HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٥٨٤

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ. حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قال: اقتتل غلامان. غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار. فنادى المهاجر أو المهاجرون: يال المهاجرين! ونادى الأنصاري: يال الأنصار! فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فقال «ما هذا دعوى أهل الجاهلية؟» قالوا لا. يا رسول الله! إلا أن غلامين اقتتلا فكسع أحدهما الآخر. قال «فلا بأس. ولينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما. إن كان ظالما فلينهه، فإنه له نصر. وإن كان مظلوما فلينصره».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص19
ج ٤ ص ١٩٩٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن الدارمي, صحيح البخاري, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٩٢
[٧٩٦] وقوله: (فَكَسَعَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ) ؛ قال أهل اللغة : الكَسْعُ: أن تضرب برجلك على دبر شيء، ويقال: تبع آثارهم يَكْسِعهم بالسيف، وقوله: (يَالَ الأَنصَارِ): يا: حرف نداء، واللام لام الاستغاثة، وقوله: (دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مُنتِنَةٌ؛ أي: دعوا هذه الكلمة، يعني دعوى القبائل والاستغاثة بهم؛ فإنها شَنِعةٌ لا خير فيها، قبيحةٌ لا معنى لها.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٠ ص٥٨٦
ذلك، فقال: ما يأخذ مني أكثر من ثلاثة آلاف، كما كنت ظلمت، فلما أَدَّى ثلاثة آلاف دينار وَقَّع الخليفة بالإفراج عنه، فسبحان من هو قائم على كل نفس بما كسبت، إن ربك لبالمرصاد، حاكم العدل، لا يجور، وإنما يجازي بالعدل، وميزان عدله لا يحابي أحدًا، بل يتحرر فيه مثاقيل الذرّ، ومثاقيل الخردل، وكما تدين تدان، قال بعضهم [من البسيط]: فَجَانِبِ الظُّلْمَ لَا تَسْلُكْ مَسَالِكَهُ … عَوَاقِبُ الظُّلْمِ تُخْشَى وَهْيَ تُنْتَظَرُ وَكُلُّ نَفْسٍ سَتُجْزَى بِالَّذِي عَمَلَتْ … وَلَيْسَ لِلْخَلْقِ مِنْ دَيَّانِهِمْ وَطَرُ والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٦) - (بَابُ نَصْرِ الأَخِ ظَالِمًا، أَوْ مَظْلُومًا) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٥٩] (٢٥٨٤) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: اقْتَتَلَ غُلَامَانِ: غُلَامٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَغُلَامٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَنَادَى الْمُهَاجِرُ، أَوِ الْمُهَاجِرُونَ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، وَنَادَى الأَنْصَارِيّ: يَا لَلأَنْصَارِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: فَقَالَ: «مَا هَذَا؟ دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ»، قَالُوا: لَا، يَا رَسُولَ اللهِ، إِلَّا أَنَّ غُلَامَيْنِ اقْتَتَلَا، فَكَسَعَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، قَالَ: «فَلَا بَأْسَ، وَلْيَنْصُرِ الرَّجُلُ أَخَاهُ ظَالِمًا، أَوْ مَظْلُومًا، إِنْ كَانَ ظَالِمًا فَلْيَنْهَهُ، فَإِنَّهُ لَهُ نَصْرٌ، وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا فَلْيَنْصُرْهُ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ) بن عبد الله بن قيس التميميّ اليربوعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٧) وهو ابن أربع وتسعين سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٣. ٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُدَيج، أبو خيثمة الجعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ، [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) وكان مولده سنة مائة (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٦٢. ٣ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدرُس المكيّ، تقدّم قبل باب. ٤ - (جَابِرُ) بن عبد الله - ﵄ -، تقدّم في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، كلاحقه، وهو (٥٠١) من رباعيّات الكتاب، وفيه جابر بن عبد الله - ﵄ - أحد المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ) بن عبد الله - ﵄ -؛ أنه (قَالَ: اقْتَتَلَ غُلَامَانِ: غُلَامٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ) هو جَهْجَاه بن مسعود، (وَغُلَامٌ مِنَ الأَنْصَارِ) سِنان بن وَبَر الجهنيّ، (فَنَادَى الْمُهَاجِرُ، أَوِ الْمُهَاجِرُونَ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، وَنَادَى الأَنْصَارِيّ: يَا لَلأَنْصَارِ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في معظم النُّسخ: «يا ل» بلام مفصولة في الموضعين، وفي بعضها «يا للمهاجرين، ويا للأنصار» بوصلها، وفي بعضها: «يا آل المهاجرين» بهمزة، ثم لام مفصولة، واللام مفتوحة في الجميع، وهي لام الاستغاثة، والصحيح بلام موصولة، ومعناه: أدعو المهاجرين، وأستغيث بهم. انتهى . (فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: فَقَالَ: «مَا هَذَا؟)»ما«استفهاميّة؛ أي: أيّ شيء هذا النداء، والاستفهام للإنكار، وأتبعه بقوله: (دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ») خبر لمحذوف؛ أي: هذه دعواهم، والجاهلية ما قبل الإسلام؛ والمعنى: أن الانتصار، والاستنصار بقبيلة على قبيلة أخرى من سُنَّة الجاهليّة، فأما الإسلام فقد جعل أهله كلّهم إخوة، فينبغي أن يستنصر بإخوانه، أو بالمسلمين. وقال النوويّ - ﵀ -: وأما تسميته - ﷺ - ذلك دعوى الجاهلية، فهو كراهة منه لذلك، فإنه مما كانت عليه الجاهلية من التعاضد بالقبائل في أمور الدنيا، ومتعلقاتها، وكانت الجاهلية تأخذ حقوقها بالعصبات، والقبائل، فجاء الإسلام بإبطال ذلك، وفصل القضايا بالأحكام الشرعية، فإذا اعتدى إنسان على آخر حَكَم القاضي بينهما، وألزمه مقتضى عدوانه، كما تقرر من قواعد الإسلام. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: دعوى الجاهلية: تَنادِيهِم عند الغضب، والاستنجاد: يا آل فلان! يا بني فلان! وهي التي عَنَاها - ﷺ - بقوله: «دعوها فإنَّها منتنة»؛ أي: مستخبَثة، قبيحة؛ لأنَّها تثير التعصُّب على غير الحقّ، والتقاتل على الباطل، ثم إنها تجُرّ إلى النار، كما قال - ﷺ -: «من دعا بدعوى الجاهلية، فليس منا، وليتبوأ مقعده من النار» . وقد أبدل الله تعالى من دعوى الجاهلية دعوى المسلمين، فيُنادَى: يا للمسلمين! كما قال - ﷺ -: «فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين»، وكما نادى عمر بن الخطاب - ﵁ - حين طُعن: يا لَله للمسلمين! فاذا دعا بها المسلم وجبت إجابته، والكشف عن أمره على كل من سمعه، فإن ظهر أنه مظلوم نُصِر بكل وجه ممكن شرعيّ؛ لأنه إنما دعا المسلمين لينصروه على الحقّ، وإن كان ظالِمًا كُفّ عن الظلم بالملاطفة، والرفق، فإن نَفَع ذلك، وإلا أُخذ على يده، وكُفّ عن ظلمه، فإنَّ الناس إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمّهم الله بعقاب من عنده، ثم يدعونه فلا يستجاب لهم. انتهى. (قَالُوا)؛ أي: الصحابة الحاضرون: (لَا)؛ أي: ليست هذه دعوة جاهليّة، (يَا رَسُولَ اللهِ، إِلَّا أَنَّ غُلَامَيْنِ اقْتَتَلَا)؛ أي: تضاربا، (فَكَسَعَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ) بسين مخففة، مهملة؛ أي: ضَرَب دُبُره، وعجيزته بيد، أو رِجْل، أو سيف، وغيره، قاله النوويّ - ﵀ -. و«جثى جهنم» بضم الجيم، والقصر؛ أي: جماعتها. وقال القرطبيّ - ﵀ -: في «الصحاح»: الكسع: أن تضرب دُبُر الإنسان بيدك، أو بصدر قدمك، يقال: اتبع فلان أدبارهم يَكْسَعهم بالسيف، مثل: يكسؤهم؛ أي: يطردهم، ومنه قول الشاعر [من الكامل]: كُسِعَ الشَّتَاءُ بِسَبْعَةٍ غُبْرِ … أَيَّامِ شَهْلَتِنَا مِنَ الشَّهْرِ ووردت الخيلُ يكسع بعضُها بعضًا. انتهى . (قَالَ) - ﷺ - («فَلَا بَأْسَ)؛ أي: فلا شدّة فيما وقع، وقال النوويّ - ﵀ -: وأما قوله - ﷺ - في آخر هذه القصة:»لا بأس« فمعناه: لم يحصل من هذه القصة بأس مما كنت خِفته، فإنه خاف أن يكون حدث أمر عظيم، يوجب فتنةً، وفسادًا، وليس هو عائدًا إلى رفع كراهة الدعاء بدعوى الجاهلية. انتهى . ثم أرشدهم النبيّ - ﷺ - إلى الطريق السويّ الذي يجب على المسلمين أن يسلكوه، وهو ما أوضحه بقوله: (وَلْيَنْصُرِ الرَّجُلُ) الشخص، فليس خاصًّا بالرجل، بل المرأة كذلك، (أَخَاهُ) في الدِّين، أو النسب، حال كونه (ظَالِمًا) لغيره (أَوْ مَظْلُومًا) من غيره، ثم بيّن وجه نَصْره في الحالتين، فقال: (إِنْ كَانَ) الأخ (ظَالِمًا) لغيره (فَلْيَنْهَهُ)؛ أي: ليمنعه من الظلم، (فَإِنَّهُ)؛ أي: نهيه عن الظلم (لَهُ نَصْرٌ) حيث نصره على نفسه الأمّارة بالسوء، وعدوّه الشيطان، (وَإِنْ كَانَ) الأخ (مَظْلُومًا) من غيره (فَلْيَنْصُرْهُ») بمنع ظالمه مِن ظُلمه. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله:«انصر أخاك ظالِمًا أو مظلومًا»هذا من الكلام البليغ الوجيز الذي قلّ من ينسج على مِنْوَاله، أو يأتي بمثاله، و«أو»فيه للتنويع والتقسيم، وإنما سُمّي نهي الظالم نصرًا؛ لأن النصر هو العون، ومنه قولهم: أرض منصورة؛ أي: معانة بالمطر، ومَنْع الظالم من الظلم عَوْن له على مصلحة نفسه، وعلى الرجوع إلى الحقّ، فكان أَولى بأن يُسمَّى نصرًا. انتهى . [تنبيه]: حديث:«انصر أخاك ظالِمًا، أو مظلومًا»أخرجه البخاريّ في«صحيحه»من حديث أنس - ﵁ -، فقال: قال رسول الله - ﷺ -:«انصر أخاك ظالِمًا، أو مظلومًا«قالوا: يا رسول الله هذا ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالِمًا؟ قال:»تأخذ فوق يديه«. وفي رواية قال: قال رسول الله - ﷺ -:«انصر أخاك ظالِمًا، أو مظلومًا»، فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلومًا، أفرأيت إذا كان ظالِمًا، كيف أنصره؟ قال:«تَحْجُزه - أو - تمنعه من الظلم، فإن ذلك نَصْره». قال في«الفتح»: قوله:«فقال: تأخذ فوق يديه»كَنَى به عن كفّه عن الظلم بالفعل، إن لم يكفّ بالقول، وعبّر بالفوقية إشارةً إلى الأخذ بالاستعلاء والقوّة، وفي رواية معاذ، عن حميد، عند الإسماعيليّ:«فقال: يكفّه عن الظلم، فذاك نَصْره إياه»، ولمسلم في حديث جابر نحو الحديث، وفيه:«إن كان ظالمًا فَلْيَنْهَه، فإنه له نَصْر». قال ابن بطال: النصر عند العرب: الإعانة، وتفسيره لنصر الظالم بمنعه من الظلم، من تسمية الشيء بما يؤول إليه، وهو من وجيز البلاغة، قال البيهقيّ: معناه أن الظالم مظلوم في نفسه، فيدخل فيه ردع المرء عن ظلمه لنفسه حسًّا ومعنى، فلو رأى إنسانًا يريد أن يَجُبّ نفسه؛ لِظَنّه أن ذلك يزيل مفسدة طَلَبه الزنا مثلًا مَنَعه من ذلك، وكان ذلك نصرًا له، واتحد في هذه الصورة الظالم والمظلوم. وقال ابن الْمُنَيِّر: فيه إشارة إلى أن الترك كالفعل في باب الضمان، وتحته فروع كثيرة. [لطيفة]: ذكر المفضّل الضبيّ في كتابه «الفاخر» أن أول من قال: انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا: جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم، وأراد بذلك ظاهره، وهو ما اعتادوه من حمية الجاهلية، لا على ما فسّره النبيّ - ﷺ -، وفي ذلك يقول شاعرهم [من الطويل]: إِذَا أَنَا لَمْ أَنْصُرْ أَخِي وَهْوَ ظَالِمٌ عَلَى … الْقَوْمِ لَمْ أَنْصُرْ أَخِي حِينَ يُظْلَمُ والحديث متّفقٌ عليه، ويأتي تمام البحث فيه في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى -. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٦٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ - قَالَ ابْنُ عَبْدَةَ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: سَمِعَ عَمْرٌو جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي غَزَاةٍ، فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلأَنْصَارِ، وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: «دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ»، فَسَمِعَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَقَالَ: قَدْ فَعَلُوهَا؟ وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ، قَالَ عُمَرُ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ: «دَعْهُ، لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ) البصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢١/ ١٨٤. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، كسابقه، وهو (٥٠٢) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: عَن سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ؛ أنه (قَالَ: سَمِعَ عَمْرٌو)؛ أي: ابن دينار، (جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) - ﵄ - (يَقُولُ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي غَزَاةٍ) بفتح الغين المعجمة، اسم من الغزو، وسَمَّى ابنُ إسحاق هذه الغزوة غزوة بني المصطلِق، وكذا وقع عند الإسماعيليّ من طريق ابن أبي عمر، عن سفيان، قال: «يرون أن هذه الغزاة غزاة بني المصطلق»، وكذا في مرسل عروة، قاله في «الفتح» . (فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ) قال ابن التين: الْكَسْع أن تضرب بيدك على دُبُر شيء، أو برجلك، وقال القرطبيّ: أن تضرب عَجُز إنسان بقدمك، وقيل: الضرب بالسيف على المؤخَّر، وقال ابن القطاع: كَسَعَ القومَ: ضرب أدبارهم بالسيف، وكَسَعَ الرجلَ: ضرب دُبُره بظهر قدمه، وكذا إذا تكلم، فأَثَّر كلامه بما ساءه، ونحوه في «تهذيب الأزهريّ». ووقع عند الطبريّ من وجه آخر، عن عمرو بن دينار، عن جابر أن رجلًا من المهاجرين كسع رجلًا من الأنصار برجله، وذلك عند أهل اليمن شديد، والرجل المهاجريّ هو جهجاه بن قيس، ويقال: ابن سعيد الغفاريّ، وكان مع عمر بن الخطاب يقود له فرسه، والرجل الأنصاريّ هو سنان بن وَبَرَة الجهنيّ، حليف الأنصار، وفي رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، مرسلًا أن الأنصاريّ كان حليفًا لهم من جُهينة، وأن المهاجريّ كان من غِفار، وسمّاهما ابن إسحاق في «المغازي» عن شيوخه، وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق عُقيل عن الزهريّ، عن عروة بن الزبير، وعمرو بن ثابت، أنهما أخبراه، أن رسول الله - ﷺ - غزا غزوة المريسيع، وهي التي هَدَم فيها رسول الله - ﷺ - مناة الطاغية التي كانت بين قفا المشلَّل وبين البحر، فاقتتل رجلان، فاستعلى المهاجريّ على الأنصاريّ، فقال حليف الأنصار: يا معشر الأنصار، فتداعوا إلى أن حجز بينهم، فانكفأ كل منافق إلى عبد الله بن أُبَيّ، فقالوا: كنت تُرْجَى وتَدْفَع، فصرت لا تضرّ، ولا تنفع، فقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فذكر القصة بطولها، وهو مرسل جيّد، واتفقت هذه الطرق على أن المهاجريّ واحد، ووقع في حديث أبي الزبير، عن جابر، عند مسلم: «اقتتل غلامان من المهاجرين وغلام من الأنصار فنادى المهاجريّ: يا للمهاجرين، ونادى الأنصاريّ: يا للأنصار، فخرج رسول الله - ﷺ -، فقال:»ما هذا؟ أدعوى الجاهلية؟ «، قالوا: لا، إن غلامين اقتتلا، فكسع أحدهما الآخر، فقال:«لا بأس، ولينصرنّ الرجل أخاه ظالمًا أو مظلومًا»الحديث، ويمكن تأويل هذه الرواية بأن قوله«من المهاجرين»بيان لأحد الغلامين، والتقدير: اقتتل غلامان: غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار، فحذف لفظ غلام من الأول، ويؤيده قوله في بقية الخبر: فقال المهاجري، فأفرده فتتوافق الروايات. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ساق في«الفتح»رواية مسلم بقوله:«اقتتل غلامان من المهاجرين وغلام من الأنصار»، وهذا اللفظ لم أره في النُّسخ التي بين يديّ، فكلها متّفقة على لفظ:«اقتتل غلامان، غلام من المهاجرين، وغلام من الأنصار»، وهذا واضح لا يحتاج إلى تقدير، ولا إلى تأويل، ولعل الحافظ وقع في نسخته ما ذكره، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلأَنْصَارِ) بفتح اللام، وهي للاستغاثة؛ أي: أغيثوني، وكذا في قول الآخر: يا للمهاجرين، (وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:«مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟ »)؛ أي: ما شأنها؟ وهو في الحقيقة إنكار، ومَنْعٌ عن قول: يا لفلان، ونحوه . (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ:«دَعُوهَا)؛ أي: اتركوا هذه المقالة، وهي دعوى الجاهليّة، (فَإِنَّهَا)؛ أي: دعوة الجاهلية، وأبعدَ من قال: المراد: الكسعة. (مُنْتِنَةٌ») بضم الميم، وسكون النون، وكسر المثناة، من النتن؛ أي: إنها كلمة قبيحة، خبيثة، وكذا ثبتت في بعض الروايات. (فَسَمِعَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ) المنافق (فَقَالَ: قَدْ فَعَلُوهَا) استفهام بتقدير الأداة؛ أي: أَفعلوها؟؛ أي: الأثرة، أشركناهم فيما نحن فيه، فأرادوا الاستبداد به علينا، وفي مرسل قتادة:«فقال رجل منهم عظيم النفاق: ما مثَلنا ومثَلهم إلا كما قال القائل: سَمِّنْ كلبك يأكلك»، وعند ابن إسحاق:«فقال عبد الله بن أُبَيّ: أقد فعلوها؟ نافرونا، وكاثرونا في بلادنا، والله ما مثَلنا وجلابيب قريش هذه، إلا كما قال القائل: سَمِّن كلبك يأكلك». (وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ) قال الطبريّ - ﵀ -: يقول تعالى ذِكرُهُ: يقول هؤلاء المنافقون الذين وَصَف صفتهم قبلُ: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ فيها، ويعني بالأعزّ: الأشدّ والأقوى، قال الله جل ثناؤه: ولله العزة؛ يعني: الشدّة والقوّة، ولرسوله، وللمؤمنين بالله، ولكنّ المنافقين لا يعلمون ذلك. انتهى . (قَالَ عُمَرُ) بن الخطّاب - ﵁ -: (دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ) في مرسل قتادة:«فقال عمر: مُرْ معاذًا أن يضرب عنقه»، وإنما قال ذلك؛ لأن معاذًا لم يكن من قومه، (فَقَالَ) - ﷺ -: («دَعْهُ، لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ) »لا« نافية، والفعل بعدها مرفوع على الاستئناف، ويجوز أن تكون ناهية، والفعل مجزوم بها، إلا أنه كُسر لالتقاء الساكنين. (أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»)؛ أي: أتباعه، وفي مرسل قتادة:«فقال: لا والله، لا يتحدث الناس»، زاد ابن إسحاق:«فقال: مُرْ به معاذ بن بشر بن وقش، فليقتله، فقال: لا، ولكن أَذِّن بالرحيل، فراح في ساعة ما كان يرحل فيها، فلقيه أُسيد بن حُضير، فسأله عن ذلك، فأخبره، فقال: فأنت يا رسول الله الأعزّ، وهو الأذلّ، قال: وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبيّ ما كان من أمْر أبيه فأتى النبيّ - ﷺ -، فقال: بلغني أنك تريد قتل أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلًا، فمُرْني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فقال: بل ترفق به، وتُحْسِن صحبته، قال: فكان بعد ذلك إذا أحدث الحدَثَ كان قومه هم الذين يُنكرون عليه، فقال النبيّ - ﷺ - لعمر: كيف ترى؟ »، ووقع في مرسل عكرمة، عند الطبريّ:«أن عبد الله بن عبد الله بن أبيّ قال للنبيّ - ﷺ -: إن والدي يؤذي الله ورسوله، فذرني حتى أقتله، قال: لا تقتل أباك». وأخرج الطبريّ في«تفسيره»عن عكرمة، أن عبد الله بن عبد الله بن أبيّ بن سلول، كان يقال له: حُباب، فسمّاه رسول الله - ﷺ -: عبد الله، فقال: يا رسول الله إن والدي يؤذي الله ورسوله، فذرني حتى أقتله، فقال له رسول الله - ﷺ -:«لا تقتل أباك عبد الله»، ثم جاء أيضًا، فقال: يا رسول الله إن والدي يؤذي الله ورسوله، فذرني حتى أقتله، فقال له رسول الله - ﷺ -:«لا تقتل أباك»، فقال: يا رسول الله فتَوَضَّأْ حتى أسقيه من وضوئك، لعل قلبه أن يلين، فتوضأ رسول الله - ﷺ -، فأعطاه، فذهب به إلى أبيه، فسقاه، ثم قال له: هل تدري ما سقيتك؟ فقال له والده: نعم سقيتني بول أمك، فقال له ابنه: لا والله، ولكن سقيتك وضوء رسول الله - ﷺ -، قال عكرمة: وكان عبد الله بن أبيّ عظيم الشأن فيهم ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٦٥٥٩ و٦٥٦٠ و٦٥٦١] (٢٥٨٤)، و(البخاريّ) في «مناقب الأنصار» (٣٥١٨) و«التفسير» (٤٩٠٥ و٤٩٠٧)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣٣١٥)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢٧١ و٦/ ١٤٣ و٢٤٣ و٤٩٢)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٩/ ٤٦٨)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١٧٠٨)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١٢٣٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣٣٨)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٩٥٧ و١٩٥٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٩٩٠ و٦٥٤٨)، و(الطبريّ) في «تفسيره» (٢٨/ ١١٢ و١١٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ٣٢) و«دلائل النبوّة» (٤/ ٥٣ - ٥٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): النهي عن عادات الجاهليّة وتقاليدها، قولًا، أو فعلًا، فالإسلام جاء لإبعاد الناس عن ذلك، وهدايتهم إلى ما هو الصواب والحقّ لهم. ٢ - (ومنها): أنه لا بأس بقول: يا لَفلان إذا لم يكن القصد إثارة الفتنة، وإشعال نار العصبيّة، قال في «الفتح»: ويستفاد من قوله: «لا بأس» جواز القول المذكور بالقصد المذكور، والتفصيل المبَيَّن، لا على ما كانوا عليه في الجاهلية، من نصرة من يكون من القبيلة مطلقًا، سواء كان ظالِمًا أو مظلومًا. ٣ - (ومنها): وجوب نصر المسلم في حالتيه، ظالِمًا، أو مظلومًا، أما مظلومًا فظاهر بأن يُدفع عنه الظلم، وأما ظالِمًا، فبنهيه عن الظلم، والأخذ على يديه. ٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه المنافقون من بذاءة اللسان، والجراءة على النبيّ - ﷺ -، وعلى أصحابه - ﵃ -. ٥ - (ومنها): ما كان النبيّ - ﷺ - عليه من شدّة الحِلم والصبر على ما يناله من أذيّة المنافقين. ٦ - (ومنها): أنه يستفاد من ترْك النبيّ - ﷺ - قَتْل عبد الله بن أُبيّ، وإن كان يستحقّ القتل؛ لئلا يتحدّث الناس أن محمدًا - ﷺ - يقتل أصحابه أن للإمام أن يترك بعض من يستحقّ القتل لمصلحةٍ مّا إذا كانت المصلحة راجحة. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «لا يتحدّث الناس. . . إلخ» فيه دليل على أن المنافقين الذين عُلم نفاقهم في عهد رسول الله - ﷺ - كانوا مستحقين للقتل، لكن امتنع النبيّ - ﷺ - من ذلك؛ لئلا يكون قَتْلهم منفرًا لغيرهم عن الدخول في الإسلام؛ لأنَّ العرب كانوا أهل أَنَفَةٍ وكِبْر بحيث لو قَتَل النبيّ - ﷺ - هؤلاء المنافقين لنَفَر من بَعُد عنهم، فيمتنع من الدخول في الدين، وقالوا: هو يقتل أصحابه، ولَغَضِب من قَرُب من هؤلاء المنافقين، فتهيج الحروب، وتكثر الفتن، ويُمْتَنَع من الدخول في الدين، وهو نقيض المقصود، فعفا النبيّ - ﷺ - عنهم، ورَفَقَ بهم، وصبر على جفائهم، وأذاهم، وأحسن إليهم، حتى انشرح صدر من أراد الله هدايته، فرَسَخ في قلبه الإيمان، وتبيّن له الحقّ اليقين، وهَلَك عن بيّنة من أراد الله هلاكه، وكان من الخاسرين، ثم أقام النبيّ - ﷺ - مستصحبًا لذلك إلى أن توفّاه الله تعالى، فذهب النفاق وحكمه؛ لأنَّه ارتفع مسمَّاه، واسمه، ولذلك قال مالك: النفاق في عهد رسول الله - ﷺ - هو الزندقة عندنا اليوم، ويظهر من مذهبه أن ذلك الحكم منسوخ بقوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠، ٦١]، وبقوله تعالى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ الآية [التوبة: ٧٣]، فقد سوَّى بينهما في الأمر بالجهاد، وجهاد الكفار: قتالهم وقَتْلهم، فليكن جهاد المنافقين كذلك، وفي الآيتين مباحث ليس هذا موضعها، وقد ذهب غير واحد من أئمتنا إلى أن المنافقين يُعفَى عنهم ما لم يُظهروا نفاقهم، فإن أظهروه قُتلوا، وهذا أيضًا يخالف ما جرى في عهد النبيّ - ﷺ -، فإنَّ منهم من أظهر نفاقه، واشتهر عنه حتى عُرف به، والله أعلم بنفاقه، ومع ذلك لم يُقتلوا؛ لِمَا ذكرناه، والله تعالى أعلم. قال: وقد وضح من هذا الحديث إبطال قول من قال: إن النبيّ - ﷺ - لم يقتل المنافقين؛ لأنَّه لم تقم بيّنة معتبَرة بنفاقهم؛ إذ قد نُصّ فيه على المانع من ذلك، وهو غير ما قالوه، وفيه ما يدلّ على أن أهون الشرّين يجوز العمل على مقتضاه، إذا اندفع به الشرّ الأعظم، وفيه دليل على القول بصحة سدّ الذرائع، وعلى تعليل نفي الأحكام في بعض الصور بمناسب لذلك النفي . وقال الأبيّ - ﵀ - : في الحديث تَرْك تغيير المنكر إذا خاف أن يؤدّي إلى مفسدة أشدّ، واختُلف هل بقي جواز قتل المنافقين، والإغضاء عنهم، أو نُسخ بقوله تعالى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾؟ ومال غير واحد من أئمتنا - يعني: المالكيّة - وغيرهم إلى أنه إنما يجوز العفو عنهم ما لم يُظهروا نفاقهم، فإن أظهروه قُتلوا، واحتَجَّ بقوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ الآية [الأحزاب: ٦٠]، وهو يدلّ على أن المنافقين في زمنه - ﷺ - كانوا يستحقّون القتل لولا المانع المذكور، ولِمَا يُتّقى في قَتْلهم من غضب عشائرهم، فتثور الفتنة، ويُمْتَنَعُ من الدخول في الدين، وهو خلاف المقصود، والحديث يردّ على من يقول: إنما لم يقتلهم النبيّ - ﷺ -؛ لأنه لم تقُم بيّنة على نفاقهم؛ لأنه نصّ في هذا الحديث على المانع، وفيه القول بسدّ الذرائع، وارتكاب أخفّ الضررين، ومن قال من الأئمّة: إنهم إذا أظهروا النفاق يُقتلون يُرَدّ عليه أنه في عهده - ﷺ - منهم من أظهر النفاق؛ كعبد الله بن أبيّ وأصحابه، قالوا: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾، واشتهر به، ومع ذلك لم يُقتل هو، ولا أصحابه، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٦١] (. . .) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَتَى النَّبِيَّ - ﷺ -، فَسَأَلَهُ الْقَوَدَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ»، قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ فِي رِوَايَتِهِ: عَمْرٌو، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكوسج، أبو يعقوب المروزي، ثقة ثبت [١١] تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٢ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم قريبًا. ٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّختيانيّ، تقدّم قبل باب. والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي، و«عبد الرزّاق» هو: ابن همّام الصنعانيّ. وقوله: (فَسَأَلَهُ الْقَوَدَ)؛ أي: طلب الرجل الأنصاريّ المضروب أن يُقيده، و«القوَد» بفتحتين: القِصاص. وقوله: («دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ») الظاهر أن الضمير راجع إلى مسألة القود، وقال الأبيّ: راجع إلى دعوى الجاهليّة، قال: ولا يعارض قوله في الطريق الأول: «فلا بأس»؛ لأنه يجاب بأن معنى «لا بأس»؛ أي: مما يُخاف أن يقع من فتنة، أو فساد، والدعوى لم تزل منكرةً، أو أن قوله: «منتنة» راجعًا إلى القود. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «دعوها، فإنها منتنة»؛ أي: دعوى الجاهلية، وأبعدَ من قال: المراد: الكَسْعة، ومُنتنة بضمّ الميم، وسكون النون، وكسر المثناة، من النتن؛ أي: إنها كلمة قبيحة، خبيثةٌ، وكذا ثبتت في بعض الروايات. انتهى . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: نَتُنَ الشّيءُ بالضّم نُتُونَةً، ونَتَانَةً، فهو نَتِينٌ، مثلُ قَرِيب، ونَتَنَ نَتْنًا، من باب ضَرَب، ونَتِنَ يَنْتَنُ، فهو نَتِنٌ، من باب تَعِبَ، وأَنْتَنَ إِنْتَانًا، فهو مُنْتِنٌ، وقد تُكسر الميم للإتباع، فيقال: مِنْتِنٌ، وضمّ التاء إتباعًا للميم قليلٌ. انتهى . وقوله: (قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ) هو إسحاق شيخه الثاني، (فِي رِوَايَتِهِ: عَمْرٌو، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا) بيّن به أن إسحاق بن منصور قال في روايته: «عمرو» هو ابن دينار، فعمرو مبتدأ، خبره قوله: «قال: سمعت جابرًا»؛ يعني: أنه صرّح بسماع عمرو من جابر، وأما إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن رافع فعنعنا، وقالا: عن عمرو، عن جابر، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية معمر، عن عمرو بن دينار ساقها عبد الرزّاق في «مصنّفه» مقرونًا بابن عيينة، فقال: (١٨٠٤١) - أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، وابن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: كنا مع رسول الله - ﷺ - في غَزَاة، فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاريّ: يا للأنصار، وقال المهاجريّ: يا للمهاجرين، فسمع ذلك رسول الله - ﷺ -، فقال: «ما بال دعوى الجاهلية»، فأخبروه بالذي كان، فقال النبيّ - ﷺ -: «دَعُوها، فإنها منتنة»، قال: وكان المهاجرون لَمّا قَدِم رسول الله - ﷺ - المدينة أقلّ من الأنصار، ثم إن المهاجرين كَثُروا بعدُ، فسمع بذلك عبد الله بن أُبَيّ، قال: «قد فعلوها؟ والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذلّ». انتهى . قال في «الفتح»: قوله: «ثم إن المهاجرين كَثُروا بعدُ» هذا مما يؤيِّد تقدّم القصة، ويوضح وَهْمَ من قال: إنها كانت بتبوك؛ لأن المهاجرين حينئذ كانوا كثيرًا جدًّا، وقد انضافت إليهم مُسْلِمة الفتح في غزوة تبوك، فكانوا حينئذ أكثر من الأنصار، والله أعلم. انتهى . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (٢١)

١. «شرح حديث لبيك» لابن رجب - ﵀ - ١/ ١٠٧ - ١٠٨.

٢. «شرح النوويّ» ١٦/ ١٣٧.

٣. «شرح النوويّ» ١٦/ ١٣٧.

٤. أخرج أحمد، والترمذيّ عن الحارث الأشعريّ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «آمركم بخمس: بالجماعة، والسمع والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله، وإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، إلا أن يراجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جُثى جهنم، وإن صام وصلى، وزعم أنه مسلم»، وقال الترمذيّ: حسن صحيح، وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم.

٥. «المفهم» ٦/ ٥٥٩.

٦. «شرح النوويّ» ١٦/ ١٣٨.

٧. «المفهم» ٦/ ٥٥٩.

٨. «الفتح» ٦/ ٢٦٢ - ٢٦٤، كتاب «المظالم» رقم (٢٤٤٣).

٩. «الفتح»١٠/ ٧٠٨، كتاب«التفسير»(ح ٤٩٠٥).

١٠. «عمدة القاري»١٩/ ٢٤١.

١١. «الفتح»١٠/ ٧٠٨، كتاب«التفسير»رقم (٤٩٠٥).

١٢. «تفسير الطبريّ» ٢٨/ ١١٢.

١٣. «الفتح» ١٠/ ٧٠٨، كتاب «التفسير» رقم (٤٩٠٥).

١٤. «تفسير الطبريّ» ٢٨/ ١١٣.

١٥. «المفهم» ٦/ ٥٦١ - ٥٦٣.

١٦. «شرح الأبيّ» ٧/ ٣٢ - ٣٣.

١٧. «شرح الأبيّ» ٧/ ٣٢.

١٨. «الفتح» ١٠/ ٧٠٩.

١٩. «المصباح المنير» ٢/ ٥٩٢.

٢٠. «مصنَّف عبد الرزاق» ٩/ ٤٦٨.

٢١. «الفتح» ١٠/ ٧٠٩.