HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٥٩٣

حدثنا حرملة بن يحيي التجيبي. أخبرنا عبد الله بن وهب. أخبرني حيوة. حدثني ابن الهاد عن أبي بكر بن حزم، عن عمرة (يعني بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ)، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال «يا عائشة! إن الله رفيق يحب الرفق. ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف. وما لا يعطي على ما سواه».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص22
ج ٤ ص ٢٠٠٣

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٠ ص٦٥١
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٧٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ حُرِمَ الرِّفْقَ حُرِمَ الْخَيْرَ، أَوْ مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ، يُحْرَمِ الْخَيْرَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) الْعَبْديّ مولاهم البصريّ، ثقة [٨] (ت ١٧٦) وقيل: بعدها (ع) تقدم في «الطهارة» ١١/ ٥٨٤. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي إِسْمَاعِيلَ) راشد السلميّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٤٢) (م د س) تقدم في «الزكاة» ٨/ ٢٢٩٨. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (أَوْ مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ) «أو» هنا للشكّ من الراوي، هل قال: «من حُرم» بصيغة الماضي، أو قال: «من يُحرَم» بصيغة المضارع، والشكّ من محمد بن أبي إسماعيل، أو مَن دونه. والحديث من أفراد المصنّف - ﵀ -، وقد مضى تمام البحث فيه قبله. وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٧٨] (٢٥٩٣) - (حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرَةَ - يَعْنِي: بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ، يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ) المصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبِ) بن مسلم، أبو محمد المصريّ الحافظ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (حَيْوَةُ) بن شُريح بن صفوان التُّجيبي، أبو زرعة المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ زاهدٌ [٧] (ت ٨ أو ١٥٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٧/ ٣٢٨. ٤ - (ابْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد الله بن أُسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٣/ ١٥٩. ٥ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ حَزْمٍ) هو: أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ النجاريّ - بالنون والجيم - المدنيّ القاضي، اسمه وكنيته واحد، وقيل: إنه يُكْنَى أبا محمد، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت ١٢٠) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٠/ ٤٢٢. ٦ - (عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سَعْد بن زُرارة الأنصاريّة المدنيّة، أكثرت عن عائشة - ﵂ -، ثقةٌ [٣] ماتت قبل المائة، ويقال: بعدها (ع) تقدمت في «شرح المقدمة» جـ ٢ ص ٤١٧. ٧ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين - ﵂ -، تقدّم في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُباعيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسل بالمصريين إلى حيوة، والباقون مدنيّون، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، وفيه عائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) - ﵂ - (زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -) بالجر على البدليّة، (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ)؛ أي: لطيف بعباده، يريد بهم اليسر، ولا يريد بهم العسر، فيكلفَهم فوق طاقتهم، بل يسامحهم، ويلطف بهم، قيل: لا يجوز إطلاق الرفيق على الله تعالى اسمًا؛ لأن أسماءه تعالى إنما تثبت بالتواتر، ولم يُستعمل هنا على قصد التسمية، وإنما أخبر به عنه تمهيدًا للحكم الذي بعده، لكن قال النوويّ: الأصح جواز تسميته تعالى رفيقًا وغيره مما يثبت بخبر الواحد. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي صححه النوويّ - ﵀ - من جواز تسميته تعالى بما ثبت في خبر الآحاد هو الحقّ؛ فإن خبر الآحاد تثبت به الأحكام الشرعيّة، سواء كان في باب العقائد، أو العبادات، أو المعاملات، واشتراط كون الأخبار متواترة في باب العقائد مذهب الطوائف الزائغة، فتبصّر لذلك، فإنه من مزالّ الأقدام، والله تعالى وليّ التوفيق. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله:»إن الله رفيق يحب الرفق»؛ أي: يأمر به، ويحضّ عليه، وقد تقدّم أن حبّ الله للطاعة شَرْعه لها، وترغيبه فيها، وحبّ الله لمن أحبه من عباده: إكرامه له. قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم الردّ على القرطبيّ وغيره في تأويلهم صفة المحبّة بالإكرام ونحوه، فالحقّ أن صفة المحبّة ثابتة لله تعالى على ظاهرها، كما يليق بجلاله، فتنبه فإن هذا من مزالّ الأقدام، والله تعالى أعلم. (يُحِبُّ الرِّفْقَ) بالكسر: لِيْن الجانب بالقول والفعل، والأخذ بأيسر الوجوه، وأحسنها؛ أي: يحب أن يَرْفُق بعضكم ببعض، وقال الباجيّ: يريد ما يحاوله الإنسان من أمر دينه، ودنياه . (وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ) في الدنيا من الثناء الجميل، ونيل المطالب، وتسهيل المقاصد، وفي العقبى من الثواب الجزيل، (مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ) بتثليث العين، وضمّها أشهر، وبسكون النون: الشدة، والمشقة، فكل ما في الرفق من الخير، ففي العنف من الشر مثله، ونبّه به على وطاءة الأخلاق، وحسن المعاملة، وكمال المجاملة، وفيه إيذان بأن الرفق أنجح الأسباب، وأنفعها بأسرارها، ووَصَفَ الله - ﷾ - بالرفق إرشادًا وحَثًّا لنا على تحري الرفق في كل أمر ، وقوله: (وَمَا لَا يُعْطِي)؛ أي: ويُعطي الذي لا يعطيه (عَلَى مَا)؛ أي: على الخُلق الذي هو (سِوَاهُ«)؛ أي: غير الرفق، ففيه تعميم بعد التخصيص، وقال القاري: قوله:»على ما سواه«؛ أي: سوى الرفق، وهو العنف، ففي الكلام زيادة مبالغة وتأكيد للحكم، والأظهر أن التقدير: ما سوى الرفق، من الخصال الحسنة. وإنما ذكر قوله:»وما لا يعطي على ما سواه«بعد قوله:»ما لا يعطي على العنف»؛ ليدلّ على أن الرفق أنجح الأسباب كلها، وأنفعها بأسرها، قال الطيبيّ: وفي معناه قول الشاعر [من الكامل]: يَا طَالِبَ الرِّزْقِ الْهَنِيِّ بِقُوَّةٍ … هَيْهَاتَ أَنْتَ بِبَاطِلٍ مَشْغُوفُ أَكَلَ الْعُقَابُ بِقُوَّةٍ جِيَفَ الْفَلَا … وَرَعَى الذُّبَابُ الشَّهْدَ وَهْوَ ضَعِيفُ والمعنى: ينبغي للمرء أن لا يحرص في رزقه، بل يَكِل أمره إلى الله تعالى الذي تولى القسمة في خَلْقه، فالنَّسْر يأكل الجيفة بعنفه، والنحل يرعى العسل برفقه. قال التوربشتيّ: فإن قيل: فما معنى قوله - ﷺ -: «أنت رفيق، والله الطبيب» ؟. قلنا: الطيب الحاذق بالشيء الموصوف، ولم يُرد بهذا القول نفي هذا الاسم عمن يتعاطى ذلك، وإنما حوّل المعنى من الطبيعة إلى الشريعة، وبيّن لهم أن الذي يرجون من الطبيب فالله فاعله، والمنّان به على عباده، وهذا كقوله: «فإن الله هو الدهر»، وليس الطبيب بموجود في أسماء الله سبحانه، ولا الرفيق، فلا يجوز أن يقال في الدعاء: يا طبيب، ولا يا رفيق. انتهى. وفيه إيماء إلى أنه يجوز أن يقال: هو الطبيب، وهو رفيق على منوال ما ورد، وأما قوله - ﷺ - في آخر كلامه عند خروجه من الدنيا: «الرفيق الأعلى» فيَحْتَمِل أن يراد به الله، وأن يراد به الملأ الأعلى، فمع الاحتمال لا يصحّ الاستدلال. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن ما ثبت في الحديث الصحيح من تسمية الله تعالى به، جائز الاستعمال، مثل قوله: «رفيق» فنفي التوربشتي الجواز غير مقبول، فتبصّر بالإنصاف. وقال النوويّ - ﵀ -: قوله - ﷺ -: «ما لا يعطي على العنف» العنف بضم العين، وفتحها، وكسرها، حكاهن القاضي وغيره، والضم أفصح، وأشهر، وهو ضد الرفق، ومعنى «يعطي على الرفق»؛ أي: يثيب عليه ما لا يثيب على غيره، وقال القاضي: معناه: يتأتى به من الأغراض، ويسهل من المطالب ما لا يتأتى بغيره. وقال القاضي عياض في «المشارق»: الرفق في صفات الله تعالى وأسمائه بمعنى اللطيف الذي في القرآن، والرفق واللطف: المبالغة في البرّ على أحسن وجوهه، وكذلك في كل شيء، والرفق في كل أمر: أخْذه بأحسن وجوهه، وأقربها، وهو ضد العنف. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف» معناه: أن الله تعالى يعطي عليه في الدنيا من الثناء الجميل، وفي الآخرة من الثواب الجزيل، ما لا يعطي على العنف الجائز، وبيان هذا بأن يكون أمرٌ مّا من الأمور سَوَّغ الشرع أن يُتوصّل إليه بالرفق، وبالعنف، فسلوك طريق الرّفق أَولى؛ لِمَا يحصل عليه من الثناء على فاعله بحُسن الخلق، ولِمَا يترتّب عليه من حُسن الأعمال، وكمال منفعتها، ولهذا أشار - ﷺ - بقوله: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه»، وضدّه الخرق، والاستعجال، وهو مفسد للأعمال، وموجب لسوء الأحدوثة، وهو المعبّر عنه بقوله: «ولا نُزِع من شيء إلا شانه»؛ أي: عابه، وكان له شينًا، وأما الخرق والعنف فمفوِّتان مصالح الدنيا، وقد يفضيان إلى تفويت ثواب الآخرة، ولذلك قال - ﷺ -: «من يُحرم الرفق يُحرم الخير»؛ أي: يفضي ذلك به إلى أن يُحرم خير الدنيا والآخرة. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣/ ٦٥٧٨] (٢٥٩٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٥٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١٠/ ١٩٣)، و(الطبرانيّ) في «الصغير» (١/ ٢٦٢)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٤٩٢)، و(ابن عساكر) في «تاريخ دمشق» (٦٣/ ٤٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الرفق، والحثّ على التخلق، وذمّ العنف، والرفق سبب كل خير. وقال وليّ الدين - ﵀ -: فيه الحثّ على الرفق، والصبر، والحلم، وملاطفة الناس ما لم تَدْع حاجة إلى المخاشنة. ٢ - (ومنها): بيان عظيم خُلُق النبيّ - ﷺ -، وكمال حِلمه، وذلك أن سبب هذا الحديث أن قومًا من اليهود دخلوا على النبيّ - ﷺ -، فقالوا: السام عليك، فسمعت عائشة - ﵂ - ذلك منهم، فقالت: بل عليكم السام، واللعنة، فقال: «يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله. . .» الحديث. ٣ - (ومنها): بيان تسمية الله - ﷿ -، ووَصْفه بالرفيق، قال القرطبيّ - ﵀ -: قد تقرّر في غير موضع: أن العلماء اختلفوا في أسماء الله تعالى، هل الأصل فيها التوقيف، فلا يسمّى إلا بما سمّى به نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله - ﷺ -، أو بإجماع عليه؟، أو الأصل جواز تسميته تعالى بكل اسمٍ حسنٍ، إلا أن يمنع منه مانع شرعيّ؟ الأول لأبي الحسن الأشعريّ، والثاني للقاضي أبي بكر، ومثار الخلاف: هل الألف واللام في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ الآية [الأعراف: ١٨٠] للجنس، أو للعهد؟ ثم إذا تنزّلنا على رأي الشيخ أبي الحسن، هل نقتبس أسماءه تعالى من أخبار الآحاد، أو لا؟ اختَلَف المتأخرون من الأشعرية، في ذلك على قولين، والصحيح قبول أخبار الآحاد في ذلك؛ لأنَّ إطلاق الأسماء على الله تعالى حكم شرعيّ عمليّ، فيُكْتَفى فيه بخبر الواحد، والظواهر؛ كسائر الأحكام العملية. فأما معنى الاسم، فإن شَهِد باتصاف الحقّ به قاطعٌ عقليّ، أو سمعيّ وجب قبوله، وعلمه، وإلا لم يَجِب. ثم هل يُكتفى في كون الكلمة اسمًا من أسماء الله تعالى بوجودها في كلام الشارع من غير تكرار، ولا كثرة، أم لا بُدّ منهما؟ فيه رأيان، وقد سبق القول في ذلك. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ ثبوت الأسماء والصفات لله تعالى باخبار الآحاد، كما يأتي تحقيقه، فتبصّر، وبالله تعالى التوفيق. وقال المازريّ: لا يوصف الله - ﷾ - إلا بما سمى به نفسه، أو سمّاه به رسول الله - ﷺ -، أو أجمعت الأمة عليه، وأما ما لم يَرِدْ إذن في إطلاقه، ولا وَرَدَ مَنْع في وصْف الله تعالى به، ففيه خلاف، منهم من قال: يبقى على ما كان قبل ورود الشرع، فلا يوصف بحِلّ، ولا حرمة، ومنهم من مَنَعه، قال: وللأصوليين المتأخرين خلاف في تسمية الله تعالى بما ثبت عن النبيّ - ﷺ - بخبر الآحاد، فقال بعض حُذّاق الأشعرية: يجوز؛ لأن خبر الواحد عنده يقتضي العمل، وهذا عنده من باب العمليات، لكنه يمنع إثبات أسمائه تعالى بالأقيسة الشرعية، وإن كانت يُعمل بها في المسائل الفقهية، وقال بعض متأخريهم: يُمنع ذلك، فمن أجاز ذلك فَهِمَ من مسالك الصحابة - ﵃ - قبولَهم ذلك في مثل هذا، ومن مَنَع، ولم يسلّم ذلك، ولم يثبت عنده إجماع فيه، فبقي على المنع، قال المازريّ: فإطلاق «رفيق» إن لم يثبت بغير هذا الحديث الآحاد جرى في جواز استعماله الخلاف الذي ذكرنا، قال: ويَحْتَمِل أن يكون «رفيق» صفة فعل، وهي ما يخلقه الله تعالى من الرفق لعباده. انتهى كلام المازريّ. قال النوويّ بعد نقل كلام المازريّ هذا: والصحيح جواز تسمية الله تعالى رفيقًا وغيره مما ثبت بخبر الواحد، وقد قدمنا هذا واضحًا في «كتاب الإيمان» في حديث: «إنّ الله جميل يحب الجمال» في «باب تحريم الكبر»، وذَكَرنا أنه اختيار إمام الحرمين. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي صححه النوويّ - ﵀ - من ثبوت تسمية الله تعالى بخبر الواحد هو الحقّ الذي تؤيّده النصوص، وهذه المسألة قد استوفيت بحثها في «كتاب الإيمان» عند شرح حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - برقم [٤١/ ٢٧٢] (٩١): «إن الله جميل يحبّ الجمال. . .» الحديث ، وقلت: الحقّ جواز تسمية الله تعالى ووَصْفه بما ورد في أخبار الآحاد، مثل هذا الحديث، وأن أخبار الآحاد الصحيحة الثابتة عن النبيّ - ﷺ - مما يوجب العلم والعمل معًا، والقول بأنه لا يوجب العلم، واشتراط التواتر في باب العقائد قول باطلٌ، وإن كثر به القائلون من المتكلّمين، وممن سار على دربهم، وقد حقّقت ذلك في «التحفة المرضيّة» في الأصول، حيث قلت: قَدْ أَجْمَعَ السَّلَفُ أَنْ يُحْتَجَّ فِي … بَابِ الْعَقَائِدِ بِهِ فَهْوَ يَفِي كَبَابِ الأحْكَامِ لأَنَّ الْحُجَجَا … كِلَيْهِمَا تَعُمُّ خُذْهُ مَنْهَجَا ثُمَّتَ رَدُّ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي … بَابِ الْعَقَائِدِ فَسَادُهُ وَفِي إِذْ فِيهِ إِبْطَالُ أَحَادِيثَ تَصِحّْ … بِهَا الْعَقَائِدُ ثُبُوتُهَا يَضِحْ وَأَجْمَعَ الصَّحْبُ الْكِرَامُ وَالتَّبَعْ … عَلَى قَبُولِهَا وَنِعْمَ الْمُتَّبَعْ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحُكْمِ وَالْعَقَائِدِ … أَحْدَثَهُ أُولُو اتِّجَاهٍ فَاسِدِ فَلَيْسَ يُعْرَفُ عَنِ الصَّحْبِ وَلَا … مَنْ بَعْدُ مِنْ ذَوِي الْعُلُوم الْفُضَلَا وَإِنَّمَا يُعْرَفُ عَنْ رُؤُوسِ … أَهْلِ الْهَوَى وَالْمَذْهَبِ الْمَنْحُوسِ وَهُوَ حُجَّةٌ لِكُلِّ بَابِ … مِنْ دُونِ فَرْقٍ لِذَوِي الأَلْبَابِ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا تَعُمُّ الْبَلْوَى … وَغَيْرِهِ لَدَى ثُبُوتِ الْفَتْوَى وَبَيْنَ مَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ أَوْ … زَادَ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ قَدْ رَأَوْا أَوْ خَالَفَ الْقِيَاسَ إِذْ أَدِلَّةُ … وُجُوبِ أَخْذِنَا سَوَاءٌ عَامَةُ هَذَا الَّذِي مَضَى عَلَيْهِ مَنْ سَلَفْ … وَمَا عَنِ الْبَعْضِ أَتَى أَنْ قَدْ عَزَفْ عَنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ أُوِّلَ عَلَى … عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِهِ أَوْ وَصَلَا عَنْ غَيْرِ مَوْثُوقٍ أَوِ الْمُعَارِضُ … قَامَ لَدَيْهِمُ فَعَنْهُ أَعْرَضُوا ثُمَّ اعْلَمَنْ بِأَنَّ تَقْسِيمَ الْخَبَرْ … لِمُتَوَاتِرٍ وَآحَادٍ يَقَرّْ فِيهِ اعْتِبَارَانِ صَحِيحٌ يُقْبَلُ … وَبَاطِلٌ يُرَدُّ أَنَّها الأَوَّلُ تَقْسِيمُهُ بِحَسَبِ الْمَعْنَى كَمَا … سَبَقَ فِي تَعْرِيفِ كُلٍّ عُلِمَا
مصادر المؤلف (١٠)

١. »شرح الزرقانيّ«٤/ ٥٠٤.

٢. »شرح الزرقانيّ«٤/ ٥٠٤.

٣. »فيض القدير«٢/ ٢٣٧.

٤. أشار به إلى ما أخرجه الحميديّ في «مسنده» ٢/ ٣٨٢ بسند جيّد عن إياد بن لقيط، عن أبي رِمْثة السلميّ قال: دخلت مع أبي على رسول الله - ﷺ -، فرأى أبي الذي بظهره، فقال: دعني أُعالج الذي بظهرك، فإني طبيب، فقال: «إنك رفيق، والله الطبيب. . .» الحديث.

٥. «مرقاة المفاتيح» ٨/ ٧٩٧ - ٧٩٨.

٦. «مشارق الأنوار» ١/ ٢٩٦.

٧. «المفهم» ٦/ ٥٧٨.

٨. «المفهم» ٦/ ٥٧٦.

٩. راجع: «البحر المحيط» ٣/ ١٠٢ - ١١٨.

١٠. بتخفيف ميم «عامة» للوزن.