HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٦٠٣

حدثني زهير بن حرب وأبو معن الرقاشي (واللفظ لزهير) قَالَا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ. حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ أَبِي طَلْحَةَ. حدثني أنس بن مالك قال: كانت عند أم سليم يتيمة. وهي أم أنس. فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اليتيمة. فقال «آنت هيه؟ لقد كبرت لا كبر سنك» فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكي. فقالت أم سليم: مالك؟ يا بنية! قالت الجارية: دعا عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا يكبر سني. فالآن لا يكبر سني أبدا. أو قالت قرني. فخرجت أم سليم مستعجلة تلوث خمارها. حتى لَقِيتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مالك؟ يا أم سليم!» فقالت: يا نبي الله! أدعوت على يتيمتي؟ قال «وما ذاك؟ يا أم سليم!» قالت: زعمت أنك دعوت أن لا يكبر سنها ولا يكبر قرنها. قَالَ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. ثم قال «يا أم سليم! أما تعلمين أن شرطي على ربي، أني اشترطت على ربي فقلت: إنما أن بشر. أرضى كما يرضى البشر. وأغضب كما يغضب البشر. فأيما أحد دعوت عليه، من أمتي، بدعوة ليس لها بأهل، أن تجعلها له طهورا وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة». وقال أبو معن: يتيمة. بالتصغير، في المواضع الثلاثة من الحديث.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص26
ج ٤ ص ٢٠٠٩

سلسلة الرواة

التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٩٥
[٨٠٩] وقوله: (تَلُوثُ) ، يقال: لَاثَ العِمامة يلوثها لوثًا: إذا أدارها على رأسه، والمَلَاتُ: الموضع يُلاثُ عليه الثوب، وقوله: (آنتِ هِيَهُ؟): الهاء هاء الوقف، وقوله: (تَلُوثُ خِمَارَهَا)؛ أي: تلويه على رأسها، وفي الحديث بيان أن النبي ﷺ كان يغضب إذا كره أمرا، و(القَرْنُ): السِّن، يقال فلان على قرنِ فلان؛ أي: على سِنِّه. ومن باب أن الصدق يهدي إلى البر
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٠ ص٧٠٨
٣ - (أَبُو عَاصِمٍ) الضحاك بن مَخْلد بن الضحاك بن مُسلم الشيبانيّ، أبو عاصم النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٢) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٩. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (جَمِيعًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ)؛ يعني: أن كلًّا من روح بن عبادة، وأبي عاصم روى هذا الحديث عن ابن جريج بسنده، ومتنه الماضي. [تنبيه]: لم أجد من ساق روايتَيْ روح، وأبي عاصم عن ابن جريج، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٠٤] (٢٦٠٣) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَتْ عِنْدَ أُمِّ سُلَيْمٍ يَتِيمَةٌ، وَهِيَ أُمُّ أَنَسٍ، فَرَأَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْيَتِيمَةَ، فَقَالَ: «آنْتِ هِيَهْ؟ لَقَدْ كَبِرْتِ، لَا كَبِرَ سِنُّكِ»، فَرَجَعَتِ الْيَتِيمَةُ إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ تَبْكِي، فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: مَا لَكِ يَا بُنَيَّةُ؟ قَالَتِ الْجَارِيَةُ: دَعَا عَلَيَّ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - أَنْ لَا يَكْبَرَ سِنِّي، فَالآنَ لَا يَكْبَرُ سِنِّي أَبَدًا - أَوْ قَالَتْ: قَرْنِي - فَخَرَجَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ مُسْتَعْجِلَةً، تَلُوثُ خِمَارَهَا، حَتَّى لَقِيَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا لَكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ؟»، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ أَدَعَوْتَ عَلَى يَتِيمَتِي؟ قَالَ: «وَمَا ذَاكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ؟»، قَالَتْ: زَعَمَتْ أَنَّكَ دَعَوْتَ أَنْ لَا يَكْبَرَ سِنُّهَا، أَوْ لَا يَكْبَرَ قَرْنُهَا ، قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، ثُمَّ قَالَ: «يَا أُمُّ سُلَيْمٍ أَمَا تَعْلَمِينَ أَنَّ شَرْطِي عَلَى رَبِّي أَنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي، فَقُلْتُ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَرْضَى كمَا يَرْضَى الْبَشَرُ، وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِي، بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ، أَنْ تَجْعَلَهَا لَهُ طَهُورًا، وَزَكَاةً، وَقُرْبَةً يُقَرِّبُهُ بِهَا مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، وَقَالَ أَبُو مَعْنٍ: يُتَيِّمَةٌ، بِالتَّصْغِيرِ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ مِنَ الْحَدِيثِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل حديثين. ٢ - (أَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ) زيد بن يزيد الثقفيّ البصريّ، ثقةٌ [١١] (م) من أفراد المصنّف تقدم في «الإيمان» ٥٧/ ٣٢٨. ٣ - (عُمَرُ بْنُ يُونُسَ) بن القاسم الحنفيّ، أبو حفص الْجُرَشيّ اليماميّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٥. ٤ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) الْعِجليّ، أبو عمار اليماميّ، أصله من البصرة، ثقة، وهو ضعيف في يحيى بن أبي كثير ضعيف؛ لاضطرابه فيه، ولم يكن له كتاب [٥] مات قُبيل الستين ومائة (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٥. ٥ - (إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ) هو: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاريّ المدنيّ، أبو يحيى ثقةٌ حجةٌ [٤] (ت ١٣٢) وقيل: بعدها (ع) تقدم في «الطهارة» ٣٠/ ٦٦٧. ٦ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ، خادم رسول الله - ﷺ -، خَدَمه عشر سنين، مات - ﵁ - سنة اثنتين، وقيل: ثلاث وتسعين، وقد جاوز المائة (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره، وله فيه شيخان، قرن بينهما، وفيه أنس - ﵁ - من المكثرين السبعة. شرح الحديث: عن عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، أنه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ) هو إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، نُسب هنا لجدّه، قال: (حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) - ﵁ - (قَالَ: كَانَتْ عِنْدَ أُمِّ سُلَيْمٍ) بنت مِلْحان بن خالد الأنصاريّة، والدة أنس الراوي عنها، اختُلف في اسمها، قيل: سهلة، أو رُميلة، أو رُميثة، أو مليكة، أو أنيثة، وهي الْغُميصاء، أو الرُّميصاء، اشتهرت بكنيتها، من الصحابيّات الفاضلات، ماتت في خلافة عثمان - ﵄ -، تقدّمت ترجمتها في «الحيض» ٧/ ٧١٦، والجارّ والمجرور خبر مقدّم لـ «كان»، واسمها، قوله: (يَتِيمَةٌ) لم يُعرف اسمها، قاله صاحب «التنبيه» ، واليتيمة: الصغيرة التي مات أبوها، قال الفيّوميّ - ﵀ -: يَتُمَ يَيْتَمُ، من بابَي تَعِب، وقَرُب يَتْمًا، بضم الياء، وفتحها، لكن اليُتم في الناس من قِبَل الأب، فيقال: صغير يَتِيمٌ، والجمع أيْتَامٌ، ويَتَامَى، وصغيرة يَتِيمَةٌ، وجَمْعها يَتَامَى، وفي غير الناس مِن قِبَل الأمّ، وأَيْتَمَت المرأة إيتَامًا، فهي مُوِتمٌ: صار أولادها يَتَامَى، فإنْ مات الأبوان، فالصغير: لَطِيمٌ، وإن ماتت أمه فقط، فهو عَجِيٌّ. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت ما ذُكر بقولي: مَعْنَى الْيَتِيمِ فَاقِد الأَبِ إِذَا … كَانَ مِنَ النَّاسِ وَأُمٍّ غَيْرُ ذَا وَسَمِّهِ اللَّطِيمَ إِنْ ذَيْنِ فَقَدْ … أَوْ أُمَّهُ الْعَجِيُّ فَافْهَمْ مَا وَرَدْ وقوله: (وَهِيَ أُمُّ أَنَسٍ) ليس راجعًا لـ «يتيمة»، بل هو راجع لـ «أم سليم»؛ يعني: أن أم سليم هي أم أنس بن مالك الراوي عنها. (فَرَأَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْيَتِيمَةَ)؛ أي: المذكورة؛ لأن القاعدة إذا أُعيدت النكرة معرفة، فهي عَيْن الأُولى؛ إلا لمانع، وقد ذكر السيوطيّ - ﵀ - في «عقود الجمان» القاعدة بقوله: ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشْتَهِرَهْ … إِذَا أَتَتْ نَكِرَةٌ مُكَرَّرَهْ تَغَايَرَا وَإِنْ يُعَرَّفْ ثَانِ … تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ شَاهِدُهَا الَّذِي رَوينَا مُسْنَدَا … «لَنْ يَغْلِبَ الْيُسْرَيْنِ عُسْرٌ» أَبَدَا وَنَقَضَ السُّبْكِيُّ ذِي بِأَمْثِلَهْ … وَقَالَ ذِي قَاعِدَةٌ مُسْتَشْكَلَهْ قال الجامع: قلت معقّبًا على كلام السبكي: وَلَا اسْتِشْكَالَ إِذْ ذِي تُحْمَلُ … عَلَى الَّذِي يَغْلِبُ إِذْ تُسْتَعْمَلُ (فَقَالَ) - ﷺ - لَمّا رآها كبيرة بعد فترة: («آنْتِ) بالمدّ، وأصله: أأنت بهمزتين، الأُولى للاستفهام، والثانية همزة»أنتِ«، وهو مبتدأ، خبره قوله: (هِيَهْ؟) بفتح الياء، وإسكان الهاء، وهي هاء السكت، قال في»الخلاصة«: وَوَصْلَ ذِي الْهَاءِ أَجِزْ بِكُلِّ مَا … حُرِّكَ تَحْرِيكَ بِنَاءٍ لَزِمَا وقال القرطبيّ - ﵀ -: الهاء في«هيهْ»للوقف، فإذا وَصَلْتَ حذفتها، وهذا الاستفهام على جهة التعجّب، وكأنه - ﷺ - كان قد رآها صغيرةً، ثم غابت عنه مدّةً، فرآها قد طالت، وعَبُلت ، فتعجّب من سُرعة ذلك، فقال لها ذلك القول متعجّبًا، فوصل كلامَهُ بقوله:«لا كبِر سنُّك» على ما قلناه من إطلاق ذلك القول من غير إرادة معناه، وهذا واضحٌ هنا. ويَحْتَمِل أن يقال: إنما دعا عليها بأن لا يكبر سنها كِبَرًا تعود به إلى أرذل العمر، كما كان النبيّ - ﷺ - يتعوّذ من أن يُردَّ إلى أرذل العمر، والمعنى الأول أظهر من مساق بقيّة الحديث في اعتذاره - ﷺ - عن ذلك. انتهى . (لَقَدْ كَبِرْتِ) بفتح الكاف، وكسر الموحّدة، قال الفيّوميّ - ﵀ -: كَبِرَ الصبيّ وغيره يَكْبَرُ، من باب تَعِبَ مَكْبِرًا، مثلُ مَسْجِدٍ، وكِبَرًا، وزانُ عِنَبٍ، فهو كبِيرٌ، وجَمْعه كِبَارٌ، والأنثى كَبِيرَةٌ، وفي التفضيل هو الأكبرُ، وجَمْعه الأَكَابِرُ، وهي الكُبْرى، وجَمْعها كُبَرٌ، وكُبْرَيَاتٌ، وهذا أَكْبَرُ من زيد: إذا زادت سِنّه على سنّ زيد. انتهى . (لَا كَبِرَ سِنُّكِ») هذا لفظه لفظ دعاء عليها بأن لا يكبر سنّها، ولكن المراد به مجرّد تدعيم الكلام، على عادة العرب، كما أسلفنا تحقيقه. (فَرَجَعَتِ الْيَتِيمَةُ إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ) - ﵂-، حال كونها (تَبْكِي) من دعاء النبيّ - ﷺ - عليها، (فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: مَا لَكِ)؛ أي؛ أيّ: شيء ثبت لك، حيث تبكين (يَا بُنَيَّةُ؟ قَالَتِ الْجَارِيَةُ: دعَا عَلَيَّ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - أَنْ لَا يَكْبَرَ سِنِّي) هذا هو ظنها الذي أداها إلى البكاء، (فَالآنَ)؛ أي: الوقت الحاضر؛ أي: ابتداء منه، (لَا يَكْبَرُ سِنِّي أَبَدًا) قال الفيّوميّ - ﵀ -: الأَبَدُ: الدَّهْر، ويقال: الدَّهْر الطويل الذي ليس بمحدود، قال الرُّمَّانيُّ: فإذا قلت: لا أكَلِّمُهُ أبدًا، فالأبَدُ من لَدُنْ تكَلَّمْت إلى آخر عمرك، وجَمْعه آبَادٌ، مثل سَبَبٍ وأسباب. انتهى . (أَوْ قَالَتْ) «أو» هنا للشكّ من الراوي فيما ذكرت الجارية، هل قالت: سنّي، أو قالت: (قَرْنِي) قال القرطبيّ - ﵀ -: هو بفتح القاف، وتعني به السنّ، وهو شكّ عَرَض لبعض الرواة، وأصله أن من ساوى آخر في سنّه كان قَرنُ رأسه محاذيًا لقرنه، وقرن الرأس: جانبه الأعلى، وهذا يدلّ على أن إجابة دعوات رسول الله - ﷺ - كانت معلومة بالمشاهدة عند كبارهم وصغارهم؛ لكثرة ما كانوا يشاهدون من ذلك، ولعِلمهم بمكانته - ﷺ -. انتهى . وقال الأبيّ - ﵀ -: السنّ والقرن - بفتح القاف - واحد، يقال: سنّه، وقرنه مماثِلُه في العمر، فكأنه قال لها: لا طال عمرك؛ لأنه إذا طال عمرها طال عُمُر أصل قرنها. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: قولها: «قَرْني» بفتح القاف، وهو نظيرها في العمر، قال القاضي: معناه: لا يطول عمرها؛ لأنه إذا طال عمرها طال عُمُر قرنها. وتعقّبه النووي، قائلًا: وهذا الذي قاله فيه نظرٌ؛ لأنه لا يلزم من طول عُمُر أحد القرنين طول عُمُر الآخر، فقد يكون سنّهما واحدًا، ويموت أحدهما قبل الآخر. قال: وأما قوله - ﷺ - لها: «لا كبر سنك»، فلم يُرِد به حقيقة الدعاء، بل هو جارٍ على ما قدّمناه في ألفاظ هذا الباب. انتهى . (فَخَرَجَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ) - ﵂ - حال كونها (مُسْتَعْجِلَةً، تَلُوثُ خِمَارَهَا)؛ أي: تديره على رأسها، وعُنُقها، فذهبت (حَتَّى لَقِيَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (مَا لَكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ؟ «)؛ أي: أيّ شيء حَمَلك على أن جئت الآن؟ (فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ أَدَعَوْتَ عَلَى يَتِيمَتِي؟) بعدم كبر سنّها، (قَالَ) - ﷺ -: (»وَمَا ذَاكِ) بكسر الكاف (يَا أُمَّ سُلَيْمٍ؟ «، قَالَتْ: زَعَمَتْ)؛ أي: قالت اليتيمة (أَنَّكَ) بفتح الهمزة؛ لوقوعها مفعولًا به لـ»زعمت«، (دَعَوْتَ أَنْ لَا يَكْبَرَ سِنُّهَا، أَوْ لَا يَكْبَرَ قَرْنُهَا) وفي بعض النسخ:»ولا يكبر«بالواو، والأول أَولى. (قَالَ) أنس - ﵁ - (فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) تعجّبًا من خوف أم سلمة - ﵂ - من قبول دعائه - ﷺ - على يتيمتها، (ثُمَّ قَالَ) - ﷺ -: (»يَا أُمَّ سُلَيْمٍ أَمَا) بفتح الهمزة، وهي للاستفهام، و«ما» نافية؛ أي: ألست (تَعْلَمِينَ أَنَّ شَرْطِي عَلَى رَبِّي) الجارّ والمجرور خبر «أنّ»؛ أي: كائن على ربّي، وقوله: (إِنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي) بكسر همزة «إنّ» جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، وهو ما وقع جوابًا عن سؤال مقدّر، فكأنها قالت له: ما شرطك على ربك يا رسول الله؟، فقال: «إني اشترطت. . . إلخ»، ووقع في بعض النسخ: «أما تعلمين أني اشترطت على ربي» بحذف جملة «شَرْطي على ربّي»، وعليه فهمزة «أنّي» مفتوحة؛ لسدّها مسدّ مفعولي «تعلمين». (فَقُلْتُ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ، وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ)؛ أي: إنما أنا مجبول بما جُبل به البشر من الأحوال المختلفة؛ كالرضى، والغضب، (فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِي، بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ)؛ أي: ليس مستحقًّا لها، بأن كان ما صدر عنه مما أغضبني عليه لا يستحقّ تلك الدعوة، (أَنْ تَجْعَلَهَا)؛ أي: الدعوة، (لَهُ طَهُورًا) بفتح الطاء المهملة؛ أي: مطهّرة لذنوبه، وهو معنى الرواية الأخرى: «كفّارةً»، (وَزَكَاةً)؛ أي: زيادة ونماء في الأجر، كما مرّ التعبير في الرواية الأخرى بالأجر، (وَقُرْبَةً)؛ أي: سبب قُرب، وقال القرطبيّ: القربة: ما يقرّب إلى الله تعالى، وإلى رضوانه. (يُقَرِّبُهُ) الله - ﷾ - (بِهَا)؛ أي: بسبب تلك الزكاة (مِنْهُ) تعالى (يَوْمَ الْقِيَامَةِ«) خصَّه؛ لأنه محلّ استيفاء الأجور، قال الله - ﷿ -: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. وقوله: (وَقَالَ أَبُو مَعْنٍ)؛ يعني: شيخه الثاني، زيد بن يزيد، (يُتَيِّمَةٌ) بضمّ أوله، (بِالتَّصْغِيرِ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ مِنَ الْحَدِيثِ) بيّن به اختلاف شيخيه في ضبط هذه اللفظة:«يتيمة»، فرواها زهير بصيغة التكبير، وخالفه أبو معن، فرواها بصيغة التصغير، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٥/ ٦٦٠٤] (٢٦٠٣)، و(ابن حبّان) في«صحيحه» (٦٥١٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده:
مصادر المؤلف (١١)

١. وفي نسخة: «ولا يكبر قرنها» بالواو.

٢. «تنبيه المعلم»ص ٤٣٢.

٣. «المصباح المنير»٢/ ٦٧٩.

٤. راجع:«الفوائد السميّة»ص ٤٨.

٥. أي: ضَخُمت.

٦. «المفهم» ٦/ ٥٨٦.

٧. «المصباح المنير» ٢/ ٥٢٣.

٨. «المصباح المنير» ١/ ١.

٩. «المفهم» ٦/ ٥٨٦.

١٠. «شرح الأبيّ» ٧/ ٤٥.

١١. «شرح النوويّ» ١٦/ ١٥٤ - ١٥٥.