HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٦٣٦

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الأشج (واللفظ لأبي بكر). قالوا: حدثنا حفص (يعنون ابن غياث). ح وحَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ. حَدَّثَنَا أبي عن جده، طلق بن معاوية، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عن أبي هريرة قال: أتت امرأة النبي ﷺ بصبي لها. فقالت: يا نبي الله! ادع الله له. فلقد دفنت ثلاثة. قال «دفنت ثلاثة؟» قالت: نعم. قال «لقد احتظرت بحظار شديد من النار». قال عمر، من بينهم: عن جده. وقال الباقون: عن طلق. ولم يذكروا الجد.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص40
ج ٤ ص ٢٠٣٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن النسائي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤١ ص٢٢٨
رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدِ) بن يحيى اليَشكُريّ، أبو قدامة السَّرَخْسيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ، مأمونٌ، سُنّيّ [١٠] (ت ٢٤١) (خ م س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٩. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قريبًا. و«التيميّ» هو سليمان بن طَرْخان المذكور قبله. [تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد القطّان عن سليمان التيميّ هذه لم أجدها إلا عند الحافظ المزيّ في «تهذيب الكمال»، أخرجها بسنده، فقال: وأخبرنا أبو إسحاق بن الدرجيّ، قال: أنبأتنا حفصة بنت محمد بن أبي زيد بن حمكا، قالت: أخبرنا زاهر بن طاهر الشحاميّ، قال: أخبرنا أبو سعد الكنجروذيّ، قال: أخبرنا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خزيمة، قال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد بن الحسين الماسرجسيّ، قال: حدّثنا أبو قُدامة، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد، عن التيميّ، عن أبي السَّلِيل، عن أبي حسّان، قال: قلت لأبي هريرة: إنه تُوُفّي ابنان لي، فهل سمعت من رسول الله - ﷺ - شيئًا تطيّب به أنفسنا عن موتانا؟ قال: «نعم، صغارهم دعاميص الجنة، يَلْقَى أحدهم أبويه، أو قال: أباه، فيأخذ بصنفة ثوبه، كما أخذتُ أنا بصنفة ثوبك، وقال كذا، فلا يفارقه حتى يدخله الله الجنة». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٨٠] (٢٦٣٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ -وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَا حَفْصٌ - يَعْنُونَ ابْنَ غِيَاثٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ جَدِّهِ طَلْقِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَتَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ - ﷺ - بِصَبِيٍّ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ ادْعُ اللهَ لَهُ، فَلَقَدْ دَفَنْتُ ثَلَاثَةً، قَالَ: «دَفَنْتِ ثَلَاثَةً؟»، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: «لَقَدِ احْتَظَرْتِ بِحِظَارٍ شَدِيدٍ مِنَ النَّارِ»، قَالَ عُمَرُ مِنْ بَيْنِهِمْ: عَنْ جَدِّه، وَقَالَ الْبَاقُونَ: عَنْ طَلْقٍ، وَلَمْ يَذْكُرُوا الْجَدَّ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرِ) الْهَمْدانيّ -بسكون الميم- أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٢ - (أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد بَن حُصين الْكِنْديّ الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٧. ٣ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثِ) بن طَلْق النخعيّ القاضي الكوفيّ، تقدّم قبل بابين. ٤ - (عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) -بكسر الغين المعجمة، وآخره مثلثة- ابن طَلْق -بفتح الطاء، وسكون اللام- أبو حفص الكوفيّ، ثقةٌ رُبّما وَهِم [١٠] (ت ٢٢٢) (خ م د ت س) تقدم في «الطهارة» ٣٢/ ٦٧٥. ٥ - (طَلْقُ بْنُ مُعَاوِيَةَ) النَّخَعيّ، أبو غِيَاث الكوفيّ، تابعيّ كبيرٌ، ثقة [٣]. رَوَى عن شُريح القاضي، وأبي زرعة بن عمرو بن جرير، وعنه حفيده حفص بن غياث، وسفيان الثوريّ، وشريك القاضي، ومحمد بن جابر السحيميّ. ونسبه ابن خلفون، فقال: طلق بن معاوية بن الحارث بن ثعلبة، كان معاوية ممن شَهِد القادسية، وفي «الأربعين» للجوزقيّ عن عمر بن حفص بن طلق بن معاوية بن الحارث بن ثعلبة، وكان ممن شَهِد بدرًا. ذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال الذهبيّ في «الكاشف»: ثقةٌ مُقِلّ . أخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد»، والمصنّف، والنسائي، وليس له عندهم إلا هذا الحديث. ٦ - (أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرِ) بن عبد الله الْبَجَليّ الكوفيّ، قيل: اسمه هَرِم، وقيل: عمرو، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: جرير، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٦. والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه أربعة من الشيوخ، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة -﵁-. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁-؛ أنه (قَالَ: أَتَتِ امْرَأَةٌ) لم تُسمَّ، (النَّبِيَّ - ﷺ - بِصَبِيٍّ لَهَا)؛ أي: بولد لها صغير، (فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ ادْعُ اللهَ لَهُ)؛ أي: للصبيّ حتى يشفى من مرضه، ففي الرواية التالية: «جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بِابْنٍ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّهُ يَشْتَكِي، وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْهِ». (فَلَقَدْ دَفَنْتُ ثَلَاثَةً) وفي رواية النسائيّ: «وقد قدّمت ثلاثةً»، (قَالَ) - ﷺ - مستفهمًا لها: («دَفَنْتِ ثَلَاثَةً؟») بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أدفنت ثلاثة أولاد؟ (قَالَتْ) المرأة: (نَعَمْ) دفنت قبله ثلاثةً، (قَالَ) - ﷺ -: («لَقَدِ احْتَظَرْتِ)؛ أي: امتنعتِ بمانع وثيق، وأصلُ الحظر: المنع، وأصل الْحِظَار بكسر الحاء، وفتحها: ما يُجعل حول البستان، وغيره من قضبان، وغيرها، كالحائط، قاله النوويّ ﵀ . وقال المجد ﵀: حَظَرَ الشيءَ، وعليه: مَنَعَه، وحَجَرَه، واتَّخَذ حَظِيرةً، كاحتَظَرَ، والمالَ حبسه فيها، والشيءَ حازه، والْحَظِيرةُ: جَرِينُ التمر، والمحيطُ بالشيء، خشبًا، أو قصبًا. انتهى . وقال ابن الأثير ﵀: والاحتظار فِعلُ الحِظَار، أراد: لقد احتميت بحمى عظيم من النار، يَقِيك حَرَّها، ويؤمّنك دخولها. انتهى . (بحِظَارٍ شَدِيدٍ مِنَ النَّارِ») -بفتح الحاء المهملة، وكسرها-: هو ما يُجعل حول البستان، من شجر، ونحوه، وقال المجد ﵀: الْحِظَارَ، ككتاب: الحائط، ويُفتَحُ، وما يُعمَل للإبل من شجر، ليقيها البرد. انتهى . وقوله: (مِنَ النَّارِ) متعلق بـ«احتظرت». وقال القرطبيّ ﵀: قوله:«لقد احتظرت بحظار شديد من النار»؛ أي: امتنعت، وأصل الحظر: المنع، والحظار: ما يُدار بالبستان من عِيدان، وقَصَب، سمّي بذلك؛ لأنه يمنع من يريد الدخول، والحظيرة، والمحظور منه، والحظار هنا: هو الحجاب المذكور في الحديث الآخر. انتهى . وقوله: (قَالَ عُمَرُ)؛ أي: ابن حفص شيخه الرابع، (مِنْ بَيْنِهِمْ)؛ أي: من بين المشايخ الأربعة الذين رووا عن حفص بن غياث، (عَنْ جَدِّهِ)؛ أي: عبّر بلفظ:«حدّثنا أبي عن جدّه»، وهو طلق بن معاوية، (وَقَالَ الْبَاقُونَ)؛ أي: الثلاثة، وهم: ابن أبي شيبة، وابن نُمير، والأشجّ، (عَنْ طَلْقٍ)؛ أي: قالوا: حدثنا حفص، عن طلق، (وَلَمْ يَذْكُرُوا الْجَدَّ)؛ أي: لم يقولوا:«عن جدّه». وغَرَض المصنّف ﵀ بهذا بيان الاختلاف الواقع بين شيوخه، وإن كان الاختلاف في الحقيقة لفظيًّا؛ إذ الجدّ هو طلق، فلا اختلاف في الحقيقة، وإنما هو لبيان الألفاظ التي أدّوا بها ما تحمّلوه، وسمعه منهم المصنّف، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧/ ٦٦٨٠ و٦٦٨١] (٢٦٣٦)، و(البخاريّ) في «الأدب المفرد» (١٤٤ و١٤٧)، و(النسائيّ) في «المجتبى» (٤/ ٢٦) وفي «الكبرى» (٢٠٠٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٤١٩ و٥٣٦)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (١/ ٢١٣)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٣/ ٣٦)، و(تمام) في «الفوائد» (٢/ ٣٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٦٧) و«شُعب الإيمان» (٧/ ١٣٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٨١] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ طَلْقِ بْنِ مُعَاوِيةَ النَّخَعِيِّ أَبِي غِيَاثٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بِابْنٍ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّهُ يَشْتَكِي، وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْه، قَدْ دَفَنْتُ ثَلَاثَةً، قَالَ: «لَقَدِ احْتَظَرْتِ بِحِظَارٍ شَدِيدٍ مِنَ النَّارِ»، قَالَ زُهَيْرٌ: عَنْ طَلْقٍ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْكُنْيَةَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، نزيل الرّيّ، وقاضيها، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (قَالَ زُهَيْرٌ: عَنْ طَلْقٍ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْكُنْيَةَ) بيّن به أن زهير بن حرب قال في روايته: حدّثنا جرير، عن طلق، ولم يذكر كنية طلق، وهو أبو غياث بِالْغين المعجمة، ثم التحتانيّة، آخره ثاء مثلّثة. والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد مضى شرحه وبيان مسألتيه في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. [خاتمة]: نختم بها الباب: (اعلم): أن الإمام ابن عبد البرّ قد ذكر اختلاف أهل العلم في الأطفال، أحببت ختم الباب به تتميمًا للفوائد، وتكميلًا للعوائد: قال ﵀: وأما اختلاف العلماء في الأطفال، فقالت طائفة: أولاد الناس كلهم، المؤمنين منهم والكافرين إذا ماتوا أطفالًا صغارًا ما لم يبلغوا في مشيئة الله ﷿ يصيّرهم إلى ما شاء من رحمة، أو عذاب، وذلك كلّه عدلٌ منه، وهو أعلم بما كانوا عاملين. وهو قول جماعة من أهل الأثر، منهم حماد بن زيد، وهو الذي يدلّ عليه «موطأ مالك»، وهذا القول نسبه أهل الكلام إلى أهل الأخبار. وحجة من ذهب إلى هذا حديث أبي هريرة -﵁- أن رسول الله - ﷺ - سئل عن الأطفال؟ فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين». وحديث أنس بن مالك ﵀، عن النبيّ - ﷺ - قال: «إن الله ﷿ وَكّل بالرحم مَلَكًا، يقول: يا رب نطفة، يا رب عَلَقة، يا رب مضغة، فإذا أراد أن يقضي خلقه، قال: أذكرٌ أم أنثى؟ أشقيّ أم سعيد؟ وما الرزق؟ وما الأجل؟ فيُكتب في بطن أمه». وحديث ابن مسعود -﵁- قال: حدّثنا رسول الله - ﷺ -، وهو الصادق المصدوق: «أن ابن آدم يمكث في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يصير عَلَقة أربعين يومًا، ثم يصير مُضغَةً أربعين يومًا، ثم يبعث الله إليه ملَكًا، فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ أشقيّ أم سعيد؟ وما الأجل؟ وما الأثر؟ فيوحي الله، ويكتب الملَك، حتى إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع -أو قَيْد ذراع- فيغلب عليه الكتاب الذي سبق، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع -أو قيْد ذراع- فيغلب عليه الكتاب الذي سبق، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخل الجنة». وقد رَوَى هذا المعنى جماعة من الصحابة -﵃-. وقد رُوي عن ابن عباس بالأسانيد الصحاح عنه، أن النبيّ - ﷺ - سئل عن أولاد المشركين، فقال:«الله أعلم بما كانوا عاملين». ورواه أبو هريرة عن النبي - ﷺ - مثله، وطرقه عن أبي هريرة صحاح ثابتة، وهي أثبت من جهة النقل من كل ما رُوي في هذه الأبواب. ومن جهة من ذهب إلى هذا المذهب أيضًا حديث عائشة -﵂- قالت: أتى رسول الله - ﷺ - بصبي من صبيان الأنصار؛ ليصلي عليه، فقلت: طوبى له، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل سوءًا، ولم يدركه ذنب، فقال النبيّ - ﷺ -:«أو غير ذلك يا عائشة، إن الله تعالى خلق الجنة، وخلق لها أهلها، وخلقهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار، وخلق لها أهلها، وخلقهم في أصلاب آبائهم». وهو حديث رواه طلحة بن يحيى، وفضيل بن عمرو، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة، وليس ممن يُعتمد عليه عند بعض أهل الحديث. ومن حجتهم أيضًا: حديث ابن عباس، عن أُبيّ بن كعب؛ أن رسول الله - ﷺ - قال:«إن الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافرًا» . وهذا خبر لم يروه عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن أُبَيّ مرفوعًا إلا رقبة بن مَسْقلة، وعبد الجبار بن عباس الهمدانيّ، ولم يرفعه شعبة، والثوريّ. وهو مذهب ابن عباس في كتابه إلى نَجْدة الحروريّ، حيث قال له: وأما الغلمان، فإن كنت تعلم منهم ما علمه الخضر من الغلام، فاقتلهم. على أنه قد رُوي عن عكرمة وقتادة؛ أن الذي قَتَله الخضر رجلٌ، وكان قاطع طريق، وهذا خلاف ما يعرفه أهل اللغة في لفظ الغلام؛ لأن الغلام عندهم هو الصبي الصغير، يقع عليه عند بعضهم اسم الغلام من حين يَفهم إلى سبع سنين، وعند بعضهم يسمى غلامًا، وهو رضيع إلى سبع سنين، ثم يصير يافعًا، ويَفَاعًا إلى عشر سنين، ثم يصير حَزَوّرًا إلى خمس عشرة سنة، واختُلف في تسمية منازل سِنِّه بعد ذلك إلى أن يصير هِمًّا فانيًا كبيرًا مما لا حاجة بنا إلى ذكره. وقال آخرون، وهم الأكثر: أطفال المسلمين في الجنة، وأطفال الكفار في المشيئة. ومن حجتهم: حديث أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ - قال: «ما من المسلمين من يموت له ثلاث من الولد لم يبلغوا الحنث، إلا أدخلهم الله وإياه الجنة بفضل رحمته، يجاء بهم يوم القيامة، فيقال لهم: ادخلوا الجنة، فيقولون: لا حتى يدخل آباؤنا، فيقال لهم: ادخلوا أنتم وآباؤكم بفضل رحمتي». ومعلوم أن من أدركته الرحمة من أجل غيره، وشَفَع فيه غيره أنه قد كان مرحومًا قبله، وكان أرفع حالًا، وأسلم ممن شَفَع فيه. وحديث شعبة عن معاوية بن قُرّة، عن أبيه، أن رجلًا جاء بابنه إلى النبيّ - ﷺ -، فقال له رسول الله - ﷺ -: «أتحبه؟» فقال: أحبك الله يا رسول الله كما أحبه، فتُوُفّي الصبي، ففقده النبيّ - ﷺ -، فقال: «أين فلان؟» قالوا: يا رسول الله تُوُفّي ابنه، ثم دخل الرجل، فقال له رسول الله - ﷺ -: «أما ترضى أن لا تأتي بابًا من أبواب الجنة، إلا جاء يسعى، يفتحه لك؟» فقالوا: يا رسول الله أله وحده، أم لنا كلنا؟ قال: «بل لكم كلكم» . رواه يحيى القطان، وابن مهديّ، ومحمد بن جعفر، وعلي بن الجعد، وغيرهم عن شعبة، عن معاوية بن قرّة، عن أبيه، عن النبيّ - ﷺ -. وحديث البراء عن النبيّ - ﷺ -؛ أنه قال في ابنه إبراهيم: «إن له مرضعًا في الجنة». وحديث أبي هريرة؛ أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «صغارهم دعاميص الجنة». وحديث أبي هريرة أيضًا: «أولاد المسلمين في جبل تكفلهم سارة وإبراهيم، فإذا كان يوم القيامة دَفعوهم إلى آبائهم» . واحتجوا أيضًا بما رُوي عن علي بن أبي طالب -﵁- في قول الله ﷿: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩)﴾ [المدثر: ٣٨، ٣٩] قال: هم أطفال المسلمين. وقال آخرون: حُكم الأطفال كلهم كحكم آبائهم في الدنيا والآخرة، منهم مؤمنون بإيمان آبائهم، وكافرون بكفر آبائهم، فاطفال المسلمين في الجنة، وأطفال الكفار في النار. وحجتهم حديث ابن عباس عن الصعب بن جثامة؛ أن رسول الله - ﷺ - قال في أطفال الكفار: «هم من آبائهم». قال: وهذا عندي لا حجة فيه؛ لأنه إنما ورد في أحكام الدنيا أنهم إن أصيبوا في التبييت والغارة، فلا قَوَد فيهم، ولا دية، وقد نَهَى رسول الله - ﷺ - عن قَتْل النساء والصبيان في دار الحرب. واحتجوا أيضًا بحديث الشعبيّ عن علقمة بن قيس، عن سلمة بن يزيد الجعفيّ، قال: أتيت النبيّ - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله، إن أمنا ماتت في الجاهلية، وكانت تَقْري الضيف، وتَصِلُ الرحم، وتفعل، وتفعل، فهل ينفعها من عملها شيء؟ قال: «لا»، قلنا: إن أمنا وَأَدت أختًا لنا في الجاهلية، لم تبلغ الحنث، فهل ذلك نافع أختنا؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «الوائدة، والموؤودة في النار، إلا أن تُدرِك الوائدة الإسلام، فيُغفر لها». وروى بقية بن الوليد، عن محمد بن زياد الألهانيّ، قال: سمعت عبد الله بن أبي قيس يقول: سمعت عائشة تقول: سألت النبيّ - ﷺ - عن ذراريّ المؤمنين؟، فقال: «هم مع آبائهم» قلت: فلا عمل، قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين». وسألته عن ذراري المشركين؟ فقال: «هم مع آبائهم»، قلت: فلا عمل، قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين». وقد روي هذا الحديث عن عائشة أيضًا من وجهين غير هذا، هما أضعف من هذا. وفي حديث أبي عَقِيل يحيى بن المتوكل، عن بُهَيّة، عن عائشة زيادة في أولاد المشركين أنه قال: «والذي نفسي بيده، لئن شئت لأسمعتك تضاغيهم في النار». وأبو عَقِيل ضعيف متروك. قال: ولو صح في هذا الباب شيء احتَمَل أن يكون خصوصًا لقوم من المشركين، ويدل على ذلك أيضًا قوله: «لئن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار». وهذا لا يكون إلا فيمن مات، وصار في النار، على أن التخصيص ليس له حظّ من النظر، والأَولى بأهل النظر أن يُعارضوا هذه الآثار بما هو أقوى مجيئًا منها عن النبيّ - ﷺ - بالشهادة للأطفال كلهم بالجنة. وقد احتجّ من ذهب إلى أن أطفال الكفار في النار، وأطفال المسلمين في الجنة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١]، وقوله ﷿ لنوح ﵇: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، فلما قيل لنوح ذلك، وعُلم أنهم لا يؤمنون، وأنهم على كفرهم يموتون دعا عليهم بهلاكهم جميعًا، فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٦، ٢٧]. قال: وهذا عندي لا حجة فيه؛ لأنه في قوم بأعيانهم يلدون الفجار والكفار، ولا يصح الفجور والكفر إلا ممن تجري عليه الأقلام، ويلحقه التكليف. وقال آخرون: أولاد المسلمين، وأولاد الكفار إذا ماتوا صغارًا في الجنة. وقال بعضهم: هم خَدَم أهل الجنة؛ يعني: أولاد المشركين خاصّةً، ثم عن خنساء امرأة من بني صريم، عن عمها، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «الأنبياء في الجنة، والشهداء في الجنة، والمولود في الجنة، والوئيد في الجنة» . ومن حديث عائشة قالت: «سألت خديجة النبيّ - ﷺ - عن أولاد المشركين؟ فقال:»هم مع آبائهم«، ثم سألته بعد ذلك، فقال:»الله أعلم بما كانوا عاملين«، ثم سألته بعد ذلك، فنزلت: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] فقال:»هم على الفطرة، وهم في الجنة«. وفي حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -:«سألت ربي عن اللاهين من ذرية البشر، أن لا يعذبهم، فأعطانيهم». قال أبو عمر: إنما قيل للأطقال: اللاهين؛ لأن أعمالهم كاللهو واللعب، من غير عَمد، ولا قَصْد، من قولهم: لهيت عن الشيء: إذا لم أعتقده، كقوله تعالى: ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٣]. ومن حديث سلمان قال: أطفال المشركين خَدَم أهل الجنة. وقد رُوي ذلك مرفوعًا من حديث أنس . وروى أبو رجاء العطارديّ عن سمرة بن جندب، عن النبيّ - ﷺ - الحديث الطويل حديث الرؤيا، وفيه قوله - ﷺ -:«وأما الرجل الطويل الذي في الروضة، فإنه إبراهيم ﵇، وأما الوِلدان حوله فكل مولود يولد على الفطرة، قال: فقيل: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ فقال: وأولاد المشركين». وفي رواية أخرى عن أبي رجاء، عن سمرة، في هذا الحديث:«والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم، والصبيان حوله أولاد الناس»، فهذا يقتضي ظاهره عموم جميع الناس. وآثار هذا الباب معارضة لحديث:«الوائدة، والموؤودة في النار»، وما كان مثله. وإذا تعارضت الآثار وجب سقوط الحكم بها، ورجعنا إلى أن الأصل أنه لا يعذَّب أحد إلا بذنب؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الزمر: ٧١]. وآيات القرآن كثيرة في هذا المعنى، على أني أقول: إن الله ليس بظلّام للعبيد، ولو عذّبهم لم يكن ظالمًا لهم، ولكن جَلّ من تسمى بالغفور الرحيم الرؤوف الحكيم، أن تكون صفاته إلا حقيقة، لا إله إلا هو، لا يُسأل عما يَفعل وهم يُسألون. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «وإذا تعارضت الآثار وجب إلخ» فيه نَظَر لا يخفى؛ لأنك قد علمت أن الآثار التي تدلّ على أنهم في النار ضعاف، فكيف يعارض بها ما في «صحيح البخاريّ»: «وأولاد المشركين»، هذا غريب من ابن عبد البرّ، فتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق. وقال آخرون: يُمتحنون في الآخرة. واحتجّوا بحديث أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله - ﷺ - في الهالك في الفترة، والمعتوه، والمولود، قال: «يقول الهالك في الفترة: لم يأت كتاب، ولا رسول، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ [طه: ١٣٤]، ويقول المعتوه: يا رب لم تجعل لي عقلًا أعقل به خيرًا ولا شرًّا، قال: ويقول المولود: رب لم أُدرك العقل والعمل، قال: فترفع لهم نار، فيقال لهم: رِدُوها، وادخلوها، قال: فَيَرِدها، أو يدخلها، من كان في عِلم الله سعيدًا لو أدرك العمل، ويُمسك عنها من كان في عِلم الله شقيًّا لوأدرك العمل، قال: فيقول الله ﷿: إياي عصيتم، فكيف برسلي لو أتتكم». وقد رُوي عن أنس بن مالك، عن النبيّ - ﷺ - مثل معنى هذا الحديث. وقد روي أيضًا من حديث معاذ بن جبل مثله، ومعناه. وهي كلها أسانيد ليست بالقويّة، ولا يقوم بها حجة، وأهل العلم ينكرون أحاديث هذا الباب؛ لأن الآخرة دار جزاء، وليست دار عمل، ولا ابتلاء، وكيف يكلَّفون دخول النار، وليس ذلك في وُسْع المخلوقين؟ والله لا يكلف
مصادر المؤلف (١٥)

١. «تهذيب الكمال» ٨/ ١٤٩.

٢. هذا أولى من قوله في «التقريب»: مقبول؛ لأنه روى عنه جماعة، ووثقه ابن حبّان، والذهبيّ، وأخرج له مسلم، ولم يطعن فيه أحد، فهو ثقة، والله تعالى أعلم.

٣. «الكاشف» ١/ ٥١٦.

٤. «شرح النوويّ»١٦/ ١٨٣.

٥. «القاموس المحيط»ص ٣٠١.

٦. «النهاية»١/ ٤٠٤.

٧. «القاموس المحيط»ص ٣٠١.

٨. «المفهم» ٦/ ٦٤٢.

٩. حديث صحيح. رواه النسائيّ ٤/ ٥٧.

١٠. حديث صحيح. رواه أبو داود ٤/ ٢٢٧.

١١. حديث صحيح.

١٢. أخرجه ابن عبد البرّ في «التمهيد» ١٨/ ١١٥.

١٣. حديث صحيح. أخرجه أبو داود في«سننه»٣/ ١٥: عن حسناء بنت معاوية الصريمية، قالت: ثنا عمي قال: قلت للنبيّ - ﷺ -: من في الجنة؟ قال:«النبيّ في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والوئيد في الجنة».

١٤. صحيح موقوفًا على أنس -﵁-. راجع:«السلسلة الصحيحة» ٣/ ٤٥٢.

١٥. رواه البخاريّ.