HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٦٥٦

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كُرَيْبٍ: قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ زياد بن إسماعيل، عن محمد بن عباد بن جعفر المخزومي، عن أبي هريرة. قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر. فنزلت: ﴿يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر* إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ [٥٤ /القمر، و-٤٩].
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص52
ج ٤ ص ٢٠٤٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤١ ص٤٦٥
وبالجملة فهذا الباب هلك فيه كثير ممن اتّبع هواه من القدريّة وغيرهم، ونجا أهل السُّنَّة والجماعة باتباعهم نصوص الكتاب والسُّنَّة، وعدم الخوض والتعمّق فيما لا يعنيهم من أسرار القدر الذي اختصّ الله -﷿- به دون عباده، اللَّهُمَّ اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولَّنا فيمن تولّيت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شرّ ما قضيت، اللَّهُمَّ فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختُلف فيه من الحقّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨] آمين. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٢٩] (٢٦٥٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ زَيادِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، يُخَاصِمُونَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- فِي الْقَدَرِ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩، ٤٨]). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) الكوفيّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم أيضًا قبل بابين. ٣ - (وَكِيعُ) بن الْجَرّاح الرؤاسيّ الكوفيّ، تقدّم أيضًا قبل بابين. ٤ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ إمامٌ حجةٌ، من رؤوس الطبقة [٧] وكان ربما دلَّس (ت ١٦١) وله أربع وستون سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٥ - (زِيادُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) ويقال: يزيد بن إسماعيل المخزوميّ، ويقال: السَّهْميّ المكيّ، صدوقٌ سيئ الحفظ [٦]. رَوَى عن محمد بن عباد بن جعفر، وسليمان بن عتيق. وروى عنه ابن جريج، والثوريّ، قال ابن معين: ضعيفٌ، وقال علي ابن المدينيّ: رجل من أهل مكة معروف، وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال أبو الفتح الأزديّ: فيه نظرٌ، وقال يعقوب بن سفيان: ليس حديثه بشيء. أخرج له البخاريّ في «خلق أفعال العباد»، والمصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه، وليس له عندهم إلا هذا الحديث. ٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَخْزُومِيُّ) هو: محمد بن عبّاد بن جعفر بن رِفاعة بن أمية بن عابد بن عبد الله بن عُمر بن مَخزُوم المكيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في «الصلاة» ٣٦/ ١٠٢٧. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- ذُكر قبل باب. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ)؛ أي: القبيلة المعروفة، قال الفيّوميّ: «قُريش» هو النضر بن كنانة، ومن لم يلده فليس بقرشيّ. وقيل: قريشٌ هو فِهْر بن مالك، ومن لم يلده فليس من قريش. نقله السهيليّ وغيره. وإلى هذا أشار الحافظ العراقيّ -﵀- مع ترجيح الثاني في «ألفيّة السيرة» حيث قال: أَمَّا قُرَيشٌ فَالأَصَحُّ فِهْرُ … جَمَّاعُهَا وَالأَكْثَرُونَ النَّضْرُ وأصل القرش: الجمع، وتقرّشوا: إذا تجمّعوا، وبذلك سُمّيت قُريشٌ. وقيل: قُريشٌ دابّة تسكن البحر، وبه سُمِّي الرجل، قال الشاعر [من الخفيف]: وَقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ الْبَحْـ … رَ بِهَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشَا ويُنسب إلى قريش بحذف الياء، فيقال: قُرَشيٌّ، وربّما نُسب إليه في الشعر من غير تغيير، فيقال: قُريشيّ. انتهى كلام الفيّوميّ بزيادة . (يُخَاصِمُونَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل، (فِي الْقَدَرِ)؛ أي: في إثبات القدر. وقال النوويّ -﵀-: المراد بالقدر هنا: القدر المعروف، وهو ما قدَّر الله وقضاه، وسبق به علمه وإرادته، وأشار الباجيّ إلى خلاف هذا، وليس كما قال. انتهى . أي: في شأن القدر، (فَنَزَلَتْ) الآية، وهي قوله تعالى: (﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ﴾) بالبناء للمفعول؛ أي: يُجرّ المشركون (﴿فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾) ويقال لهم عند سحبهم وإلقائهم في نار جهنّم: (﴿ذُوقُوا﴾) على إنكاركم القدر، (﴿مَسَّ سَقَرَ﴾)؛ أي: إصابة نار جهنّم لكم، قال النسفيّ -﵀-: هو كقولك: وجد مسّ الْحُمّى، وذاق طعم الضرب؛ لأن النار إذا أصابتهم بحرّها فكأنها تمسّهم مسًّا. و«سقر» غير منصرف؛ للتأنيث والتعريف؛ لأنها عَلَم لجهنّم، مِن سَقَرتهُ النارُ: إذا لوّحته. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: و«سقر» اسم من أسماء جهنم لا ينصرف؛ لأنه اسم مؤنّث معرفةٌ، وكذا لظى، وجهنم. وقال عطاء: «سقر» الطبق السادس من جهنّم. وقال قُطرُب: «سقر» من سَقَرته الشمس، وصقرته: لَوّحته، ويوم مُسَمْقِرٌ، ومُصَمْقِرٌ: شديد الحرّ. انتهى . (﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ﴾) بنصب «كلّ» بفعل يفسّره قوله: (﴿خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾) القدر بفتحتين، أو بفتح فسكون: التقدير؛ أي: بتقدير سابق، أو خَلَقْنا كل شيء مقدّرًا محكمًا مرتّبًا على حَسَب ما اقتضته الحكمة، أو مقدّرًا مكتوبًا في اللوح، معلومًا قبل كونه، قد علمنا حاله، وزمانه. قاله النسفيّ . وقال أبو عبد الله القرطبيّ المفسّر -﵀-: قرأ العامّة: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ﴾ قرأ العامّة «كلّ» بالنصب، وقرأ أبو السّمّال: «كلّ» بالرفع على الابتداء، ومن نَصَب فبإضمار فِعل، وهو اختيار الكوفيين؛ لأن «إنّ» تطلب الفعل فهي به أَولى، والنصب أدلّ على العموم في المخلوقات لله تعالى؛ لأنك لو حذفت «خلقنا» المفسّر، وأظهرت الأول لصار: إنا خلقنا كلَّ شيء بقدر، ولا يصحّ كون خلقنا صفة لـ «شيء»؛ لأن الصفة لا تعمل فيما قبل الموصوف، ولا تكون تفسيرًا لِمَا يعمل فيما قبله. انتهى . وقال الإمام ابن كثير -﵀- في «تفسيره»: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨)﴾ [القمر: ٤٧، ٤٨]. قال: يُخبر تعالى عن المجرمين أنهم في ضلال عن الحقّ، وسُعُر مما هم فيه من الشكوك والاضطراب في الآراء، وهذا يَشمل كل من اتّصف بذلك من كافر، ومبتدع، من سائر الفرق، ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾؛ أي: كما كانوا في سُعُر، وشكّ، وتردُّد، أورثهم ذلك النارَ، وكما كانوا ضُلّالًا يُسحبون فيها على وجوههم، لا يدرون أين يذهبون، ويقال لهم تقريعًا وتوبيخًا: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾، كقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، وكقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى: ١ - ٣]؛ أي: قَدّر قَدَرًا، وهدى الخلائق إليه، ولهذا يستدلّ بهذه الآية الكريمة أئمة السُّنَّة على إثبات قَدَر الله السابق لِخَلْقه، وهو عِلْمه الأشياء قبل كونها، وكتابته لها قبل بَرْئها، وردُّوا بهذه الآية، وبما شاكلها من الآيات، وما وَرَدَ في معناها من الأحاديث الثابتات، على الفرقة القدرية، الذين نَبَغُوا في أواخر عصر الصحابة -﵃- ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. [تنبيه]: ضعّف بعضهم هذا الحديث بسبب زياد بن إسماعيل؛ لأنهم تكلموا فيه. [قلت]: زياد، وإن ضعَّفه ابن معين، وغيره، فقد رَوَى عنه ابن جريج، والثوريّ، وقال ابن المدينيّ: رجل من أهل مكة معروف، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ووثقه ابن حبّان، ووثّقه مسلم أيضًا حيث أخرج له هذا الحديث في الأصول، فأقلّ أحواله أن يكون حسن الحديث، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٦٧٢٩] (٢٦٥٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٤٤٤ و٤٧٦)، و(البخاريّ) في «خلق أفعال العباد» (ص ٢٨)، و(الترمذيّ) في «القدر» (٢١٥٧) و«التفسير» (٣٢٩٠)، و(ابن ماجه) في «المقدّمة» (٨٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦١٣٩)، و(الطبريّ) في «تفسيره» (٢٧/ ١١٠)، و(الفسويّ) في «المعرفة والتاريخ» (٣/ ٢٣٦)، و(الواحديّ) في «أسباب النزول» (ص ٢٦٨)، و(البغويّ) في «تفسيره» (٤/ ٢٦٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): إثبات القدر وأنه عامّ في كل شيء، فكل ذلك مقدور في الأزل معلوم لله -﷾-، مراد له، وأن الإيمان به واجب. ٢ - (ومنها): بيان سبب نزول الآية الكريمة. ٣ - (ومنها): أن الآية نصّ في تعذيب مكذّبي القدر، وهو محمول كما قال النوويّ على جحد القَدَر المعروف، وهو جحد تقدير الله -﷾- للأشياء، وسَبْق علمه بها، وإرادته، فإن من كذب بهذا فهو كافر خارج عن الإسلام بلا خلاف بين أهل العلم . ٤ - (ومنها): ما قاله الإمام ابن كثير -﵀-: أنه استَدَلّ بهذه الآية الكريمة أئمة السُّنَّة على إثبات قَدَر الله تعالى السابق لخلقه، وهو علمه الأشياء قبل كونها، وكتابته لها قبل بَرْئها، وردُّوا بهذه الآية وبما شاكلها من الآيات، وما ورد في معناها من الأحاديث الثابتات على الفرقة القدريّة الذين نبغوا في أواخر عصر الصحابة -﵃-. انتهى . ٥ - (ومنها): ما قاله أبو عمر -﵀-: قال الله -﷿-: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾، وقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٩]، فليس لأحد مشيئة تنفذ إلا أن تنفذ منها مشيئة الله تعالى، وإنما يجري الخلق فيما سبق من علم الله، والقدر سرّ الله، لا يُدرَك بجدال، ولا يشفي منه مقال، والحجاج فيه مرتجة، لا يُفتح شيء منها إلا بكسر شيء، وغَلْقه، وقد
مصادر المؤلف (٩)

١. «المصباح المنير» ٢/ ٤٩٧.

٢. «شرح النوويّ» ١٦/ ٢٠٥.

٣. «تفسير النسفيّ» ٤/ ٢٠٦.

٤. «تفسير القرطبيّ» ١٧/ ١٤٧.

٥. «تفسير النسفيّ» ٤/ ٢٠٦.

٦. «تفسير القرطبيّ» ١٧/ ١٤٧.

٧. «تفسير ابن كثير» ٤/ ٢٦٨.

٨. راجع: «شرح النوويّ» ١٦/ ٢٠٥.

٩. «تفسير ابن كثير» ٤/ ٢٨٦.