HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٥٩١

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ. كُلُّهُمْ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ (وَاللَّفْظُ لزهير) قال: حدثنا سفيان (وهو ابن عيينة) عن ابن المنكدر. سمع عروة بن الزبير يقول: حدثتني عائشة؛ أن رجلا استأذن عَلَى النَّبِيِّ ﷺ. فَقَالَ «ائذنوا له. فلبئس ابن العشيرة، أو بئس رجل العشيرة» فلما دخل عليه ألان له القول. قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله! قلت له الذي قلت. ثم ألنت له القول؟ قال «يا عائشة! إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة، من ودعه، أو تركه الناس اتقاء فحشه».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص21
ج ٤ ص ٢٠٠٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٠ ص٦٣٦
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢١/ ٦٥٧٢] (٢٥٩٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٨٨ و٤٠٤)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٤/ ٤٢٥)، و(القضاعيّ) في «مسند الشهاب» (٢/ ٧٢)، و(البيهقيّ) في «شُعب الإيمان» (٧/ ١٠٥)، و(ابن عبد البرّ) في «التمهيد» (٢٣/ ١٣٠)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٢) - (بَابُ مُدَارَاةِ مَنْ يُتَّقَى فُحْشُهُ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٧٣] (٢٥٩١) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ - وَهُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ، أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: «ائْذَنُوا لَهُ، فَلَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ، أَوْ بِئْسَ رَجُلُ الْعَشِيرَةِ»، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ أَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْتَ لَهُ الَّذِي قُلْتَ، ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ، قَالَ: «يَا عَائِشَةُ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَنْ وَدَعَهُ، أَوْ تَرَكَهُ النَّاسُ؛ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ»). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، تقدّم قريبًا. ٤ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل خمسة أبواب. ٥ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٦ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الإمام الشهير، تقدّم قبل خمسة أبواب. ٧ - (ابْنُ الْمُنْكَدِرِ) هو: محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الْهُدير - بالتصغير - التيميّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في «الطهارة» ١١/ ٥٨٤. ٨ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) أبو عبد الله الفقيه المدنيّ، تقدّم قريبًا. ٩ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق أم المؤمنين - ﵄ -، تقدّمت قريبًا أيضًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه خمسة من الشيوخ قَرَن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة أخْذه عنهم، وهو السماع منهم، ولذا قال: «حدّثنا»، ثم فصّل بعدُ؛ لاختلافهم فيما ذُكر، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وعائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَن) محمد (بْنِ الْمُنْكَدِرِ)؛ أنه (سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ) حال كونه (يَقُولُ: حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ) أم المؤمنين - ﵂ -، (أَنَّ رَجُلًا) قال ابن بطال - ﵀ - : هو عُيينة بن حِصْن بن حُذيفة بن بدر الْفَزاريّ، وكان يقال له: الأحمق المطاع، ورجا النبيّ - ﷺ - بإقباله عليه تألّفه؛ لِيُسْلِم قومه؛ لأنه كان رئيسهم، وكذا فسَّره به عياض ، ثم القرطبيّ ، والنوويّ جازمين بذلك، ونقله ابن التين عن الداوديّ، لكن احتمالًا لا جزمًا، وقد أخرجه عبد الغنيّ بن سعيد في «المبهمات» من طريق عبد الله بن عبد الحكم، عن مالك، أنه بلغه عن عائشة - ﵂ -: «استأذن عُيينة بن حِصن على النبيّ - ﷺ -، فقال: بئس ابن العشيرة. . .» الحديث، وأخرجه ابن بشكوال في «المبهمات» من طريق الأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي كثير: «أن عيينة استأذن. . .»، فذكره مرسلًا، وأخرج عبد الغنيّ أيضًا من طريق أبي عامر الخراز، عن أبي يزيد المدنيّ، عن عائشة: «قالت: جاء مخرمة بن نوفل، يستأذن، فلما سمع النبيّ - ﷺ - صوته قال: بئس أخو العشيرة. . .» الحديث. قال الحافظ: وهكذا وقع لنا في أواخر الجزء الأول من فوائد أبي إسحاق الهاشميّ، وأخرجه الخطيب، فيُحْمَل على التعدد. وقد حكى المنذريّ في «مختصره» القولين، فقال: هو عيينة، وقيل: مخرمة، وأما ابن الْمُلَقِّن فاقتصر على أنه مخرمة، وذكر أنه نقله من حاشية بخطّ الدمياطيّ، فقصر، لكنه حَكَى بعد ذلك عن ابن التين أنه جَوَّز أنه عيينة، قال: وصَرَّح به ابن بطال، ذكره في «الفتح» . (اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -)؛ أي: بأن يدخل عليه، (فَقَالَ) - ﷺ -: («ائْذَنُوا لَهُ) بالدخول، (فَلَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ، أَوْ بِئْسَ رَجُلُ الْعَشِيرَةِ») وفي رواية معمر التالية: «بئس أخو القوم، وابن العشيرة»، وفي رواية البخاريّ: «بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة»، والمعنى واحد، قال عياض: المراد بالعشيرة الجماعة، أو القبيلة، وقال غيره: العشيرة: الأدنى إلى الرجل من أهله، وَهُمْ وَلَد أبيه وجدّه. وقال في «العمدة»؛ أي: بئس هذا الرجل منها، وهو كقولك: يا أخا العرب لرجل منهم، وهذا الكلام من أعلام النبوة؛ لأنه ارتدّ بعده - ﷺ -، وجيء به أسيرًا إلى أبي بكر - ﵁ - . (فَلَمَّا دَخَلَ) الرجل (عَلَيْهِ) - ﷺ - (أَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ) وفي رواية البخاريّ: «فلما جلس تَطَلّق النبيّ - ﷺ - في وجهه، وانبسط إليه»، و«تطلّق» - بفتح الطاء المهملة، وتشديد اللام -؛ أي: أبدى له طَلاقة وجهه، يقال: وَجْهُهُ طَلْق، وطَلِيق؛ أي: مسترسِل، منبسِط، غير عَبوس، ووقع في رواية ابن عامر: «بَشّ في وجهه»، ولأحمد من وجه آخر، عن عائشة: «واستأذن آخر، فقال: نِعْم أخو العشيرة، فلما دخل لم يهشّ له، ولم ينبسط كما فعل بالآخر، فسألته. . .»، فذكر الحديث. (قَالَتْ عَائِشَةُ) - ﵂ -: (فَقُلْتُ) بعدما خرج الرجل من المجلس: (يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْتَ لَهُ الَّذِي قُلْتَ)؛ تعني: قوله - ﷺ -: «ائذنوا له، فلبئس أخو العشيرة»، وفي رواية البخاريّ: «فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول الله، حين رأيت الرجل، قلت له كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه، وانبسطت إليه؟»، (ثُمَّ) لمّا دخل عليك (أَلَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ)؛ أي: كلّمته بكلام ليّن لطيف، (قَالَ) - ﷺ -: («يَا عَائِشَةُ) وفي رواية البخاريّ:»فقال رسول الله - ﷺ -: يا عائشة، متى عهدتني فحّاشًا«، وفي رواية:»فاحشًا«، وقوله: (إِنَّ شَرَّ النَّاسِ) استئناف كلام؛ كالتعليل لِتَرْكه - ﷺ - مواجهته بما ذَكَره في غيبته، قاله في»الفتح«. (مَنْزِلَةً) منصوب على التمييز، (عِنْدَ اللهِ) تعالى (يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَنْ وَدَعَهُ) بفتحات، قال المازريّ : ذكر بعض النحاة أن العرب أماتوا مصدر يَدَعَ، وماضيه، والنبيّ - ﷺ - أفصح العرب، وقد نَطَق بالمصدر في قوله:»لينتهينّ أقوام عن وَدْعِهم الجُمعات«، وبماضيه في هذا الحديث، وأجاب عياض بأن المراد بقولهم: أماتوه؛ أي: تركوا استعماله إلا نادرًا، قال: ولفظ»أماتوا«يدلّ عليه، ويؤيد ذلك أنه لم يُنقل في الحديث إلا في هذين الحديثين، مع شكّ الراوي في حديث الباب، مع كثرة استعمال»ترك«، ولم يقل أحد من النحاة: إنه لا يجوز. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله:«من وَدَعه، أو تركه الناس. . . إلخ»هذا شكٌّ من بعض الرواة في أيّ اللفظين قال النبيّ - ﷺ -، فإن كان الصحيح«وَدَعَه»، فقد تكلّم النبيّ - ﷺ - بالأصل المرفوض، كما قد تكلّم به الشاعر الذي هو أنس بن زُنيم في قوله [من الرمل]: سَلْ أَمِيرِي مَا الَّذِي غَيَّرَهُ … عَنْ وِصَالِي الْيَوْمَ حَتَّى وَدَعَهْ وقد حُكي عن بعض السلف أنه قرأ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ [الضحى: ٣]، بتخفيف الدال، وقد صحّ عن النبيّ - ﷺ - أنه تكلّم بمصدر ذلك المرفوض، حيث قال:«لينتهينّ أقوام عن وَدْعهم الجمعات، أو ليختمنّ الله على قلوبهم»، وهذا كلّه يردّ على من قال من النحويين: إن العرب قد أماتت ماضي هذا الفعل، ومصدره، ولا يُتكلّم به استغناءً عن ذلك بتركه، فإن أراد به هذا القائل أنه لا يوجد في كلامهم، فقد كذّبه النقل الصحيح، وإن أراد أن ذلك يقع، ولكنه قليل، وشاذّ في الاستعمال، فهو صحيح. انتهى . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: وَدَعْتُهُ أَدَعُهُ وَدْعًا: تركته، وأصل المضارع الكسر، ومن ثم حُذفت الواو، ثم فُتح؛ لمكان حرف الحلق، قال بعض المتقدّمين: وزعمت النّحاة أن العرب أماتت ماضي«يَدَعُ»، ومصدره، واسم الفاعل، وقد قرأ مجاهد، وعروة، ومقاتل، وابن أبي عَبْلة، ويزيد النَّحويُّ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ بالتّخفيف، وفي الحديث:«لَيَنْتَهِيَنَّ قَوْمٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الجُمُعَاتِ»؛ أي: عن تركهم، فقد رُويت هذه الكلمة عن أفصح العرب، ونُقلت من طريق القرّاء، فكيف يكون إماتةً، وقد جاء الماضي في بعض الأشعار، وما هذه سبيله فيجوز القول بقلّة الاستعمال، ولا يجوز القول بالإماتة. انتهى . (أَوْ) للشكّ من الراوي، كما تقدّم عن القرطبيّ، (تَرَكَهُ النَّاسُ؛ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ»)؛ أي: لأجل الاتّقاء عن فُحشه، ونصب «اتّقاء» على أنه مفعول لأجله؛ لاستكمال شروطه، التي ذكرها ابن مالك - ﵀ - في «الخلاصة» حيث قال: يُنْصَبُ مَفْعُولًا لَهُ الْمَصْدَرُ إِنْ … أَبَانَ تَعْلِيلًا كَـ «جُدْ شُكْرًا وَدِنْ» وَهْوَ بِمَا يَعْمَلُ فِيهِ مُتَّحِدْ … وَقْتًا وَفَاعِلًا وَإِنْ شَرْطٌ فُقِدْ فَاجْرُرْهُ بِالْحَرْفَ وَلَيْسَ يَمْتَنِعْ … مَعَ الشُرُوطِ كَـ «لِزُهْدٍ ذَا قَنِعْ» و«الفُحش» بضمّ، فسكون: القبيح، وهو بمعنى الرواية الأخرى: «اتّقاء شرّه»، قال الفيّوميّ - ﵀ -: فَحُشَ الشيءُ فُحْشًا، مثلُ قَبُح قُبْحا، وزنًا ومعنًى، وفي لغة من باب قَتَل، وهو فَاحِشٌ، وكلّ شيء جاوز الحدّ، فهو فَاحِشٌ، ومنه غَبْنٌ فَاحِشٌ: إذا جاوزت الزيادة ما يُعتاد مثله، وأَفْحَشَ الرجلُ: أتى بِالفُحْشِ، وهو القول السّيّئ، وجاء بِالفَحْشَاءِ مثله، ورماه بِالفَاحِشَةِ، وجَمْعها فَوَاحِشُ، وأفحش بالألف أيضًا: بَخِلَ، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ﴾ [النساء: ١٩] قيل: معناه إلا أن يَزْنِين، فَيُخْرَجن للحدّ، وقيل: إلا أن يرتكبن الفاحشة بالخروج بغير إذن. انتهى . وقال ابن الأثير - ﵀ -: قد تكرر ذِكْر الفُحْش، والفاحِشة، والفواحش في الحديث، وهو كل ما يَشْتدّ قُبْحه من الذنوب، والمعاصي، وكثيرًا ما تَرِدُ الفاحِشة بمعنى الزّنا، وكل خَصْلة قبيحة فهي فاحِشة، من الأقوال، والأفعال، ومنه الحديث: قال لعائشة: لا تقَولِي ذلك، فإن الله لا يُحِبّ الفُحْش، ولا التفَاحُش، أراد بالفُحْش: التَّعَدّي في القَول والجواب، لا الفحشَ الذي هو من قَذَع الكلام، ورَدِيئه، والتَّفَاحُش: تَفَاعُل منه، وقد يكون الفُحْش بمعنى الزيادة والكَثْرة، ومنه قول بعضهم، وقد سُئل عن دَمِ البراغِيث، فقال: إن لم يكن فاحشًا فلا بأس. انتهى . وفي رواية البخاريّ: «اتّقاء شرّه»؛ أي: قُبح كلامه؛ لأن الرجل المذكور كان من جُفاة الأعراب. قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر كلام الشرّاح أن المعنيّ بمن تركه الناس اتّقاء فحشه: هو الرجل الداخل الذي قال فيه النبيّ - ﷺ -: «بئس أخو العشيرة»، وقال القاري بعد أن ذكر المعنى الأول: وقيل: المعنى إنما ألنت له القول؛ لأني لو قلت له في حضوره ما قلته في غيبته لتركني اتّقاء فُحْشي، فأكون أشرّ الناس. انتهى . قال الجامع: وهذا المعنى الثاني عندي هو الأقرب، والأظهر، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ: في هذا الحديث إشارة إلى أن عيينة المذكور خُتم له بسوء؛ لأن النبيّ - ﷺ - اتقى فُحشه، وشَرّه، وأخبر أن من يكون كذلك يكون شرّ الناس منزلة عند الله يوم القيامة. وتعقّبه الحافظ - وأجاد في ذلك - فقال: ولا يخفى ضَعف هذا الاستدلال، فإن الحديث ورد بلفظ العموم، فمن اتصف بالصفة المذكورة فهو الذي يتوجه عليه الوعيد، وشَرْط ذلك أن يموت على ذلك، ومن أين له أن عيينة مات على ذلك؟ واللفظ المذكور يَحْتَمِل لأن يقيّد بتلك الحالة التي قيل فيها ذلك، وما المانع أن يكون تاب وأناب؟ وقد كان عيينة ارتدّ في زمن أبي بكر - ﵁ -، وحارب، ثم رجع، وأسلم، وحضر بعض الفتوح في عهد عمر - ﵁ -، وله مع عمر قصةٌ ، وفيها ما يدلّ على جفائه. والحديث الذي فيه أنه «أحمق مطاع» أخرجه سعيد بن منصور، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم النخعيّ قال: «جاء عيينة بن حصن إلى النبيّ - ﷺ -، وعنده عائشة، فقال: من هذه؟ قال: أم المؤمنين، قال: ألا أنزل لك عن أجمل منها؟ فغضبت عائشة، وقالت: من هذا؟ قال: هذا أحمق مطاع» . ووصله الطبرانيّ من حديث جرير، وزاد فيه: «اخرج، فاستأذن، قال: إنها يمين عليّ أن لا أستأذن على مضريّ»، وعلى تقدير أن يُسَلَّم له ذلك، وللقاضي قبله في عيينة، لا يُسَلَّم له ذلك في مخرمة بن نوفل. انتهى . (٤٣٦٦) - حدّثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن ابن عباس - ﵄ - قال: قَدِم عيينة بن حِصن بن حُذيفة، فنزل على ابن أخيه الْحُرّ بن قيس، وكان من النفر الذين يُدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر، ومشاورته، كهولًا كانوا، أو شُبّانًا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: فاستأذن الحرّ لعيينة، فأَذِن له عمر، فلما دخل عليه، قال: هِيْ يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر، حتى هَمّ به، فقال له الحرّ: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه - ﷺ -: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩] وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقّافًا عند كتاب الله. انتهى. والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢/ ٦٥٧٣ و٦٥٧٤] (٢٥٩١)، و(البخاريّ) في «الأدب» (٦٠٣٢ و٦٠٥٤ و٦١٣١)، و(أبو داود) في «الأدب» (٤٧٩١)، و(الترمذيّ) في «البرّ والصلة» (١٩٩٦)، و(عبد الرّزاق) في «مصنّفه» (٢٠١٤٤)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٢٤٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٣٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٥٣٨)، و(الحاكم) في «معرفة علوم الحديث» (١/ ١٦٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١٠/ ٢٤٥)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٥٦٣)، و(الخطيب البغداديّ) في «الأسماء المبهمة» (ص ٣٧٢) و«الكفاية» (ص ٣٨ - ٣٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز مداراة من يُتَّقَى فحشه، قال البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»: «باب المداراة مع الناس»، قال في «الفتح»: المداراة بغير همز، وأصله الهمز؛ لأنه من الدرء، وهو المدافعة، والمراد به: الدفع برفق، وأشار البخاريّ بالترجمة إلى ما ورد فيه على غير شرطه، فقد ورد فيه حديث جابر - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «مداراة الناس صدقة»، أخرجه ابن عديّ، والطبرانيّ في «الأوسط»، وفي سنده يوسف بن محمد بن المنكدر ضعفوه، وقال ابن عديّ: أرجو أنه لا بأس به، وأخرجه ابن أبي عاصم في «آداب الحكماء» بسند أحسن منه، وحديث أبي هريرة - ﵁ -: «رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس»، أخرجه البزار بسند ضعيف. انتهى . قال ابن بطال - ﵀ -: المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس، ولِيْن الكلمة، وتَرْك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الأُلفة، وظَنّ بعضهم أن المداراة هي المداهنة، فغَلِط؛ لأن المداراة مندوب إليها، والمداهنة محرّمة، والفرق أن المداهنة من الدِّهَان، وهو الذي يَظهر على الشيء، ويستر باطنه، وفسَّرها العلماء بأنها معاشرة الفاسق، وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه، والمداراة هي الرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله، وترك الإغلاظ عليه، حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تألّفه، ونحو ذلك. انتهى . ٢ - (ومنها): بيان جواز غيبة الفاسق المعلن بفسقه، ومن يحتاج الناس إلى التحذير منه، قال البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»: «باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والرِّيَب»، ثم أورد حديث عائشة - ﵂ - المذكور في الباب مستدلًا على الترجمة، قال في «الفتح»: وقد نوزع في كون ما وقع من ذلك غيبةً، وإنما هو نصيحةٌ؛ لِيَحْذَر السامع، وإنما لم يواجه المقول فيه بذلك؛ لِحُسْن خُلُقه - ﷺ -، ولو واجه المقول فيه بذلك، لكان حسنًا، ولكن حصل القصد بدون مواجهة، والجواب أن المراد أن صورة الغيبة موجودة فيه، وان لم يتناول الغيبة المذمومة شرعًا، وغايته أن تعريف الغيبة المذكور أوّلًا هو اللغويّ، وإذا استُثني منه ما ذُكر كان ذلك تعريفها الشرعيّ. انتهى . وقال في «العمدة»: هذا الحديث أصل في المداراة، وفي جواز غيبة أهل الكفر، والفسق، والظلمة، وأهل الفساد. انتهى. وقال في «الفتح»: ويُستنبط منه أن المجاهر بالفسق والشرّ، لا يكون ما يُذكر عنه من ذلك من ورائه من الغيبة المذمومة، قال العلماء: تباح الغيبة في كل غَرَض صحيح شرعًا، حيث يتعيّن طريقًا إلى الوصول إليه بها؛ كالتظلم، والاستعانة على تغيير المنكر، والاستفتاء، والمحاكمة، والتحذير من الشرّ، ويدخل فيه تجريح الرواة والشهود، وإعلام من له ولاية عامة بسيرة من هو تحت يده، وجواب الاستشارة في نكاح، أو عَقْد من العقود، وكذا من رأى متفقهًا يتردد إلى مبتدع، أو فاسق، ويخاف عليه الاقتداء به، وممن تجوز غِيبتهم من يتجاهر بالفسق، أو الظلم، أو البدعة. انتهى . ٣ - (ومنها): ما قاله الخطابيّ - ﵀ -: جَمَع هذا الحديث علمًا وأدبًا، وليس في قول النبيّ - ﷺ - في أمته بالأمور التي يسميهم بها، ويضيفها إليهم من المكروه غيبة، وإنما يكون ذلك من بعضهم في بعض، بل الواجب عليه أن يبيّن ذلك، ويفصح به، ويعرّف الناس أمره، فإن ذلك من باب النصيحة، والشفقة على الأمة، ولكنه لِمَا جُبل عليه من الكرم، وأُعطيه من حُسن الخُلُق، أظهر له البشاشة، ولم يجبهه بالمكروه؛ لتقتدي به أمته في اتقاء شرّ مَن هذا سبيله، وفي مداراته؛ لِيَسْلَموا من شرّه وغائلته. وتعقّبه الحافظ، فقال: وظاهر كلامه أن يكون هذا من جملة الخصائص، وليس كذلك، بل كلُّ من اطّلع من حال شخص على شيء، وخشي أن غيره يغترّ بجميل ظاهره، فيقع في محذورٍ مّا، فعليه أن يُطلعه على ما يحذر من ذلك؛ قاصدًا نصيحته، وإنما الذي يمكن أن يَختصّ به النبيّ - ﷺ - أن يُكشف له عن حال من يغترّ بشخص من غير أن يُطلعه المغترّ على حاله، فيذم الشخص بحضرته؛ ليتجنبه المغترّ؛ ليكون نصيحةً، بخلاف غير النبيّ - ﷺ -، فإن جواز ذمّه للشخص يتوقف على تحقّق الأمر بالقول، أو الفعل، ممن يريد نُصحه. وقال القرطبيّ - ﵀ -: في الحديث جواز غيبة المعلن بالفسق، أو الفحش، ونحو ذلك من الجور في الحكم، والدعاء إلى البدعة، مع جواز مداراتهم اتقاء شرّهم، ما لم يؤدّ ذلك إلى المداهنة في دين الله تعالى، ثم قال تبعًا لعياض: والفرق بين المدارة والمداهنة أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا، أو الدين، أو هما معًا، وهي مباحة، وربما استُحِبّت، والمداهنة: تَرْك الدِّين لصلاح الدنيا، والنبيّ - ﷺ - إنما بذل له من دنياه حُسن عشرته، والرفق في مكالمته، ومع ذلك فلم يمدحه بقول، فلم يناقض قوله فيه فِعله، فإن قوله فيه قولٌ حقّ، وفِعله معه حسنُ عِشْرة، فيزول مع هذا التقرير الإشكال بحمد الله تعالى. وقال عياض: لم يكن عُيينة - والله أعلم - حينئذ أسلم، فلم يكن القول فيه غيبةً، أو كان أسلم، ولم يكن إسلامه ناصحًا، فأراد النبيّ - ﷺ - أن يبيّن ذلك؛ لئلا يغترّ به من لم يعرف باطنه، وقد كانت منه في حياة النبيّ - ﷺ - وبعده أمور، تدلّ على ضَعف إيمانه، فيكون ما وصفه به النبيّ - ﷺ - من جملة علامات النبوة، وأما إلانة القول له بعد أن دخل، فعلى سبيل التألّف له، ذكره في «الفتح» ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٧٤] (. . .) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَ مَعْنَاهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «بِئْسَ أَخُو الْقَوْمِ، وَابْنُ الْعَشِيرَةِ »). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل خمسة أبواب، غير «عبد بن حميد» فتقدّم قبل ثلاثة عشر بابًا. [تنبيه]: رواية معمر عن ابن المنكدر هذه ساقها عبد بن حميد - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (١٥١١) - أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن ابن المنكدر، عن عروة، عن عائشة، أتى رجل، فاستأذن على النبيّ - ﷺ -، فقال النبيّ - ﷺ -: «بئس أخو القوم، وابن العشيرة هذا»، فلما دخل أقبل عليه بوجهه، وحدّثه، فلما خرج، قالت عائشة: يا رسول الله، قلتَ فيه ما قلتَ، ثم أقبلت عليه بوجهك، وحديثك، فقال: «إن من شرّ الناس منزلةً عند الله يوم القيامة رجل اتّقاه الناس لشرّه - أو قال -: لِفُحشه» ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (٢٦)

١. «شرح البخاري» لابن بطال ٩/ ٢٣٠.

٢. «إكمال المعلم» ٨/ ٦٢.

٣. «المفهم» ٦/ ٥٧٢.

٤. «شرح النوويّ» ١٦/ ١٤٣.

٥. «الفتح»١٣/ ٥٧٩ - ٥٨٠، كتاب«الأدب»رقم (٦٠٣٢).

٦. «عمدة القاري»٢٢/ ١١٧.

٧. «الفتح»١٣/ ٦٠٩.

٨. «المعلم»٣/ ١٦٧.

٩. «إكمال المعلم»٨/ ٦٣.

١٠. «الفتح»١٣/ ٥٧٩ - ٥٨٠.

١١. رواه مسلم.

١٢. «المفهم» ٦/ ٥٧٣ - ٥٧٤.

١٣. «المصباح المنير» ٢/ ٦٥٣.

١٤. «المصباح المنير» ٢/ ٤٦٣.

١٥. «النهاية في غريب الأثر» ٣/ ٧٩٠.

١٦. «المرقاة» ٨/ ٥٧٤.

١٧. أشار به إلى ما أخرجه البخاريّ في «التفسير»، فقال:

١٨. وقال أبو عمر بن عبد البرّ في «الاستيعاب» ٣/ ١٢٥٠: وفي غير هذه الرواية في هذا الخبر أنه دخل على رسول الله - ﷺ - بغير إذن، فقال له رسول الله - ﷺ -: «وأين الإذن؟» فقال: ما استأذنت على أحد من مضر، وكانت عائشة مع النبيّ - ﷺ - جالسةً، فقال: من هذه الحميراء؟ فقال: «أم المؤمنين» قال: أفلا أنزل لك عن أجمل منها؟ فقالت عائشة: من هذا يا رسول الله؟ قال: «هذا أحمق مطاع، وهو على ما تَرَيْن سيّد قومه». انتهى.

١٩. «الفتح» ١٣/ ٥٨٢.

٢٠. «الفتح» ١٣/ ٧٠٢، كتاب «الأدب» رقم (٦١٣١).

٢١. «شرح البخاريّ» لابن بطّال ٩/ ٣٠٥.

٢٢. «الفتح» ١٣/ ٦٠٩.

٢٣. «الفتح» ١٣/ ٦١٠.

٢٤. «الفتح» ١٣/ ٥٨٠ - ٥٨١، كتاب «الأدب» رقم (٦٠٣٢).

٢٥. وفي نسخة: «أو ابن العشيرة».

٢٦. «مسند عبد بن حميد» ١/ ٤٣٧.