HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٦٥٠

حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي. حدثنا عثمان بن عمر. حدثنا عزرة بن ثابت عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يعمر، عن أبي الأسود الدئلي، قال: قال لي عمران بن الحصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه، أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر ما سبق؟ أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم، وثبتت الحجة عليهم؟ فقلت: بل شيء قضي عليهم، ومضى عليهم. قال فقال: أفلا يكون ظلما؟ قال: ففزعت من ذلك فزعا شديدا. وقلت: كل شيء خلق الله وملك يده. فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون. فقال لي. يرحمك الله! إني لم أرد بما سألتك إلا لأحزر عقلك. إن رجلين من مزينة أتيا رسول الله ﷺ. فقالا: يا رسول الله! أرأيت ما يعمل الناس اليوم، ويكدحون فيه، أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم، وثبتت الحجة عليهم؟ فقال «لا. بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم. وتصديق ذلك في كتاب الله ﷿: ﴿ونفس وما سواها* فألهمها فجورها وتقواها﴾» [٩١ /الشمس - و-٨].
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص48
ج ٤ ص ٢٠٤١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤١ ص٤٠٥
وأما رواية شعبة عن يزيد الرشك، فقد ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٦٢٢٣) - حَدَّثَنَا آدم، حَدَّثَنَا شعبة، حَدَّثَنَا يزيد الرِّشك، قال: سمعت مُطّرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، يحدث عن عمران بن حصين، قال: قال رجل: يا رسول الله، أيُعرَف أهل الجَنَّة من أهل النار؟ قال: «نعم»، قال: فلِمَ يعمل العاملون؟ قال: «كلٌّ يعمل لِمَا خُلق له، أو لِمَا يُيَسَّر له». انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٧١٦] (٢٦٥٠) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ الدِّئَلِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ، أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ؟ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ، أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وَمَضَى عَلَيْهِمْ، مِنْ قَدَرِ مَا سَبَقَ، أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ، مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ، وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؟ فَقُلْتُ: بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وَمَضَى عَلَيْهِمْ، قَالَ: فَقَالَ: أَفَلَا يَكُونُ ظُلْمًا؟ قَالَ: فَفَزِعْتُ مِنْ ذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا، وَقُلْتُ: كُلُّ شَيْءٍ خَلْقُ اللهِ، وَمِلْكُ يَدِهِ، فَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَهُمْ يُسْأَلُونَ، فَقَالَ لِي: يَرْحَمُكَ اللهُ، إِنِّي لَمْ أُرِدْ بِمَا سَأَلْتُكَ، إِلَّا لأَحْزُرَ عَقْلَكَ، إِنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ مُزَيْنَةَ أَتَيَا رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ، وَيَكْدَحُونَ فِيهِ، أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وَمَضَى فِيهِمْ، مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ، مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ، وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؟ فَقَالَ: «لَا، بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وَمَضَى فِيهِمْ، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللهِ -﷿-: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بن فارس العبديّ البصريّ، أصله من بُخَارَي، ثقةٌ، قيل: كان يحيى بن سعيد لا يرضاه [٩] (ت ٢٠٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧٩/ ٤١٧. ٢ - (عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتِ) بن أبي زيد بن أخطب الأنصاريّ البصريّ، ثقةٌ [٥ ] (خ م قد ت س ق) تقدم في «الحج» ٦٠/ ٣١٨٨. ٣ - (يَحْيَى بْنُ عُقَيْلٍ) بالتصغير البصريّ، نزيل مَرْوَ، صدوق [٣] (بخ م د س ق) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ١٣/ ١٢٣٧. ٤ - (يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ) -بفتح التحتانية، والميم، بينهما مهملة- البصريّ، نزيل مرو، وقاضيها، ثقةٌ فصيحٌ، وكان يرسل [٣] مات قبل المائة، وقيل: بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٢. ٥ - (أَبُو الأَسْوَدِ الدِّئَلِيُّ) -بضم الدال المهملة، بعدها همزة مفتوحة-، ويقال له: الدِّيليّ بكسر الدال، وسكون التحتانية، البصريّ، اسمه ظالم بن عمرو بن سفيان، ويقال: عمرو بن ظالم، ويقال: بالتصغير فيهما، ويقال: عمرو بن عثمان، أو عثمان بن عمرو، مخضرمٌ، ثقةٌ، فاضلٌ [٢] مات سنة تسع وستين (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٩/ ٢٢٤. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُباعيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فمروزيّ، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: عزرة، عن يحيى بن عُقيل، عن أبي الأسود. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ الدِّئِلِيِّ) بكسر الدال المهملة، وسكون الياء، وتقدّم أنه يقال له: الدُّؤليّ، بضمّ الدال، وفتح الهمزة: نسبة إلى الدئل بن كنانة، أبو قبيلة. (قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ) -﵄-: (أَرَأَيْتَ)؛ أي: أخبرني، من إطلاق اسم السبب على المسبَّب؛ لأنَّ مشاهدة الأشياء طريق إلى الإخبار عنها، والهمزة فيه مُقَرِّرة؛ أي: قد رأيت ذلك، فأخبرني به . (مَا يَعْمَلُ النَّاسُ)؛ أي: من الخير والشر، (الْيَوْمَ)؛ أي: في الدنيا، (وَيَكْدَحُونَ فِيهِ)؛ أي: يسعون في تحصيله بجهد وكدّ؛ أي: تعب، قال الطيبيّ: «الكدح»: جهد النفس في العمل، والكدّ فيه حتى يؤثّر فيها، مِن كدح جلده: إذا خدشه، كذا في «الكشّاف»، وقال القرطبيّ: «الكدح»: السعي في العمل لدنيا كان أو للآخرة، وأصله العمل الشاقّ، والكسب المتعب. انتهى . وقال المرتضى -﵀-: كَدَحَ في العَمَلِ: كمنَعَ: سَعَي، يَكدَح كَدْحًا، وقال أَبو إِسحاق: الكَدْحُ في اللُّغَة: السَّعْيُ، والحِرْص، والدُّؤوب في العمل، في بابِ الدُّنيا والآخرة، قال ابن مُقْبِل [من الطويل]: وما الدّهْرُ إِلّا تارَتانِ فمِنْهُما … أَمُوتُ وأُخْرَى أَبْتَغِي العَيْشَ أَكْدَحُ أَي: تارةً أَسعَى في طَلب العَيْشَ، وأَدأَب، وكَدَحَ الإِنسانُ: عَمِلَ لنَفْسه خَيْرًا، أَو شَرًّا، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ [الانشقاق: ٦]، قال الجوهَرِيّ: أَي: تَسعَي، وكَدَحَ: كَدَّ، وهو يَكدَح في كذَا: أي: يَكُدُّ، وأَصابه شَيْءٌ، فكدَحَ وَجْهَه؛ أَي: خَدَشَ، أَو كَدَحَ وَجْهَ فُلانٍ: إِذا عَمِلَ به ما يَشِينُه، ككَدّحَه تَكديحًا، فتَكدَّحَ: خَدَشَه، فتَخدّشَ، أَو كدَحَ وَجْهَ أَمْره: إِذا أَفسَدَه، وكَدَحَ لِعيَالِه: كَسَبَ، كاكتَدَحَ؛ أَي: اكتسَب. انتهى . (أَشَيْءٌ) خبر مبتدأ محذوف؛ أي: أهو شيء (قُضِيَ عَلَيْهِمْ) بالبناء للمفعول؛ أي: قُدّر فِعله عليهم، (وَمَضَى عَلَيْهِمْ) بالبناء للفاعل؛ أي: نفذ في حقّهم، (مِنْ قَدَرِ مَما سَبَقَ) هكذا معظم النسخ بـ «ما» بعد «قدر»، ووقع في بعض النسخ: «بقدر قد سبق»، كما هو الآتي بعدُ، وهو واضح، وعلى الأول يكون «قدر» منوّنًا، و«ما» زائدة للتأكيد، و«سبق» صفة لـ «قدرٍ»، ويَحتَمِل أن يكون «قدر» مضافًا لـ «ما»، وهي موصولة؛ أي: للأمر الذي سبق، والإضافة بيانيّة. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «من قدر»: «من» يجوز أن تكون بيانًا لـ «شيءٌ»، فيكون القضاء والقدر شيئًا واحدًا، وأن تكون ابتدائيّة متعلّقةً بـ «قُضِيَ»؛ أي: قُضي عليهم لأجل قَدَر سبق، وقضاء نشأ، وابتدئ من قدر، فيكون القدر سابقًا على القضاء. وقال في «النهاية»: المراد بالقدر: التقدير، وبالقضاء: الْخَلق، كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]؛ أي: خلقهنّ، فالقضاء والقدر أمران متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأنَّ أحدهما وهو القدر بمنزلة الأساس، والآخر وهو القضاء بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما، فقد رام هدم البناء، ونَقْضه. انتهى . وقال الراغب الأصبهانيّ: القضاء من الله تعالى أخصّ من القدر؛ لأنه الفصل بين التقدير، والقدر هو التقدير، والقضاء هو الفصل، والقطع، وقد ذكر بعض العلماء أن القدر بمنزلة المعدّ للكيل، والقضاء بمنزلة الكيل، ولهذا لمّا قال أبو عبيدة لعمر -﵄- لمّا أراد الفرار من الطاعون بالشام: أتفِرّ من القضاء؟ قال: أفِرّ من قضاء الله إلى قَدَر الله؛ تنبيهًا أن القدر ما لَمْ يكن قضاءً، فمرجوّ أن يدفعه الله، فأما إذا قُضي فلا مَدْفَع له، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١]، وقوله: ﴿حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١]، ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [البقرة: ٢١٠]؛ أي: فُصل؛ تنبيهًا أنه صار بحيث لا يمكن تلافيه. انتهى . وقال بعضهم: القدر كتقدير النقّاش الصورةَ في ذهنه، والقضاء كرسمه تلك الصورة للتلميذ بالأسرب، ووضْعُ التلميذ الصبغ عليها متبعًا لرسم الأستاذ هو الكسب، والاختيار، والتلميذ في اختياره لا يخرج عن رسم الأستاذ، كذلك العبد في اختياره لا يمكنه الخروج عن القضاء والقدر. انتهى . (أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ) ببناء الفعل للمفعول، قال الطيبيّ: كذا في «صحيح مسلم»، و«كتاب الحميديّ»، و«جامع الأصول»، ووقع في نُسخ «المصابيح»: «أم فيما يَسْتَقْبِلون؟»، قال: على كلتا الروايتين ليس السؤال عن تعيين أحد الأمرين؛ إذ الجواب -وهو قوله -ﷺ--: «لا، بل إلخ» غير مطابق له، وإذا تقرّر هذا فـ «أم» منقطعة، و«أو» بمعنى «بل»، وتحريره أن السائل لَمَّا رأى الرسل يأمرون أممهم، وينهونهم اعتَقَد أن الأمر أُنُفٌ، كما زعمت المعتزلة، فسأل أَوَّلًا عن الأمر أهو شيء مقدَّر؟ ثم بدا له، وأضرب عن ذلك، واستأنف، فقال: أهو واقع فيما يُستقبلون به؟، والهمزة للتقرير، فلذلك نفى رسول الله -ﷺ- ما أثبته، وقرّره، وأكّده بـ «بل»، ولو كان السؤال عن التعيين لقال: أشيء قُضي عليهم، أو شيء يستقبلونه بالتكلّم؟ بل غيّر العبارة، وعدل إلى الغَيبة، وعمّم الأمم كلّها، وأنبياءهم، فدلّ ذلك على صحّة ما قلناه، من إضرابه عن السؤال الأول إلى الثاني. انتهى . وقوله: (مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ)؛ أي: من الأمر الذي جاءهم النبيّ -ﷺ-،، وهو بيان لـ «ما» من قوله: «فيما يُستقبلون»، (وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؟) فلزمهم العمل به، قال أبو الأسود: (فَقُلْتُ: بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وَمَضَى عَلَيْهِمْ، قَالَ) أبو الأسود: (فَقَالَ) عمران -﵁-: (أفَلَا يَكُونُ ظُلْمًا؟)؛ أي: إذا قلت: إن ذلك العمل الذي يكدحون فيه أمرٌ قُضي، وقُدّر عليهم، ولا بدّ لهم منه، فهم مجبرون عليه، فكيف يعذّبهم عليه، ألا يكون ذلك ظلمًا لهم؟. فقوله: «أفلا يكون ظلمًا» هكذا وقع في نُسخ مسلم، التي بين أيدينا، ووقع في مختصر القرطبيّ بلفظ: «فلا يكون ظلمًا» بغير همزة، فقال القرطبيّ -﵀-: كذا الرواية بغير ألف استفهام، وهي مرادة؛ إذ بالاستفهام حصل فزع المسؤول، وبه صحّ أن يكون ما أتى به من قوله: «كل شيء خَلْق الله، ومِلْك يده. . .» إلى آخره جوابًا عما سأله عنه، ولو لَمْ يكن الاستفهام مرادًا لكان الكلام نفيًا للظلم، وهو صحيحٌ وحقّ، ولا يُفزع من ذلك، ولا يستدعي جوابًا. وبيان ما سأله عنه أنه لَمّا تقرّر عنده أن ما يعمل الناس فيه شيء قُضي به عليهم، ولا بُدّ لهم منه، فكأنهم يلجؤون إليه، فكيف يعاقَبون على ذلك؟ فعقابهم على ذلك ظلم، وهذه من شُبَه القدرية المبنيّة على التحسين والتقبيح، وقد أجاب عن ذلك أبو الأسود، وأحسن في الجواب، ومقتضى الجواب: أن الظلم لا يُتصوّر من الله تعالى، فإنَّ الكل خَلْقه، وملكه، لا حَجْر عليه، ولا حكم، فلا يتصوّر في حقّه الظلم؛ لاستحالة شرطه، على ما بيّنّا غير مرّة، ثم عَضَد بقوله: لا يُسأل عما يفعل، وهم يُسألون، ولَمّا سَمِع عمران هذا الجواب تحقّق أنه قد وُفِّق للحقّ، وأصاب عين الصواب، فاستحسن ذلك منه، وأخبره أنه إنما امتحنه بذلك السؤال؛ ليختبر عقله، وليستخرج علمه، ثم أفاده الحديث المذكور، ومعناه قد تقدّم الكلام عليه. انتهى . (قَالَ) أبو الأسود: (فَفَزِعْتُ) بكسر الزاي، من باب تَعِب، (مِنْ ذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا، وَقُلْتُ: كُلُّ شَيْءٍ) مبتدأ خبره قوله: (خَلْقُ اللهِ)؛ أي: مخلوقه، (وَمِلْكُ يَدِهِ)؛ أي: مملوك له، وتحت تصرّفه يفعل فيه ما يشاء، (فَلَا يُسْأَلُ) بالبناء للمفعول؛ أي: لا أحد يسأل الله -﷾- (عَمَّا يَفْعَلُ) في عباده من خير، أو شرّ، (وَهُمْ)؛ أي: العباد (يُسْأَلُونَ)؛ أي: يسألهم الله -﷿- عما فعلوه، ولقد أحسن أبو الأسود -﵀- في الجواب، ومقتضى جوابه أن الظلم لا يُتصوّر من الله -﷿-، فإن الكلّ خَلْقه، وملكه، لا حجر عليه أن يفعل فيهم ما يشاء، فلا يُتصوّر في حقّه الظلم؛ لأنَّ الظلم التصرّف في ملك الغير بغير إذنه، وهم ملكه، ثمّ عضد ذلك بقوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣]، ولما سمع عمران -﵁- هذا الجواب منه أعجبه، واستحسنه منه، وترحّم عليه، كما قال: (فَقَالَ لِي: يَرْحَمُكَ اللهُ) وأخبره أنه إنما سأله امتحانًا له؛ ليختبر ما عنده من عِلم هذا الباب، فقال: (إِنِّي لَمْ أُرِدْ بِمَا سَأَلْتُكَ، إِلَّا لأَحْزُرَ) بتقديم الزاي على الراء، من بابي ضرب، ونصر؛ أي: لأقدّر، وأمتحن (عَقْلَكَ)؛ أي: فهمك، ومعرفتك بالشيء، قال في «القاموس»، و«شرحه»: العَقْل: العِلم، وعليه اقتصرَ كثيرون، وفي «العُباب»: العَقْل: الحِجْرُ، والنُّهْيَة، ومثلُه في «الصِّحاح»، وفي «المُحكَم»: العَقْل: ضِدُّ الْحُمْق، أو هو العِلمُ بصفاتِ الأشياءِ، من حُسنِها وقُبحِها، وكمالِها ونُقصانِها، أو هو العِلمُ بخيرِ الخَيرَيْن، وشَرِّ الشَّرَّيْن، أو مُطلَقٌ لأمورٍ، أو لقُوَّةٍ بها يكون التَّمييزُ بين القُبحِ والحُسن، ولِمَعانٍ مُجتمِعةٍ في الذِّهْنِ، يكون بمُقَدِّماتٍ يسْتَتِبُّ بها الأغْراضُ، والمَصالِح، ولهَيئَةٍ مَحْمُودةٍ للإنسانِ في حَرَكَاتِه وكَلامِه . وقال الراغب الأصفهانيّ: العَقْلُ، يقال للقُوّةِ المُتَهَيِّئَةِ لقَبولِ العِلم، ويقال للذي يَسْتَنبِطُه الإنسانُ بتلكَ القوّةِ: عَقْلٌ، ولهذا قال عليٌّ -﵁-: رَأَيْتُ العَقْلَ عَقْلَيْن … مَطْبُوعٌ ومَسْمُوعٌ فلا يَنْفَعُ مَسْمُوعٌ … إذا لم يكن مَطْبُوعٌ كَمَا لا تَنْفَعُ الشَّمْسُ … وَضَوْءُ العَينِ مَمْنُوعٌ وقال الفيّوميّ -﵀-: عَقَلْتُ الشيءَ عَقْلًا، من باب ضرب: تدبرته، وعَقِلَ يَعْقَلُ، من باب تَعِب لغة، ثم أُطلق العَقْلُ الذي هو مصدرٌ على الْحِجَا واللُّبّ، ولهذا قال بعض الناس: العَقْلُ: غَرِيزة، يتهيأ بها الإنسان إلى فهم الخطاب، فالرجل عَاقِلٌ، والجمع: عُقَّالٌ، مثلُ كافر وكُفّار، ورُبّما قيل: عُقَلاءُ، وامرأة عَاقِلٌ، وعَاقِلَةٌ، كما يقال فيها: بالغ، وبالغةٌ، والجمع عَوَاقِلُ، وعَاقِلاتٌ. انتهى . ثم ذَكَر عمران بن حُصين -﵁- حجته على تصويب جواب أبي الأسود: فقال: (إِنَّ رَجُلَيْنِ) بكسر همزة «إنّ»؛ لوقوعها في الابتداء، كما قال في «الخلاصة»: فاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ … وَحَيثُ «إِنَّ» لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ والرجلان لَمْ يُعرفا، كما قال صاحب «التنبيه» . (مِنْ مُزَيْنَةَ) بضمّ الميم، بصيغة التصغير، كجُهينة، وهي مزينة بنت كلب بن وبرة، أم عثمان، وأوس ابني عمرو بن أُدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر، وهم قبيلة كبيرة، قاله في «اللباب» . (أَتَيَا رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ)؛ أي: أخبرنا عن العمل الذي يعمله الناس اليوم؛ أي: في هذه الدنيا، (وَيَكْدَحُونَ فِيهِ) تقدّم أنه من مَنَع؛ أي: يسعون، ويجتهدون في تحصيله، (أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ) بالبناء للمفعول؛ أي: قُدّر عليهم في الأزل، (وَمَضَى فِيهِمْ) بالبناء للفاعل؛ أي: نفذ فيهم في هذه الدنيا، وقوله: (مِنْ قَدَرِ) بيان لـ «شيء»، وقوله: (قَدْ سَبَقَ) صفة لـ «قدَر»، (أَو فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ) بالبنَاء للمفعول؛ أي: أو هو في الشيء الذي يُستأنَفُون به، مما يؤمرون به الآن دون سبق تقدير به؟ (مِمَّا أتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ) -ﷺ- (وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؟) بتبليغه لهم، (فَقَالَ) -ﷺ-: («لَا)؛ أي: ليس عملهم فيما يُستقبلون به الآن، (بَلْ) هو (شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ) أزلًا، (وَمَضَى فِيهِمْ) الآن، (وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ)؛ أي: ما يصدّقه، فـ»تصديق«مبتدأ، خبره قوله: (فِي كتَابِ اللهِ -﷿- وقوله -﷾-: (﴿وَنَفسٍ﴾ [الشمس: ٧]) بدل من الخبر، أو»في كتاب الله«متعلِّق بـ»تصديق«، والخبر قوله: ﴿وَنَفسٍ﴾ [الشمس: ٧] الواو فيه للقَسَم، و﴿نَفسٍ﴾ [الشمس: ٧] مجرور بالواو؛ أي: أُقسم بنفس، قال القرطبيّ -﵀-: قوله: ﴿وَنَفسٍ﴾ قَسَم بنفوس بني آدم، وأفردها لأن مراده النوع، وهذا نحو قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)﴾ [الانفطار: ٥]؛ أي: كلّ نفس، كما قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ [المدثر: ٣٨]، إلا ترى قوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾؛ أي: حَمَلها على ما أراد من ذلك، فمنها ما خُلق للخير، وأعانها عليه، ويسّره لها، ومنها ما خُلق للشرّ، ويسّره لها، وهو الموافق للحديث المتقدّم المصدّق بالآية . وقوله: (﴿وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ [الشمس: ٧، ٨] «)؛ أي: أعلمها طاعتها، ومعصيتها، وأفهمها أن أحدهما حسنٌ، والآخر قبيح. وقال القرطبيّ: ﴿وَمَا سَوَّاهَا﴾؛ أي: والذي سوّاها، وقد قدمنا أن«ما»في أصلها لِمَا لا يُعقل، وقد تجيء بمعنى الذي، وهي تقع لمن يعقل ولما لا يعقل، والتسوية: التعديل؛ يعني: أنه خلقها مكمّلة بكل ما تحتاج إليه، مُؤهَّلة لقبول الخير والشر، غير أنه يجري عليها في حال وجودها، ومآلها ما سبق لها مما قُضي به عليها. انتهى . وقال أبو عبد الله القرطبيّ في«تفسيره»: قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧)﴾، قيل: المعنى: وتسويتها، فـ«ما»: مصدريّة، وقيل: المعنى: ومن سواها، وهو الله -﷿-، وفي النفس قولان: أحدهما آدم -﵇-، والثاني: كلُّ نفس منفوسة، وسوّى: بمعنى هيّأ، وقال مجاهد: سوّاها: سوّى خَلْقها، وعَدّل، وهذه الأسماء كلها مجرورة على القَسَم، أَقسم جل ثناؤه بخَلْقه؛ لِمَا فيه من عجائب الصنعة الدالة عليه، وقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾؛ أي: عرّفها، كذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد: أي: عرّفها طريق الفجور والتقوي، وقاله ابن عباس، وعن مجاهد أيضًا: عرّفها الطاعة والمعصية، وعن محمد بن كعب قال: إذا أراد الله -﷿- بعبده خيرًا، ألهمه الخير، فعمل به، وإذا أراد به السوء، ألهمه الشر، فعمل به، وقال الفراء: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾: عرّفها طريق الخير، وطريق الشرّ، كما قال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ [البلد: ١٠]. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: ألهم المؤمن المتقي تقواه، وألهم الفاجر فجوره. وعن سعيد، عن قتادة قال: بَيَّن لها فجورها، وتقواها، والمعنى متقارب. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمران بن حُصين -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٦٧١٦] (٢٦٥٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٤٣٨)، و(الطبريّ) في «تفسيره» (٣٠/ ٢١١)، و(ابن أبي عاصم) في «السُّنَّة» (١٧٤)، و(اللالكائيّ) في «اعتقاد أهل السُّنَّة» (٩٥٠)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٨/ ٢٢٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦١٨٢)، و(ابن عبد البرّ) في «التمهيد» (٦/ ١١ - ١٢)، و(البيهقيّ) في «شُعب الإيمان» (١/ ٢٠٦) و«الاعتقاد» (ص ١٣٨)، و(البغويّ) في «معالم التنزيل» (٤/ ٤٣٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن القدر سرّ من أسرار الله -﷾-، لا يعلم حقيقته إلا الله تعالى، فيجب الإيمان به، قال أبو عمر بن عبد البرّ -﵀-: قال العلماء والحكماء قديمًا: القدر سرّ الله، فلا تنظروا فيه، فلو شاء الله ألا يُعْصَى ما عصاه أحد، فالعباد أدقّ شأنًا، وأحقر من أن يعصوا الله إلا بما يريد، وقد روي عن الحسن أنه قال: لو شاء الله أن لا يُعْصَى ما خلق إبليس. وقال مطرِّف بن الشِّخِّير: لو كان الخير في يد أحد ما استطاع أن يجعله في قلبه، حتى يكون الله -﷿- هو الذي يجعله فيه، قال: وجدت ابن آدم مُلْقًى بين يدي الله والشيطان، فإن اختاره الله إليه نجا، وإن خلّى بينه وبين الشيطان ذهب به، ولقد أحسن القائل، حيث قال: لَيْسَ لِلَّهِ الْعَظِيمِ نِدُّ … وَهَذِهِ الأَقْدَارُ لَا تُرَدُّ لَهُنَّ وَقْتٌ وَلَهُنَّ حَدُّ … مُؤَخَّرٌ بَعْضٌ وَبَعْضٌ نَقْدُ وَلَيْسَ مِنْ هَذَا وَهَذَا بُدُّ … وَلَيْسَ مَحْتُومًا لِحَيٍّ خُلْدُ وفي الحديث المرفوع: «إذا أراد الله -﷿- بعبد خيرًا سلك في قلبه اليقين، والتصديق، وإذا أراد الله -﷿- بعبده شرًّا سلك في قلبه الرِّيبة، والتكذيب» ، وقال الله -﷿-: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [الحجر: ١٢، ١٣] وقال الله -﷿-: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وقال: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣]، وقال الله -﷿-: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]. وقال الفضل الرقاشيّ لإياس بن معاوية: يا أبا واثلة ما تقول في هذا الكلام الذي أكثر الناس فيه؟ يعني: القدر، قال: إن أقررت بالعلم خُصمت، وإن أنكرت كفرت، وقال الأوزاعيّ -﵀-: هلك عبادنا، وخيارنا في هذا الرأي؛ يعني: القدر، وسَمِع ابن عباس رجلين يختصمان في القدر، فقال: ما منكما إلا زائغ، وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد ابن الحنفية قال: أول ما تكلم به القدرية أن جاء رجل، فقال: كان من قدر الله -﷿- أن شَرَرَةً طارت، فأحرقت الكعبة، فقال آخر: ليس من قدر الله أن يُحرق الكعبة. قال أبو عمر: قد أكثر أهل الحديث من تخريج الآثار في هذا الباب، وأكثر المتكلمون فيه من الكلام والجدال، وأما أهل السُّنَّة فمجتمعون على الإيمان بالقدر، على ما جاء في هذه الآثار، ومثله من ذلك، وعلى اعتقاد معانيها، وتَرْك المجادلة فيها. ثم أخرج بسنده عن حسن بن عليّ قال: رُفع الكتاب، وجَفّ القلم، وأمور تقضى في كتاب قد خلا، وأخرج عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه قال: أمَا والله لو كُشف الغطاء لعلمت القدرية أن الله ليس بظلام للعبيد، وروى حماد بن سلمة عن يونس بن عبيد قال: كان الحسن إذا قرأ هذه الآية: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] قال: علم الله -﷿- كل نفس ما هي عاملة، وإلى ما هي صائرة، وروى أبو حاتم السجستانيّ عن الأصمعيّ قال: سألت أعرابيًّا عن القدر، فقال: ذلك علم اختصمت فيه الظنون، وتغالب فيه المختلفون، والواجب علينا أن نرُدّ ما أشكل علينا مَن حُكمه إلى ما سبق فيه مِن عِلمه. قال أبو عمر: أحسن ما رأيت رجزًا في معنى القدر قول ذي النون إبراهيم الإخميني: قَدَّرَ مَا شَاءَ كَيْفَ شَاءَ … وَلَمْ يُطْلِعْ عَلَى عِلْمِ غَيْبِهِ بَشَرَا وَيَرَى مِنَ الْعِبَادِ مُنْفَرِدًا … مُحْتَجِبًا فِي السَّمَاءِ لَيْسَ يُرَى ثُمَّ جَرَى بِالَّذِي قَضَى قَلَمٌ … أَجْرَاهُ فِي اللَّوْحِ رَبُّنَا فَجَرَى لَا خَيْرَ فِي كَثْرَةِ الْجِدَالِ وَلَا … فِي مَنْ تَعَدَّى فَأَنْكَرَ الْقَدَرَا مَنْ يَهْدِهِ اللهُ لَنْ يَضِلَّ وَمَنْ … يُضْلِلْ فَلَنْ يَهْتَدِي وَقَدْ خَسِرَا دَعْوَتُهُ لِلْعِبَادِ شَامِلَةٌ … وَخَصَّ بِالْخَيْرِ مِنْهُمْ نَفَرَا قال أبو عمر: قد اختلف العلماء في معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، فرُوي عن ابن عباس: إلا ليعبدوني قال: ليقرّوا بالعبودية طوعًا وكرهًا، وقال مجاهد، وابن جريج: إلا ليعرفوني، وقال الضحاك بن مُزاحم: هي آية عظيمة عامّة في المنطق، خاصّة في المؤمنين، وقال الشافعيّ: هي خاصة؛ يعني: أنه خَلَق الأنبياء والمؤمنين لعبادته، قال: والدليل على خصوصها قوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]، فلن يكون بخلقه مشيئة إلا أن يشاء الله. ومن أحسن ما قيل من النظم في قِدَم العمل، وأن ما يكون من خَلْق الله فقد سبق العلم به، وجَفّ القلم به، وأنه لا يكون في مُلكه إلا ما يشاء، لا ما يشاء غيره: قول الشافعيّ، رويناه من طُرُق عن المزنيّ، وعن الربيع عنه أنه قال في أبيات له [من المتقارب]: فَمَا شِئْتَ كَانَ وَإِنْ لَمْ أَشَأْ … وَمَا شِئْتُ إِنْ لَمْ تَشَأْ لَمْ يَكُن خَلَقْتَ الْعِبَادَ عَلَى مَا عَلِمْتَ … وَفِي الْعِلْمِ يَجْرِي الْفَتَى وَالْمُسِنّ عَلَى ذَا مَنَنْتَ وَهَذَا خَذَلْتَ … وَهَذَا أَعَنْتَ وَذَا لَمْ تُعِنْ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَمِنْهُمْ سَعِيدٌ … وَمِنْهُمْ قَبِيحٌ وَمِنْهُمْ حَسَنْ وَمِنْهُمْ فَقِيرٌ وَمِنْهُمْ غَنِيٌّ … وَكُلٌّ بِأَعْمَالِهِ مُرْتَهَنْ قال أبو عمر: كلُّ ما في هذه الأبيات مُعْتَقَد أهل السُّنَّة، ومذهبهم في القدر، لا يختلفون فيه، وهو أصل ما يَبْنُون في ذلك عليه. انتهى . ٢ - (ومنها): بيان جواز اختبار العالم عقول أصحابه الفضلاء بمشكلات المسائل، وقد عقد الإمام البخاريّ -﵀- في «كتاب العلم» من «صحيحه»: «باب طرح الإمام المسألة على أصحابه؛ ليختبر ما عندهم من العلم»، ثم أورد محتجًّا على ذلك حديث ابن عمر -﵄-، عن النبيّ -ﷺ- قال: «إن من الشجر شجرةً، لا يسقط ورقها، وإنها مَثَل المسلم، حدّثوني ما هي؟». قال: فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله: فوقع في نفسي أنها النخلة، ثم قالوا: حَدَّثَنَا ما هي يا رسول الله؟ قال: «هي النخلة». انتهى . ٣ - (ومنها): استحباب الثناء على من أجاب عن السؤال إذا أصاب. ٤ - (ومنها): أن الحديث بيّن أن النفس التي قُضي عليها سابقًا ستعمل لاحقًا بما سبق لها، إما من أهل السعادة، فتعمل عمل أهل السعادة الذي به تدخل الجَنَّة، وإما من أهل الشقاوة، فتعمل عمل أهل الشقاوة الذي به تدخل
مصادر المؤلف (٢٢)

١. «صحيح البخاري» ٦/ ٢٤٣٤.

٢. هذا هو الأشبه، وأما قوله في «التقريب»: من السابعة ففيه نظر لا يخفى؛ لأنه تابعيّ سمع من بعض الصحابة، كعبد الله بن يزيد الخطميّ، وعبد الله بن أبي أوفي، كما في «الفتح» ١٢/ ٦٩٠، فبيقين أنه من الخامسة، فليُتنبَّه.

٣. وقال في هامش «الخلاصة» ص ٤٢٩: ضَبَطه بالقلم في الأصل بضمّ الميم، وفتحها. انتهى.

٤. «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٥٤٠.

٥. «المفهم» ٦/ ٦٦١.

٦. «تاج العروس» ص ١٧٢٣.

٧. «النهاية في غريب الأثر» ص ٧٥٩.

٨. «مفردات ألفاظ القرآن» ص ٦٧٥ - ٦٧٦.

٩. «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٥٤١.

١٠. «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٥٤١.

١١. «المفهم» ٦/ ٦٦٢.

١٢. «تاج العروس» ص ٧٣٣٩.

١٣. «مفردات ألفاظ القرآن» للراغب الأصفهانيّ ص ٥٧٧ - ٥٧٨.

١٤. «المصباح المنير» ٢/ ٤٢٣.

١٥. «تنبيه المعلم» ص ٤٣٨.

١٦. «اللباب في تهذيب الأنساب» ٣/ ٢٠٥.

١٧. «المفهم»٦/ ٦٦٢ - ٦٦٣.

١٨. «المفهم» ٦/ ٦٦٣.

١٩. «تفسير القرطبيّ» ٢٠/ ٧٥.

٢٠. لَمْ يخرجه أبو عمر، ولا عزاه إلى مصدر، فالله أعلم بصحّته.

٢١. الاستذكار«٨/ ٢٦٢ - ٢٦٤.

٢٢. «صحيح البخاريّ» ١/ ٣٤.