَنْ مَوَالِيهِ يَهْرُبُ يُؤَمِّلُ غُفْرَانًا فَإِنْ خَابَ ظَنُّهُ … فَمَا أَحَدٌ مِنْهُ عَلَى الأَرْضِ أَخْيَبَ فقوله بعد هذا: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، ولو كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا» هو إشارة إلى أن مُلكه لا يزيد بطاعة الخلق، ولو كانوا كلهم بَرَرَةً أتقياء، قلوبهم على قلب أتقى رجل منهم، ولا ينقص مُلكه بمعصية العاصين، ولو كان الجنّ والإنس كلهم عُصاةً فجرةً، قلوبهم على قلب أفجر رجل منهم، فإنه سبحانه الغنيّ بذاته عمن سواه، وله الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله، فمُلكه مُلك كاملٌ لا نقص فيه بوجه من الوجوه، على أيّ وجه كان. ومن الناس من قال: إن إيجاده لخلقه على هذا الوجه الموجود أكمل من إيجاده على غيره، وهو خير من وجوده على غيره، وما فيه من الشرّ فهو شرّ إضافيّ نسبيّ بالنسبة إلى بعض الأشياء دون بعض، وليس شرًّا مطلقًا، بحيث يكون عدمه خيرًا من وجوده من كل وجه، بل وجوده خير من عدمه، وقال: هذا معنى قوله: «بيده الخير»، ومعنى قول النبيّ - ﷺ -: «والشرّ ليس إليك»؛ يعني: أن الشرّ المحض الذي عَدَمُه خير من وجوده ليس موجودًا في ملكك، فإن الله تعالى أوجد خلقه على ما تقتضيه حكمته وعدله، وخصّ قومًا من خَلْقه بالفضل، وترك آخرين منهم في العدل؛ لِمَا له في ذلك من الحكمة البالغة. وهذا فيه نظر، وهو يخالف ما في الحديث من أن جميع الخلق لو كانوا على صفة أكمل خَلْقه من البرّ والتقوى لم يزد ذلك في ملكه شيئًا، ولا قَدْر جناح بعوضة، ولو كانوا على صفة أنقص خَلْقه من الفجور لم ينقص ذلك من ملكه شيئًا، فدلّ على أن ملكه كامل على أيّ وجه كان، لا يزداد، ولا يكمل بالطاعة، ولا ينقص بالمعاصي، ولا يؤثّر فيه شيئًا. وفي هذا الكلام دليل على أن الأصل في التقوى والفجور هي القلوب، فإذا برّ القلب، واتقى برّت الجوارح، وإذا فَجَر القلب فَجَرَت الجوارح، كما قال النبيّ - ﷺ -: «التقوى ههنا»، وأشار إلى صدره. فقوله: «لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي، إلا كما ينقص المِخْيَط إذا أُدخل البحر»، المراد بهذا ذِكْر كمال قدرته سبحانه، وكمال ملكه، وأن ملكه، وخزائنه لا تنفذ، ولا تنقص بالعطاء، ولو أَعطى الأولين والآخرين، من الجنّ والإنس جميع ما سألوه في مقام واحد، وفي ذلك حثّ الخلق على سؤاله، وإنزال حوائجهم به، وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «يَدُ الله ملأى، لا تغيضها نفقةٌ، سحّاءُ الليلَ والنهارَ، أفرأيتم ما أنفق ربكم منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم يَغِضْ ما في يمينه». وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «إذا دعا أحدكم، فلا يقل: اللَّهُمَّ اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم، ولْيُعَظِّم الرغبةَ، فإن الله لا يتعاظمه شيء». وقال أبو سعيد الخدريّ: «إذا دعوتم الله، فارفعوا في المسألة، فإن ما عنده لا يُنفِده شيء، وإذا دعوتم فاعزموا، فإن الله لا مستكرِه له». وفي بعض الآثار الإسرائيليّة: يقول الله - ﷿ -: أَيُؤَمَّل غيري للشدائد، والشدائد بيدي، وأنا الحيّ القيوم، ويُرجَى غيري، ويُطرق بابه بالبكرات، وبيدي مفاتيح الخزائن، وبابي مفتوح لمن دعاني، من ذا الذي أمّلني لنائبة، فقطعت به؟ أو من ذا الذي رجاني لعظيم، فقطعت به؟ أو من ذا الذي طرق بابي، فلم أفتحه له؟ أنا غاية الآمال، فكيف تنقطع الآمال دوني، أبخيل أنا فيُبْخِلني عبدي؟ أليس الدنيا والآخرة، والكرم والفضل كله لي؟ فما يمنع المؤملين أن يؤمّلوني؟، لو جمعت أهل السماوات والأرض، ثم أعطيت كل واحد منهم ما أعطيت الجميع، وبَلَّغت كل واحد أمَله، لم ينقص ذلك من ملكي عضو ذَرّة، كيف ينقص مُلك أنا قيّمه؟ فيا بؤسًا للقانطين من رحمتي، ويا بؤسًا لمن عصاني، وتَوَثَّب على محارمي. وقوله: «ولم ينقص ذلك مما عندي، إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر» لتحقيق أن ما عنده لا ينقص البتةَ، كما قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]، فإن البحر إذا غُمست فيه إبرة، ثم أُخرجت لم ينقص من البحر بذلك شيءٌ، وكذلك لو فُرض أنه شرب منه عصفور مثلًا، فإنه لا ينقص البحر البتةَ، ولهذا ضَرَب الخَضِر لموسى - ﵉ - هذا المثل في نسبة عِلمهما إلى علم الله - ﷿ -، وهذا لأن البحر لا يزال تُمِدّه مياه الدنيا، وأنهارها الجارية، فمهما أُخذ منه لم ينقصه شيءٌ؛ لأنه يمده ما هو أزْيد مما أُخذ منه، وهكذا طعام الجنة، وما فيها، فإنه لا ينقص، كما قال تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)﴾ [الواقعة: ٣٢، ٣٣]، وقد جاء: «أنه كلما نُزعت ثمرة عاد مكانها مثلها»، وروي: «مثلاها»، فهي لا تنقص أبدًا، ويشهد لذلك قول النبيّ - ﷺ - في خطبة الكسوف: «ورأيت الجنة، فتناولت منها عنقودًا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا»، خرّجاه في «الصحيحين» من حديث ابن عباس - ﵄ -، وخرّجه الإمام أحمد من حديث جابر - ﵁ -، ولفظه: «ولو أتيتكم به لأَكَل منه مَن بين السماء والأرض، لا ينقصونه شيئًا». وهكذا لحم الطير الذي يأكله أهل الجنة، يُستخلف، ويعود كما كان حيًّا، لا ينقص منه شيءٌ، وقد روي هذا الحديث عن النبيّ - ﷺ - من وجوه فيها ضَعف، وقاله كعب، وروي أيضًا عن أبي أمامة الباهليّ من قوله، قال أبو أمامة: وكذلك الشراب يشرب منه حتى ينتهي نَفَسه، ثم يعود مكانه، ورؤي بعض العلماء الصالحين بعد موته بمدّة في المنام، فقال: ما أكلت منذ فارقتكم إلا بعض فرخ، أما علمتم أن طعام الجنة لا ينفد. وقد بُيِّن في الحديث الذي خرّجه الترمذيّ وابن ماجه، السبب الذي لأجله لا ينقص ما عند الله بالعطاء بقوله: «ذلك بأني جوادٌ واجدٌ ماجدٌ أفعل ما أريد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردت إنما أقول له كن فيكون» ، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠]. وفي «مسند البزار» بإسناد فيه نظر، من حديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «خزائن الله الكلام، فإذا أراد الله شيئًا قال له: كن فكان»، فهو سبحانه إذا أراد شيئًا من عطاء، أو عذاب، أو غير ذلك قال له: كن فيكون، فكيف يُتصور أن ينقص هذا؟ وكذلك إذا أراد أن يخلق شيئًا قال له: كن فيكون، كما قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [آل عمران: ٥٩]. وفي بعض الآثار الإسرائيلية: أوحى الله تعالى إلى موسى - ﵇ -: يا موسى لا تخافنّ غيري ما دام لي السلطان، وسلطاني دائم، لا ينقطع، يا موسى لا تهتمنّ برزقي أبدًا، ما دامت خزائني مملوءة، لا تفنى أبدًا، يا موسى لا تأنس بغيري، ما وجدتني أنيسًا لك، متى طلبتني وجدتني، يا موسى لا تأمن مكري، ما لم تَجُز الصراط إلى الجنة، وقال بعضهم [من البسيط]: لَا تَخْضَعَنَّ لِمَخْلُوقٍ عَلَى طَمَعٍ … فَإِنَّ ذَاكَ مُضِرٌّ مِنْكَ بِالدِّينِ وَاسْتَرْزِقِ اللَّهَ مِمَّا فِي خَزَائِنِهِ … فَإِنَّمَا هِيَ بَيْنَ الْكَافِ وَالنُّونِ وقوله: «يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها»؛ يعني: أنه سبحانه يُحصي أعمال عباده، ثم يُوَفّيهم إياها بالجزاء عليها، وهذا كقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]، وقوله: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، وقوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]، وقوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦]. وقوله: «ثم أوفّيكم إياها» الظاهر أن المراد: توفيتها يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، ويَحْتَمِل أن المراد: يوفّي عباده جزاء أعمالهم في الدنيا والآخرة، كما في قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، وقد روي عن النبيّ - ﷺ - أنه فَسَّر ذلك بأن المؤمنين يُجَازَون بسيئاتهم في الدنيا، وتُدَّخَر لهم حسناتهم في الآخرة، فيوفّون أجورهم، وأما الكافر فإنه يُعَجَّل له في الدنيا ثواب حسناته، وتدّخر له سيئاته، فيعاقب بها في الآخرة. وتوفية الأعمال هي توفية جزائها من خير أو شرّ، فالشر يجازى به مثله من غير زيادة، إلا أن يعفو الله عنه، والخير تضاعَف الحسنة عنه بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، لا يعلم قَدْرها إلا الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. وقوله: «فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه» إشارة إلى أن الخير كله فضل من الله تعالى على عبده من غير استحقاق له، والشرّ كله من عند ابن آدم من اتّباع هوى نفسه، كما قال - ﷿ -: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]. وقال عليّ - ﵁ -: لا يرجونّ عبد إلا ربه، ولا يخافنّ إلا ذنبه، فالله سبحانه إذا أراد توفيق عبد، وهدايته أعانه، ووفّقه لطاعته، وكان ذلك فضلًا منه ورحمة، وإذا أراد خذلان عبد وكَّله إلى نفسه، وخَلَّى بينه وبينها، فأغواه الشيطان؛ لغفلته عن ذِكر الله تعالى، واتّبع هواه، وكان أمْره فُرُطًا، وكان ذلك عدلًا منه، فإن الحجة قائمة على العبد بإنزال الكتاب، وإرسال الرسول، فما بقي لأحد من الناس على الله حجة بعد الرسل، فقوله بعد هذا: «فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه» إن كان المراد: مَن وجد ذلك في الدنيا، فإنه يكون حينئذ مأمورًا بالحمد لله على ما وجده من جزاء الأعمال الصالحة الذي عُجِّل له في الدنيا كما قال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوأُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧]، ويكون مأمورًا بلوم نفسه على ما فعلت من الذنوب التي وَجَد عاقبتها في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١)﴾ [السجدة: ٢١]، فالمؤمن إذا أصابه في الدنيا بلاء رجع إلى نفسه باللوم، ودعاه ذلك إلى الرجوع إلى الله تعالى بالتوبة والاستغفار. وفي «المسند»، و«سنن أبي داود» عن النبيّ - ﷺ - قال: «إن المؤمن إذا أصابه سقم، ثم عافاه الله منه، كان كفارةً لِمَا مضى من ذنوبه، وموعظة له فيما يستقبل من عمره، وإن المنافق إذا مَرِض، وعوفي كان كالبعير عَقَله أهله، وأطلقوه، لا يدري لِمَ عقلوه؟، ولا لِمَ أطلقوه؟» ، وقال سلمان الفارسيّ: إن المسلم ليبتلى، فيكون كفارة لِمَا مضى، ومستعتبًا فيما بقي، وإن الكافر يبتلى، فمثله كمثل البعير أُطلق فلم يَدْر لِمَ أُطلق؟، وعُقل فلم يَدْر لِمَ عُقل؟. وإن كان المراد: من وجد خيرًا أو غيره في الآخرة، كان إخبارًا منه بأن الذين يجدون الخير في الآخرة يحمدون الله على ذلك، وأن من وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه حين لا ينفعه اللوم، فيكون الكلام لَفْظه لَفْظ الأمر، ومعناه الخبر؛ كقوله - ﷺ -: «من كذب عليّ متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار»، والمعنى: أن الكاذب عليه يتبوأ مقعده من النار. وقد أخبر الله تعالى عن أهل الجنة أنهم يحمدون الله على ما رزقهم من فضله، فقال: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر: ٧٤]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾ [فاطر: ٣٤، ٣٥]، وأخبر عن أهل النار أنهم يلومون أنفسهم، ويمقتونها أشدّ المقت، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠)﴾ [غافر: ١٠]. وقد كان السلف الصالح يجتهدون في الأعمال الصالحة حَذَرًا من لوم النفس عند انقطاع الأعمال على التقصير. وفي الترمذيّ عن أبي هريرة مرفوعًا: «ما من ميت يموت إلا نَدِم إن كان محسنًا ندم على أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئًا ندم أن لا يكون استعتب». وقيل لمسروق: لو قصرت عن بعض ما تصنع من الاجتهاد، فقال: والله لو أتاني آت، فأخبرني أن لا يعذبني، لاجتهدت في العبادة، قيل: كيف ذاك؟ قال: حتى تعذرني نفسي إن دخلت النار أن لا ألومها، أما بلغك في قول الله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾ [القيامة: ٢] إنما لاموا أنفسهم حين صاروا إلى جهنم، فاعتنقتهم الزبانية، وحيل بينهم وبين ما يشتهون، وانقطعت عنهم الأماني، ورُفعت عنهم الرحمة، وأقبل كل امرئ منهم يلوم نفسه. وكان عامر بن عبد قيس يقول: والله لأجتهدنّ، ثم والله لأجتهدنّ، فإن نجوت فبرحمة الله، وإلا لم أَلُمْ نفسي. وكان زياد بن عياش يقول لابن المنكدر، ولصفوان بن سليم: الجَدّ الجدّ، والحَذَر الحذر، فإن يكن الأمر على ما نرجو، كان ما عملتما فضلًا، وإلا لم تلوما أنفسكما. وكان مطرف بن عبد الله يقول: اجتهدوا في العمل، فإن يكن الأمر ما نرجو من رحمة الله وعفوه، كانت لنا درجات، وإن يكن الأمر شديدًا كما نخاف ونحذر، لم نقل: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧] نقول: قد عملنا فلم ينفعنا ذلك. انتهى ما كتبه الحافظ ابن رجب - ﵀ - على هذا الحديث الشريف ، وهو بحث نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيس، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في ذِكر رسالة شيخ الإسلام ابن تيميّة - ﵀ - في شرح هذا الحديث، فقد شرحه شرحًا مطوّلًا، فأجاد، وأفاد، أحببت إيراده هنا؛ لأن كتابي موضوع لاستيفاء المسائل حسب الاستطاعة، فلا أترك بحثًا مفيدًا يتعلّق به إلا وأوردته فيه، ثم إن إيراد النصّ أضمن، وأحسن، وأوفى بالمراد من تغييره باختصار، أو نحوه، فهاك نصّ الرسالة: [سئل شيخ الإسلام] عن معنى حديث أبي ذرّ - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - فيما يروى عن الله ﵎، أنه قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرّمًا بينكم، فلا تظالموا. . .» إلى آخر الحديث. فأجاب - ﵀ -: الحمد لله ربّ العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أما قوله تعالى: «يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي» ففيه مسألتان كبيرتان، كل منهما ذات شُعَب وفروع: إحداهما: في الظلم الذي حرّمه الله على نفسه، ونفاه عن نفسه بقوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٧٦]، وقوله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، وقوله ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]، وقوله: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧]، ونفى إرادته بقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٨]، ونفى خوف العباد له بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ [طه: ١١٢]. فإن الناس تنازعوا في معنى هذا الظلم تنازعًا صاروا فيه بين طرفين، متباعدين، ووَسَط بينهما، وخيار الأمور أوساطها، وذلك بسبب البحث في القَدَر، ومجامعته للشرع؛ إذ الخوض في ذلك بغير علم تامّ أوجب ضلال عامة الأمم، ولهذا نهى النبيّ - ﷺ - أصحابه عن التنازع فيه. فذهب المكذّبون بالقدر، القائلون بأن الله لم يخلق أفعال العباد، ولم يُرِد أن يكون إلا ما أمر بأن يكون، وغُلَاتهم المكذبون بتقدّم علم الله، وكتابه بما سيكون من أفعال العباد، من المعتزلة وغيرهم إلى أن الظلم منه هو نظير الظلم من الآدميين، بعضهم لبعض، وشبّهوه ومثّلوه في الأفعال بأفعال العباد، حتى كانوا هم ممثّلة الأفعال، وضربوا لله الأمثال، ولم يجعلوا له المَثَل الأعلى، بل أوجبوا عليه، وحرّموا ما رأوا أنه يجب على العباد، ويحرم بقياسه على العباد، وإثبات الحكم في الأصل بالرأي، وقالوا عن هذا: إذا أمَر العبدَ، ولم يُعِنْه بجميع ما يقدر عليه من وجوه الإعانة، كان ظالِمًا له، والتزموا أنه لا يقدر أن يهدي ضالًّا، كما قالوا: إنه لا يقدر أن يُضلّ مهتديًا، وقالوا عن هذا: إذا أمر اثنين بأمر واحد، وخصّ أحدهما بإعانته على فعل المأمور، كان ظالِمًا، إلى أمثال ذلك من الأمور التي هي من باب الفضل والإحسان، جعلوا تَرْكه لها ظلمًا. وكذلك ظنوا أن التعذيب لمن كان فِعله مقدَّرًا ظُلم له، ولم يفرقوا بين التعذيب لمن قام به سبب استحقاق ذلك، ومن لم يقم، وإن كان ذلك الاستحقاق خَلَقه لحكمة أخرى عامّة، أو خاصة. وهذا الموضع زلّت فيه أقدام، وضلّت فيه أفهام، فعارض هؤلاء آخرون من أهل الكلام المُثْبتين للقَدَر، فقالوا: ليس للظلم منه حقيقة يمكن وجودها، بل هو من الأمور الممتنعة لذاتها، فلا يجوز أن يكون مقدورًا، ولا أن يقال: إنه هو تارك له باختياره، ومشيئته، وإنما هو من باب الجمع بين الضدين، وجَعْل الجسم الواحد في مكانين، وقَلْب القديم مُحْدَثًا، والمحدَث قديمًا، وإلا فمهما قُدِّر في الذهن، وكان وجوده ممكنًا، والله قادر عليه، فليس بظلم منه، سواء فَعَله، أو لم يفعله. وتلقى هذا القول عن هؤلاء طوائف من أهل الإثبات من الفقهاء، وأهل الحديث، من أصحاب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وغيرهم، ومن شرّاح الحديث، ونحوهم، وفَسَّروا هذا الحديث بما ينبني على هذا القول، وربما تعلقوا بظاهر من أقوال مأثورة، كما روينا عن إياس بن معاوية أنه قال: ما ناظرت بعقلي كله أحدًا إلا القَدَرية، قلت لهم: ما الظلم؟ قالوا: أن تأخذ ما ليس لك، أو أن تتصرف فيما ليس لك، قلت: فلِلَّه كل شيء، وليس هذا من إياس إلا ليبيّن أن التصرفات الواقعة هي في مُلكه، فلا يكون ظلمًا بموجب حدّهم، وهذا مما لا نزاع بين أهل الإثبات فيه، فإنهم متفقون مع أهل الإيمان بالقَدَر على أن كل ما فَعَله الله فهو عدلٌ. وفي حديث الكرب الذي رواه الإمام أحمد، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما أصاب عبدًا قطّ هَمٌّ، ولا حزنٌ، فقال: اللَّهُمَّ إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فِيّ حكمك، عَدْل فِيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سمَّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حُزْني، وذهاب همّي وغمّي، إلا أذهب الله همّه وغمّه، وأبدله مكانه فرحًا، قالوا: يا رسول الله أفلا نتعلمهنّ؟ قال: بلى، ينبغي لمن سمعهنّ أن يتعلمهنّ». فقد بَيَّن أن كل قضائه في عبده عدلٌ، ولهذا يقال: كل نعمة منه فضلٌ، وكل نقمة منه عدلٌ، ويقال: أطعتك بفضلك، والمنّة لك، وعصيتك بعلمك، أو بِعَدْلك، والحجة لك، فأسالك بوجوب حجتك عليّ، وانقطاع حجتي إلا ما غفرت لي. وهذه المناظرة من إياس كما قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن لغيلان حين قال له غيلان: نشدتك الله، أترى الله يحبّ أن يُعْصَى؟ فقال: نشدتك الله، أترى الله يُعْصَى قسرًا؛ يعني: قهرًا، فكأنما ألقمه حجرًا، فإن قوله: يحب أن يُعْصَى لفظ فيه إجمال، وقد لا يتأتى في المناظرة تفسير المُجمَلات؛ خوفًا من لَدَد الخصم، فيؤتى بالواضحات، فقال: أفتراه يُعْصَى قسرًا؟ فإن هذا إلزام له بالعجز الذي هو لازم للقدَرية، ولمن هو شرّ منهم من الدهريّة الفلاسفة، وغيرهم. وكذلك إياس رأى أن هذا الجواب المطابق لحدّهم خاصم لهم، ولم يدخل معهم في التفصيل الذي يطول. وبالجملة فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ [طه: ١١٢] قال أهل التفسير من السلف: لا يخاف أن يُظْلَم، فيَحْمِل عليه سيئات غيره، ولا يُهْضَم، فيُنقص من حسناته، ولا يجوز أن يكون هذا الظلم هو شيء ممتنَع غير مقدور عليه، فيكون التقدير: لا يخاف ما هو ممتنع لذاته، خارج عن الممكنات، والمقدورات، فإن مثل هذا إذا لم يكن وجوده ممكنًا، حتى يقولوا: إنه غير مقدور، ولو أراد؛ كخلق المِثْل له، فكيف يُعقل وجوده فضلًا أن يُتصور خوفه، حتى يُنفَى خوفه؟ ثم أيّ فائدة في نفي خوف هذا؟ وقد عُلم من سياق الكلام أن المقصود بيان أن هذا العامل المحسن لا يُجزَى على إحسانه بالظلم والهضم، فعُلم أن الظلم والهضم المنفيّ يتعلق بالجزاء، كما ذكره أهل التفسير، وإن الله لا يجزيه إلا بعمله، ولهذا كان الصواب الذي دلّت عليه النصوص أن الله لا يعذِّب في الآخرة إلا من أذنب، كما قال: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾ [ص: ٨٥]، فلو دخلها أحد من غير أتباعه لم تمتلئ منهم، ولهذا ثبت في «الصحيحين» في حديث: تحاجّ الجنة والنار، من حديث أبي هريرة وأنس: أن النار لا تمتلئ ممن كان أُلقي فيها حتى يَنْزَوِي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط، بعد قولها: هل من مزيد، وأما الجنة فيبقى فيها فضل عمن يدخلها من أهل الدنيا، فيُنشئ الله لها خلقًا آخر، ولهذا كان الصواب الذي عليه الأئمة فيمن لم يُكَلَّف في الدنيا من أطفال المشركين، ونحوهم، ما صحّ به الحديث، وهو أن الله أعلم بما كانوا عاملين، فلا نحكم لكل منهم بالجنة، ولا لكل منهم بالنار، بل هم ينقسمون بحسب ما يظهر من العلم إذا كُلِّفوا يوم القيامة في العرضات، كما جاءت بذلك الآثار. وكذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦] يدلّ الكلام على أنه لا يظلم محسنًا، فينقصه من إحسانه، أو يجعله لغيره، ولا يظلم مسيئًا، فيجعل عليه سيئات غيره، بل لها ما كسبت، وعليها ما اكتسبت، وهذا كقوله: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٦ - ٣٩]، فأخبر أنه ليس على أحد من وِزْر غيره شيء، وأنه لا يستحقّ إلا ما سعاه، وكلا القولين حقّ على ظاهره، وإن ظنّ بعض الناس أن تعذيب الميت ببكاء أهله عليه ينافي الأول، فليس كذلك؛ إذ ذلك النائح يعذَّب بِنَوْحه، لا يَحْمِل الميت وِزره، ولكن الميت يناله ألمٌ مِن فِعل هذا، كما يتألم الإنسان من أمور خارجة عن كسبه، وإن لم يكن جزاء الكسب والعذاب أعمّ من العقاب، كما قال: «السفر قطعة من العذاب». وكذلك ظنّ قوم أن انتفاع الميت بالعبادات البدنية من الحيّ ينافي قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ فليس الأمر كذلك، فإن انتفاع الميت بالعبادات البدنية من الحيّ بالنسبة إلى الآية كانتفاعه بالعبادات المالية، ومن ادّعَى أن الآية تُخالف أحدهما دون الآخر، فقوله ظاهر الفساد، بل ذلك بالنسبة إلى الآية كانتفاعه بالدعاء والاستغفار، والشفاعة، وقد بينّا في غير هذا الموضع نحوًا من ثلاثين دليلًا شرعيًّا يبيّن انتفاع الإنسان بسعي غيره؛ إذ الآية إنما نفت استحقاق السعي ومُلكه، وليس كل ما لا يستحقه الإنسان، ولا يملكه لا يجوز أن يُحسن إليه مالكه ومستحقه بما ينتفع به منه، فهذا نوع، وهذا نوع، وكذلك ليس كل ما لا يملكه الإنسان لا يحصل له من جهته منفعة، فإن هذا كَذِب في الأمور الدينية، والدنيوية. وهذه النصوص النافية للظلم تُثبت العدل في الجزاء، وأنه لا يُبخَس عامل عمله، وكذلك قوله فيمن عاقبهم: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود: ١٠١]، وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦)﴾ [الزخرف: ٧٦] بَيَّن أن عقاب المجرمين عدلًا لذنوبهم، لا لأنّا ظلمناهم، فعاقبناهم بغير ذنب. والحديث الذي في «السنن»: «لو عذّب الله أهل سماواته، وأهل أرضه لعذّبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيرًا من أعمالهم» يبيّن أن العذاب لو وقع لكان لاستحقاقهم ذلك، لا لكونه بغير ذنب، وهذا يبيّن أن من الظلم المنفيّ عقوبة من لم يذنب، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣١)﴾ [غافر: ٣٠، ٣١]، يبيّن أن هذا العقاب لم يكن ظلمًا لاستحقاقهم ذلك، وأن الله لا يريد الظلم، والأمر الذي لا يمكن القدرة عليه لا يصلح أن يمدح الممدوح بعدم إرادته، وإنما يكون المدح بترك الأفعال إذا كان الممدوح قادرًا عليها، فعُلم أن الله قادر على ما نزّه نفسه عنه من الظلم، وأنه لا يفعله، وبذلك يصحّ قوله: «إني حرمت الظلم على نفسي» وأن التحريم هو المنع، وهذا لا يجوز أن يكون فيما هو ممتنِع لذاته، فلا يصلح أن يقال: حرّمت على نفسي، أو منعت نفسي من خَلْق مِثلي، أو جعل المخلوقات خالقة، ونحو ذلك من المحالات، وأكثر ما يقال في تأويل ذلك ما يكون معناه: إني أخبرت عن نفسي بأن ما لا يكون مقدورًا، لا يكون مني، وهذا المعنى مما يتيقن المؤمن أنه ليس مراد الربّ، وأنه يجب تنزيه الله تعالى ورسوله - ﷺ - عن إرادة مثل هذا المعنى الذي لا يليق الخطاب بمثله؛ إذ هو مع كونه شِبْه التكرير، وإيضاح الواضح ليس فيه مدح، ولا ثناء، ولا ما يستفيده المستمِع، فعُلم أن الذي حرّمه على نفسه هو أمر مقدور عليه، لكنه لا يفعله؛ لأنه حرّمه على نفسه، وهو سبحانه منزّه عن فِعله، مقدَّس عنه. يبيّن ذلك أن ما قاله الناس في حدود الظلم يتناول هذا دون ذلك؛ كقول بعضهم: الظلم وَضْع الشيء في غير موضعه؛ كقولهم: من أشبَه أباه فما ظلم؛ أي: فما وَضَع الشَّبَه غير موضعه، ومعلوم أن الله سبحانه حَكمٌ عدلٌ لا يضع الأشياء إلا مواضعها، ووضْعها غير مواضعها ليس ممتنعًا لذاته، بل هو ممكن، لكنه لا يفعله؛ لأنه لا يريده، بل يكرهه، ويُبغضه؛ إذ قد حرّمه على نفسه. وكذلك من قال: الظلم إضرار غير مستحقّ، فإن الله لا يعاقب أحدًا بغير حقّ، وكذلك من قال: هو نقص الحقّ، وذَكَر أن أصله النقص؛ كقوله: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]. وأما من قال: هو التصرف في ملك الغير، فهذا ليس بمطّرد، ولا منعكس، فقد يتصرف الإنسان في مُلك غيره بحقّ، ولا يكون ظالِمًا، وقد يتصرف في ملكه بغير حقّ، فيكون ظالِمًا، وظُلم العبد نفسه كثير في القرآن، وكذلك من قال: فِعل المأمور خلاف ما أُمر به، ونحو ذلك، إن سُلِّم صحة مثل هذا الكلام، فالله سبحانه قد كَتَب على نفسه الرحمة، وحَرَّم على نفسه الظلم، فهو لا يفعل خلاف ما كَتَب، ولا يفعل ما حَرَّم. وليس هذا الجواب موضع بسط هذه الأمور التي نبّهنا عليها فيه، وإنما نشير إلى النَّكَت، وبهذا يتبيّن القول المتوسط، وهو أن الظلم الذي حرّمه الله على نفسه، مثل أن يترك حسنات المحسن، فلا يَجزيه بها، ويعاقب البريء على ما لم يفعل من السيئات، ويعاقب هذا بذنب غيره، أو يحكم بين الناس بغير القسط، ونحو ذلك، من الأفعال التي ينزّه الربّ عنها؛ لِقِسْطه، وعَدْله، وهو قادرٌ عليها، وإنما استحقَّ الحمد والثناء؛ لأنه ترك هذا الظلم، وهو قادر عليه، وكما أن الله منزَّه عن صفات النقص والعيب، فهو أيضًا منزَّه عن أفعال النقص والعيب. وعلى قول الفريق الثاني ما ثَمّ فعلٌ يجب تنزيه الله عنه أصلًا، والكتاب، والسُّنَّة، وإجماع سلف الأمة، وأئمتها يدلّ على خلاف ذلك، ولكن متكلمو أهل الإثبات لمّا ناظروا متكلمة النفي، ألزموهم لوازم لم ينفصلوا عنها، إلا بمقابلة الباطل بالباطل، وهذا مما عابه الأئمة، وذمّوه، كما عاب الأوزاعيُّ، والزُّبَيديّ، والثوريُّ، وأحمد بن حنبل، وغيرهم، مقابلة القَدَرية بالغلوّ في الإثبات، وأَمروا بالاعتصام بالكتاب والسُّنَّة، وكما عابوا أيضًا على من قابل الجهمية نفاة الصفات بالغلوّ في الإثبات، حتى دخل في تمثيل الخالق بالمخلوق، وقد بسطنا الكلام في هذا وهذا، وذكرنا كلام السلف، والأئمة في هذا في غير هذا الموضع. ولو قال قائل: هذا مبنيّ على مسألة تحسين العقل وتقبيحه، فمن قال: العقل يُعْلَم به حُسن الأفعال وقُبحها، فإنه ينزّه الربّ عن بعض الأفعال، ومن قال: لا يُعلم ذلك إلا بالسمع، فإنه يجوز جميع الأفعال عليه؛ لعدم النهي في حقه. قيل له: ليس بناء هذه على تلك بلازم، وبتقدير لزومها، ففي تلك تفصيل وتحقيق، قد بسطناه في موضعه، وذلك إنّا فرضنا أنّا نعلم بالعقل حُسن بعض الأفعال وقُبحها، لكن العقل لا يقول: إن الخالق كالمخلوق، حتى يكون ما جعله حَسَنًا لهذا، أو قبيحًا له، جَعَله حسنًا للآخر، أو قبيحًا له، كما يفعل مِثل ذلك القَدَرية؛ لِمَا بين الربّ والعبد من الفروق الكثيرة، وإنْ فرضنا أن حسن الأفعال وقبحها لا يُعلم إلا بالشرع، فالشرع قد دلّ على أن الله قد نَزَّه نفسه عن أفعال وأحكام، فلا يجوز أن يفعلها تارةً بخبره مثنيًا على نفسه، بأنه لا يفعلها، وتارة بخبره أنه حرّمها على نفسه. وهذا يبيِّن المسألة الثانية، فنقول: الناس لهم في أفعال الله باعتبار ما يصلح منه، ويجوز، وما لا يجوز منه، ثلاثة أقوال: طرفان، ووسط. فالطرف الواحد: طَرَف القدرية، وهم الذين حجروا عليه أن يفعل إلا ما ظنّوا بعقلهم أنه الجائز له، حتى وضعوا له شريعة التعديل والتجويز، فأوجبوا عليه بعقلهم أمورًا كثيرة، وحرّموا عليه بعقلهم أمورًا كثيرة، لا بمعنى أن العقل آمر له ونَاهٍ، فإن هذا لا يقوله عاقل، بل بمعنى أن تلك الأفعال مما عُلم بالعقل وجوبها وتحريمها، ولكن أدخلوا في ذلك المنكرات ما بنوه على بدعتهم في التكذيب بالقدر، وتوابع ذلك. والطرف الثاني: طرف الغُلاة في الرد عليهم، وهم الذين قالوا: لا ينزه الربّ عن فِعل من الأفعال، ولا نعلم وجه امتناع الفعل منه، إلا من جهة خبره، أنه لا يفعله، المطابق لعلمه، بأنه لا يفعله، وهؤلاء منعوا حقيقة ما أخبر به من أنه كَتَب على نفسه الرحمة، وحرّم على نفسه الظلم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «إن الله لمّا قضى الخلق، كتب على نفسه كتابًا، فهو موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي»، ولم يعلم هؤلاء أن الخبر المجرد المطابق للعلم، لا يبيّن وَجْه فِعله وترْكه؛ إذ العلم يطابق المعلوم، فعِلمه بأنه يفعل هذا، وأنه لا يفعل هذا، ليس فيه تعرّض؛ لأنه كتب هذا على نفسه، وحرّم هذا على نفسه، كما لو أخبر عن كائن مَن كان أنه يفعل كذا، ولا يفعل كذا، لم يكن في هذا بيان لكونه محمودًا ممدوحًا على فِعل هذا، وترْك هذا، ولا في ذلك ما يبيّن قيام المقتضي لهذا، والمانع من هذا، فإن الخبر المحض كاشف عن المخبَر عنه، ليس فيه بيان ما يدعو إلى الفعل، ولا إلى الترك، بخلاف قوله: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢]، وحرّم على نفسه الظلم، فإن التحريم مانع من الفعل، وكتابته على نفسه داعية إلى الفعل، وهذا بَيِّن واضح؛ إذ ليس المراد بذلك مجرد كتابته أنه يفعل، وهو كتابة التقدير، كما قد ثبت في «الصحيح»: «أنه قدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء»، فإنه قال: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾، ولو أريد كتابة التقدير لكان قد كتب على نفسه الغضب، كما كتب على نفسه الرحمة؛ إذ كان المراد مجرّد الخبر عما سيكون، ولكان قد حرّم على نفسه كل ما لم يفعله من الإحسان، كما حرّم الظلم. وكما أن الفرق ثابت في حقنا بَيْنَ قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، وبيْن قوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢)﴾ [القمر: ٥٢]، وقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢]، وقوله: «فيُبعث إليه الملَك، فيؤمر بأربع كلمات، فيقال له: اكتب رزقه، وأجَله، وعمله، وشقيٌّ، أو سعيد»، فهكذا الفرق أيضًا ثابت في حقّ الله تعالى. ونظير ما ذكره من كتابته على نفسه كما تقدم، قوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، وقول النبيّ - ﷺ - في الحديث الصحيح: «يا معاذ أتدري ما حقّ الله على عباده؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «حقّه عليهم أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا، أتدري ما حقّ العباد على الله، إذا فعلوا ذلك؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «حقهم عليه ألا يعذبهم»، ومنه قوله في غير حديث: كان حقًّا على الله أن يفعل به كذا، فهذا الحقّ الذي عليه هو أَحَقَّه على نفسه بقوله. ونظير تحريمه على نفسه، وإيجابه على نفسه، ما أخبر به من قَسَمه ليفعلنّ، وكلمته السابقة؛ كقوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ [يونس: ١٩]، وقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٨]، ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ١٣]، ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ٦]، ونحو ذلك من صيغ القَسَم المتضمنة معنى الإيجاب، والمعنى، بخلاف القَسَم المتضمن للخبر المحض، ولهذا قال الفقهاء: اليمين إما أن توجب حقًّا، أو منعًا، أو تصديقًا، أو تكذيبًا، وإذا كان معقولًا في الإنسان أنه يكون آمرًا مأمورًا؛ كقوله: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، وقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠)﴾ [النازعات: ٤٠] مع أن العبد له آمر وناهٍ فوقه، والربّ الذي ليس فوقه أحد لَأَنْ يُتصوّر أن يكون هو الآمر الكاتب على نفسه الرحمة، والناهي المحرِّم على نفسه الظلم أَولى وأحرى، وكتابته على نفسه ذلك تستلزم إرادته لذلك، ومحبته له، ورضاه بذلك، وتحريمه الظلم على نفسه، يستلزم بغضه لذلك، وكراهته له وإرادته، ومحبّتُهُ للفعل توجب وقوعه منه، وبغضه له، وكراهته لأن يفعله يمنع وقوعه منه، فأما ما يحبه، ويبغضه من أفعال عباده، فذلك نوع آخر، ففَرْق بين فعله هو، وبين ما هو مفعول مخلوق له، وليس في مخلوقه ما هو ظلم منه، وإن كان بالنسبة إلى فاعله الذي هو الإنسان هو ظلم، كما أن أفعال الإنسان هي بالنسبة إليه تكون سرقة، وزنا، وصلاةً، وصومًا، والله تعالى خالقها بمشيئته، وليست بالنسبة إليه كذلك؛ إذ هذه الأحكام هي للفاعل الذي قام به هذا الفعل، كما أن الصفات هي صفات للموصوف الذي قامت به، لا للخالق الذي خلقها، وجعلها صفات، والله تعالى خلق كل صانع وصُنعته، كما جاء في الحديث، وهو خالق كل موصوف وصفته. ثم صفات المخلوقات ليست صفات له؛ كالألوان، والطعوم، والروائح؛ لعدم قيام ذلك به، وكذلك حركات المخلوقات ليست حركات له، ولا أفعالًا له بهذا الاعتبار؛ لكونها مفعولات، هو خلقها، وبهذا الفرق تزول شبهٌ كثيرة، والأمر الذي كتبه على نفسه يستحق عليه الحمد والثناء، وهو مقدَّس عن تَرْك هذا الذي لو تُرك لكان تَرْكه نقصًا، وكذلك الأمر الذي حرّمه على نفسه يستحق الحمد والثناء على ترْكه، وهو مقدّس عن فعله الذي لو كان لأوجب نقصًا. وهذا كله بَيِّنٌ - ولله الحمد - عند الذين أوتوا العلم والأيمان، وهو أيضًا مستقرّ في قلوب عموم المؤمنين، ولكن القدرية شبّهوا على الناس بشبههم، فقابلهم مَن قابلهم بنوع من الباطل؛ كالكلام الذي كان السلف والأئمة يذمونه، وذلك أن المعتزلة قالوا: قد حصل الاتفاق على أن الله ليس بظالم، كما دلّ عليه الكتاب والسُّنَّة، والظالم مَن فَعل الظلم، كما أن العادل من فعل العدل، هذا هو المعروف عند الناس، من مسمى هذا الاسم سمعًا وعقلًا، قالوا: ولو كان الله خالقًا لأفعال العباد التي هي الظلم لكان ظالِمًا، فعارضهم هؤلاء بأن قالوا: ليس الظالم من فعل الظلم، بل الظالم من قام به الظلم، وقال بعضهم: الظالم من اكتسب الظلم، وكان منهيًّا عنه، وقال بعضهم: الظالم من فعل محرّمًا عليه، أو ما نُهي عنه. ومنهم من قال: من فعل الظلم لنفسه، وهؤلاء يَعْنون أن يكون الناهي له والمحرِّم عليه غيره الذي يجب عليه طاعته، ولهذا كان تصوّر الظلم منه ممتنعًا عندهم لذاته؛ كامتناع أن يكون فوقه آمر له وَنَاهٍ، ويمتنع عند الطائفتين أن يعود إلى الربّ من أفعاله حُكم لنفسه، وهؤلاء لم يمكنهم أن ينازعوا أولئك في أن العادل مَن فَعَل العدل، بل سلّموا ذلك لهم، وإن نازعهم بعض الناس منازعة عناديّةً، والذي يكشف تلبيس المعتزلة أن يقال لهم: الظالم والعادل الذي يعرفه الناس، وإن كان فاعلًا للظلم والعدل، فذلك يأثم به أيضًا، ولا يعرف الناس من يسمى ظالِمًا، ولم يقم به الفعل الذي به صار ظالِمًا، بل لا يعرفون ظالمًا إلا من قام به الفعل الذي فَعَله، وبه صار ظالمًا، وإن كان فِعْله متعلقًا بغيره، وله مفعول منفصل عنه، لكن لا يعرفون الظالم إلا بأن يكون قد قام به ذلك، فكونكم أخذتم في حدّ الظالم أنه من فعل الظلم، وعَنَيْتم بذلك مَن فَعله في غيره، فهذا تلبيس، وإفساد للشرع والعقل واللغة، كما فعلتم في مسمى المتكلم حيث قلتم: هو من فعل الكلام، ولو في غيره، وجعلتم من أحدث كلامًا منفصلًا عنه قائمًا بغيره متكلمًا، وإن لم يقم به هو كلام أصلًا، وهذا من أعظم البهتان والقرمطة والسفسطة، ولهذا ألزمهم السلف أن يكون ما أحدثه من الكلام في الجمادات، وكذلك أيضًا ما خلقه في الحيوانات، ولا يفرق حينئذ بين نَطَقَ وأنطق، وإنما قالت الجلود: أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء، ولم تقل: نطق الله بذلك، ولهذا قال من قال من السلف؛ كسليمان بن داود الهاشميّ وغيره ما معناه: أنه على هذا يكون الكلام الذي خُلق في فرعون حتى قال: أنا ربكم الأعلى؛ كالكلام الذي خُلق في الشجرة حتى قالت: إنني أنا الله لا إله إلا أنا، فإما أن يكون فرعون محقًّا، أو تكون الشجرة كفرعون، وإلى هذا المعنى ينحو الاتحادية من الجهمية، ويُنشدون: وَكُلُّ كَلَامٍ فِي الْوُجُودِ كَلَامُهُ … سَوَاءٌ عَلَيْنَا نَثْرُهُ وَنِظَامُهُ وهذا يستوعب أنواع الكفر، ولهذا كان من الأمر البيّن للخاصة والعامة أن من قال: المتكلم لا يقوم به كلامٌ أصلًا، فإن حقيقة قوله: أنه ليس بمتكلم؛ إذ ليس المتكلم إلا هذا، ولهذا كان أَوَّلُوهم يقولون: ليس بمتكلم، ثم قالوا: هو متكلم بطريق المجاز، وذلك لِمَا استقرّ في الفِطَر أن المتكلم لا بدّ أن يقوم به كلام، وإن كان مع ذلك فاعلًا له، كما يقوم بالإنسان كلامه، وهو كاسب له، أما أن يجعل مجرد إحداث الكلام في غيره كلامًا له، فهذا هو الباطل. وهكذا القول في الظلم، فَهَبْ أن الظالم مَن فعل الظلم، فليس هو مَن فَعَله في غيره، ولم يَقُم به فِعل أصلًا، بل لا بدّ أن يكون قد قام به فعلٌ، وإن كان متعديًا إلى غيره، فهذا جوابٌ، ثم يقال لهم: الظلم فيه نسبة وإضافة، فهو ظلم من الظالم، بمعنى أنه عدوان، وبَغْيٌ منه، وهو ظلم للمظلوم، بمعنى أنه بغيٌ، واعتداء عليه، وأما من لم يكن مُتَعَدًّى عليه به، ولا هو منه عدوان على غيره، فهو في حقه ليس بظلم، لا منه، ولا له، والله سبحانه إذا خلق أفعال العباد، فذلك من جنس خَلْقه لصفاتهم، فهم الموصوفون بذلك، فهو سبحانه إذا جعل بعض الأشياء أسود، وبعضها أبيض، أو طويلًا، أو قصيرًا، أو متحركًا، أو ساكنًا، أو عالِمًا، أو جاهلًا، أو قادرًا، أو عاجزًا، أو حيًّا، أو ميتًا، أو مؤمنًا، أو كافرًا، أو سعيدًا، أو شقيًّا، أو ظالمًا، أو مظلومًا، كان ذلك المخلوق هو الموصوف بأنه الأبيض، والأسود، والطويل، والقصير، والحيّ، والميت، والظالم، والمظلوم، ونحو ذلك، والله سبحانه لا يوصف بشيء من ذلك، وإنما إحداثه للفعل الذي هو ظُلم من شخص، وظلم لآخر بمنزلة إحداثه الأكل، والشرب، الذي هو أَكْل من شخص، وأكل لآخَر، وليس هو بذلك آكلًا، ولا مأكولًا. ونظائر هذا كثيرة، وإن كان في خلق أفعال العباد لازِمها ومتعديها حِكَمٌ بالغة، كما له حِكْمة بالغةٌ في خَلْق صفاتهم، وسائر المخلوقات، لكن ليس هذا موضع تفصيل ذلك، وقد ظهر بهذين الوجهين تدليس القدريّة. وأما تلك الحدود التي عورضوا بها، فهي دعاوٍ، ومخالفة أيضًا للمعلوم من الشرع واللغة والعقل، أو مشتملة على نوع من الإجمال، فإن قول القائل: الظالم من قام به الظلم، يقتضي أنه لا بدّ أن يقوم به، لكن يقال له: وإن لم يكن فاعلًا له، آمرًا له، لا بدّ أن يكون فاعلًا له مع ذلك، فإن أراد الأول كان اقتصاره على تفسير الظالم بمن قام به الظلم كاقتصار أولئك على تفسير الظالم في فِعل الظلم، والذي يعرفه الناس عامّهم وخاصّهم، أن الظالم فاعل للظلم، وظُلمه فعلٌ قائم به، وكل من الفريقين جَحَد بعض الحقّ. وأما قولهم: من فعل محرّمًا عليه، أو منهيًّا عنه ونحو ذلك، فالإطلاق صحيح، لكن يقال: قد دل الكتاب والسُّنَّة على أن الله تعالى كَتَب على نفسه الرحمة، وكان حقًّا عليه نَصْر المؤمنين، وكان حقًّا عليه أن يجزي المطيعين، وأنه حرّم الظلم على نفسه، فهو سبحانه الذي حرَّم بنفسه على نفسه الظلم، كما أنه هو الذي كتب بنفسه على نفسه الرحمة، لا يمكن أن يكون غيره محرّمًا عليه، أو موجبًا عليه فضلًا عن أن يعلم ذلك بعقل أو غيره، وإذا كان كذلك فهذا الظلم الذي حرّمه على نفسه، هو ظُلم بلا ريب، وهو أمر ممكن مقدور عليه، وهو سبحانه يتركه مع قدرته عليه بمشيئته واختياره؛ لأنه عادل، ليس بظالم، كما يترك عقوبة الأنبياء والمؤمنين، وكما يترك أن يُحَمِّل البريء ذنوب المعتدين. [فصل] قوله: «وجعلته بينكم محرّمًا، فلا تظالموا» ينبغي أن يُعْرَف أن هذا الحديث شريف القَدْر، عظيم المنزلة، ولهذا كان الإمام أحمد يقول: هو أشرف حديث لأهل الشام، وكان أبو إدريس الخولانيّ إذا حدّث به جثا على ركبتيه، وراويه أبو ذرّ الذي ما أظلّت الخضراء، ولا أقلّت الغبراء أصدق لهجةً منه، وهو من الأحاديث الإلهية التي رواها الرسول - ﷺ - عن ربه - ﷿ -، وأخبر أنها من كلام الله تعالى، وإن لم تكن قرآنًا، وقد جمع في هذا الباب زاهر السحاميّ، وعبد الغنيّ المقدسيّ، وأبو عبد الله المقدسيّ، وغيرهما . وهذا الحديث قد تضمَّن من قواعد الدين العظيمة في العلوم، والأعمال، والأصول، والفروع، فإن تلك الجملة الأولى، وهي قوله: «حَرَّمت الظلم على نفسي» تتضمَّن جُلّ مسائل الصفات والقَدَر؛ إذا أُعطيت حقّها من التفسير، وإنما ذكرنا فيها ما لا بدّ من التنبيه عليه، من أوائل النكت الجامعة. وأما هذه الجملة الثانية، وهي قوله: «وجعلته بينكم محرّمًا بينكم، فلا تظالموا»، فإنها تجمع الدين كلّه، فإن ما نهى الله عنه راجع إلى الظلم، وكلّ ما أمر به راجع إلى العدل. ولهذا قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [الحديد: ٢٥]، فأخبر أنه أرسل الرسل، وأنزل الكتاب والميزان؛ لأجل قيام الناس بالقسط، وذكر أنه أنزل الحديد الذي به يُنصر هذا الحقّ، فالكتاب يهدي، والسيف ينصر، وكفى بربك هاديًا ونصيرًا. ولهذا كان قِوَام الناس بأهل الكتاب، وأهل الحديد، كما قال من قال من السلف: صنفان إذا صلحوا صلح الناس: الأمراء، والعلماء، وقالوا في قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] أقوالًا تجمع العلماء والأمراء، ولهذا نصّ الإمام أحمد وغيره على دخول الصنفين في هذه الآية؛ إذ كلٌّ منهما تجب طاعته فيما يقوم به من طاعة الله، وكان نوّاب رسول الله - ﷺ - في حياته؛ كعليّ، ومعاذ، وأبي موسى، وعَتّاب بن أَسِيد، وعثمان بن أبي العاص، وأمثالهم، يجمعون الصنفين، وكذلك خلفاؤه من بعده؛ كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، ونوابهم. ولهذا كانت السُّنَّة أن الذي يصلي بالناس صاحب الكتاب، والذي يقوم بالجهاد صاحب الحديد، إلى أن تفرّق الأمر بعد ذلك، فإذا تفرّق صار كل من قام بأمر الحرب من جهاد الكفار، وعقوبات الفجار، يجب أن يطاع فيما يأمر به، من طاعة الله في ذلك، وكذلك من قام بجمع الأموال، وقَسْمها يجب أن يطاع فيما يأمر به من طاعة الله في ذلك، وكذلك من قام بالكتاب بتبليغ أخباره، وأوامره، وبيانها، يجب أن يصدَّق، ويطاع فيما أخبر به من الصدق في ذلك، وفيما يأمر به، من طاعة الله في ذلك. والمقصود هنا أن المقصود بذلك كلّه هو أن يقوم الناس بالقسط، ولهذا لمّا كان المشركون يُحَرِّمون أشياء، ما أنزل الله بها من سلطان، ويأمرون بأشياء، ما أنزل الله بها من سلطان، أنزل الله في «سورة الأنعام»، و«الأعراف»، وغيرهما يذمّهم على ذلك، وذَكَر ما أمر به هو، وما حرّمه هو، فقال: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]. وهذه الآية تجمع أنواع المحرّمات، كما قد بيّناه في غير هذا الموضع، وتلك الآية تجمع أنواع الواجبات، كما بيّناه أيضًا. وقوله: ﴿أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أمَر مع القسط بالتوحيد الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له، وهذا أصل الدين، وضدّه هو الذنب الذي لا يُغفر، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وهو الدِّين الذي أمر الله به جميع الرسل، وأرسلهم به إلى جميع الأمم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢)﴾ [المؤمنون: ٥١، ٥٢]. ولهذا ترجم البخاريّ في «صحيحه»: «باب ما جاء في أن دين الأنبياء واحد»، وذكر الحديث الصحيح في ذلك، وهو الإسلام العامّ الذي اتفق عليه جميع النبيين، قال نوح - ﵇ -: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١]، وقال تعالى في قصة إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة: ١٣١، ١٣٢]، ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)﴾ [يونس: ٨٤]، وقال تعالى: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢]، وقال في قصة بلقيس: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤]، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤]. وهذا التوحيد الذي هو أصل الدين، هو أعظم العدل، وضدّه، وهو الشرك أعظم الظلم، كما أخرجاه في «الصحيحين» عن عبد الله بن مسعود قال: لمّا أُنزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شقّ ذلك على أصحاب النبيّ - ﷺ -، وقالوا: أيّنا لم يظلم نفسه؟ فقال: «ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: إن الشرك لظلم عظيم»، وفي «الصحيحين» عن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله أيُّ الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًّا، وهو خلقك» قلت: ثم أيّ؟ قال: «ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك» قلت: ثم أيّ؟ قال: «أن تزاني بحليلة جارك»، فأنزل الله تصديق ذلك: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ الآية [الفرقان: ٦٨]. وقد جاء عن غير واحد من السلف، ورُوي مرفوعًا: «الظلم ثلاثة دواوين: فديوان لا يغفر الله منه شيئًا، وديوان لا يترك الله منه شيئًا، وديوان لا يعبأ الله به شيئًا، فأما الديوان الذي لا يغفر الله منه شيئًا، فهو الشرك، فإن الله لا يغفر أن يُشرَك به، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئًا، فهو ظُلم العباد بعضهم بعضًا، فإن الله لا بُدّ أن يُنصف المظلوم من الظالم، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئًا، فهو ظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه»؛ أي: مغفرة هذا الضرب ممكنة بدون رضا الخلق، فإن شاء عذّب هذا الظالم لنفسه، وإن شاء غفر له. وقد بسطنا الكلام في هذه الأبواب الشريفة، والأصول الجامعة في القواعد، وبيَّنا أنواع الظلم، وبيَّنا كيف كان الشرك أعظم أنواع الظلم، ومسمى الشرك جليله ودقيقه، فقد جاء في الحديث: «الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل». ورُوي أن هذه الآية نزلت في أهل الرياء: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وكان شداد بن أوس يقول: يا بقايا العرب، يا بقايا العرب، إنما أخاف عليكم الرياء، والشهوة الخفية. قال أبو داود السجستانيّ، صاحب «السنن» المشهورة: الخفية حبّ الرياسة، وذلك أن حب الرياسة هو أصل البغي والظلم، كما أن الرياء هو من جنس الشرك، أو مبدأ الشرك. والشرك أعظم الفساد، كما أن التوحيد أعظم الصلاح، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القصص: ٤] إلى أن ختم السورة بقوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: ٨٣]، وقال: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)﴾ [الإسراء: ٤]، وقال: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَو فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، وقالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠]. فأصل الصلاح: التوحيد والإيمان، وأصل الفساد: الشرك والكفر، كما قال عن المنافقين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾ [البقرة: ١١، ١٢]، وذلك أن صلاح كل شيء أن يكون بحيث يحصل له، وبه المقصود الذي يراد منه، ولهذا يقول الفقهاء: العقد الصحيح ما ترتَّب عليه أثره، وحصل به مقصوده، والفاسد ما لم يترتب عليه أثره، ولم يحصل به مقصود، والصحيح المقابل للفاسد في اصطلاحهم هو الصالح. وكان يكثر في كلام السلف: هذا لا يصلح، أو يصلح، كما كَثُر في كلام المتأخرين: يصحّ، ولا يصحّ، والله تعالى إنما خلق الإنسان لعبادته، وبدنه تَبَع لقلبه، كما قال النبيّ - ﷺ - في الحديث الصحيح: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فَسَدَ لها سائر الجسد، ألا وهي القلب»، وصلاح القلب في أن يحصل له وبه، المقصود الذي خُلق له من معرفة الله تعالى ومحبته وتعظيمه، وفساده في ضدّ ذلك، فلا صلاح للقلوب بدون ذلك قطّ. والقلب له قوّتان: العلم، والقصد، كما أن للبدن: الحسّ، والحركة الإرادية، فكما أنه متى خرجت قوى الحسّ والحركة عن الحال الفطريّ الطبيعيّ فَسَدَت، فإذا خرج القلب عن الحال الفطرية التي يولد عليها كل مولود، وهي أن يكون مقرًّا لربه، مريدًا له، فيكون هو منتهى قصده، وإرادته، وذلك هي العبادة؛ إذ العبادة كمالُ الحبّ بكمال الذلّ، فمتى لم تكن حركة القلب، ووَجْهه، وإرادته لله تعالى، كان فاسدًا، إما بأن يكون معرضًا عن الله، وعن ذِكره، غافلًا عن ذلك، مع تكذيب، أو بدون تكذيب، أو بأن يكون له ذِكر وشعور، ولكن قَصْده وإرادته غيره؛ لكون الذِّكر ضعيفًا، لم يجتذب القلب إلى إرادة الله ومحبته وعبادته، وإلا فمتى قَوِي عِلم القلب وذِكره، أوجب قَصْده وعِلمه، قال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [النجم: ٢٩، ٣٠] فأمر نبيّه - ﷺ - بأن يُعرض عمن كان معرضًا عن ذِكر الله، ولم يكن له مراد إلا ما يكون في الدنيا، وهذه حال من فسد قلبه، ولم يذكر ربه، ولم يُنب إليه، فيريد وجهه، ويخلص له الدين، ثم قال: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾، فأخبر أنهم لم يحصل لهم عِلم فوق ما يكون في الدنيا، فهي أكبر همّهم، ومبلغ علمهم، وأما المؤمن فأكبر همه هو الله، وإليه انتهى علمه، وذِكره، وهذا الآن باب واسع عظيم قد تكلمنا عليه في مواضعه. وإذا كان التوحيد أصل صلاح الناس، والإشراك أصل فسادهم، والقسط مقرون بالتوحيد؛ إذ التوحيد أصل العدل، وإرادة العلوّ مقرونة بالفساد؛ إذ هو أصل الظلم، فهذا مع هذا، وهذا مع هذا كالملزوزين في قَرَنٍ، فالتوحيد، وما يَتْبعه من الحسنات، هو صلاح وعدل، ولهذا كان الرجل الصالح هو القائم بالواجبات، وهو البِرّ، وهو العدل، والذنوب التي فيها تفريط، أو عدوان في حقوق الله تعالى، وحقوق عباده هي فساد وظلم، ولهذا سمى قُطاع الطريق مفسدين، وكانت عقوبتهم حقًّا لله تعالى؛ لاجتماع الوصفين، والذي يريد العلوّ على غيره من أبناء جنسه هو ظالم له باغٍ؛ إذ ليس كونك عاليًا عليه بأَولى من كونه عاليًا عليك، وكلاكما من جنس واحد، فالقسط والعدل أن يكونوا إخوةً كما وصف الله المؤمنين بذلك. والتوحيد، وإن كان أصل الصلاح، فهو أعظم العدل، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ [آل عمران: ٦٤] ولهذا كان تخصيصه بالذكر في مثل قوله: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩] لا يمنع أن يكون داخلًا في القسط، كما أن ذِكر العمل الصالح بعد الإيمان لا يمنع أن يكون داخلًا في الإيمان، كما في قوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، و﴿مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ﴾ [الأحزاب: ٧] هذا إذا قيل إن اسم الإيمان يتناوله، سواء قيل إنه في مثل هذا يكون داخلًا في الأول، فيكون مذكورًا مرتين، أو قيل: بل عَطْفه عليه يقتضي أنه ليس داخلًا فيه هنا، وإن كان داخلًا فيه منفردًا، كما قيل مئل ذلك في لفظ الفقراء والمساكين، وأمثال ذلك، مما تتنوع دلالته بالإفراد والاقتران، لكن المقصود أن كل خير فهو داخل في القسط والعدل، وكل شرّ فهو داخل في الظلم. ولهذا كان العدل أمرًا واجبًا في كل شيء، وعلى كل أحد، والظلم محرّمًا في كل شيء، ولكل أحد، فلا يحلّ ظلم أحد أصلًا، سواء كان مسلمًا، أو كافرًا، أو كان ظالمًا، بل الظلم إنما يباح، أو يجب فيه العدل عليه أيضًا، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ [المائدة: ٨]- أي: لا يحملنّكم - ﴿شَنَآنُ﴾ [المائدة: ٨]- أي: بُغض - ﴿قَوْمٍ﴾ - وهم الكفار - ﴿عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ - على عدم العدل - ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. وقد دلّ على هذا قوله في الحديث: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرّمًا، فلا تظالموا»، فإن هذا خطاب لجميع العباد أن لا يظلم أحدٌ أحدًا، وأَمْرُ العالم في الشريعة مبنيّ على هذا، وهو العدل في الدماء، والأموال، والأبضاع، والأنساب، والأعراض، ولهذا جاءت السُّنَّة بالقِصاص في ذلك، ومقابلة العادي بمثل فعله، لكن المماثلة قد يكون عِلمها، أو عملها متعذّرًا، أو متعسرًا، ولهذا يكون الواجب ما يكون أقرب إليها بحسب الإمكان، ويقال: هذا أمثل، وهذا أشبه، هذه الطريقة المثلى، لمّا كان أمثل بما هو العدل والحقّ في نفس الأمر؛ إذ ذاك معجوز عنه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٢]، فذكر أنه لم يكلف نفسًا إلا وُسْعها حين أمر بتوفية الكيل والميزان بالقسط؛ لأن الكيل لا بدّ له أن يَفْضل أحد المكيلين على الآخر، ولو بحبة أو حبات، وكذلك التفاضل في الميزان، قد يحصل بشيء يسير، لا يمكن الاحتراز منه، فقال تعالى: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأعراف: ٤٢]. ولهذا كان القصاص مشروعًا إذا أمكن استيفاؤه من غير جَنَف؛ كالاقتصاص في الجروح التي تنتهي إلى عَظْم، وفي الأعضاء التي تنتهي إلى مفصل، فإذا كان الجنف واقعًا في الاستيفاء عُدل إلى بَدَله، وهو الدية؛ لأنه أشبه بالعدل من إتلاف زيادة في المقتصّ منه، وهذه حجة من رأى من الفقهاء أنه لا قَوَد إلا بالسيف في العنق، قال: لأن القتل بغير السيف، وفي غير العنق لا نعلم فيه المماثلة، بل قد يكون التحريق والتغريق والتوسيط، ونحو ذلك أشدّ إيلامًا، لكن الذين قالوا: يُفعل به مثل ما فَعَل قولهم أقرب إلى العدل، فإنه مع تحرّي التسوية بين الفعلين يكون العبد قد فَعل ما يقدر عليه من العدل، وما حصل من تفاوت الألم خارج عن قدرته. وأما إذا قَطع يديه، ورجليه، ثم وَسَطَه، فقوبل ذلك بضرب عنقه بالسيف، أو رَضَّ رأسه بين حجرين، فضرب السيف، فهنا قد تيقنا عدم المعادلة والمماثلة، وكنا قد فعلنا ما تيقّنا انتفاء المماثلة فيه، وأنه يتعذر معه وجودها، بخلاف الأول، فإن المماثلة قد تقع؛ إذ التفاوت فيه غير متيقن. وكذلك القصاص في الضربة، واللطمة، ونحو ذلك عَدَل عنه طائفة من الفقهاء إلى التعزير؛ لعدم إمكان المماثلة فيه، والذي عليه الخلفاء الراشدون، وغيرهم من الصحابة، وهو منصوص أحمد، ما جاءت به سُنَّة رسول الله - ﷺ - من ثبوت القصاص به؛ لأن ذلك أقرب إلى العدل والمماثلة، فإنا إذا تحرينا أن نفعل به من جنس فِعله، ونقرّب القَدْر مِن القَدْر، كان هذا أمثل من أن نأتي بجنس من العقوبة تخالف عقوبته جنسًا وقدْرًا وصفةً. وهذا النظر أيضًا في ضمان الحيوان، والعقار، ونحو ذلك بمثله تقريبًا، أو بالقيمة، كما نصّ أحمد على ذلك في مواضع ضمان الحيوان وغيره، ونصّ عليه الشافعيّ فيمن خَرَّب حائط غيره أنه يبنيه كما كان، وبهذا قضى سليمان - ﵇ - في حكومة الحرث التي حكم فيها هو وأبوه، كما قد بُيِّن ذلك في موضعه. فجميع هذه الأبواب المقصود للشريعة فيها تحري العدل بحسب الإمكان، وهو مقصود العلماء، لكن أفْهَمهم من قال بما هو أشبه بالعدل في نفس الأمر، وإن كان كل منهم قد أُوتي علمًا وحكمًا؛ لأنه هو الذي أنزل الله به الكتب، وأرسل به الرسل، وضدّه الظلم، كما قال سبحانه: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرّمًا، فلا تظالموا». ولمّا كان العدل لا بدّ أن يتقدمه علم؛ إذ من لا يعلم لا يدري ما العدل؟ والإنسان ظالم جاهل، إلا من تاب الله عليه، فصار عالمًا عادلًا، صار الناس من القضاة وغيرهم ثلاثة أصناف: العالم الجائر، والجاهل الظالم، فهذان من أهل النار، كما قال النبيّ - ﷺ -: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاضٍ في الجنة، رجل عَلِم الحقّ، وقضى به، فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل، فهو في النار، ورجل عَلِم الحقّ، وقضى بخلافه، فهو في النار»، فهذان القسمان كما قال: من قال في القرآن برأيه فأصاب، فقد أخطأ، ومن قال في القرآن برأيه فأخطأ، فليتبوأ مقعده من النار. وكلُّ من حكم بين اثنين فهو قاض، سواء كان صاحب حرب، أو متولي ديوان، أو منتصبًا للاحتساب بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، حتى الذي يحكم بين الصبيان في الخطوط، فإن الصحابة كانوا يعدّونه من الحكام، ولمّا كان الحكام مأمورين بالعدل والعلم، وكان المفروض إنما هو بما يَبْلُغه جهد الرجل، قال النبيّ - ﷺ -: «إذا اجتهد الحاكم، فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر». [فصل] فلما ذكر في أول الحديث ما أوجبه من العدل، وحرّمه من الظلم على نفسه، وعلى عباده، ذَكَر بعد ذلك إحسانه إلى عباده، مع غناه عنهم، وفقرهم إليه، وأنهم لا يقدرون على جلب منفعة لأنفسهم، ولا دفع مضرّة إلا أن يكون هو الميسّر لذلك، وأمر العباد أن يسألوه ذلك، وأخبر أنهم لا يقدرون على نفعه، ولا ضرّه، مع عِظَم ما يوصل إليهم من النعماء، ويدفع عنهم من البلاء، وجلبُ المنفعة، ودفعُ المضرة إما أن يكون في الدين، أو في الدنيا، فصارت أربعة أقسام: الهداية والمغفرة، وهما جلب المنفعة، ودفع المضرّة في الدين، والطعام والكسوة، وهما جلب المنفعة، ودفع المضرّة في الدنيا، وإن شئت قلت: الهداية والمغفرة يتعلقان بالقلب الذي هو مَلِك البدن، وهو الأصل في الأعمال الإرادية، والطعام والكسوة يتعلقان بالبدن، الطعام لجلب منفعته، واللباس لدفع مضرته. وفَتَحَ الأمر بالهداية، فإنها وإن كانت الهداية النافعة هي المتعلقة بالدين، فكل أعمال الناس تابعة لهدى الله - ﷿ - إياهم، كما قال سبحانه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى: ١ - ٣]، وقال موسى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ [البلد: ١٠]، وقال: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٣]. ولهذا قيل: الهدى أربعة أقسام: أحدها: الهداية إلى مصالح الدنيا، فهذا مشترك بين الحيوان الناطق، والأعجم، وبين المؤمن والكافر. والثاني: الهدى بمعنى دعاء الخلق إلى ما ينفعهم، وأمْرهم بذلك، وهو نَصْب الأدلة، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، فهذا أيضًا يشترك فيه جميع المكلفين، سواء آمنوا، أو كفروا، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، فهذا مع قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] يبيّن أن الهدى الذي أثبته هو البيان، والدعاء، والأمر، والنهي، والتعليم، وما يتبع ذلك، ليس هو الهدى الذي نفاه، وهو القسم الثالث الذي لا يقدر عليه إلا الله تعالى. والقسم الثالث: الهدى الذي هو جَعْلُ الهدى في القلوب، وهو الذي يسميه بعضهم بالإلهام، والإرشاد، وبعضهم يقول: هو خلق القدرة على الإيمان؛ كالتوفيق عندهم، ونحو ذلك، وهو بناء على أن الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل، فمن قال ذلك من أهل الإثبات جعل التوفيق والهدى ونحو ذلك خَلْق القدرة على الطاعة، وأما من قال: إنهما استطاعتان: إحداهما: قبل الفعل، وهي الاستطاعة المشروطة في التكليف، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقال النبيّ - ﷺ - لعمران بن حصين: «صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع، فعلى جَنْب»، وهذه الاستطاعة يقترن بها الفعل تارةً، والترك أخرى، وهي الاستطاعة التي لم تَعرف القدرية غيرها، كما أن أولئك المخالفين لهم من أهل الإثبات لم يعرفوا إلا المقارنة، وأما الذي عليه المحققون من أئمة الفقه والحديث والكلام وغيرهم، فإثبات النوعين جميعًا، كما قد بسطناه في غير هذا الموضع، فإن الأدلة الشرعية والعقلية تُثبت النوعين جميعًا. والثانية: المقارنة للفعل، وهي الموجبة له، وهي المنفية عمن لم يفعل في مثل قوله: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠]، وفي قوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١]، وهذا الهدى الذي يكثر ذكره في القرآن في مثل قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦]، وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وفي قوله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]، وأمثال ذلك. وهذا هو الذي تنكر القدرية أن يكون الله هو الفاعل له، ويزعمون أن العبد هو الذي يهدي نفسه، وهذا الحديث وأمثاله حجة عليهم، حيث قال: «يا عبادي كلكم ضالّ إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم» فأمَر العباد بأن يسألوه الهداية، كما أمرهم بذلك في «أم الكتاب» في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦] وعند القدرية أن الله لا يقدر من الهدى إلا على ما فعله من إرسال الرسل، ونَصْب الأدلة، وإزاحة العلة، ولا مزية عندهم للمؤمن على الكافر في هداية الله تعالى، ولا نعمة له على المؤمن أعظم من نعمته على الكافر في باب الهدى. وقد بَيَّن الاختصاص في هذه بعد عموم الدعوة في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ [يونس: ٢٥]. فقد جمع الحديث تنزيهه عن الظلم الذي يُجَوِّزه عليه بعض المثبتة، وبيان أنه هو الذي يهدي عباده ردًّا على القدرية، فأخبر هناك بعدله الذي يذكره بعض المثبتة، وأخبر هنا بإحسانه وقدرته الذي تنكره القدرية، وإن كان كل منهما قصده تعظيمًا لا يعرف ما اشتمل عليه قوله. والقسم الرابع: الهدى في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٢٣) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (٢٤)﴾ [الحج: ٢٣، ٢٤]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩)﴾ [يونس: ٩]، فقوله: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس: ٩]، كقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١]، على أحد القولين في الآية، وهذا الهدى ثواب الاهتداء في الدنيا، كما أن ضلال الآخرة جزاء ضلال الدنيا، وكما أن قَصْد الشرّ في الدنيا جزاؤه الهدى إلى طريق النار، كما قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣)﴾ [الصافات: ٢٢، ٢٣]، وقال: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾ [الإسراء: ٧٢]، وقال: ﴿. . . فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)﴾ [طه: ١٢٣]، وقال: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ الآية [الإسراء: ٩٧]، فأخبر أن الضالين في الدنيا يُحشرون يوم القيامة عُميًا وبُكمًا وصُمًّا، فإن الجزاء أبدًا من جنس العمل، كما قال: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»، وقال: «ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة، ومن يسَّر على مُعْسِر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا سَتَره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»، وقال: «من سئل عن علم يعلمه، فكتمه، ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار»، وقد قال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَو تُخْفُوهُ أَو تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾ [النساء: ١٤٩]، وأمثال هذا كثير في الكتاب والسُّنَّة. ولهذا أيضًا يُجْزَى الرجلُ في الدنيا على ما فَعَله من خير الهدى بما يفتح عليه من هدى آخر، ولهذا قيل: من عَمِل بما عَلِم ورّثه الله علم ما لم يعلم، وقد قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ - إلى قوله - ﷾ -: ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٨]، وقال: ﴿. . . قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٨]، وقال: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]، فسّروه بالنصر والنجاة؛ كقوله: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١]، وقد قيل: نور يفرّق به بين الحقّ والباطل، ومثله قوله: ﴿. . . وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]، وَعَد المتقين بالمخارج من الضيق، وبرزق المنافع. ومن هذا الباب قوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمد: ١٧]، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]، ومنه قوله ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾ [الفتح: ١ - ٣]. وبإزاء ذلك أن الضلال والمعاصي تكون بسبب الذنوب المتقدّمة، كما قال الله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وقال: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨]، وقال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣]، وقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ - إلى قوله -: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩]- إلى قوله -: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]، وهذا باب واسع. ولهذا قال من قال من السلف: إن من ثواب الحسنة الحسنةَ بعدها، وإن من عقوبة السيئة السيئةَ بعدها. وقد شاع في لسان العامة أن قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] من الباب الأول، حيث يستدلّون بذلك على أن التقوى سبب تعليم الله، وأكثر الفضلاء يطعنون في هذه الدلالة؛ لأنه لم يربط الفعل الثاني بالأول رَبْط الجزاء بالشرط، فلم يقل: واتقوا الله يعلمكم، ولا قال: فيعلمكم، وإنما أتى بواو العطف، وليس من العطف ما يقتضي أن الأول سبب الثاني، وقد يقال: العطف قد يتضمن معنى الاقتران والتلازم، كما يقال: زرني وأزورك، وسلّم علينا ونسلّم عليك، ونحو ذلك مما يقتضيه اقتران الفعلين، والتعاوض من الطرفين، كما لو قال لسيده: أعتقني ولك عليّ ألف، أو قالت المرأة لزوجها: طلقني ولك ألف، أو اخلعني ولك ألف، فإن ذلك بمنزلة قولها: بألف، أو على ألف. وكذلك أيضًا لو قال: أنت حرّ، وعليك ألف، أو أنتِ طالق، وعليك ألف، فإنه كقوله: على ألف، أو بألف عند جمهور الفقهاء، والفرق بينهما قول شاذّ، ويقول أحد المتعاوضين للآخر: أعطيك هذا، وآخذ هذا، ونحو ذلك من العبارات، فيقول الآخر: نعم، وإن لم يكن أحدهما هو السبب للآخر دون العكس، فقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ قد يكون من هذا الباب، فكلٌّ من تعليم الربّ، وتقوى العبد يقارب الآخر، ويلازمه، ويقتضيه، فمتى علّمه الله العلم النافع اقترن به التقوى بحسب ذلك، ومتى اتّقاه زاده من العلم، وهَلُمّ جَرّا. [فصل] وأما قوله: «يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، وكلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسُكم» فيقتضي أصلين عظيمين. أحدهما: وجوب التوكل على الله في الرزق المتضمن جلب المنفعة؛ كالطعام، ودفع المضرّة؛ كاللباس، وأنه لا يقدر غير الله على الإطعام والكسوة قدرةً مطلقةً، وإنما القدرة التي تحصل لبعض العباد تكون على بعض أسباب ذلك، ولهذا قال: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقال: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥] فالمأمور به هو المقدور للعباد، وكذلك قوله: ﴿أَو إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَو مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ [البلد: ١٤ - ١٦]، وقوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]، وقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]، وقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧] فذَمّ من يترك المأمور به اكتفاءً بما يجري به القَدَر. ومن هنا يُعرف أن السبب المأمور به، أو المباح لا ينافي وجوب التوكل على الله في وجوب السبب، بل الحاجة والفقر إلى الله ثابتة مع فعل السبب؛ إذ ليس في المخلوقات ما هو وحده سبب تامّ لحصول المطلوب، ولهذا لا يجب أن تقترن الحوادث بما قد يُجعل سببًا إلا بمشيئة الله تعالى، فإنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. فمن ظنّ الاستغناء بالسبب عن التوكل فقد ترك ما أوجب الله عليه من التوكل، وأخلّ بواجب التوحيد، ولهذا يُخذل أمثال هؤلاء إذا اعتمدوا على الأسباب، فمن رجا نصرًا أو رزقًا من غير الله خذله الله، كما قال عليّ - ﵁ -: لا يرجونّ عبدٌ إلا ربه، ولا يخافنّ إلا ذنبه، وقد قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [فاطر: ٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [يونس: ١٠٧]، وقال: ﴿. . . قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوأَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)﴾ [الزمر: ٣٨]. وهذا كما أن من أخذ يدخل في التوكل تاركًا لِمَا أُمر به من الأسباب، فهو أيضًا جاهل ظالم عاصٍ لله بترك ما أَمره، فإنّ فعلَ المأمور به عبادةٌ لله، وقد قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، وقال: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: ٣٠]، وقال شعيب - ﵇ -: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾، وقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠)﴾ [الشورى: ١٠]، وقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤)﴾ [الممتحنة: ٤]، فليس مَن فَعَل شيئًا أُمر به، وتَرَك ما أُمر به من التوكل بأعظم ذنبًا ممن فَعَل ما تُرك به توكلًا، وتَرَك فِعلَ ما أمر به من السبب؛ إذ كلاهما مُخِلّ ببعض ما وجب عليه، وهما مع اشتراكهما في جنس الذنب، فقد يكون هذا أَلْوَم، وقد يكون الآخر، مع أن التوكل في الحقيقة من جملة الأسباب. وقد رَوَى أبو داود في «سننه» أن النبيّ - ﷺ - قضى بين رجلين، فقال المقضيّ عليه: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال النبيّ - ﷺ -: «إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيِّس، فإن غلبك أمر فقل: حسبي الله، ونعم الوكيل». وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «المؤمن القويّ خير، وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرِصْ على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَّر الله، وما شاء فَعَل، فإن»لَوْ«تفتح عمل الشيطان»، ففي قوله - ﷺ -: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز» أمْر بالتسبب المأمور به، وهو الحرص على المنافع، وأمْر مع ذلك بالتوكل، وهو الاستعانة بالله، فمن اكتفى بأحدهما، فقد عصى أحد الأمرين، ونَهَى عن العجز الذي هو ضدّ الكَيْس، كما قال في الحديث الآخر: «إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس». وكما في الحديث الشاميِّ: «الكَيِّس من دان نفسه، وعَمِل لِمَا بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله»، فالعاجز في الحديث مقابل الكيِّس، ومن قال: العاجز هو مقابل البرِّ فقد حَرّف الحديث، ولم يفهم معناه، ومنه الحديث: «كلُّ شيء بقَدَر، حتى العجز والكَيْس». ومن ذلك ما رَوَى البخاريّ في «صحيحه» عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجُّون، ولا يتزوَّدون، يقولون: نحن المتوكلون، فإذا قَدِموا سألوا الناس، فقال الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]، فمن فعل ما أُمر به من التزود، فاستعان به على طاعة الله، وأحسنَ منه إلى من يكون محتاجًا، كان مطيعًا لله في هذين الأمرين، بخلاف من ترك ذلك ملتفتًا إلى أزواد الحجيج، كَلًّا على الناس، وإن كان مع هذا قلبه غير ملتفت إلى معيّن، فهو ملتفت إلى الجملة، لكن إن كان المتزوّد غير قائم بما يجب عليه من التوكل على الله، ومواساة المحتاج، فقد يكون في تَرْكه لِمَا أُمر به من جنس هذا التارك للتزوّد المأمور به. وفي هذه النصوص بيان غَلَط طوائف: طائفة تُضَعِّف أمْر السبب المأمور به، فتعدّه نقصًا، أو قدحًا في التوحيد والتوكل، وأن تَرْكه من كمال التوكل والتوحيد، وهم في ذلك ملبوس عليهم، وقد يقترن بالغلط اتباع الهوى في إخلاد النفس إلى البطالة، ولهذا تجد عامة هذا الضرب التاركين لِمَا أُمروا به من الأسباب، يتعلقون بأسباب دون ذلك، فإما إن يُعَلِّقوا قلوبهم بالخلق رغبةً ورهبةً، وإما أن يتركوا لأجل ما تَبَتَّلُوا له من الغلوّ في التوكل واجبات، أو مستحبات، أنفع لهم من ذلك؛ كمن يصرف همّته في توكله إلى شفاء مرضه بلا دواء، أو نيل رزقه بلا سعي، فقد يحصل ذلك، لكن كان مباشرة الدواء الخفيف، والسعي اليسير، وصَرْف تلك الهمة، والتوجه في عمل صالح أنفع له، بل قد يكون أوجب عليه مِن تبتّله لهذا الأمر اليسير الذي قَدْره درهم أو نحوه. وفوق هؤلاء من يجعل التوكل والدعاء أيضًا نقصًا، وانقطاعًا عن الخاصّة، ظنًّا أن ملاحظة ما فُرغ منه في القَدَر هو حال الخاصّة. وقد قال في هذا الحديث: «كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم»، وقال: «فاستكسوني أكسكم»، وفي الطبرانيّ أو غيره، عن النبيّ - ﷺ - قال: «ليسأل أحدكم ربه حاجته كلّها، حتى شِسْع نعله، إذا انقطع، فإنه إن لم ييسره لم يتيسر»، وهذا قد يلزمه أن يجعل أيضًا استهداء الله، وعَمَله بطاعته من ذلك. وقولهم يوجب دَفْع المأمور به مطلقًا، بل دَفْع المخلوق والمأمور، وإنما غَلِطوا من حيث ظنّوا أن سبق التقدير يمنع أن يكون بالسبب المأمور به؛ كمن يتزندق، فيترك الأعمال الواجبة بناءً على أن القَدَر قد سبق بأهل السعادة، وأهل الشقاوة، ولم يعلم أن القَدَر سَبَق بالأمور على ما هي عليه، فمن قدّره الله من أهل السعادة، كان مما قدّره الله تيسيره لعمل أهل السعادة، ومن قدّره من أهل الشقاوة، كان مما قدَّره أنه يُيسره لعمل أهل الشقاء، كما قد أجاب النبيّ - ﷺ - عن هذا السؤال في حديث عليّ بن أبي طالب، وعمران بن حصين، وسراقة بن جُعشم، وغيرهم - ﵃ -. ومنه حديث الترمذيّ: حدّثنا ابن أبي عمر، حدّثنا سفيان، عن الزهريّ، عن أبي خِزامة، عن أبيه، قال: سألت النبيّ - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله، أرأيت أدوية نتداوى بها، ورُقًى نسترقي بها، وتُقاة نتقيها، هل تردّ من قَدَر الله شيئًا؟ فقال: «هي من قدر الله». وطائفة تظنّ أن التوكل إنما هو من مقامات الخاصّة المتقربين إلى الله بالنوافل، وكذلك قولهم في أعمال القلوب، وتوابعها؛ كالحبّ، والرجاء، والخوف، والشكر، ونحو ذلك، وهذا ضلال مبين، بل جميع هذه الأمور فروض على الأعيان باتفاق أهل الإيمان، ومن تَرَكها بالكلية فهو إما كافر، وإما منافق، لكن الناس هم فيها كما هم في الأعمال الظاهرة، فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات، ونصوص الكتاب والسُّنَّة طافحة بذلك، وليس هؤلاء المعرضون عن هذه الأمور علمًا وعملًا بأقلّ لومًا من التاركين لِمَا أُمروا به من أعمال ظاهرة، مع تلبّسهم ببعض هذه الأعمال، بل استحقاق الذم والعقاب يتوجه إلى من تَرَك المأمور من الأمور الباطنة والظاهرة، وإن كانت الأمور الباطنة مبتدأ الأمور الظاهرة، وأصولها، والأمور الظاهرة كمالها، وفروعها التي لا تتم إلا بها. وأما قوله: «يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا»، وفي رواية: «وأنا أغفر الذنوب، ولا أبالي، فاستغفروني أغفر لكم»، فالمغفرة العامّة لجميع الذنوب نوعان: أحدهما: المغفرة لمن تاب، كما في قوله تعالى ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]- إلى قوله -: ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٤]، فهذا السياق مع سبب نزول الآية يُبَيِّن أن المعنى: لا ييأس مذنب من مغفرة الله، ولو كانت ذنوبه ما كانت، فإن الله - ﷾ - لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لعبده التائب، وقد دخل في هذا العموم الشرك وغيره من الذنوب، فإن الله تعالى يغفر ذلك لمن تاب منه، قال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]- إلى قوله -: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقال في الآية الأخرى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، وقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]- إلى قوله -: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ [المائدة: ٧٤]. وهذا القول الجامع بالمغفرة لكل ذنب للتائب منه، كما دلّ عليه القرآن والحديث، هو الصواب عند جماهير أهل العلم، وإن كان من الناس من يستثني بعض الذنوب؛ كقول بعضهم: إن توبة الداعية إلى البدع لا تُقبل باطنًا للحديث الإسرائيليّ الذي فيه: فكيف من أضللت؟، وهذا غلطٌ، فإن الله قد بَيَّن في كتابه، وسُنَّة رسوله - ﷺ - أنه يتوب على أئمة الكفر الذين هم أعظم من أئمة البدع، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾ [البروج: ١٠]، قال الحسن البصريّ: انظروا إلى هذا الكرم، عذبوا أولياءه، وفَتَنُوهم، ثم هو يدعوهم إلى التوبة، وكذلك توبة القاتل، ونحوه، وحديث أبي سعيد المتّفق عليه في الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، يدلّ على قبول توبته، وليس في الكتاب والسُّنَّة ما ينافي ذلك، ولا نصوص الوعيد فيه، وفي غيره من الكبائر بمنافية لنصوص قبول التوبة، فليست آية الفرقان بمنسوخة بآية النساء؛ إذ لا منافاة بينهما، فإنه قد عُلِم يقينًا أن كل ذنب فيه وعيد، فإن لحوق الوعيد مشروط بعدم التوبة؛ إذ نصوص التوبة مبيّنة لتلك النصوص؛ كالوعيد في الشرك، وأكْل الربا، وأكْل مال اليتيم، والسحر، وغير ذلك من الذنوب، ومن قال من العلماء: توبته غير مقبولة فحقيقة قوله التي تلائم أصول الشريعة أن يراد بذلك: أن التوبة المجردّة تُسقط حقّ الله من العقاب، وأما حق المظلوم فلا يسقط بمجرد التوبة، وهذا حقّ، ولا فرق في ذلك بين القاتل، وسائر الظالمين، فمن تاب من ظلم لم يسقط بتوبته حقّ المظلوم، لكن من تمام توبته أن يُعَوِّضه بمثل مظلمته، وإن لم يعوضه في الدنيا فلا بدّ له من العِوَض في الآخرة، فينبغي للظالم التائب أن يستكثر من الحسنات، حتى إذا استوفى المظلومون حقوقهم لم يَبْقَ مفلسًا، ومع هذا فإذا شاء الله أن يعوّض المظلوم من عنده فلا رادّ لفضله، كما إذا شاء أن يغفر ما دون الشرك لمن يشاء، ولهذا في حديث القصاص الذي ركب فيه جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أنيس شهرًا، حتى شافهه به، وقد رواه الإمام أحمد، وغيره، واستشهد به البخاريّ في «صحيحه»، وهو من جنس حديث الترمذيّ صحاحه، أو حسانه، قال فيه: «إذا كان يوم القيامة، فإن الله يجمع الخلائق في صعيد واحد، يُسمعهم الداعي، ويَنفذُهم البصر، ثم يناديهم بصوت يسمعه مَن بَعُد كما يسمعه من قَرُب: أنا الملِك، أنا الديّان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار، وله عند أحد من أهل الجنة حقّ حتى أقصّه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، وله عند رجل من أهل النار حقّ حتى أقصّه منه»، فبيَّن في الحديث العدل والقصاص بين أهل الجنة وأهل النار. وفي «صحيح مسلم» من حديث أبي سعيد: «إن أهل الجنة إذا عَبَروا الصراط، وُقِفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيُقتصّ لبعضهم من بعض، فإذا هُذِّبوا، ونُقُّوا أُذن لهم في دخول الجنة»، وقد قال - ﷾ - لمّا قال: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] والاغتياب من ظلم الأعراض، قال: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]، فقد نبّههم على التوبة من الاغتياب، وهو من الظلم. وفي الحديث الصحيح: «من كان عنده لأخيه مظلمة في دم، أو مال، أو عِرض، فليأته، فليستحلّ منه قبل أن يأتي يوم ليس فيه درهم ولا دينار، إلا الحسنات والسيئات، فإن كان له حسنات، وإلا أُخذ من سيئات صاحبه، فطُرحت عليه، ثم يُلقَى في النار»، أو كما قال، وهذا فيما عَلِمه المظلوم من العوض ، فأما إذا اغتابه، أو قذفه، ولم يعلم بذلك، فقد قيل: من شرط توبته إعلامه، وقيل: لا يُشترط ذلك، وهذا قول الأكثرين، وهما روايتان عن أحمد، لكن قوله مثل هذا أن يفعل مع المظلوم حسنات؛ كالدعاء له، والاستغفار، وعمل صالح يُهدى إليه يقوم مقام اغتيابه وقَذْفه، قال الحسن البصريّ: كفارة الغِيبة أن تستغفر لمن اغتبته. وأما الذنوب التي يُطلق الفقهاء فيها نفي قبول التوبة، مثل قول أكثرهم: لا تُقبل توبة الزنديق، وهو المنافق، وقولهم: إذا تاب المحارب قبل القدرة عليه تَسقط عنه حدود الله، وكذلك قول كثير منهم، أو أكثرهم في سائر الجرائم، كما هو أحد قولي الشافعيّ، وأصح الروايتين عن أحمد، وقولهم في هؤلاء: إذا تابوا بعد الرفع إلى الإمام لم تُقبل توبتهم، فهذا إنما يريدون به رَفْع العقوبة المشروعة عنهم؛ أي: لا تُقبل توبتهم بحيث يُخَلَّى بلا عقوبة، بل يعاقب، إما لأن توبته غير معلومة الصحة، بل يُظَنّ به الكذب فيها، وإما لأن رفع العقوبة بذلك يفضي إلى إنتهاك المحارم، وسدّ باب العقوبة على الجرائم، ولا يريدون بذلك أن من تاب من هؤلاء توبة صحيحة، فإن الله لا يقبل توبته في الباطن؛ إذ ليس هذا قول أحد من أئمة الفقهاء، بل هذه التوبة لا تُمنع إلا إذا عاين أمر الآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ الآية [النساء: ١٧، ١٨]. قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد - ﷺ - عن ذلك، فقالوا لي: كلّ من عصى الله فهو جاهل، وكل من تاب قبل الموت، فقد تاب من قريب، وأما من تاب عند معاينة الموت، فهذا كفرعون الذي قال أنا الله، فلما ﴿. . . أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠)﴾ [يونس: ٩٠]، قال الله تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾ [يونس: ٩١]، وهذا استفهام إنكار بَيّن به أن هذه التوبة ليست هي التوبة المقبولة المأمور بها، فإن استفهام الإنكار، إما بمعنى النفي، إذا قابل الإخبار، وإما بمعنى الذمّ والنهي إذا قابل الإنشاء، وهذا من هذا. ومثله قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ الآية [غافر: ٨٣ - ٨٥]، بَيّن أن التوبة بعد رؤية البأس لا تنفع، وإن هذه سُنَّة الله التي قد خَلَتْ في عباده؛ كفرعون وغيره، وفي الحديث: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر»، ورُوي: «ما لم يعايِن». وقد ثبت في «الصحيحين» أنه - ﷺ - عَرَض على عمه التوحيد في مرضه الذي مات فيه، وقد عاد يهوديًّا كان يخدُمه، فعرض عليه الإسلام، فأسلم، فقال: «الحمد لله الذي أنقذه بي من النار»، ثم قال لأصحابه: «آووا أخاكم». ومما يبيّن أن المغفرة العامّة في «الزُّمَر» هي للتائبين أنه قال في «سورة النساء»: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فقيّد المغفرة بما دون الشرك، وعلّقها على المشيئة، وهناك أطلق، وعمّم، فدلّ هذا التقييد والتعليق على أن هذا في حقّ غير التائب، ولهذا استدَلّ أهل السُّنَّة بهذه الآية على جواز المغفرة لأهل الكبائر في الجملة خلافًا لمن أوجب نفوذ الوعيد بهم من الخوارج والمعتزلة، وإن كان المخالفون لهم قد أسرف فريق منهم من المرجئة، حتى توقفوا في لحوق الوعيد بأحد من أهل القبلة، كما يُذكر عن غُلاتهم أنهم نفوه مطلقًا، ودين الله وَسَط بين الغالي فيه والجافي عنه، ونصوص الكتاب والسُّنَّة مع اتفاق سلف الأمة، وأئمتها متطابقة على أن من أهل الكبائر من يعذَّب، وأنه لا يبقى في النار من في قلبه مثقال ذرّة من إيمان. النوع الثاني من المغفرة العامّة التي دل عليها قوله: «يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر لكم الذنوب جميعًا»: المغفرة بمعنى تخفيف العذاب، أو بمعنى تأخيره إلى أجل مسمى، وهذا عامّ مطلقًا، ولهذا شَفَع النبيّ - ﷺ - في أبي طالب، مع موته على الشرك، فنُقل من غَمْرة من نار، حتى جُعل في ضَحْضَاح من نار، في قدميه نعلان من نار، يَغلِي منهما دماغه - قال -: «ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار»، وعلى هذا المعنى دلّ قوله - ﷾ -: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]، ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١]، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠]. [فصل] وأما قوله - ﷿ -: «يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضرّوني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني»، فإنه هو بَيّن بذلك أنه ليس هو فيما يُحْسِن به إليهم من إجابة الدعوات، وغفران الزلات بالمستعيض بذلك منهم جَلْب منفعة، أو دَفْع مضرّة، كما هي عادة المخلوق الذي يعطي غيره نفعًا؛ ليكافئه عليه بنفع، أو يدفع عنه ضررًا؛ ليتقي بذلك ضرره، فقال: «إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضرّي فتضروني»، فلست إذًا أخصكم بهداية المستهدي، وكفاية المستكفي المستطعم، والمستكسي بالذي أطلب أن تنفعوني، ولا أنا إذا غفرت خطاياكم بالليل والنهار أتقي بذلك أن تضروني، فإنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني؛ إذ هم عاجزون عن ذلك، بل ما يقدرون عليه من الفعل لا يقدرون عليه إلا بتقديره وتدبيره، فكيف بما لا يقدرون عليه، فكيف بالغنيّ الصمد الذي يمتنع عليه أن يستحقّ من غيره نفعًا أو ضرًّا، وهذا الكلام كما بَيَّن أن ما يفعله بهم من جلب المنافع، ودفع المضارّ، فإنهم لن يبلغوا أن يفعلوا به مثل ذلك، فكذلك يتضمن أن ما يأمرهم به من الطاعات، وما ينهاهم عنه من السيئات، فإنه لا يتضمن استجلاب نفعهم؛ كأمر السيّد لعبده، أو الوالد لولده، والأمير لرعيته، ونحو ذلك، ولا دَفْع مضرّتهم كنهي هؤلاء أو غيرهم لبعض الناس عن مضرّتهم، فإن المخلوقين يَبْلُغ بعضَهم نفعُ بعض، ومضرّة بعض، وكانوا في أمْرهم ونهيهم قد يكونون كذلك، والخالق - ﷾ - مقدَّس عن ذلك، فبَيَّن تنزيهه عن لحوق نَفْعهم وضرّهم في إحسانه إليهم بما يكونون من أفعاله بهم، وأوامره لهم، قال قتادة: إن الله لم يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته إليهم، ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلًا به عليهم، ولكن أمرهم بما فيه صلاحهم، ونهاهم عما فيه فسادهم. [فصل] ولهذا ذكر هذين الأصلين بعد هذا، فذكر أن بِرّهم وفجورهم الذي هو طاعتهم ومعصيتهم، لا يزيد في مُلكه، ولا ينقص، وأن إعطاءه إياهم غايةَ ما يسألونه نِسبته إلى ما عنده أدنى نسبة، وهذا بخلاف الملوك وغيرهم، ممن يزداد مُلكه بطاعة الرعيّة، وينقص مُلكه بالمعصية، وإذا أعطى الناس ما يسألونه أنفد ما عنده، ولم يُغنهم، وهم في ذلك يبلغون مضرّته ومنفعته، وهو يفعل ما يفعله من إحسان، وعفو، وأمر، ونهيٍ لرجاء المنفعة، وخوف المضرّة، فقال: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل منكم، ما زاد ذلك في مُلكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنّكم، كانوا على أفجر قلب رجل منكم، ما نقص ذلك من مُلكي شيئًا»؛ إذ مُلكه هو قدرته على التصرف، فلا تزداد بطاعتهم، ولا تنقص بمعصيتهم، كما تزداد قدرة الملوك بكثرة المطيعين لهم، وتنقص بقلّة المطيعين لهم، فإن مُلكه متعلّق بنفسه، وهو خالق كل شيء، وربه، ومليكه، وهو الذي يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء. والمُلك قد يراد به القدرة على التصرف والتدبير، ويراد به نفس التدبير والتصرف، ويراد به المملوك نفسه الذي هو محل التدبير، ويراد به ذلك كلّه، وبكل حال فليس بِرّ الأبرار، وفجور الفجّار موجبًا لزيادة شيء من ذلك، ولا نقصه، بل هو بمشيئته وقدرته يخلق ما يشاء، فلو شاء أن يخلق مع فجور الفجار ما شاء لم يمنعه من ذلك مانع، كما يمنع الملوك فجور رعاياهم التي تعارض أوامرهم عما يختارونه من ذلك، ولو شاء أن لا يخلق مع برّ الأبرار شيئًا مما خَلَقه، لم يكن برّهم محوجًا له إلى ذلك، ولا مُعِينًا له، كما يحتاج الملوك، ويستعينون بكثرة الرعايا المطيعين. [فصل] ثم ذكر حالهم في النوعين، سؤال برّه وطاعة أمره اللَّذَين ذكرهما في الحديث، حيث ذَكَر الاستهداء، والاستطعام، والاستكساء، وذكَرَ الغفران، والبرّ، والفجور، فقال: «لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنّكم، كانوا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كلَّ إنسان منهم مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر»، والْخِياط والْمَخيط: ما يُخاط به؛ إذ الفِعَال والْمِفعَل والْمِفعَال من صيغ الآلات التي يُفعل بها؛ كالْمِسْعَر، والْمِخلاب، والمنشار، فبَيَّن أن جميع الخلائق إذا سألوا، وهم في مكان واحد، وزمان واحد، فأعطى كل إنسان منهم مسألته لم ينقصه ذلك مما عنده، إلا كما ينقص الخياط، وهي الإبرة إذا غُمس في البحر. وقوله: «لم ينقص مما عندي» فيه قولان: أحدهما: أنه يدلّ على أن عنده أمورًا موجودة يعطيهم منها ما سألوه إياه، وعلى هذا، فيقال: لفظ النقص على حاله؛ لأن الإعطاء من الكثير، وإن كان قليلًا، فلا بدّ أن ينقصه شيئًا ما، ومن رواه: لم ينقص من ملكي، يَحْمِل على ما عنده، كما في هذا اللفظ، فإن قوله: «مما عندي» فيه تخصيص، ليس هو في قوله: «من ملكي»، وقد يقال: الْمُعْطَى إما أن يكون أعيانًا قائمةً بنفسها، أو صفات قائمة بغيرها، فأما الأعيان فقد تُنقل من محل إلى محلّ، فيظهر النقص في المحل الأول، وأما الصفات فلا تنقل من محلها، وإن وُجد نظيرها في محلّ آخر، كما يوجد نظير علم المعلِّم في قلب المتعلِّم من غير زوال علم المعلم، وكما يتكلم المتكلم بكلام المتكلم قبله، من غير انتقال كلام المتكلم الأول إلى الثاني، وعلى هذا فالصفات لا تُنقص مما عنده شيئًا، وهي من المسؤول؛ كالهدى. وقد يجاب عن هذا بأنه هو من الممكن في بعض الصفات أن لا يثبت مثلها في المحل الثاني حتى تزول عن الأول؛ كاللون الذي ينقص، وكالروائح التي تعبق بمكان، وتزول كما دعا النبيّ على حُمَّى المدينة أن تنقل إلى مَهْيَعة، وهي الجحفة، وهل مثل هذا الانتقال بانتقال عين العَرَض الأول، أو بوجود مثله من غير انتقال عينه؟ فيه للناس قولان، إذ منهم من يجوّز انتقال الأعراض، بل من يجوّز أن تُجعل الأعراض أعيانًا، كما هو قول ضرار، والنجار، وأصحابهما؛ كبرغوث، وحفص الفرد، لكن إن قيل: هو بوجود مثله من غير انتقال عينه، فذلك يكون مع استحالة العَرَض الأول، وفنائه، فيُعدَم عن ذلك المحلّ، ويوجد مثله في المحلّ الثاني. والقول الثاني: أن لفظ النقص هنا كلفظ النقص في حديث موسى والخضر الذي في «الصحيحين» من حديث ابن عباس، عن أُبَيّ بن كعب، عن النبيّ - ﷺ -، وفيه أن الخضر قال لموسى لَمّا وقع عصفور على قارِب السفينة، فنقر في البحر، فقال: يا موسى ما نقص علمي وعِلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر، ومن المعلوم أن نفس علم الله القائم بنفسه، لا يزول منه شيء بتعلم العباد، وإنما المقصود أن نسبة علمي وعلمك إلى علم الله؛ كنسبة ما عَلِق بمنقار العصفور إلى البحر. ومن هذا الباب كون العلم يُورَث؛ كقوله: «العلماء ورثة الأنبياء»، ومنه قوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦]، ومنه توريث الكتاب أيضًا؛ كقوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢]، ومثل هذه العبارة من النقص ونحوه تُستعمل في هذا، وإن كان العلم الأول ثابتًا، كما قال سعيد بن المسيِّب لقتادة، وقد أقام عنده أسبوعًا سأله فيه مسائل عظيمة، حتى عَجِب مِنْ حِفظه، وقال: نزفتني يا أعمى، وإنزاف القَليْب ونحوه هو رَفْع ما فيه، بحيث لا يبقى فيه شيء، ومعلوم أن قتادة لو تعلّم جميع عِلم سعيد لم يزل عِلمه من قلبه، كما يزول الماء من القليب، لكن قد يقال: التعليم إنما يكون بالكلام، والكلام يحتاج إلى حركة وغيرها، مما يكون بالمحلّ، ويزول عنه، ولهذا يوصف بأنه يخرج من المتكلم، كما قال تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥]. ويقال: قد أخرج العالم هذا الحديث، ولم يُخرج هذا، فإذا كان تعليم العلم بالكلام المستلزم زوال بعض ما يقوم بالمحلّ، وهذا نزيف، وخروج، كان كلام سعيد بن المسيِّب على حقيقته، ومضمونه أنه في تلك السبع الليالي من كثرة ما أجابه، وكلّمه فارقه أمور قامت به، من حركات، وأصوات، بل ومن صفات قائمة بالنفس، كان ذلك نزيفًا، ومما يقوِّي هذا المعنى أن الإنسان، وإن كان عِلْمه في نفسه، فليس هو أمرًا لازمًا للنفس لزوم الألوان للمتلونات، بل قد يذهل الإنسان عنه، ويغفل، وقد ينساه، ثم يذكره، فهو شيء يحضر تارةً، ويغيب أخرى، وإذا تكلم به الإنسان وعلمه، فقد تَكِلّ النفس، وتعي حتى لا يقوى على استحضاره، إلا بعد مدّة، فتكون في تلك الحال خالية عن كمال تحققه، واستحضار الذي يكون به العالم عالمًا بالفعل، وإن لم يكن نفس ما زال هو بعينه القائم في نفس السائل والمستمع، ومن قال هذا يقول: كون التعليم يُرَسِّخ العلم من وجه، لا ينافي ما ذكرناه، وإذا كان مثل هذا النقص والنزيف معقولًا في علم العباد، كان استعمال لفظ النقص في علم الله بناء على اللغة المعتادة في مثل ذلك، وإن كان هو سبحانه منزهًا عن اتصافه بضدّ العلم بوجه من الوجوه، أو عن زوال علمه عنه، لكن في قيام أفعال به، وحركات نزاع بين الناس من المسلمين، وغيرهم، وتحقيق الأمر أن المراد: ما أَخَذ علمي وعلمك من علم الله، وما نال علمي وعلمك من علم الله، وما أحاط علمي وعلمك من علم الله، كما قال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] إلا كما نقص، أو أخذ، أو نال هذا العصفور من هذا البحر؛ أي: نسبة هذا إلى هذا كنسبة هذا إلى هذا، وإن كان المشبَّه به جسمًا ينتقل من محلّ إلى محل، ويزول عن المحلّ الأول، وليس المشبَّه كذلك، فإن هذا الفرق هو فرق ظاهر يعلمه المستمع من غير التباس، كما قال: «إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر»، فشبَّه الرؤية بالرؤية، وهي وإن كانت متعلقة بالمرئيّ في الرؤية المشبَّهة، والرؤية المشبَّه بها، لكن قد عَلِم المستمعون أن المرئيّ ليس مثل المرئيّ، فكذلك هنا شبَّه النقص بالنقص، وإن كان كل من الناقص والمنقوص والمنقوص منه المشبَّه به ليس مثل الناقص والمنقوص والمنقوص منه المشبَّه به. ولهذا كل أحد يعلم أن المعلّم لا يزول علمه بالتعليم، بل يشبّهونه بضوء السراج الذي يحدُث يقتبس منه كل أحد، ويأخذون ما شاؤوا من الشُّهُب، وهو باقٍ بحاله، وهذا تمثيل مطابق، فإن المستوقد من السراج يُحْدِث الله في فتيلته، أو وقوده نارًا من جنس تلك النار، وإن كان قد يقال: إنها تستحيل عن ذلك الهواء مع أن النار الأولى باقية، كذلك المتعلم يجعل في قلبه مثل علم المعلم، مع بقاء علم المعلم، ولهذا قال عليّ - ﵁ -: العلم يزكو على العمل، أو قال: على التعليم، والمال ينقصه النفقة، وعلى هذا فيقال في حديث أبي ذرّ: إن قوله: «مما عندي»، وقوله: «من ملكي» هو من هذا الباب، وحينئذ فله وجهان: أحدهما: أن يكون ما أعطاهم خارجًا عن مسمى مُلكه، ومسمى ما عنده، كما أن علم الله لا يدخل فيه نَفْس علم موسى والخضر. والثاني: أن يقال: بل لفظ المُلك، وما عنده يتناول كلّ شيء، وما أعطاهم فهو جزء من مُلكه، ومما عنده، ولكن نِسبته إلى الجملة هذه النسبة الحقيرة. ومما يحقق هذا القول الثاني أن الترمذيّ رَوَى هذا الحديث من طريق عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي ذرّ مرفوعًا، فيه: «لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنّكم، ورطبكم ويابسكم، سألوني حتى تنتهي مسألة كل واحد منهم، فأعطيتهم ما سألوني ما نقص ذلك مما عندي كمغرز إبرة، لو غمسها أحدكم في البحر، وذلك أني جواد، ماجد، واجد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له: كن فيكون»، فذِكْرُهُ سبحانه أن عطاءه كلام، وعذابه كلام، يدلّ على أنه هو أراد بقوله: «من ملكي»، و«مما عندي»؛ أي: من مقدوري، فيكون هذا في القدرة؛ كحديث الخضر في العلم، والله أعلم. ويؤيّد ذلك أن في اللفظ الآخر الذي في نسخة أبي مسهر: «لم ينقص ذلك من ملكي شيئًا، إلا كما ينقص البحر»، وهذا قد يقال فيه: إنه استثناء منقطع؛ أي: لم ينقص من ملكي شيئًا، لكن يكون حاله حال هذه النسبة، وقد يقال: بل هو تامّ، والمعنى على ما سبق. [فصل] ثم ختمه بتحقيق ما بيّنه فيه من عدله وإحسانه، فقال: «يا عبادي إنما هي أعمالكم، أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه»، فبَيَّن أنه محسن إلى عباده في الجزاء على أعمالهم الصالحة إحسانًا يستحقّ به الحمد؛ لأنه هو المنعم بالأمر بها، والإرشاد إليها، والإعانة عليها، ثم إحصائها، ثم توفية جزائها، فكل ذلك فَضْل منه وإحسان؛ إذ كل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدلٌ، وهو وإن كان قد كتب على نفسه الرحمة، وكان حقًّا عليه نَصْر المؤمنين، كما تقدم بيانه، فليس وجوب ذلك كوجوب حقوق الناس بعضهم على بعض الذي يكون عدلًا لا فضلًا؛ لأن ذلك إنما يكون لكون بعض الناس أحسن إلى البعض، فاستحق المعاوضة، وكان إحسانه إليه بقدرة المحسن دون المحسَن إليه، ولهذا لم يكن المتعاوضان ليخصّ أحدهما بالتفضل على الآخر؛ لتكافؤهما، وهو قد بَيَّن في الحديث أن العباد لن يبلغوا ضرّه فيضرّوه، ولن يبلغوا نفعه فينفعوه، فامتنع حينئذ أن يكون لأحد من جهة نفسه عليه حقّ، بل هو الذي أحقّ الحقّ على نفسه بكلماته، فهو المحسن بالإحسان وبإحقاقه، وكتابته على نفسه، فهو في كتابة الرحمة على نفسه، وإحقاقه نصر عباده المؤمنين، ونحو ذلك محسن إحسانًا مع إحسان. فليتدبر اللبيب هذه التفاصيل التي يتبيَّن بها فصل الخطاب في هذه المواضع التي عظم فيها الاضطراب، فمن بَيْنِ موجِبٍ على ربه بالمنع أن يكون محسنًا متفضلًا، ومن بَيْنِ مسوٍّ بين عدله وإحسانه، وما تنزه عنه من الظلم والعدوان، وجاعل الجميع نوعًا واحدًا، وكل ذلك حَيْدٌ عن سَنَن الصراط المستقيم، والله يقول الحقّ، وهو يهدي السبيل. وكما بَيّن أنه محسن في الحسنات، متمّ إحسانه بإحصائها، والجزاء عليها، بَيَّن أنه عادل في الجزاء على السيئات، فقال: «ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه»، كما تقدم بيانه في مثل قوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود: ١٠١]، وعلى هذا الأصل استقرّت الشريعة الموافقة لفطرة الله التي فطر الناس عليها، كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاريّ، عن شداد بن أوس، عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللَّهُمَّ أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك، ما استطعتُ، أعوذ بك من شرّ ما صنعتُ، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت»، ففي قوله: «أبوء لك بنعمتك عليّ» اعتراف بنعمته عليه في الحسنات، وغيرهما، وقوله: «وأبوء بذنبي» اعتراف منه بأنه مذنبٌ ظالم لنفسه، وبهذا يصير العبد شكورًا لربه، مستغفرًا لذنبه، فيستوجب مزيد الخير، وغفران الشرّ من الشكور الغفور الذي يشكر اليسير من العمل، ويغفر الكثير من الزلل. وهنا انقسم الناس ثلاثة أقسام في إضافة الحسنات والسيئات التي هي الطاعات والمعاصي إلى ربهم، وإلى نفوسهم، فشرّهم الذي إذا أساء أضاف ذلك إلى القَدَر، واعتذر بأن القدر سبق بذلك، وأنه لا خروج له على القدر، فرَكَّب الحجة على ربه في ظلمه لنفسه، وإن أحسن أضاف ذلك إلى نفسه، ونسي نعمة الله عليه في تيسيره لليسرى، وهذا ليس مذهب طائفة من بني آدم، ولكنه حال شرار الجاهلين الظالمين الذين لا حَفِظوا حدود الأمر والنهي، ولا شَهِدوا حقيقة القضاء والقدر، كما قال فيهم الشيخ أبو الفرج ابن الجوزيّ: أنت عند الطاعة قدريّ، وعند المعصية جَبْريّ أيُّ مذهب وافق هواك تمذهبت به. وخير الأقسام، وهو القسم المشروع، وهو الحقّ الذي جاءت به الشريعة، أنه إذا أحسن شُكر نعمة الله عليه، وحَمِده؛ إذ أنعم عليه بأن جعله محسنًا، ولم يجعله مسيئًا، فإنه فقير محتاج في ذاته وصفاته، وجميع حركاته وسكناته إلى ربه، ولا حول ولا قوة إلا به، فلو لم يَهْده لم يَهتد، كما قال أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٤٣] وإذا أساء اعترف بذنبه، واستغفر ربه، وتاب منه، وكان كأبيه آدم الذي قال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، ولم يكن كإبليس الذي قال: ﴿بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٣٩، ٤٠]، ولم يحتجّ بالقَدَر على ترك مأمور، ولا فِعل محظور، مع إيمانه بالقدر خيره وشرّه، وإن الله خالق كل شيء، وربه ومليكه، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه يهدي من يشاء، ويُضِلّ من يشاء، ونحو ذلك. وهؤلاء هم الذين أطاعوا الله في قوله في الحديث الصحيح: «فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه»، ولكن بَسَط ذلك، وتحقيق نسبة الذنب إلى النفس، مع العلم بأن الله خالق أفعال العباد فيه أسرار، ليس هذا موضعها، ومع هذا فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٨، ٧٩] ليس المراد بالحسنات والسيئات في هذه الآية الطاعات والمعاصي، كما يظنه كثير من الناس، حتى يحرّف بعضهم القرآن، ويقرأ: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ ومعلوم أن معنى هذه القراءة يناقض القراءة المتواترة، وحتى يُضمر بعضهم القول على وجه الإنكار له، وهو قول الله الحقّ، فيجعل قول الله الصدق الذي يحمد ويرضى قولًا للكفار، يكذّب به ويذُمّ، ويسخط بالإضمار الباطل الذي يدّعيه من غير أن يكون في السياق ما يدلّ عليه. ثم إن من جَهْل هؤلاء ظنّهم أن في هذه الآية حجةً للقدرية، واحتجاج بعض القدرية بها، وذلك أنه لا خلاف بين الناس في أن الطاعات والمعاصي سواء من جهة القَدَر، فمن قال: إن العبد هو الموجد لفعله دون الله، أو هو الخالق لفعله، وأن الله لم يخلق أفعال العباد، فلا فرق عنده بين الطاعة والمعصية، ومن أثبت خلق الأفعال، وأثبت الجبر، أو نفاه، أو أمسك عن نفيه وإثباته مطلقًا، وفصل المعنى، أو لم يفصله، فلا فرق عنده بين الطاعة والمعصية، فتبيّن أن إدخال هذه الآية في القَدَر في غاية الجهالة، وذلك أن الحسنات والسيئات في الآية المراد بها المسارّ والمضارّ، دون الطاعات والمعاصي، كما في قوله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨]، وهو الشرّ والخير في قوله: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]. وكذلك قوله: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [آل عمران: ١٢٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت: ٥٠]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾ [الأعراف: ٩٤، ٩٥]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١]. فهذه حال فرعون وملئه مع موسى ومن معه؛ كحال الكفار والمنافقين والظالمين مع محمد - ﷺ - وأصحابه إذا أصابهم نعمة وخير قالوا: لنا هذه، أو قالوا: هذه من عند الله، وإن أصابهم عذاب وشرّ تطيَّروا بالنبيّ - ﷺ - والمؤمنين، وقالوا: هذه بذنوبهم، وإنما هي بذنوب أنفسهم، لا بذنوب المؤمنين، وهو سبحانه ذكر هذا في بيان حال الناكلين عن الجهاد الذين يلومون المؤمنين على الجهاد، فإذا أصابهم نَصْر ونحوه قالوا: هذا من عند الله، وإن أصابتهم محنة قالوا: هذه من عند هذا الذي جاءنا بالأمر والنهي والجهاد، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١]- إلى قوله -: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢]- إلى قوله -: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ [النساء: ٧٧]- إلى قوله تعالى -: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ [النساء: ٧٨]- أي: هؤلاء المذمومين - ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [النساء: ٧٨]؛ أي: بسبب أمرك ونهيك، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ [النساء: ٧٨، ٧٩]- أي: من نعمة - ﴿فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]؛ أي: فبذنبك، كما قال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [الشورى: ٤٨]. وأما القسم الثالث في هذا الباب، فهم قوم لَبَسوا الحقّ بالباطل، وهم بين أهل الإيمان أهل الخير، وبين شرار الناس، وهم الخائضون في القدر بالباطل، فقوم يرون أنهم هم الذين يَهدون أنفسهم، ويُضلّونها، ويوجبون لها فعل الطاعة، وفعل المعصية، بغير إعانة منه تعالى، وتوفيق للطاعة، ولا خذلان منه في المعصية، وقوم لا يثبتون لأنفسهم فعلًا، ولا قدرةً، ولا أمرًا. ثم من هؤلاء من ينحلّ عن الأمر والنهي، فيكون أكفر الخلق، وهم في احتجاجهم بالقدَر متناقضون؛ إذ لا بدّ من فعل يحبونه، وفعل يبغضونه، ولا بدّ لهم، ولكل أحد من دَفْع الضرر الحاصل بأفعال المعتدين، فإذا جعلوا الحسنات والسيئات سواسية، لم يمكنهم أن يذمّوا أحدًا، ولا يدفعوا ظالمًا، ولا يقابلوا مسيئًا، وأن يبيحوا للناس من أنفسهم كل ما يشتهيه مُشْتَهٍ ، ونحو ذلك من الأمور التي لا يعيش عليها بنو آدم؛ إذ هم مضطرون إلى شرع فيه أمر ونهي أعظم من اضطرارهم إلى الأكل واللباس. وهذا باب واسع لشرحه موضع غير هذا، وإنما نبهنا على ما في الحديث من الكلمات الجامعة، والقواعد النافعة، بنُكَتٍ مختصرة تنبّه الفاضل على ما في الحقائق من الجوامع والفوارق التي تفصل بين الحقّ والباطل في هذه المضائق، بحسب ما احتملته أوراق السائل، والله ينفعنا، وسائر إخواننا المؤمنين بما عَلِمناه، ويعلّمنا ما ينفعنا، ويزيدنا علمًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولا ملجأ منه إلا إليه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، وأستغفر الله العظيم لي ولجميع إخواننا المؤمنين. والحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على محمد، وآله وسلم تسليمًا. انتهت رسالة شيخ الإسلام ابن تيميّة - ﵀ - وهي رسالة ممتعة جدًّا، نافعة لكلّ من تأمَّلها، وعمل بما فيها، والله تعالى وليّ التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، «اللَّهُمَّ رب جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لِمَا اختُلِف فيه من الحقّ، فإنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٥١] (. . .) - (حَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ مَرْوَانَ أَتَمُّهُمَا حَدِيثًا). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق الصَّغَانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٧) (م ٤) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٦. ٢ - (أَبُو مُسْهِرٍ) عبد الأعلى بن مُسهر الغَسّانيّ الدمشقيّ، ثقةٌ فاضلٌ، من كبار [١٠] (ت ٢١٨) وله ثمان وسبعون سنةً (ع) تقدم في «البيوع» ١٩/ ٣٩٤٢. و«سعيد بن عبد العزيز» ذُكر في السند الماضي. [تنبيه]: رواية أبي مسهر عن سعيد بن عبد العزيز هذه ساقها البيهقيّ - ﵀ - في «الكبرى»، فقال: (١١٢٨٣) - حدّثنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهانيّ إملاءً، أنبأ أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد البصريّ بمكة في المسجد الحرام سنة أربعين وثلاثمائة، حدّثنا العباس بن عبد الله الترقفيّ، ثنا أبو مُسهر عبد الأعلى بن مسهر، ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولانيّ، عن أبي ذرّ الغفاريّ - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ -، عن الله - ﷿ -: «أنه قال: إني حرَّمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرّمًا، فلا تظالموا، يا عبادي إنكم الذين تخطئون بالليل والنهار، وأنا الذي أغفر الذنوب، ولا أبالي، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمت، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنّكم، كانوا على أتقى قلب رجل منكم، لم يزد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل منكم، لم ينقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، اجتمعوا في صعيد واحد، فسألوني، ثم أعطيت كل إنسان منهم ما سأل، لم ينقص ذلك من ملكي شيئًا، إلا كما ينقص البحر يُغمس فيه المخيط غمسةً واحدةً، يا عبادي إنما هي أعمالكم، أحفظها عليكم، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه». انتهى . وقوله: (قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ)؛ يعني: تلميذ مسلم، إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه النيسابوريّ المتوفّى في رجب سنة (٣٠٨ هـ)، تقدّمت ترجمته في«المقدّمة»٦/ ٧٣. وقائل:«قال» هو تلميذ أبي إسحاق، أبو أحمد الجلوديّ؛ لأنه المشهور بالرواية عنه، ويَحتمل أن يكون غيره، أو هو من كلام أبي إسحاق نفسه، والله تعالى أعلم. (حَدَّثَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ، الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ ابْنَا بِشْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، فَذَكَرُوا الْحَدِيثَ بِطُولِهِ). قال الجامع عفا الله عنه: إنما ألحق أبو إسحاق هذا بعد إسناد مسلم؛ إشارةً إلى علوّ إسناده على إسناد مسلم؛ لأنه وصل إلى أبي مسهر بواسطة واحدة، وهم شيوخه الثلاثة: الحسن، والحسين ابنا بشر، ومحمد بن يحيى الذهليّ، ثلاثتهم عن أبي مسهر، بينما كان وصوله إليه عن طريق مسلم بواسطتين، مسلم، وشيخه أبي بكر بن إسحاق. والحاصل أن أبا إسحاق علا في هذا الحديث بدرجة على إسناد مسلم، فلذلك ألحق في هذا الكتاب، والله تعالى أعلم. أما الحسن بن بشر، فهو السلميّ قاضي نيسابور، صدوقٌ، لم يصحّ أن مسلمًا رَوَى عنه، وإنما روى عنه أبو إسحاق بن سفيان الراوي عن مسلم مواضع علا فيها إسناده في «الوصايا»، و«الإمارة»، وغيرهما [١١] (ت ٢٤٤)، تقدّم في «الطلاق» ٣/ ٣٦٧٩. وأما الحسين بن بشر أخوه، فلم أجد ترجمته، والله تعالى أعلم. وأما محمد بن يحيى، فهو ابن محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذؤيب الذُّهليّ النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ جليلٌ [١١] (ت ٢٥٨) على الصحيح، وله ست وثمانون سنةً (خ ٤) لم يرو عنه مسلم في «الصحيح»، وإنما روى عنه تلميذه أبو إسحاق، وتقدّم في «المقدّمة» ٦/ ٧٣. [تنبيه]: كون محمد بن يحيى هنا هو الذهليَّ هو الذي يترجّح عندي، وقد ذكر بعض الشرّاح أنه محمد بن يحيى بن سعيد القطّان، ولي فيه نظر؛ لأمرين: أحدهما: أنه متقدّم الوفاة، مات سنة (٢٣٣)، والظاهر أنه لم يلقه أبو إسحاق. والثاني: أن صاحبَي «التهذيبين» لم يذكرا أبا إسحاق فيمن روى عن محمد بن يحيى القطّان، وإنما ذكراه فيمن روى عن محمد بن يحيى الذهليّ، وهو الظاهر؛ لأن الذهليّ متأخّر الوفاة، كما أسلفناه آنفًا، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٥٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ ﵎: «إِنِّي حَرَّمْتُ عَلَى نَفْسِي الظُّلْمَ، وَعَلَى عِبَادِي، فَلَا تَظَالَمُوا»، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ، وَحَدِيثُ أَبِي إِدْرِيسَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَتَمُّ مِنْ هَذَا). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ) بن سعيد الْعَنْبَريّ مولاهم التَّنُّوريّ، أبو سهل البصريّ، ثقة، ثبتٌ في شعبة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٢. ٢ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقة رُبّما وَهِم [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٠. ٣ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السدوسيّ البصريّ، تقدّم قريبًا.
مصادر المؤلف (٥٦)

١. وفي نسخة: «واحد منكم».

٢. وفي نسخة: «أحصيها عليكم».

٣. «إكمال المعلم» ٧/ ٤٧.

٤. «الكاشف عن حقائق السنن» ٦/ ١٨٣٧.

٥. «شرح النوويّ» ١٦/ ١٣٢.

٦. «المفهم» ٦/ ٥٥٢.

٧. «الكاشف عن حقائق السنن» ٦/ ١٨٣٧.

٨. «شرح النووي» ١٦/ ١٣٢ - ١٣٣.

٩. «المفهم» ٦/ ٥٥٣ - ٥٥٥.

١٠. حديث صحيح، وهو حديث ثوبان - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «استقيموا، ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن»، =

١١. أخرج أحمد، والترمذيّ وحسّنه، وابن حاتم ١/ ٢٣ عن عديّ بن حاتم قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن المغضوب عليهم: اليهود، وإن الضالين: النصارى». راجع: «المسند» ٤/ ٣٧٨.

١٢. «مفردات ألفاظ القرآن الكريم» ٢١/ ٥٠٩ - ٥١٢.

١٣. «المرقاة» ٥/ ١٥٥.

١٤. «الكاشف عن حقائق السنن» ٦/ ١٨٣٨.

١٥. «الكاشف عن حقائق السنن» ٦/ ١٨٣٨.

١٦. «شرح النوويّ» ١٦/ ١٣٣ - ١٣٤.

١٧. «المصباح المنير» ١/ ١٧٤ - ١٧٥.

١٨. «المرقاة» ٥/ ١٥٦.

١٩. «المرقاة» ٥/ ١٥٦.

٢٠. «الكاشف عن حقائق السنن» ٦/ ١٨٣٨.

٢١. «المرقاة» ٥/ ١٥٦.

٢٢. «المرقاة» ٥/ ١٥٦.

٢٣. «الكاشف عن حقائق السنن» ٦/ ١٨٣٨ - ١٨٣٩.

٢٤. «المرقاة» ٥/ ١٥٦.

٢٥. «المرقاة» ٥/ ١٥٦.

٢٦. أي: في رواية ابن ماجه، فإنه وقع عنده في الموضعين بلفظ: «جناح بعوضة» برقم (٤٢٥٧).

٢٧. «الكاشف عن حقائق السنن» ٦/ ١٨٣٩.

٢٨. «المصباح المنير» ٢/ ٦٢١.

٢٩. «الكاشف عن حقائق السنن» ٦/ ١٨٣٩.

٣٠. «الكاشف عن حقائق السنن» ٦/ ١٨٣٩.

٣١. «شرح النوويّ» ١٦/ ١٣٣.

٣٢. راجع: «تهذيب التهذيب» ٢/ ٣٢.

٣٣. «اللباب في تهذيب الأنساب» ١/ ٤٧٢.

٣٤. رواه أبو داود (٤٦٩٩)، وابن ماجه (٧٧)، وصحّحه ابن حبّان (٧٢٧).

٣٥. هكذا قال ابن رجب، وهذا منه عجيب، فإن وهب بن خالد هو الحميريّ، أبو خالد الحمصيّ، ثقة من السابعة، قاله في «التقريب»، ولم يتكلّم فيه أحد بجرح، والحديث صحيح، وقد بيّنت ذلك في «شرح ابن ماجه» برقم (٧٧)، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

٣٦. رواه أحمد ٥/ ٧٢، وفيه عليّ بن زيد بن جُدعان، وهو ضعيف.

٣٧. حسّنه بعضهم.

٣٨. رواه مسلم، وأحمد، وابن حبّان.

٣٩. متّفقٌ عليه.

٤٠. صححه ابن حبّان، والحاكم، وفي سنده عبيد الله بن أبي المغيرة، وهو مجهول، كما في «التقريب».

٤١. إسناده حسن.

٤٢. صححه ابن حبّان.

٤٣. صححه ابن حبّان، وفيه الوليد بن مسلم، وهو مدلّس، وقد عنعنه.

٤٤. في سنده علي بن زيد بن جُدعان، ضعيف.

٤٥. «حلية الأولياء» ٨/ ٩٢ - ٩٣.

٤٦. حديث أخرجه الترمذيّ مطوّلًا، وقال: حديث حسن.

٤٧. في سنده أبو منظور الشاميّ: مجهول، كما في«التقريب».

٤٨. «جامع العلوم والحكم» للحافظ ابن رجب - ﵀ - ٢/ ٣٣ - ٥٥.

٤٩. هكذا النسخة بالنصب، والظاهر أنه «عدلٌ» بالرفع، فتأمله.

٥٠. كذا النسخة، ولعلّ الأَولى: مما بنوه. . . إلخ، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.

٥١. هكذا النسخة، والظاهر: وغيرهم، والله تعالى أعلم.

٥٢. كذا النسخة، والظاهر أنه مصحّف من: هذا الباب، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.

٥٣. هكذا النسخة، ولعل الأَولى إسقاط «من العوض»، أو أنها مصحّفة من لفظ آخر، والله تعالى أعلم.

٥٤. هكذا العبارة، وتحتاج إلى تأمل؟؟؟، والله تعالى أعلم.

٥٥. «سنن البيهقيّ الكبرى» ٦/ ٩٣.

٥٦. راجع: «شرح الشيخ الهرريّ» ٢٤/ ٣٤٨.