HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٦٣٢

حدثنا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال «لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار، إلا تحلة القسم».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص39
ج ٤ ص ٢٠٢٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤١ ص١٨٤
(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦/ ٦٦٧٢] (٢٦٣١)، و(البخاريّ) في «الأدب المفرد» (١/ ٣٠٨)، و(الترمذيّ) في «البرّ والصلة» (١٩١٤)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٨/ ٥٥٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٤٧)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٤/ ١٧٧)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (١/ ١٧٦)، و(البيهقيّ) في «شُعَب الإيمان» (٦/ ٤٠٤)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (١٦٨٢)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٧) - (بَابُ فَضْلِ مَنْ يَمُوتُ لَهُ وَلَدٌ، فَيَحْتَسِبُهُ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٧٣] (٢٦٣٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَمُوتُ لأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَد، فتَمَسَّهُ النَّارُ، إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) المخزوميّ المدنيّ الفقيه المشهور، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁-، تقدّم أيضًا قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وأنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة، وأنه أصحّ أسانيد أبي هريرة -﵁-، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن المسيّب أحد الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -)؛ أنه (قَالَ: «لَا) نافية، (يَمُوتُ لأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ) وفي رواية أبي حازم الآتية تقييده بقوله:»لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ«؛ أي: لم يَجْر عليهم القلم بسبب بلوغهم، وعملهم الحنث؛ أي: الذنب، (فتَمَسَّهُ النَّارُ) بالنصب بعد الفاء السببيّة، كما قال في»الخلاصة«: وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَو طَلَبْ … مَحْضَيْنِ«أَنْ»وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ (إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ») -بفتح المثناة، وكسر الحاء المهملة، وتشديد اللام- أي: ما ينحلّ به القَسَم، وهو اليمين، وهو مصدر: حَلّل اليمينَ؛ أي: كفّرها، يقال: حلّل تحليلًا، وتَحِلَّةً، وتَحِلّا بغير هاء، والثالث شاذّ، وقال أهل اللغة: يقال: فعلته تحلّةَ القسم؛ أي: قدرَ ما حَلَّلتُ به يميني، ولم أُبالغ. وقال الخطابيّ: حَلَّلت القَسَم تحلّةً؛ أي: أبررتها. [تنبيه]: قال القرطبيّ ﵀: اختُلف في المراد بهذا القسم، فقيل: هو معيَّنٌ، وقيل: غير معيَّن، فالجمهور على الأول، وقيل: لم يَعْنِ به قَسَم بعينه، وإنما معناه: التقليل لأمر ورودها، وهذا اللفظ يُستعمل في هذا، تقول: لا ينام هذا إلا لتحليل الأَلِيّة، وتقول: ما ضربته إلا تحليلًا؛ إذا لم تبالغ في الضرب؛ أي: قَدْرًا يصيبه منه مكروه، وقيل: الاستثناء بمعنى الواو؛ أي: لا تَمَسُّه النار قليلًا، ولا كثيرًا، ولا تحلّةَ القسم، وقد جَوَّز الفرّاء، والأخفش مجيء «إلّا» بمعنى الواو، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ [النمل: ١٠، ١١]، والأول قول الجمهور، وبه جزم أبو عبيد وغيره، وقالوا: المراد به قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، قال الخطابيّ: معناه لا يدخل النار؛ ليعاقَب بها، ولكنه يدخلها مجتازًا، ولا يكون ذلك الجواز إلا قدر ما يُحَلِّل به الرجل يمينه، ويدلّ على ذلك ما وقع عند عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ في آخر هذا الحديث: «إلا تحلة القسم»؛ يعني: الورود، وفي «سنن سعيد بن منصور» عن سفيان بن عيينة، في آخره: ثم قرأ سفيان: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، ومن طريق زمعة بن صالح، عن الزهريّ، في آخره: قيل: وما تحلة القسم؟ قال: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، وكذا وقع من رواية كريمة في الأصل: قال أبو عبد الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، وكذا حكاه عبد الملك بن حبيب، عن مالك، في تفسير هذا الحديث، وورد نحوه من طريق أخرى في هذا الحديث، رواه الطبرانيّ من حديث عبد الرحمن بن بشر الأنصاريّ مرفوعًا: «من مات له ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث، لم يَرِد النارَ إلا عابر سبيل»؛ يعني: الجواز على الصراط، وجاء مثله من حديث آخر، أخرجه الطبرانيّ، من حديث سهل بن معاذ بن أنس الْجُهَنيّ، عن أبيه، مرفوعًا: «مَن حَرَس وراء المسلمين في سبيل الله متطوعًا، لم ير النار بعينه، إلا تحلة القسم»، فإن الله ﷿ قال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾. [تنبيه آخر]: اختُلف في موضع القَسَم من الآية، فقيل: هو مقدَّر؛ أي: والله إن منكم، وقيل: معطوف على القَسَم الماضي في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ [مريم: ٦٨]؛ أي: وربك إن منكم، وقيل: هو مستفاد من قوله تعالى: ﴿حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾؛ أي: قَسَمًا واجبًا، كذا رواه الطبرانيّ وغيره، من طريق مُرّة، عن ابن مسعود، ومن طريق ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، ومن طريق سعيد، عن قتادة، في تفسير هذه الآية. وقال الطيبيّ: يَحْتَمِل أن يكون المراد بالقَسَم: ما دلّ على القطع والبَتِّ من السياق، فإن قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ﴾ [الفرقان: ١٦] تذييل، وتقرير لقوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾، فهذا بمنزلة القسم، بل أبلغ؛ لمجيء الاستثناء بالنفي والإثبات. [تنبيه آخر]: اختَلَف السلف في المراد بالورود في الآية، فقيل: هو الدخول، رَوى عبد الرزاق عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار: أخبرني من سمع من ابن عباس، فذكره، ورَوى أحمد، والنسائيّ، والحاكم، من حديث جابر، مرفوعًا: «الورود الدخول، لا يبقى بَرٌّ، ولا فاجر، إلا دخلها، فتكون على المؤمنين بردًا وسلامًا»، ورَوَى الترمذيّ، وابن أبي حاتم، من طريق السديّ: سمعت مُرّة يحدّث عن عبد الله بن مسعود، قال: يَرِدونها، أو يَلِجونها، ثم يَصْدُرون عنها بأعمالهم، قال عبد الرحمن بن مهديّ: قلت لشعبة: إن إسرائيل يرفعه، قال: صدق، وعمدًا أدعه، ثم رواه الترمذيّ عن عبد بن حميد، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، مرفوعًا. وقيل: المراد بالورود: الممرّ عليها، رواه الطبريّ وغيره، من طريق بشر بن سعيد، عن أبي هريرة، ومن طريق أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، ومن طريق معمر، وسعيد، عن قتادة، ومن طريق كعب الأحبار، وزاد: «يستوون كلهم على متنها، ثم ينادي منادٍ: أمسكي أصحابك، وَدَعِي أصحابي، فيخرج المؤمنون نَدِيّةً أبدانهم». وهذان القولان أصحّ ما ورد في ذلك، ولا تنافي بينهما؛ لأن من عَبَّر بالدخول تجوّز به عن المرور، ووجْهه أن المارّ عليها فوق الصراط في معنى من دَخَلها، لكن تختلف أحوال المارّة باختلاف أعمالهم، فأعلاهم درجة من يمرّ كلمع البرق، كما بُيّن ذلك في حديث الشفاعة، ويؤيد صحة هذا التأويل ما رواه مسلم من حديث أم مبشر: «إن حفصة قالت للنبيّ - ﷺ - لَمّا قال: لا يدخل أحد شَهِد الحديبية النار: أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾؟ فقال لها: أليس الله تعالى يقول: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم: ٧٢]» الآية. وفي هذا بيان ضَعْف قول من قال: الورود مختصّ بالكفار، ومن قال: معنى الورود: الدنوّ منها، ومن قال: معناه: الإشراف عليها، ومن قال: معنى ورودها: ما يُصيب المؤمن في الدنيا من الْحُمَّى، على أن هذا الأخير ليس ببعيد، ولا ينافيه بقية الأحاديث، والله أعلم، ذَكَر هذا كلّه في «الفتح». مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧/ ٦٦٧٣ و٦٦٧٤ و٦٦٧٥] (٢٦٣٢)، و(البخاريّ) في «الجنائز» (١٢٥١) و«الأيمان والنذور» (٦٦٥٦) وفي «الأدب المفرد» (١/ ٦٢)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ٢٣٥)، و(الترمذيّ) في «الجنائز» (١٠٦٠)، و(النسائيّ) في «المجتبى» (٤/ ٢٥) وفي «الكبرى» (١/ ٦١٥ و٦/ ٤٩٤)، و(ابن ماجه) في «الجنائز» (١٦٠٣)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١١/ ١٣٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٣٩)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٣/ ٣٦)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٢/ ٤٤٤)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٠/ ٢٨٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٩٤٢)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١/ ١٤٤)، و(ابن أبي عاصم) في «السُّنَّة» (٢/ ٤١٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٦٧ و٦٨ و٧/ ٧٨ و١٠/ ٦٤) و«شُعَب الإيمان» (١/ ٣٣٦ و٧/ ١٣١)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٤٥٠ و٤٥١ و١٥٤٢ و١٥٤٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل من مات له ثلاثة أولاد، فإنه يدخل الجنّة، ولا تمسّه النار، إلا الورود الذي في قوله ﷿: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ الآية. ٢ - (ومنها): أن هذا الفضل خاصّ بالمسلمين، فلا حظّ للكافر فيه، وتدخل المسلمات فيه، وقد جاء ما يخصّهنّ بالذكر في الحديث الثالث. ٣ - (ومنها): بيان فضل الله تعالى على المسلمين، حيث جعل لهم الجنة عِوَضًا عما يصيبهم من البلاء بموت أولادهم. ٤ - (ومنها): بيان أن أولاد المسلمين في الجنة؛ لأن من يكون سببًا في حَجْب النار عن أبويه أَولى بأن يُحجَبَ هو؛ لأنه أصل الرحمة، وسببها، بل جاء التصريح به في الحديث، ولفظه: «فيقال: ادخلوا الجنّة أنتم وآباؤكم»، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): أن من حلف أن يفعل كذا، ثم فَعَل منه شيئًا ولو قَلّ بَرّت يمينه، خلافًا لمالك، قاله عياض وغيره. ٦ - (ومنها): بيان كون أولاد المسلمين في الجنة. قاله الجمهور، ووَقَفت طائفة قليلة، والصحيح قول الجمهور. قال النوويّ ﵀: أجمع من يُعتدّ به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين، فهو من أهل الجنة، وتوقف فيه بعضهم، لِمَا أخرجه مسلم عن عائشة -﵂-، قالت: أُتي رسول الله - ﷺ -، بصبيّ من صبيان الأنصار، فصلى عليه، قالت عائشة: فقلت: طوبى لهذا، عصفور، من عصافير الجنة، لم يعمل سوءًا، ولم يدركه، قال: «أو غير ذلك يا عائشة، خَلَق الله ﷿ الجنة، وخَلَق لها أهلًا، وخَلَقهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار، وخلق لها أهلًا، وخلقهم في أصلاب آبائهم». قال: والجواب عنه: أنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير دليل، أو قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة. انتهى، والله تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ ﵀: في هذا الحديث على حَسَب ما قيّده مالك ﵀ في ترجمته من ذِكر الحسبة، وهي الصبر، والاحتساب، والرضا، والتسليم، أن المسلم تُكَفَّر خطاياه، ويُغفر له ذنوبه بالصبر على مصيبته، ولذلك خَرَج عن النار، فلم تمسّه، قاله في «الاستذكار» . وقال في «التمهيد»: فيه أن المسلم تُكَفَّر خطاياه، وتُغْفَر له ذنوبه بالصبر على مصيبته، ولذلك زُحزح عن النار، فلم تمسّه؛ لأن من لم تُغفر له ذنوبه لم يُزحزح عن النار -والله أعلم، أجارنا الله منها- وإنما قلت ذلك بدليل قوله - ﷺ -: «لا يزال المؤمن يصاب في ولده، وحامَّته حتى يلقى الله، وليست عليه خطيئة»، وإنما قلت: إن ذلك بالصبر والاحتساب والرضى؛ لقوله - ﷺ -: «من صبر على مصيبته، واحتسب كان جزاؤه الجنة». انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٧٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِإِسْنَادِ مَالِكٍ، وَبِمَعْنَى حَدِيثِه، إِلَّا أَنَّ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ: «فَيَلِجَ النَّارَ، إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ»). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نصر الْكِسّيّ بمهملة، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، وبذلك جزم ابن حبان، وغير واحد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣١. ٣ - (ابْنُ رَافِعٍ) هو: محمد بن رافع النيسابوريّ الحافظ، تقدّم قريبًا. ٤ - (عَبْدُ الرَّزّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (مَعْمَرُ) بن راشد اليمنيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا في السند الماضي، والبابين الماضيين. وقوله: (فَيَلِجَ النَّارَ) من الولوج، وهو الدخول، يقال: وَلَجَ يَلِج وُلُوجًا ولجَةً؛ أي: دخل، قال سيبويه: إنما جاء مصدره: وُلُوجًا، وهو من مصادر غير المتعدي، على معنى: وَلَجت فيه، وأولَجه: أدخله، قال الله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحج: ٦١]؛ أي: يزيد من هذا في ذلك، ومن ذلك في هذا، قاله في «العمدة» . وقوله: «فيلجَ النارَ» منصوب بـ «أَنْ» المقدرة، تقديره: فأن يلج النار؛ لأن الفعل المضارع المنفيّ يُنصب بـ «أن» المقدرة، وحَكَى الطيبيّ عن بعضهم: إنما تنصب الفاء الفعل المضارع بتقدير «أن» إذا كان ما قبلها وما بعدها سببية، ولا سببية هاهنا؛ إذ لا يجوز أن يكون موت الأولاد، ولا عدمه سببًا لولوج أبيهم النار، فالفاء بمعنى الواو التي للجمعية، وتقديره: لا يجتمع لمسلم موت ثلاثة من أولاده، وولوجه النار، ونظيره ما ورد: «ما من عبد يقول في صباح كل يوم، ومساء كل ليلة: بسم الله الذي لا يضرّ مع اسمه شيء في الأرض، ولا في السماء، وهو السميع العليم، فيضرَّه شيء» بالنصب، وتقديره: لا يجتمع قول عبدٍ هذه الكلمات في هذه الأوقات، وضرُّ شيء إياه، قال الطيبيّ: إن كانت الرواية على النصب فلا مَحِيد عن ذلك، والرفع يدل على أنه لا يوجد ولوج النار عقيب موت الأولاد، إلا مقدارًا يسيرًا، ومعنى فاء التعقيب كمعنى الماضي في قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤] في أن ما سيكون بمنزلة الكائن؛ لأن ما أخبر به الصادق من المستقبل كالواقع. وقال بعضهم : وهذا قد تلقاه جماعة عن الطيبيّ، وأقروه عليه، وفيه نَظَر؛ لأن السببية حاصلة بالنظر إلى الاستثناء؛ لأن الاستثناء بعد النفي إثبات، فكان المعنى أن تخفيف الولوج مسبَّب عن موت الأولاد، وهو ظاهر؛ لأن الولوج عامّ، وتخفيفه يقع بأمور، منها موت الأولاد بشرطه، وما ادّعاه أن الفاء بمعنى الواو التي للجمع فيه نَظَر. قلت : في كل واحد من نظريه نَظَر، أما الأول، فلأنّا لا نسلّم حصول السببية بالنظر إلى الاستثناء؛ لأن الولوج هاهنا ليس على حقيقته بالاتفاق؛ لأنه بمعنى الورود، وقد مرّ أن في معناه أقوالًا، وقوله: لأن الاستثناء بعد النفي إثبات: محلّ نزاع، وقد عُلم في موضعه، وأما الثاني فأيضًا ممنوع؛ لأن الحروف ينوب بعضها عن بعض، ولم يمنع أحد عن ذلك، ألا ترى أن بعضهم قالوا: إن الاستثناء بمعنى الواو؛ أي: لا تمسه النار قليلًا، ولا كثيرًا، ولا تحلّة القَسَم، وقد جوّز الفراء، والأخفش، وأبو عبيدة مجيء «إلا» بمعنى الواو، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]؛ أي: ولا الذين ظلموا منهم. انتهى . [تنبيه]: أما رواية سفيان بن عيينة عن الزهريّ، فساقها البخاريّ ﵀ في «صحيحه»، فقال: (١١٩٣) - حدّثنا عليّ، حدّثنا سفيان، قال: سمعت الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة -﵁-، عن النبيّ - ﷺ - قال: «لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد، فيلجَ النار، إلا تحلّة القَسَم»، قال أبو عبد الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾. انتهى . وساقها أيضًا أبو بكر بن أبي شيبة في «مصنّفه»، فقال: (١١٨٧٧) - حدّثنا سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة، يرفعه، قال: «من قَدَّم ثلاثة من ولده لن يلج النار، إلا تحلة القسم». انتهى . وأما رواية معمر عن الزهريّ، فساقها عبد الرزّاق ﵀ في «مصنّفه»، فقال: (٢٠١٣٩) - أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من مات له ثلاثة لم يبلغوا الحِنْث، لم تمسّه النار، إلا تحلّة القَسَم». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٧٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ -يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ- عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ لِنِسْوَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ: «لَا يَمُوتُ لإِحْدَاكُنَّ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَد، فَتَحْتَسِبَهُ، إِلَّا دَخَلَتِ الْجَنَّةَ»، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: أَوِ اثْنَيْنِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «أَوِ اثْنَيْنِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ) بن عبيد الدّرَاوَرْديّ، أبو محمد الْجُهَنيّ مولاهم المدنيّ، صدوق، كان يحدِّث من كُتُب غيره، فيخطئ، قال النسائيّ: حديثه عن عبيد الله العمريّ منكر [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٥. والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي، وقبل خمسة أبواب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وأنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، فبغلانيّ، وقد دخل المدينة للأخذ عن أهلها، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة -﵁-، وقد مضى القول فيه. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁-؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ لِنِسْوَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ:) لم أر من ذكر أسماءهنّ، وفي رواية ابن حبّان: «أن نسوة من الأنصار قُلن له: يا رسول الله إنا لا نستطيع أن نأتيك مع الرجال، فقال رسول الله - ﷺ -: موعدكنّ بيت فلانة، فجاء، فتحدث معهنّ، ثم قال: لا يموت لإحداكنّ. . .» الحديث. («لَا) نافية، ولذا رُفع الفعل بعدها، (يَمُوتُ لإِحْدَاكُنَّ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ)؛ أي: ممن لم يبلغوا الحِنْث، كما قيّد في الرواية الأخرى. وقال القرطبيّ ﵀:«الولد»: يقال على الذكر والأنثى، بخلاف الابن، فإنَّه يقال على الذكر: ابن، وعلى الأنثى: ابنة، وقد يُقيَّد مطلق هذه الرواية، بقوله في الرواية الأخرى:«لم يبلغوا الحنث»كما يُقَيّد مطلق حديث أبي هريرة الماضي بقوله هنا:«فتحتسبه»، وبحديث أبي النضر السُّلميّ:«لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد، فيحتسبهم». فقوله:«لم يبلغوا الحنث»؛ أي: التكليف، والحنث: الإثم، وإنما خصّه بهذا الحدّ؛ لأنَّ الصغير حبّه أشدّ، والشفقة عليه أعظم، وقيّده بالاحتساب؛ لِمَا قرّرناه غير مرة أن الأجور على المصائب لا تحصل إلا بالصبر، والاحتساب. وإنما خصّ الولد بثلاثة؛ لأنَّ الثلاثة أوّل مراتب الكثرة، فتعظم المصائب، فتكثر الأجور، فأمَّا إذا زاد على الثلاثة فقد يَخِفّ أمر المصيبة الزائدة؛ لأنها كأنها صارت عادة ودَيْدنًا، كما قال المتنبي [من الكامل]: أَنْكَرْتُ طَارِقَةَ الْحَوَادِثِ مَرَّةً … ثُمَّ اعْتَرَفْتُ بِهَا فَصَارَتْ دَيْدَنَا وقال آخر [البسيط]: رُوِّعْتُ بِالْبَيْنِ حَتَّى مَا أُرَاعُ لَهُ … وَبِالْمَصَائِبِ فِي أَهْلِي وَجِيرَانِي ويَحْتَمِل أن يقال: إنما لم يَذْكر ما بعد الثلاثة؛ لأنَّه من باب الأحرى والأَولى؛ إذ من المعلوم أن من كَثُرت مصائبه كثر ثوابه، فاكتفي بذلك عن ذِكره، والله تعالى أعلم . (فَتَحْتَسِبَهُ) أفرد الضمير، باعتبار الميت؛ أي: تدّخر أجر ذلك الميت عند الله تعالى، قال الفيّوميّ ﵀: احْتَسَبَ الأجرَ على الله: ادّخره عنده، لا يرجو ثواب الدنيا، والاسم: الحِسْبَةُ، بالكسر، واحْتَسَبْتُ بالشيء: اعتددت به، قال الأصمعيّ: وفلان حَسَنُ الحِسْبَةِ في الأمر؛ أي: حَسَن التدبير، والنظر فيه، وليس هو من احتساب الأجر، فإن احْتِسَابَ الأجر فِعل لله، لا لغيره. انتهى . وقال في «المشارق»: الاحتساب، والْحِسبان بالكسر، والْحِسْبة: هو ادّخار الأجر، وأن يَحْسُبه في حسناته. انتهى . وقال ابن الأثير ﵀: «احتسابًا»؛ أي: طلبًا لوجه الله، وثوابه، فالاحتساب من الْحَسْب، كالاعتداد من العدّ، وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله: احتسبه؛ لأن له حينئذ أن يَعتدّ عمله، فجُعِل في حال مباشرة الفعل كأنه معتدّ به، والْحِسْبة اسم من الاحتساب، كالعِدّة من الاعتداد، والاحتسابُ في الأعمال الصالحة، وعند المكروهات هو البدار إلى طلب الأجر، وتحصيله بالتسليم، والصبر، أو باستعمال أنواع البرّ، والقيام بها على الوجه المرسوم فيها؛ طلبًا للثواب المرجوّ منها. قال: ومعنى: «احتسب فلان ابنًا له»: اعتَدّ مصيبته به في جملة بلايا الله التي يثاب على الصبر عليها. انتهى . وقال في «الفتح» عند شرح قول البخاريّ: «فاحتسب» ما نصّه؛ أي: صَبَر راضيًا بقضاء الله، راجيًا فضله، قال: ولم يقع التقييد بذلك أيضًا في أحاديث الباب ، وكأنه أشار إلى ما وقع في بعض طرقه أيضًا، كما في حديث جابر بن سمرة، وحديث جابر بن عبد الله، وفي رواية ابن حبان، والنسائيّ من طريق حفص بن عبيد الله بن أنس، عن أنس، رفعه: «من احتسب من صُلْبه ثلاثة، دخل الجنة. . .» الحديث، ولمسلم من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: «لا يموت لإحداكنّ ثلاثة من الولد، فتحتسبهم إلا دخلت الجنة. . .» الحديث، ولأحمد، والطبرانيّ من حديث عقبة بن عامر، رفعه: «من أعطى ثلاثة من صلبه، فاحتسبهم على الله، وجبت له الجنة»، وفي «الموطأ» عن أبي النضر السّلَميّ، رفعه: «لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد، فيحتسبهم إلا كانوا جُنّة من النار. . .» الحديث. وقد عُرف من القواعد الشرعية أن الثواب لا يترتب إلا على النية، فلا بدّ من قَيْد الاحتساب، والأحاديث المطلقة محمولة على المقيَّدة، ولكن أشار الإسماعيليّ إلى اعتراض لفظيّ، فقال: يقال في البالغ: احتَسَب، وفي الصغير: افتَرَط. انتهى. وبذلك قال الكثير من أهل اللغة، لكن لا يلزم من كون ذلك هو الأصل، أن لا يستعمل هذا موضع هذا، بل ذكر ابن دُريد وغيره احتَسَب فلان بكذا: طلب أجرًا عند الله، وهذا أعمّ من أن يكون لكبير، أو صغير، وقد ثبت ذلك في الأحاديث التي ذكرناها، وهي حجة في صحة هذا الاستعمال. وقوله: «وقول الله ﷿: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥]» وأراد بذلك الآية التي في البقرة، وقد وُصف فيها الصابرون بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة: ١٥٦] فكأن البخاريّ أراد تقييد ما أُطلق في الحديث بهذه الآية الدالة على ترك القلق، والجزع، ولفظُ المصيبة في الآية، وإن كان عامًّا، لكنه يتناول المصيبة بالولد، فهو من أفراده. انتهى . (إِلَّا دَخَلَتِ الْجَنَّةَ»، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ) قيل: من القائلات أم سُليم، كما عند أحمد في«المسند»(٦/ ٤٣١)، وابن أبي شيبة في«المصنّف»(٣/ ٣٥٣)، والطبرانيّ في«الكبير»، كما في«المجمع»(٣/ ٦) بسند جيّد، كما قال الحافظ في«الفتح»، ومنهنّ أم مبشّر، كما عند الطبرانيّ، وأبي يعلى، وابن أبي شيبة، وأبي قُرّة في«سننه». (أَوِ اثْنَيْنِ) هكذا بالنصب، وهو مفعول لمقدّر؛ أي: أو قدّمت اثنين من ولدها (يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) - ﷺ -: («أَوِ اثْنَيْنِ»)؛ أي: أو قدّمت اثنين، فلها الجنّة، ووقع في النسخة الهنديّة بلفظ:«أو اثنان؟ »، فقال:«أو اثنان»، فيكون فاعلًا لمحذوف؛ أي: مات لها اثنان، وأشار في هامشها أنه وقع في بعض النُّسخ بلفظ:«واثنين»، بالواو في الموضعين، فليُتنبّه. قال النوويّ ﵀: هذا محمول على أنه - ﷺ - أوحي إليه عند سؤالها، أو قبله، وقد جاء في غير مسلم:«أو واحد». وقال القرطبيّ ﵀: وقد استَشكَل بعض الناس قوله - ﷺ -:«لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد، إلا كانوا لها حجابًا من النار»، ثم لمّا سئل عن اثنين، قال:«واثنين». ووجْهه: أنه إذا كان حُكْمُ الاثنين حكمَ الثلاثة، فلا فائدة لذِكر الثلاثة أوّلًا، وهذا إنما يصدر عمن يعتقد أن دلالة المفهوم نصّ كدلالة المنظوم، وليس الأمر كذلك، بل هي عند القائلين بها من أضعف جهات دلالات الألفاظ، وسائر وجوه الدّلالات مرجّحة عليها، كما بيّنّاه في الأصول، هذا إن قلنا: إن أسماء الأعداد لها مفهوم، فإنَّه قد اختَلَف في ذلك القائلون بالمفهوم، وألحقوا هذا النوع باللَّقب الذي لا مفهوم له باتفاق المحقّقين، ثم إن الرافع لهذا الإشكال أن يقال: إن الثواب على الأعمال إنما يُعلَم بالوحي، فيكون الله تعالى قد أوحى إلى نبيّه - ﷺ - بذلك في الثلاثة، ثم إنه لَمّا سئل عن الاثنين أوحى الله إليه في الاثنين بمثل ما أوحى إليه بالثلاثة، ولو سئل عن الواحد لأجاب بمثل ذلك، كما قد دلّت عليه الأحاديث المذكورة في ذلك. ويَحْتَمِل أن يقال: إن ذلك بحَسَب شدّة وَجْد الوالدة، وقوّة صبرها، فقد لا يَبْعد أن تكون مَن فقدت واحدًا، أو اثنين أشدّ ممن فقدت ثلاثة، أو مساوية لها، فتُلحق بها في درجتها، والله تعالى أعلم . مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧/ ٦٦٧٥] (٢٦٣٢)، و(البخاريّ) في «الأدب المفرد» (١٤٨)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥٨٩٨)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١٠١٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٤٦ و٣٧٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٩٤١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٦٧)، والله تعالى أعلم.
مصادر المؤلف (١٨)

١. «الاستذكار» ٣/ ٧٣.

٢. «التمهيد لابن عبد البرّ» ٦/ ٣٤٦ - ٣٤٧.

٣. «عمدة القاري» ٨/ ٣٣.

٤. يعني: الحافظ ابن حجر، كما هو في «الفتح» ٣/ ٦٩٧ - ٦٩٨.

٥. القائل هو: العينيّ في «عمدته».

٦. «عمدة القاري» ٨/ ٣٥.

٧. «صحيح البخاريّ» ١/ ٤٢١.

٨. «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ٣٦.

٩. «مصنف عبد الرزاق»١١/ ١٣٩.

١٠. «المفهم» ٦/ ٦٣٨ - ٦٣٩.

١١. «المصباح المنير» ١/ ١٣٥.

١٢. «مشارق الأنوار» ١/ ٢١١.

١٣. «النهاية في غريب الأثر» ١/ ٩٥٥.

١٤. يعني: الأحاديث التي أوردها البخاريّ في ذلك الباب.

١٥. «الفتح»٣/ ٦٩٠ - ٦٩٢.

١٦. راجع: ما كتبه الشيخ مشهور بن حسن في هامش«تنبيه المعلم»ص ٤٣٤ - ٤٣٥.

١٧. «شرح النوويّ»١٦/ ١٨١ - ١٨٢.

١٨. «المفهم» ٦/ ٦٣٩.