HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٦٤٧

حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حرب وإسحاق بن إبراهيم - واللفظ لزهير - (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا) جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرحمن، عن علي، قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد. فأتانا رسول الله ﷺ. فقعد وقعدنا حوله. ومعه مخصرة. فنكس فجعل ينكت بمخصرته. ثم قال «ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة، إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار. وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة» قال فقال رجل: يا رسول الله! أفلا نمكث على كتابنا، وندع العمل؟ فقال «من كان من أهل السعادة، فسيصير إلى عمل أهل السعادة. ومن كان من أهل الشقاوة، فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة» فقال «اعملوا فكل ميسر. أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة. وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة». ثم قرأ ﴿فأما من أعطى واتقى* وصدق بالحسنى* فسنيسره لليسرى* وأما من بخل واستغنى* وكذب بالحسنى* فسنيسره للعسرى﴾ [٩٢ /الليل - ١٠].
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص46
ج ٤ ص ٢٠٣٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤١ ص٣٨٠
عنده فيها الروح والحياة؛ لأن النفخ المتعارف إنما هو إخراج ريح من النافخ، فيصل بالمنفوخ فيه، فإن قدّر حدوث شيء عند ذلك النفخ بإحداث الله تعالى، لا بالنفخ، وغاية النفخ أن يكون سببًا عادة، لا موجبًا عقلًا، وكذلك القول في سائر الأسباب المعتادة. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٠٨] (٢٦٤٧) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ -وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ، فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَقَعَدَ، وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَّسَ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ، إِلَّا وَقَدْ كَتَبَ اللهُ مَكَانَهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلَّا وَقَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَو سَعِيدَةً»، قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أفَلَا نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا، وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ فَقَالَ: مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ، فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، فَقَالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ، أمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٥ - ١٠]). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر، تقدّم قبل باب. ٢ - (سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ) السُّلَميّ أبو حمزة الكوفيّ، ثقةٌ [٣] مات في ولاية عمر بن هُبيرة على العراق (ع) تقدم في «الإيمان» ٥/ ١٢٠. ٣ - (أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد الله بن حبيب بن رُبَيِّعة -بفتح الموحّدة، وتشديد الياء- السُّلَميّ الكوفيّ المقرئ، مشهور بكنيته، ولأبيه صحبة، ثقةٌ ثبتٌ [٢] مات بعد السبعين (ع) تقدم في «الرضاع» ٣/ ٣٥٨١. ٤ - (عَلِيُّ) بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشميّ الصحابيّ الجليل، أحد الخلفاء الراشدين، مات في رمضان سنة أربعين وله ثلاث وستون على الأرجح (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، ثم فصّل؛ لِمَا أسلفناه غير مرّة، وأنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخيه: زهير، فبغداديّ، وإبراهيم، فمروزيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه صحابيّ جمّ المناقب، فهو ابن عمّ رسول الله -ﷺ-، وزوج ابنته فاطمة -﵄-، ومن السابقين الأولين، ورجّح جَمْع أنه أول من أسلم، وهو أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، ومات وهو يومئذ أفضل الأحياء من بني آدم بالأرض بإجماع أهل السُّنة والجماعة. شرح الحديث: (عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ) بضم العين المهملة، هو السُّلميّ الكوفيّ يكنى أبا حمزة، وكان صهر أبي عبد الرحمن شيخه في هذا الحديث، ووقع في تفسير ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ [الليل: ١] من طريق شعبة عن الأعمش، سمعت سعد بن عبيدة . (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) السُّلَميّ، اسمه عبد الله بن حَبِيب، وهو من كبار التابعين، ووقع مُسَمّى في رواية معتمر بن سليمان، عن منصور، عن سعد بن عبيدة، عند الفريابيّ. (عَنْ عَلِيٍّ) -﵁-، في رواية مسلم الْبَطين، عن أبي عبد الرحمن السُّلَميّ: أخذ بيدي عليّ، فانطلقنا نمشي، حتى جلسنا على شاطئ الفرات، فقال عليّ: قال رسول الله -ﷺ-، فذكر الحديث مختصرًا. (قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ) قال صاحب «التنبيه»: لا أعرف صاحبها. انتهى . وفي الرواية الآتية من طريق الأعمش، عن سعد: «كان رسول الله -ﷺ- ذات يوم جالسًا، وفي يده عود ينكت به، فرفع رأسه، فقال: ما منكم من أحد. . .». (فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ) بإضافة البقيع بالباء الموحدة، وكسر القاف، إلى الغرقد، بفتح الغين المعجمة، وسكون الراء، وفتح القاف، وبالدال المهملة، وهو مقبرة المدينة ، والغرقد نوع من الشجر، وكان بالبقيع، فأضيف إليه . وقال الفيّوميّ -﵀-: البقيع: المكان الْمتّسع، ويقال: الموضع الذي فيه شجر، وبقيع الغَرْقد بمدينة النبيّ -ﷺ- كان ذا شجر، وزال، وبقي الاسم، وهو الآن مقبرة المدينة. انتهى . (فَأَتَانَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَقَعَدَ، وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ) بكسر الميم، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الصاد المهملة: هي عصًا، أو قضيب، يمسكه الرئيس؛ ليتوكأ عليه، ويدفع به عنه، ويشير به لِمَا يريد، وسُمِّيت بذلك؛ لأنها تُحْمَل تحت الخصر غالبًا؛ للاتكاء عليها، وفي اللغة: اختَصَر الرجل: إذا أمسك المخصرة . (فَنكَّسَ) بتشديد الكاف، وتخفيفها؛ أي: أطرق رأسه. (فَجَعَلَ)؛ أي: أخذ النبيّ -ﷺ-، وشرَعَ (يَنْكُتُ) بفتح الياء، وضم الكاف، وآخره تاء مثناة فوقُ؛ أي: يخط بالمخصرة خطًّا يسيرًا مرّةً بعد مرّة، وهذا فِعل المفكِّر المهموم، وقال المجد: النّكْتُ -أي: بفتح، فسكون-: أن تضرب في الأرض بقَضِيب، فيؤثّر فيها. انتهى. (بِمِخْصَرَتِهِ) متعلّق بـ «ينكُت»، (ثُمَّ قَالَ) -ﷺ-: («مَا) نافية، (مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ)»من«مزيدة لاستغراق النفي، (مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ)؛ أي: مصنوعة، مخلوقة، وهو بدل من قوله:»ما منكم من أحد«، (إِلَّا وَقَدْ كَتَبَ اللهُ مَكَانَهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ) وفي رواية البخاريّ:»أو النار«بـ»أو«بدل الواو، قال في»الفتح«:»أو«للتنويع، ووقع في رواية سفيان ما قد يُشعر بأنها بمعنى الواو، ولفظه:»إلا وقد كُتب مقعده من الجنة، ومقعده من النار«، وكأنه يشير إلى ما تقدم من حديث ابن عمر الدالّ على أن لكل أحد مقعدين. وقال الطيبيّ -﵀- قوله:«مقعده»؛ أي: محل قعوده، وكنى عن كونه من أهل الجَنَّة، أو النار باستقراره فيها، والواو المتوسطة بينهما لا يمكن أن تجري على ظاهرها، فإن«ما»النافية و«من»الاستغراقية يقتضيان أن يكون لكل أحد مقعد من النار، ومقعد من الجَنَّة، وإن ورد في حديث آخر هذا المعنى؛ لأنَّ التفصيل الآتي يأبى حَمْله على ذلك، فيجب أن تكون الواو بمعنى«أو». انتهى. (وَإِلَّا وَقَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَو سَعِيدَةً») إعادة «إلّا» يَحْتَمِل أن يكون «ما من نفس» بدلَ «ما منكم»، و«إلَّا» الثانية بدلًا من الأُولي، وأن يكون من باب اللفّ والنشر، فيكون فيه تعميم بعد تخصيص، والثاني في كل منهما أعمّ من الأول، أشار إليه الكرمانيّ . (قَالَ) عليّ -﵁-: (فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ) وهذا الرجل وقع في حديث جابر -﵁- الآتي عند مسلم بعد هذا أنه سراقة بن مالك بن جُعْشم، ولفظه: «جاء سراقة بن مالك بن جُعشم، قال: يا رسول الله بَيِّن لنا ديننا، كأنّا خُلقنا الآن، فيما العمل اليوم؟، أفيما جفّت به الأقلام، وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ قال: لا، بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير، قال: ففيم العمل؛ فقال: اعملوا، فكل ميسَّر»، وأخرج الطبرانيّ، وابن مردويه نحوه، وزاد: وقرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ -إلى قوله-: ﴿لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠]. وأخرجه ابن ماجه من حديث سراقة نفسه، لكن دون تلاوة الآية. ووقع هذا السؤال وجوابه سوى تلاوة الآية لشُريح بن عامر الكلابيّ، أخرجه أحمد، والطبرانيّ، ولفظه: «قال: ففيم العمل إذًا؟ قال: اعملوا، فكل ميسَّر لِمَا خُلق له». وأخرج الترمذيّ من حديث ابن عمر، قال: «قال عمر: يا رسول الله، أرأيت ما نعمل فيه، أمر مبتدَعٌ، أو أمر قد فُرغ منه؟ قال: فيما قد فُرغ منه. . .» فذكر نحوه. وأخرج البزار، والفريابيّ من حديث أبي هريرة: «أن عمر قال: يا رسول الله. . .» فذكره. وأخرجه أحمد، والبزار، والطبرانيّ من حديث أبي بكر الصديق -﵁-: «قلت: يا رسول الله نعمل على ما فُرغ منه. . .» الحديث نحوه. ووقع في حديث سعد بن أبي وقاص: «فقال رجل من الأنصار. . .». والجمع بينها تعدُّد السائلين عن ذلك، فقد وقع في حديث عبد الله بن عمرو أن السائل عن ذلك جماعة، ولفظه: «فقال أصحابه: ففيم العمل، إن كان قد فُرغ منه؟ فقال: سَدِّدوا، وقاربوا، فإن صاحب الجَنَّة يُختم له بعمل أهل الجَنَّة، وإن عمل أيّ عمل. . .» الحديث، أخرجه الفريابيّ . (أفَلَا نَمْكُثُ)؛ أي: نثبت، ونستمرّ، والفاء معَقّبة لشيء محذوف، تقديره؛ أي: فإذا كان كذلك أفلا نمكث (عَلَى كِتَابِنَا)؛ أي: نعتمد على ما قُدّر علينا، وهو المكتوب علينا، من سعادة، أو شقاوة، (وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟)؛ أي: نترك العمل، وفي الرواية التالية: «قالوا: يا رسول الله، فلِمَ نعمل؟ أفلا نتّكل؟»؛ أي: أفلا نعتمد على كتابنا الذي قدّر الله علينا؟. وقال الطيبيّ -﵀- قوله: «أفلا نتكل»؛ أي: أفلا نعتمد على ما كُتب لنا في الأزل، ونترك العمل؟ يعني: إذا سبق القضاء لكل واحد منا بجنة، أو نار، فأيّ فائدة في السعي؟ فإنه لا يرُدّ قضاء الله، وقَدَره، فأجاب -ﷺ- بقوله: «اعملوا» وهو من الأسلوب الحكيم، مَنَعهم -ﷺ- عن الاتكال، والترك، وأمرهم بالتزام ما يجب على العبد، من امتثال أمر مولاه، وهو عبوديته عاجلًا، وتفويض الأمر إليه آجلًا. يعني: أنتم عبيد، ولا بدّ لكم من العبودية، فعليكم بما أُمرتم، وإياكم والتصرف في الأمور الإلهية؛ لآية: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، فلا تجعلوا العبادة، وتَرْكها سببًا مستقلًّا لدخول الجنة والنار، بل هي أمارات، وعلامات لها، ولا بد في الإيجاب من لُطف الله وكرمه، أو خذلانه، كما ورد: «ولا يدخل الجَنَّة أحد بعمله. . .» الحديث. انتهى . وقال السنديّ -﵀- ما حاصله: قوله: «أفلا نتّكل»: أي: إذا كان العمل لا يردّ القضاء والقدر السابق، فلا فائدة فيه، فنبّه بالجواب عنه أن الله تعالى دبّر الأشياء على ما أراد، وربط بعضها ببعض، وجعلها أسبابًا ومسبَّبات، ومن قدّره من أهل الجنّة قدّر له ما يُقرّبه إليها من الأعمال، ووفّقه لذلك، بإقداره، ويُمكّنه منه، ويُحرّضه عليه بالترغيب والترهيب، ومن قدّر أنه من أهل النار قدّر له خلاف ذلك، وخذَلَهُ حتى اتّبع هواه، وترك أمر مولاه. والحاصل: أنه جعل الأعمال طريقًا إلى نَيْل ما قدّره له من جنة أو نار، فلا بدّ من المشي في الطريق، وبواسطة التقدير السابق يتيسّر ذلك المشي لكلٍّ في طريقه، وَيَسهلُ عليه، وتلا الآية للاستشهاد على أنَّ التيسير منه تعالى. انتهى . وقوله: (فَقَالَ إلخ) هذا من تمام قول الرجل ؛ أي: قال الرجل الذي قال: «أفلا نمكث إلخ» مكملًا سؤاله: (مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ)؛ أي: من كُتب سعيدًا (فَسَيَصِيرُ)؛ أي: فسيرجع (إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ) لكونه خُلق له، (وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ) بفتح الشين المعجمة، وكسرها، قال المجد -﵀-: والشَّقَا: الشدّة، والعسر، ويمدّ، شَقِي، كرَضِي، شَقَاوةً -أي: بالفتح- ويُكسر، وشَقًا، وشَقَاءً، وشَقْوةً، ويُكسر، وشقاه الله، وأشقاه. انتهى . (فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَقَالَ) النبي -ﷺ- ردًّا على هذا الإيراد: («اعْمَلُوا) بما أُمرتم به، (فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ) وفي الرواية الآتية:»فكلّ ميسّر لِمَا خُلق له. . .«الحديث. (أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ) بصيغة المبنيّ للمجهول؛ أي: يُسهَّلون، ويهيّئون (لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ») قال في «الفتح»: وحاصل السؤال: ألَا نترك مشقة العمل، فإنا سنصير إلى ما قُدّر علينا، وحاصل الجواب: لا مشقة؛ لأن كل أحد ميسَّر لِمَا خُلق له، وهو يسير على من يسّره الله، قال الطيبيّ: الجواب من الأسلوب الحكيم، مَنَعهم عن ترك العمل، وأمَرَهم بالتزام ما يجب على العبد، من العبودية، وزَجَرهم عن التصرف في الأمور المغيبة، فلا يجعلوا العبادة وتَرْكها سببًا مستقلًّا لدخول الجَنَّة والنار، بل هي علامات فقط. انتهى . (ثُمَّ قَرَأَ) النبيّ -ﷺ- قوله تعالى: (﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ [الليل: ٥])؛ أي: حقّ الله من المال، أو الامتثال، (﴿وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥]) ربّه؛ أي: خاف مخالفته، أو عقوبته، واجتنب معصيته، (﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ [الليل: ٦])؛ أي: بالخُلْف؛ يعني: أيقن أن الله تعالى سيُخْلف عليه، وعن أبي عبد الرَّحمن السُّلَميّ، والضحاك: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ بلا إله إلَّا الله، وعن مجاهد: وصدّق بالجنة، وعن قتادة، ومقاتل: بموعود الله تعالى، (﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾ [الليل: ٧])؛ أي: فسنهيئه في الدنيا (﴿لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٧])؛ أي: للخلّة اليسري، وهو العمل بما يرضاه الله تعالى. (﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾ [الليل: ٨])؛ أي: بالنفقة في الخير، (﴿وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل: ٨])؛ أي: بشهوات الدنيا عن نعيم العقبي، (﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩)﴾ [الليل: ٩])؛ أي: بكلمة لا إله إلَّا الله، (﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ١٠])؛ أي: للخَلّة المؤدية إلى العسر، والشدّة، وهي خلاف اليسري، قيل: سُمّي طريق الخير باليسرى؛ لأن عاقبته اليسر، وطريق الشر بالعسرى؛ لأن عاقبته العسر. قال في «الفتح»: ووقع في حديث ابن عباس عند الطبرانيّ نحو حديث عمر، وفي آخره: «قال: اعمل، فكلٌّ ميسَّر»، وفي آخره عند البزار: «فقال القوم بعضهم لبعض: فالجِدّ إذًا»، وأخرجه الطبرانيّ في آخر حديث سراقة، ولفظه: «فقال: يا رسول الله، ففيم العمل؟ قال: كل ميسر لعمله، قال: الآن الجدّ، الآن الجدّ»، وفي آخر حديث عمر عند الفريابيّ: «فقال عمر: ففيم العمل إذًا؟ قال: كلٌّ لا يُنال إلا بالعمل؟ قال عمر: إذًا نجتهد»، وأخرج الفريابيّ بسند صحيح إلى بشير بن كعب، أحد كبار التابعين: «قال: سأل غلامان رسول الله -ﷺ- فيم العمل؟ فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير، أم شيء نستأنفه؟ قال: بل فيما جفت به الأقلام، قالا: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لِمَا هو عامل، قالا: فالجدّ الآن». انتهى . وقال أبو عبد الله القرطبيّ -﵀- في «تفسيره»: قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥)﴾: قال ابن مسعود: يعني: أبا بكر -﵁-، وقاله عامة المفسرين، فرُوي عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر يُعتق على الإسلام عجائز ونساء، قال: فقال له أبوه قحافة: أي بُنَيّ، لو أنك أعتقت رجالًا جُلْدًا يمنعونك، ويقومون معك؟ فقال: يا أبت إنما أريد ما أريد. وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾؛ أي: بذل، ﴿وَاتَّقَى﴾؛ أي: محارم الله التي نهى عنها. ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾؛ أي: بالخلَف من الله تعالى على عطائه، وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ما من يوم يصبح العباد فيه، إلا وملَكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللَّهُمَّ أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللَّهُمَّ أعط ممسكًا تلفًا». وقال أهل التفسير: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ المعسرين، وقال قتادة: أعطى حق الله تعالى الذي عليه. وقال الحسن: أعطى الصدق من قلبه. ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾؛ أي: بلا إله إلا الله، قاله الضحاك، والسلميّ، وابن عباس أيضًا، وقال مجاهد: بالجنة، دليله قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. وقال قتادة: بموعود الله الذي وعده أن يثيبه. وقال زيد بن أسلم: بالصلاة، والزكاة، والصوم. وقال الحسن: بالخلف من عطائه، وهو اختيار الطبريّ وتقدم عن ابن عباس، وكله متقارب المعنى، إذ كله يرجع إلى الثواب الذي هو الجَنَّة. وقوله تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾؛ أي: نرشده لأسباب الخير، والصلاح، حتى يسهل عليه فعلها. وقال زيد بن أسلم: ﴿لِلْيُسْرَى﴾ للجنة. وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨)﴾؛ أي: ضنّ بما عنده، فلم يبذل خيرًا. روى الضحاك عن ابن عباس: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ قال: سوف أحول بينه وبين الإيمان بالله، وبرسوله، وعنه عن ابن عباس قال: نزلت في أمية بن خلف، وروى عكرمة عن ابن عباس: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨)﴾ يقول: بخل بماله، واستغنى عن ربه. ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩)﴾؛ أي: بالخلف. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩)﴾ قال: بالجنة. وبإسناد عنه آخر قال: ﴿بِالْحُسْنَى﴾؛ أي: بلا إله إلا الله. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾؛ أي: نسهّل طريقه ﴿لِلْعُسْرَى﴾؛ أي: للشر. وعن ابن مسعود: للنار. وقيل: أي: فسنعسّر عليه أسباب الخير والصلاح حتى يصعب عليه فعلها. وقد تقدم أن الملك ينادي صباحًا ومساء: «اللَّهُمَّ أعط منفقًا خلفًا، وأعط ممسكًا تلفًا»، رواه أبو الدرداء. انتهى المقصود من كلام القرطبيّ -﵀- ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عليّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٦٧٠٨ و٦٧٠٩ و٦٧١٠ و٦٧١١] (٢٦٤٧)، و(البخاريّ) في «الجنائز» (١٣٦٢) و«التفسير» (٤٩٤٥ و٤٩٤٦ و٤٩٤٧ و٤٩٤٨) و«الأدب» (٦٢١٧) و«القدر» (٦٦٠٥) و«التوحيد» (٧٥٥٢) وفي «الأدب المفرد» (١/ ٣١١)، و(أبو داود) في «السُّنَّة» (٤٦٩٤)، و(الترمذيّ) في «القدر» (٢١٣٦)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٦/ ٥١٦ و٥١٧)، و(ابن ماجه) في «المقدّمة» (٧٨)، و(عبد الرزاق) في «مصنّفه» (٢٠٠٧٤)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٨٢ و١٢٩ و١٣٢ و١٤٠ و١٥٧)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٢٢)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (٨٤)، و(ابن حبان) في «صحيحه» (٣٣٤ و٣٣٥)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١/ ٤٣٧ و٤٥٤)، و(البزّار) في «مسنده» (٢/ ١٩٩ و٢٠٠ و٢٠٥)، و(الآجريّ) في «الشريعة» (ص ١٧١ - ١٧٢)، و(البيهقيّ) في «الاعتقاد» (٨٦ و٨٧) وفي «شعب الإيمان» (١/ ٢٠٥)، و(اللالكائيّ) في «اعتقاد أهل السُّنَّة» (ص ٤)، و(ابن أبي عاصم) في «السُّنَّة» (١/ ٧٥)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٧٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (ومنها): ما قاله أبو عمر -﵀-: قد أكثر الناس من تخريج الآثار في هذا الباب، وأكثر المتكلمون من الكلام فيه، وأهل السُّنَّة مجتمعون على الإيمان بهذه الآثار، واعتقادها، وترك المجادلة فيها، وبالله العصمة والتوفيق . ٢ - (ومنها): بيان وجوب الإيمان بالقدر. ٣ - (ومنها): جوازُ القعود عند القبور، والتحدث عندها بالعلم والموعظة، وقال المهلب: نَكْتُهُ الأرض بالْمِخْصرة أصل في تحريك الإصبع في التشهد، نَقَله ابن بطال، وهو بعيد، وإنما هي عادة لمن يتفكر في شيء يستحضر معانيه، فيحتمل أن يكون ذلك تفكرًا منه -ﷺ- في أمر الآخرة بقرينة حضور الجنازة، ويحتمل أن يكون فيما أبداه بعد ذلك لأصحابه من الحِكَم المذكورة، ومناسبته للقصة أن فيه إشارة إلى التسلية عن الميت بأنه مات بفراغ أجله. ٤ - (ومنها): أن هذا الحديث أصل لأهل السُّنَّة في أن السعادة والشقاء بتقدير الله القديم. ٥ - (ومنها): أن فيه رَدًّا على الجبرية؛ لأن التيسير ضد الجبر؛ لأنَّ الجبر لا يكون إلا عن كُره، ولا يأتي الإنسان الشيء بطريق التيسير إلا كاره له. ٦ - (ومنها): أن أفعال العباد، وإن صدرت عنهم، لكنها قد سبق علم الله بوقوعها بتقديره، ففيها بطلان قول القدرية صريحًا. ٧ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على إمكان معرفة الشقي من السعيد في الدنيا، كمن اشتَهَر له لسان صدق وعكسه؛ لأن العمل أمارة على الجزاء على ظاهر هذا الخبر. ورُدَّ بما تقدم في حديث ابن مسعود -﵁-، وأن هذا العمل الظاهر قد ينقلب لعكسه على وفق ما قُدِّرَ. والحق أن العمل علامةٌ وأمارةٌ، فيُحكم بظاهر الأمر، وأمرُ الباطن إلى الله تعالى. قال الطيبيّ نقلًا عن الخطابي: إن قول الصحابيّ هذا مطالبة بأمر يوجب تعطيل العبوديّة، فلم يُرخّص -ﷺ- له، وذلك أن إخبار الرسول -ﷺ- عن سابق الكتاب، إخبار عن غيب علم الله تعالى فيهم، وهو حجة عليهم، فرام القوم أن يتخذوه حجة لأنفسهم في ترك العمل، فأعلمهم النبيّ -ﷺ- أن هنا أمرين مُحكَمين، أحدهما لا يُبْطِلُ الآخر: باطن، وهو الحكمة الموجبة في حكم الربوبية، وظاهر، وهو السمة اللازمة في حق العبودية، وهو أمارة ومُخَيَّلةٌ، غير مفيدة حقيقة العلم، ويشبه أن يكون -والله أعلم- إنما عوملوا بهذه المعاملة، وتُعُبِّدوا بهذا التعبّد؛ ليتعلّق خوفهم ورجاؤهم بالباطن، وذلك من صفة الإيمان، وبَيَّنَ -ﷺ- لهم أن كلًّا ميسَّر لِمَا خُلق له، وأن عمله في العاجل دليلُ مصيره في الآجل، وتلا قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾، ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨)﴾ [الليل: ٥ - ٨]، وهذه الأمور في حكم الظاهر، ومن وراء ذلك حُكم الله تعالى فيهم، وهو الحكيم الخبير: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣]. واطلب نظير ذلك من أمرين: الرزق المقسوم مع الأمر بالكسب، والأجل المضروب مع المعالجة بالطبّ، فإنك تجد المعتبَر فيهما علّة موجبة، والظاهر البادي سببًا مُخيّلًا، وقد اصطلح الناس خواصّهم وعوامهم على أن الظاهر منها لا يُترك بالباطن. انتهى . وقال الخطابيّ في «معالم السنن»: هذا الحديث إذا تأملته أصبت منه مما يتخالج في الضمير من أمر القدر، وذلك أن القائل: «أفلا نتكل، وندع العمل» لم يترك شيئًا مما يَدخُل في أبواب المطالبات والأسئلة الواقعة في التجويز والتعديل إلا وقد طالب به، وسأل عنه، فأعلمه رسول الله -ﷺ- أن القياس في هذا الباب متروك، والمطالبة عليه ساقطة، وأنه لا يشبه الأمور المعلومة التي قد عُقلت معانيها، وجَرَت معاملات البشر فيما بينهم عليها، وأخبر أنه إنما أمرهم بالعمل ليكون أمارة في الحال العاجلة لِمَا يصيرون إليه في الحال الآجلة، فمن تيسّر له العمل الصالح كان مأمولًا له الفوز، ومن تيسّر له العمل الخبيث كان مخوفًا عليه الهلاك. وهذه أمارات من جهة العلم الظاهر، وليست بموجبات، فإن الله -﷾- طَوَى علم الغيب عن خَلْقه، وحجبهم عن دَرْكه، كما أخفى عنهم أمر الساعة، فلا يَعلَم أحد متى إِبّانُ قيامها، ثم أخبر على لسان رسوله -ﷺ- بعض أماراتها وأشراطها، فقال: «من أشراط الساعة أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان»، ومنها كيت وكيت. انتهى كلام الخطابيّ ببعض تصرّف . وقال غيره: وجه الانفصال عن شبهة القدرية أن الله أمرنا بالعمل، فوجب علينا الامتثال، وغيّب عنّا المقاديرَ لقيام الحجة، ونَصَبَ الأعمالَ علامةً على ما سبق في مشيئته، فمن عَدَلَ عنه ضَلَّ وتاه؛ لأن القدر سر من أسرار الله، لا يَطَّلِع عليه إلا هو، فإذا أدخل أهل الجَنَّة، كشف لهم عنه حينئذ . والله أعلم. ٨ - (ومنها): أن فيه مشروعيّة أخذ المخصرة، وجواز التنكيت بها في الأرض، أو في الماء، أو نحو ذلك، وليس ذلك من العبث المذموم، قال الإمام البخاريّ -﵀- في «صحيحه»: «باب مَن نَكَتَ العودَ في الماء والطين»، ثم أورد حديث الباب محتجًّا على ما ترجم له، قال ابن بطال في «شرحه»: من عادة العرب إمساك العصا، والاعتماد عليها عند الكلام وغيره، وقد عاب ذلك عليهم بعض من يتعصب للعجم، وفي استعمال النبيّ -ﷺ- له الحجة المبالغة، وكأن المراد بالعود هنا: المخصرة التي كان النبيّ -ﷺ- يتوكأ عليها، وليس مصرّحًا به في هذا الحديث. قال الحافظ -﵀-: قلت: وفقه الترجمة أن ذلك لا يُعدّ من العبث المذموم؛ لأنَّ ذلك إنما يقع من العاقل عند التفكر في الشيء، ثم لا يستعمله فيما لا يضرّ تأثيره فيه، بخلاف من يتفكر وفي يده سكين، فيستعملها في خشبة تكون في البناء الذي فيها إفسادًا، فذاك هو العبث المذموم. انتهى، والله تعالى أعلم. ٩ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -﵀-: قال العلماء: ثبت بهذه الآية وبقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]، وقوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ [البقرة: ٢٧٤]-إلى غير ذلك من الآياتِ- أن الجود من مكارم الأخلاق، والبخل من أرذلها. وليس الجواد: الذي يعطي في غير موضع العطاء، ولا البخيل: الذي يمنع في موضع المنع، لكن الجواد: الذي يعطي في موضع العطاء، والبخيل: الذي يمنع في موضع العطاء، فكل من استفاد بما يعطى أجرًا وحمدًا فهو الجواد، وكل من استحقّ بالمنع ذمًّا، أو عقابًا فهو البخيل، ومن لم يستفد بالعطاء أجرًا ولا حمدًا، وإنما استوجب به ذمًّا فليس بجواد، وإنما هو مسرف مذموم، وهو من المبذرين الذين جعلهم الله إخوان الشياطين، وأوجب الحجر عليهم، ومن لَمْ يستوجب بالمنع عقابًا ولا ذمًّا، واستوجب به حمدًا، فهو من أهل الرشد، الذين يستحقون القيام على أموال غيرهم، بحسن تدبيرهم وسداد رأيهم. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٠٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، فِي مَعْنَاهُ، وَقَالَ: فَأَخَذَ عُودًا، وَلَمْ يَقُلْ: مِخْصَرَةً، وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي حَدِيثِهِ: عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ) -بكسر الراء الخفيفة- ابن مصعب التميميّ، أبو السَّريّ الكوفيُّ، ثقةٌ [١٠] (٢٤٣) وله إحدى وتسعون سنةً (عخ م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦٤/ ٣٦٥. ٢ - (أَبُو الأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم، الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ صاحب حديث [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٥. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) الإشارة إلى إسناد منصور المذكور قبله، وهو: عن سعد بن عُبيدة، عن أبي عبد الرَّحمن السُّلميّ، عن عليّ -﵁-. وقوله: (فِي مَعْنَاهُ) «في» بمعنى الباء؛ أي: حَدَّثَنَا بمعنى حديث منصور الماضي. [تنبيه]: أما رواية أبي الأحوص عن منصور بن المعتمر، فقد ساقها أبو يعلى -﵀- في «مسنده»، فقال: (٣٧٥) - حَدَّثَنَا خَلَف بن هشام، حَدَّثَنَا أبو الأحوص، عن منصور، عن سعد بن عُبيدة، عن أبي عبد الرَّحمن السُّلَميّ، عن عليّ، قال: خرجنا مع رسول الله -ﷺ- في جنازة، فلما انتهينا إلى بقيع الْغَرْقد، قعد رسول الله -ﷺ-، وقعدنا معه، فأخذ عودًا، فنكت به الأرض، ثم رفع رأسه، فقال: «ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة، إلَّا عَلِم الله مكانها من الجَنَّة، ومكانها من النار، وشقيّة، أو سعيدة». قال: فقام رجل من القوم، قال: أفلا نَدَع العمل، ونُقبل على كتابنا، فمن كان منّا من أهل السعادة يُسِّر لعملها، ومن كان من أهل الشقوة صار إلى الشقوة؟، قال: فقال رسول الله -ﷺ-: «بل اعملوا، فكلّ ميسَّر، فمن كان من أهل السعادة يُسِّر لعملها، ومن كان من أهل الشقوة يُسِّر لعملها». انتهى . وأما رواية أبي بكر بن أبي شيبة التي أشار إليها، فقد ساقها اللالكائيّ -﵀- في «اعتقاد أهل السُّنَّة»، فقال: (١٠٦٤) - أخبرنا عيسى بن عليّ، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد البغويّ، قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا أبو الأحوص، عن (ح). . . (١٠٦٥) - وأخبرنا عبد الرَّحمن بن عمر، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن يعقوب، قال: ثنا جدّي يعقوب بن شيبة، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا أبو الأحوص، عن منصور، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرَّحمن السُّلَميّ، عن عليّ قال: خرجنا مع رسول الله -ﷺ-، فانتهينا إلى بقيع الغرقد، فقعد رسول الله -ﷺ-، ثم قعدنا حوله، وأخذ عودًا، فنكت به في الأرض، ثم رفع رأسه، فقال: «ما منكم من أحد، من نفس منفوسة، إلَّا وقد عُلم مكانها من الجَنَّة، أو النار، شقيّة أو سعيدة»، فقال رجل: يا رسول الله، ألا ندع العمل، ونُقبل على كتابنا؟ فمن كان منّا من أهل السعادة، صار إلى السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاوة، صار إلى الشقوة؟ فقال رسول الله -ﷺ-: «اعملوا، فكل ميسر، فمن كان من أهل الشقوة يُسِّر لعملها، ومن كان من أهل السعادة يُسِّر لعملها»، ثم قرأ رسول الله -ﷺ-: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٧١٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ -وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ جَالِسًا، وَفِي يَدِهِ عُودٌ، يَنْكُتُ بِه، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ نَفْسٍ، إِلَّا وَقَدْ عُلِمَ مَنْزِلُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَلِمَ نَعْمَلُ؟ أفَلَا نَتَّكِلُ؟ قَالَ« »لَا، اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ«، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ إِلَى قَوْلهِ: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾). رجال هذا الإسناد: اثنا عشر: وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل باب، و«أبو سعيد الأشجّ»هو: عبد الله بن سعيد الكِنديّ، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، وابن نُمير« هو: محمد بن عبد الله، و»أبوه« هو: عبد الله بن نمير الْهَمْداني الكوفيّ، و»أبو كريب« هو: محمد بن العلاء الهمدانيّ الكوفيّ، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة أيضًا، و»أبو معاوية« هو: محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، و»الأعمش« هو: سليمان بن مِهْران الكوفيّ. وقوله: (ذَاتَ يَوْمٍ جَالِسًا) «ذات» مقحمة؛ أي: يومًا من الأيّام، و«جالسًا» حال من «رسول الله -ﷺ-».
مصادر المؤلف (٢٣)

١. «عمدة القاري» ٣/ ٢٩٥.

٢. «الفتح» ١٥/ ٢١٦، كتاب «القدر» رقم (٦٦٠٥).

٣. «تنبيه المعلم» ص ٤٣٧.

٤. «عمدة القاري»١٩/ ٢٩٦.

٥. «عون المعبود»١٢/ ٢٩٩.

٦. «المصباح المنير»١/ ٥٧.

٧. «الفتح»١٥/ ٢١٦ - ٢١٧.

٨. «الفتح» ١٥/ ٢١٦ - ٢١٧.

٩. «الفتح» ١٥/ ٢١٧ - ٢١٨.

١٠. «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٥٣٧ - ٥٣٨.

١١. «شرح السنديّ على ابن ماجه» ١/ ٦٠ - ٦١.

١٢. وأما ما وقع في شرح الشيخ الهرريّ من أن هذا القول للنبيّ -ﷺ-، فخطأ، فتنبّه.

١٣. «القاموس المحيط» ص ٦٩٩.

١٤. «الفتح» ١٥/ ٢١٨، كتاب «القدر» رقم (٦٦٠٥).

١٥. «الفتح» ١٥/ ٢١٨، كتاب «القدر» رقم (٦٦٠٥).

١٦. «تفسير القرطبيّ» ٢٠/ ٨٢ - ٨٥.

١٧. «التمهيد لابن عبد البرّ» ٦/ ١٢.

١٨. راجع: «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٥٣٨ - ٥٣٩.

١٩. راجع: «معالم السنن» ٨/ ٦٢ - ٦٣.

٢٠. راجع: «الفتح» ١١/ ٦٠٦.

٢١. «تفسير القرطبيّ» ٢٠/ ٨٢ - ٨٥.

٢٢. «مسند أبي يعلى» ١/ ٣٠٦.

٢٣. «اعتقاد أهل السُّنَّة» ٤/ ٥٩٩.