دليل قاطع على ذلك، كما أنكر على سعد بن أبي وقاص في قوله: «إني لأراه مؤمنًا، فقال: أو مسلمًا. . .» الحديث.
(الجواب الثاني): أنه - ﷺ - لعله لم يكن حينئذ اطَّلَع على أنهم في الجنة، ثم أُعلِم بعد ذلك، ومحل الخلاف في غير أولاد الأنبياء، قال المازريّ: أما أولاد الأنبياء -صلوات الله، وسلامه عليهم- فالإجماع متحقَّق على أنهم في الجنة.
١٩ - (التاسعة عشرة):
استَدَلَّ أبو عبيد على أن من حلف على فعل شيء، أنه تبرّ يمينه بفعل القليل منه، وبه قال الجمهور، وحكاه القاضي عياض، وقال: وهو خلاف مذهب مالك. انتهى ما كتبه الحافظ وليّ الّدين العراقيّ ﵀ ، وهو وإن طال إلا أنه بحثٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦٦٧٧] (٢٦٣٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ الأَصْبَهَانِيِّ فِي هَذَا الإِسْنَاد، بِمِثْلِ مَعْنَاهُ، وَزَادَا جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ الأَصْبَهَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «ثَلَاثَةً لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ»).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
- (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ الزَّمِن، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشّار بن عثمان الْعَبْديّ، أبو بكر البصريّ، بُندار، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٢) وله بضع وثمانون سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الْهَذليّ البصريّ المعروف بِغُندر، ثقةٌ صحيح الكتاب، إلا أن فيه غفلةً [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢.
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧.
٥ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو المثنى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧.
٦ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٧ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] مات على رأس المائة (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤٢.
[تنبيه]: قال في «العمدة»: أبو حازم، بالحاء المهملة، والزاي، هو سلمان الأشجعيّ الكوفيّ مولى عَزّة -بالعين المهملة المفتوحة، وبالزاي المشدّدة- الأشجعية، تُوُفّي في خلافة عمر بن عبد العزيز ﵀. قال يحيى بن معين: هو كوفيّ ثقةٌ، روى له الجماعة، وربما يَشتبه بأبي حازم سلمة بن دينار الزاهد، فإنهما تابعيان، مشتركان في الكنية، قال أبو عليّ الجيانيّ: أبو حازم رجلان، تابعيان، يُكنيان بأبي حازم، يرويان عن الصحابة، فالأول: الأشجعيّ، اسمه سَلْمان، يروي عن أبي هريرة -﵁-، روى عنه الأعمش، ومنصور، وفضيل بن غزوان، والثاني: سلمة بن دينار الأعرج، يروي عن سهل بن سعد، روى عنه مالك، والثوريّ، وابن عيينة، وسليمان بن بلال.
قال العينيّ ﵀: ومن الفرق بينهما أن الأول تُوُفّي في خلافة عمر بن عبد العزيز، والثاني تُوفي في سنة خمس وثلاثين ومائة، والأول لم يرو في البخاريّ ومسلم إلا عن أبي هريرة، والثاني لم يرو في الصحابة إلا عن سهل بن سعد، وكلاهما ثقتان، فالأول وثّقه يحيى، والثاني وثّقه أبو حاتم. انتهى .
قال الجامع عفا الله عنه: ومن الفرق بينهما أن الأول كوفيّ، والثاني مدنيّ، والأول من الطبقة الثالثة، والثانى من الطبقة الخامسة، والله تعالى أعلم.
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ)؛ أي: لم يبلغوا سنّ التكليف الذي يُكتب فيه
الحنث؛ أي: الإثم، قاله النوويّ ﵀ .
وقال في «العمدة»: قوله: «لم يبلغوا الحنث»؛ أي: الإثم، والمعنى: أنهم ماتوا قبل بلوغهم التكليف، فلم يُكتب عليهم الآثام، ويقال: معناه لم يبلغوا زمان التكليف، وسنّ العقل، والحنث، بكسر الحاء: الإثم، قال الجوهريّ: يقال: بلغ الغلام الحنث؛ أي: المعصية والطاعة، وقال الصغانيّ: وبلغ الغلام الحنث؛ أي: بلغ مبلغًا جرى عليه القلم بالطاعة، والمعصية، والحنث: الزنا أيضًا، والحنث: الرجوع في اليمين، والحنث: العدل الكبير الثقيل، والحنث: الميل من باطل إلى حقّ، أو من حقّ إلى باطل.
فإن قلت: لم خَصّ الحُكم بالذين لم يبلغوا الحنث، وهم صغار؟.
قلت: لأن قلب الوالدين على الصغير أرحم، وأشفق، دون الكبير؛ لأنَّ الغالب على الكبير عدم السلامة من مخالفة والديه، وعقوقهم. انتهى بتصرّف .
[تنبيه]: رواية شعبة عن عبد الرحمن ابن الأصبهانيّ، ساقها البخاريّ ﵀ في «صحيحه»، فقال:
(١١٩٢) - حدّثنا مسلم، حدّثنا شعبة، حدّثنا عبد الرحمن بن الأصبهانيّ، عن ذكوان، عن أبي سعيد -﵁- أن النساء قلن للنبيّ - ﷺ -: اجعل لنا يومًا، فوعظهنّ، وقال: «أيما امرأة مات لها ثلاثة من الولد، كانوا لها حجابًا من النار -قالت امرأة: واثنان؟ - قال: واثنان».
وقال شريك عن ابن الأصبهانيّ: حدّثني أبو صالح، عن أبي سعيد، وأبي هريرة -﵄-، عن النبيّ - ﷺ -، قال أبو هريرة: لم يبلغوا الحنث.
قال في «الفتح»: قوله: «وقال شريك إلخ» وَصَله ابن أبي شيبة عنه، بلفظ: «حدّثنا عبد الرحمن بن الأصبهانيّ، قال: أتاني أبو صالح يُعَزِّيني عن ابن لي، فأخذ يحدّث عن أبي سعيد، وأبي هريرة، أن النبيّ - ﷺ - قال:»ما من امرأة تَدْفِن ثلاثة أفراط، إلا كانوا لها حجابًا من النار«، فقالت امرأة: يا رسول الله قَدَّمتُ اثنين، قال:»واثنين«، ولم تسأله عن الواحد، قال أبو
هريرة:«من لم يبلغ الحنث»، وهذا السياق ظاهره أن هذه الزيادة عن أبي هريرة موقوفةٌ، ويَحْتَمِل أن يكون المراد: أن أبا هريرة وأبا سعيد اتفقا على السياق المرفوع، وزاد أبو هريرة في حديثه هذا القيد، وهو مرفوع أيضًا، وقد تقدم في«العلم»من طريق أخرى عن شعبة بالإسناد الأول، وقال في آخره:«وعن ابن الأصبهانيّ: سمعت أبا حازم، عن أبي هريرة، وقال: ثلاثة لم يبلغوا الحنث»، وهذه الزيادة في حديث أبي سعيد من رواية شريك، وفي حِفظه نَظَر، لكنها ثابتة عند مسلم من رواية شعبة عن ابن الأصبهانيّ.
وقال في«الفتح»: وعبَّر بقوله:«ولد»ليتناول الواحد فصاعدًا، وإن كان حديث الباب قد قَيَّد بثلاثة، أو اثنين، لكن وقع في بعض طرقه ذِكر الواحد، ففي حديث جابر بن سمرة مرفوعًا:«من دَفَن ثلاثة، فصبر عليهم، واحتَسَب، وجبت له الجنة، فقالت أم أيمن: أو اثنين؟ فقال: أو اثنين، فقالت: وواحد، فسكت، ثم قال: وواحد»، أخرجه الطبرانيّ في«الأوسط»، وحديثِ ابن مسعود، مرفوعًا:«من قدم ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث، كانوا له حصنًا حصينًا من النار، قال أبو ذر: قَدَّمت اثنين، قال: واثنين، قال أُبَيّ بن كعب: قدّمت واحدًا، قال: وواحدًا»، أخرجه الترمذيّ، وقال: غريب، وعنده من حديث ابن عباس، رفعه:«من كان له فرطان من أمتي أدخله الله الجنة، فقالت عائشة: فمن كان له فرط، قال: ومن كان له فرط .. . .»الحديث.
قال الحافظ: وليس في شيء من هذه الطرق ما يصلح للاحتجاج، بل وقع في رواية شريك التي عَلّق البخاريّ إسنادها:«ولم يسأله عن الواحد»، وروى النسائيّ، وابن حبان من طريق حفص بن عبيد الله، عن أنس أن المرأة التي قالت: واثنان، قالت بعد ذلك: يا ليتني قلت: وواحد.
وروى أحمد من طريق محمود بن لبيد، عن جابر، رفعه:«من مات له ثلاث من الولد، فاحتسبهم دخل الجنة»، قلنا: يا رسول الله واثنان؟ قال محمود: قلت لجابر: أراكم لو قلتم: وواحد، لقال: وواحد، قال: وأنا أظن ذلك.
قال الحافظ: وهذه الأحاديث الثلاثة أصحّ من تلك الثلاثة، لكن روى البخاريّ من حديث أبي هريرة، مرفوعًا:«يقول الله ﷿: ما لعبدي المؤمن