HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٦٥٨

حَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ كان يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «ما من مولود إلا يولد على الفطرة. فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه. كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء. هل تحسون فيها من جدعاء؟» ثم يقول أبو هريرة: واقرؤا إن شئتم: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله﴾. الآية [٣٠ /الروم].
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص52
ج ٤ ص ٢٠٤٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤١ ص٤٨٠
أو بالمس باليد، بأن يمس أجنبية بيده، أو يقبّلها، أو بالمشي بالرجل إلى الزنى، أو النظر، أو اللمس، أو الحديث الحرام مع أجنبية، ونحو ذلك، أو بالفكر بالقلب، فكل هذه أنواع من الزنى المجازيّ. والفرج يصدّق ذلك كله، أو يكذّبه، معناه: أنه قد يحقق الزنى بالفرج، وقد لا يحققه، بأن لا يولج الفرج في الفرج، وإن قارب ذلك، والله أعلم. وأما قول ابن عباس: ما رأيت شيئًا أشبه باللمم مما قال أبوِ هريرة، فمعناه: تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾. ومعنى الآية -والله أعلم- الذين يجتنبون المعاصي، غير اللمم، يُغفر لهم اللمم، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، فمعنى الآيتين: أن اجتناب الكبائر يُسقط الصغائر، وهي اللَّمم، وفسَّره ابن عباس بما في هذا الحديث، من النظر، واللمس، ونحوهما، وهو كما قال، هذا هو الصحيح في تفسير اللمم، وقيل: أن يُلِمّ بالشيء، ولا يفعله، وقيل: الميل إلى الذنب، ولا يصرّ عليه، وقيل غير ذلك، مما ليس بظاهر، وأصل اللمم، والإلمام: الميل إلى الشيء، وطَلَبه من غير مداومة، والله أعلم. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٦) - (بَابُ مَعْنَى: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ»، وَحُكْمِ مَوْتِ أَطْفَالِ الْكُفَّارِ، وَأَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٣٢] (٢٦٥٨) - حَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، وَيُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟»، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الروم: ٣٠]). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَاجِبُ بْنُ الْوَليدِ) بن ميمون الأعور، أبو محمد المؤدّب الشاميّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٢٨) (م كد) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» برقم [١١٧٤]. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) الْخَوْلانيّ الحمصيّ الأبرش -بالمعجمة- ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» برقم [١١٧٤]. ٣ - (الزُّبَيْدِيُّ) -بالزاي، والموحّدة، مصغرًا- محمد بن الوليد بن عامر، أبو الْهُذيل الحمصيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار أصحاب الزهريّ [٧] (ت ٦ أو ٧ أو ١٤٩) (خ م د س ق) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» برقم [١١٧٤]. ٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٥ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب القرشيّ المخزوميّ، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، من كبار [٣] اتفقوا على أن مرسلاته أصحّ المراسيل، وقال ابن المدينيّ: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين، وقد ناهز الثمانين (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧١. و«أبو هريرة -﵁-» ذكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنف -﵀-، وأن نصفه الأول مسلسل بالشاميين، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن المسيِّب أحد الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في دهره. شرح الحديث: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم؛ أنه قال: (أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) وفي رواية البخاريّ: «عن أبي سلمة» بدل سعيد بن المسيّب، قال في «الفتح»: قوله: «عن أبي سلمة» هكذا رواه ابن أبي ذئب، عن الزهريّ، وتابعه يونس من طريق عبد الله بن المبارك عنه، وأخرجه مسلم من طريق ابن وهب، عن يونس، وخالفهما الزُّبيديّ، ومعمر، فروياه عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيّب بدل أبي سلمة، وأخرجه الذُّهْليّ في «الزهريات» من طريق الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، وقد تقدم من طريق شعيب، عن الزهريّ، عن أبي هريرة، من غير ذِكر واسطة، وصنيع البخاريّ يقتضي ترجيح طريق أبي سلمة، وصنيع مسلم يقتضي تصحيح القولين عن الزهريّ، وبذلك جزم الذُّهْليّ. انتهى . (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁-؛ (أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «مَا) نافية، (مِنْ مَوْلُودٍ)»من«زائدة بعد النفي، كما قال في»الخلاصة«: وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرّ … نَكِرَةً كَـ«مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرّ»وفي الرواية الآتية:«كُلُّ إِنْسَانٍ تَلِدُهُ أُمُّهُ عَلَى الْفِطْرَةِ»، وفي رواية للبخاريّ:«كلُّ مولود يولد على الفطرة». قال في«الفتح»: قوله:«كل مولود»؛ أي: من بني آدم، وصرَّح به جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عن أبي هريرة، بلفظ:«كلُّ بني آدم يولد على الفطرة»، وكذا رواه خالد الواسطيّ، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبي الزناد، عن الأعرج، ذكرها ابن عبد البرّ. واستُشْكِل هذا التركيب بأنه يقتضي أن كل مولود يقع له التهويد وغيره، مما ذُكر، والفرض أن بعضهم يستمرّ مسلمًا، ولا يقع له شيء. والجواب: أن المراد من التركيب أن الكفر ليس من ذات المولود، ومقتضى طبعه، بل إنما حصل بسبب خارجيّ، فإن سَلِم من ذلك السبب، استمرَّ على الحقّ، وهذا يُقَوِّي المذهب الصحيح في تأويل الفطرة، كما سيأتي. انتهى . قال الطيبيّ -﵀-: و«مولود» مبتدأ، وقوله: (إِلَّا يُولَدُ) خبره؛ لأن «من» الاستغراقيّة في سياق النفي يفيد العموم، كقولك: ما أحد خير منك، والتقدير: ما من مولود يوجد على أمر من الأمور إلا على هذا الأمر، والفطرة تدلّ على نوع منها، وهو الابتداء والاختراع، كالجلسة، والقعدة، والمعنى بها هنا: تمكّن الناس من الهدى في أصل الجبلّة، والتهيّؤ لقبول الدِّين، فلو تُرك عليها لاستمرّ على لزومها، ولم يفارقها إلى غيرها؛ لأن هذا الدِّين حُسنه موجود في النفوس، وإنما يُعدل عنه لآفة من الآفات البشريّة والتقليد، كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦]. انتهى . (عَلَى الْفِطْرَةِ) بكسر الفاء، وسكون الطاء المهملة، سيأتي الاختلاف في تفسيرها قريبًا -إن شاء الله تعالى-. (فَأَبَوَاهُ)؛ أي: المولود، قال الطيبيّ -﵀-: الفاء إما للتعقيب، أو السببية، أو جزاء شرط مقدّر؛ أي: إذا تقرَّر ذلك، فمن تغيَّر كان بسبب أبويه، إما بتعليمهما إياه، أو بترغيبهما فيه، وكونُهُ تبعًا لهما في الدِّين يقتضي أن يكون حُكمه حُكمهما، وخُصّ الأبوان بالذِّكر؛ للغالب، فلا حجة فيه لمن حَكَم بإسلام الطفل الذي يموت أبواه كافرين، كما هو قول أحمد، فقد استمرّ عمل الصحابة -﵃-، ومن بعدهم على عدم التعرّض لأطفال أهل الذمة . (يُهَوِّدَانِهِ)؛ أي: يجعلانه يهوديًّا إذا كان يهوديين، (وَيُنَصِّرَانِهِ)؛ أي: يجعلانه نصرانيًّا إذا كانا نصرانيين، (وَيُمَجِّسَانِهِ)؛ أي: يجعلانه مجوسيًّا إذا كان مجوسيين. قال الحافظ وليّ الدين -﵀-: قوله: «فأبواه يهوّدانه، وينصّرانه» يَحْتَمِل أن يكون بطريق العقل، والتعليم، والتسبيب، ويَحْتَمِل أن يكون بالتبعية حكمًا، وإن لم يقع ذلك فعلًا، وفيه على الثاني: تبعية الصغير لأبويه الكافرين في حكم الكفر، وهو كذلك بالإجماع، والواو في قوله: «وينصّرانه» بمعنى «أو»؛ لأن الأبوين لا يفعلان الأمرين معًا، وإنما يفعلان أحدهما. انتهى . وقوله: (كَمَا) قال الطيبيّ -﵀-: إما حال من الضمير المنصوب في«يهوّدانه»مثلًا، فالمعنى: يهوّدان المولودَ بعد أن خُلق على الفطرة شَبيهًا بالبهيمة التي جُدعت بعد أن خُلقت سليمةً، وإما صفة مصدر محذوف؛ أي: يغيّرانه تغييرًا مثل تغييرهم البهيمة السليمة، فالأفعال الثلاثة؛ أعني:«يهوّدانه»، و«ينصّرانه»، و«يُمجّسانه»تنازعن في«كما»على التقديرين. وفي رواية للبخاريّ:«كمثل البهيمة تُنتج البهيمةَ»؛ أي: تَلِدها، فـ«البهيمةَ»الثانيةُ بالنصب على المفعولية. وقوله: (تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ) -بضم أوله، وسكون النون، وفتح المثناة، بعدها جيم- قال أهل اللغة: نُتجت الناقة على صيغة ما لم يُسَمَّ فاعله، تُنْتَج، بفتح المثناة، وأَنتَجَ الرجلُ ناقته، يُنتِجُها إنتاجًا، قاله في«الفتح». وقال الفيّوميّ -﵀-:«النِّتاج» بالكسر: اسم يَشمَل وَضْع البهائم من الغنم، وغيرها، وإذا وَلي الإنسانُ ناقةً، أو شاة ماخِضًا حتى تضع قيل: نتَجَهَا نَتْجًا، من باب ضرب، فالإنسان كالقابلة؛ لأنه يتلقى الولد، ويصلح من شأنه، فهو نَاتِجٌ، والبهيمة مَنْتُوجَةٌ، والولد نَتِيجَةٌ، والأصل في الفعل أنْ يتعدّى إلى مفعولين، فيقال: نتَجَهَا ولدًا؛ لأنّه بمعنى ولّدها ولدًا، وعليه قوله [من الوافر]: هُمُ نَتَجُوكَ تَحْتَ اللّيْلِ سَقْبا … خَبِيثَ الرِّيحِ مِنْ خَمْرٍ وَمَاءِ ويُبنى الفعل للمفعول، فيُحذف الفاعل، ويقام المفعول الأول مُقامه، ويقال: نُتِجَتِ النّاقَة ولدًا: إذا وضعته، ونُتِجَتِ الغنم أربعين سَخْلةً، وعليه قول زهير [من الطويل] فَتُنْتَجْ لَكُمْ غِلْمَانَ أَشْأَمَ كُلُّهُمْ … كَأَحْمَرِ عَادٍ ثُمَّ تُرْضِعْ فَتَفْطِمِ ويجوز حَذْف المفعول الثاني اقتصارًا؛ لفهم المعنى، فيقال: نُتِجَتِ الشاةُ، كما يقال: أُعطيَ زيدٌ، ويجوز إقامة المفعول الثاني مُقام الفاعل، وحَذْف المفعول الأول؛ لِفَهم المعنى، فيقال: نُتِج الولدُ، ونُتِجَتِ السَّخلةُ، أي: ولدت، كما يقال: أُعطي درهمٌ، وقد يقال: نَتَجَتِ الناقةُ ولدًا بالبناء للفاعل، على معنى وَلَدت، أو حَمَلت، قال السَّرَقُسْطيّ: نَتَجَ الرجلُ الحاملَ، وَضَعَت عنده، ونَتَجَتْ هي أيضًا: حَمَلت لغةٌ قليلةٌ، وأَنْتَجَتِ الفرسُ، وذو الحافر بالألف: استبان حملُها، فهي نَتُوجٌ. انتهى كلام الفيّوميّ ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. (بَهِيمَةً جَمْعَاءَ)؛ أي: لم يذهب من بدنها شيء، سُمّيت بذلك؛ لاجتماع سلامة أعضائها، لا جَدْع بها، ولا كيّ . وقال الطيبيّ -﵀-: «تُنتج» يُروى علي بناء المفعول، وفي «المُغْرب» عن الليث: وقد نُتجت الناقة. (هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا) بضمّ حرف المضارعة، وكسر الحاء المهملة، وتشديد السين المهملة، من الإحساس، وهو الإدراك بإحدى الحواسّ، قاله وليّ الدين ، وقال في «الفتح»: والمراد به العلم بالشيء، يريد أنها تُولَد لا جدع فيها، وإنما يَجْدعها أهلها بعد ذلك، وفي رواية البخاريّ: «هل ترى فيها جدعاء؟». وقوله: (مِن جَدْعَاءَ») -بفتح الجيم، وإسكان الدال المهملة، وبالمدّ- أي: مقطوعة الأذن، أو غيرها من الأعضاء، ومعناه أن البهيمة تَلِد البهيمة كاملة الأعضاء، لا نقص فيها، وإنما يحصل فيها النقص، والجدع بعد ولادتها، فكذلك يخرج المولود سليمًا من الكفر، وإنما يطرأ له ذلك بعدُ، قاله وليّ الدين -﵀- . أي: مقطوعة الأذن، قال الطيبيّ -﵀-: قوله:«هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ »في موضع الحال؛ أي: بهيمة سليمة مقولًا في حقّها هذا القول، وفيه نوع من التأكيد بمعنى أن كل من نظر إليها قال ذلك؛ لظهور سلامتها، و«الجدعاء»: المقطوعة الأذن، ففيه إيماء إلى أن تصميمهم على الكفر، كان بسبب صَمَمِهم عن الحقّ، وأنه كان خليقًا فيهم. انتهى . [تنبيه]: قال الحافظ -﵀-: ذكر ابن هشام في «المغني» عن ابن هشام الخضراويّ أنه جعل هذا الحديث شاهدًا لورود «حتى» للاستثناء، فذكره بلفظ: «كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهوّدانه، وينصّرانه»، وقال: ولك أن تخرّجه على أن فيه حذفًا؛ أي: يولد على الفطرة، ويستمرّ على ذلك حتى يكون؛ يعني: فتكون للغاية على بابها. انتهى، ومال صاحب «المغني» في موضع آخر إلى أنه ضُمِّن «يولد» معنى ينشأ مثلًا، قال: وقد وجدت الحديث في «تفسير ابن مردويه» من طريق الأسود بن سَرِيع بلفظ: «ليست نَسَمةٌ تولد، إلا وُلدت على الفطرة، فما تزال عليها، حتى يُبين عنها لسانها. . .» الحديث، وهو يؤيد الاحتمال المذكور، واللفظ الذي ساقه الخضراوي لم أره في «الصحيحين»، ولا غيرهما، إلا عند مسلم في الرواية الآتية بلفظ: «حتى يعبّر عنه لسانه»، ثم وجدت أبا نعيم في «مستخرجه على مسلم» أورد الحديث من طريق كثير بن عبيد، عن محمد بن حرب، عن الزُّبيديّ، عن الزهريّ بلفظ: «ما من مولود يولد في بني آدم، إلا يولد على الفطرة، حتى يكون أبواه يهوّدانه. . .» الحديث، وكذا أخرجه ابن مردويه من هذا الوجه، وهو عند مسلم عن حاجب بن الوليد، عن محمد بن حرب، بلفظ: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، أبواه يهوّدانه …»، الحديث. انتهى. (ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁-، هذا ظاهر في أن تلاوة الآية من أبي هريرة، وليس مرفوعًا، ففي الرواية الآتية إدراجٌ، فليُتنبّه. قال الطيبيّ -﵀-: قوله: «ثم يقول» الظاهر: ثم قرأ، فعدل إلى القول، وأتى بالمضارع على حكاية الحال الماضية؛ استحضارًا له في ذهن السامع، كأنه يسمع منه -ﷺ-. انتهى كلام الطيبيّ -﵀- . واعترضه القاري، قائلًا: إن العلّة المذكورة لا تصلح أن تكون سببًا للعدول إلى القول، فالأظهر ما قاله ابن حجر: إن ظاهر السياق: ثم قرأ، فعَدَل عنه لفظًا إشارة فيما يظهر -والله أعلم- أن اللفظ القرآنيّ في مقام الاستدلال لا تجري عليه أحكام القرآن؛ لأن ذِكره للاستدلال به صارف له عن القرآنيّة. اهـ. ويؤيّده ترك الاستعاذة في ابتدائه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله الطيبيّ: هو التوجيه الأقرب، وأما ما استظهره القاري مما قاله ابن حجر، ففيه نظر، ولا سيّما قوله: صارف له عن القرآنيّة غير صحيح؛ بل باطلٌ؛ فإن الاستدلال بالقرآن لا يصحّ إلا بكونه قرآنًا، وأما إذا خرج عن كونه قرآنًا فليس محل استدلال، وأما ما أيّد به من تَرْك الاستعاذة فيه، فلا يدلّ عليه؛ وإنما يدل على كون الأمر بالاستعاذة في الآية للاستحباب، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم. (وَاقْرؤوا إِنْ شِئْتُمْ) معرفة الدليل على ما ذُكر من القرآن قوله تعالى: (﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]) بنصب «فطرة» على الإغراء؛ أي: الزموها، وسيأتي ما قيل في معناها. (﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ﴾ [الروم: ٣٠])؛ أي: خَلَقهم ابتداءً، وجَبَلهم (﴿عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠])؛ أي: على تلك الفطرة، (﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠])؛ أي: فيكم، من قبول الإسلام، وهو مؤوّل بأنه من شأنه، أو الغالب فيه، أنه لا يبدّل، أو يقال: الخبر بمعنى النهي، ولا يجوز أن يكون إخبارًا محضًا، لحصول التبديل. قال حماد بن سلمة في معنى الحديث: هذا عندنا حيث أَخَذ الله العهد في أصلاب آبائهم، فقالوا: بلى، قال الخطابيّ: هذا معنى حسنٌ، وكأنه ذهب إلى أنه لا عبرة بالإيمان الفطريّ في أحكام الدنيا، وإنما يُعتبر الإيمان الشرعيّ المكتسَب بالإرادة، ألا ترى أنه يقول: «فأبواه يهوّدانه» في حكم الدنيا، فهو مع وجود الإيمان الفطريّ فيه محكوم له بحكم أبويه الكافرين. قال القرطبيّ -﵀-: أقول -والعلم عند الله تعالى-: ويؤيّد هذا وجوه: أحدها: أن التعريف في قوله -ﷺ-: «يولد على الفطرة» إشارة إلى معهود، وهو قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ الآية [الروم: ٣٠] لأن معنى المأمور به بقوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ [الروم: ٤٣]: اثبُت على العهد القديم المعنيّ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]. وثانيها: ما جاء في طرق هذا الرواية: «ما من مولود إلا وهو يولد على الملّة»، وكذا أورد الترمذيّ هذا الحديث في كتابه بغير لفظة الفطرة، ولفظه: «كل مولود يولد على الملّة»؛ لأن الدِّين في قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ هو عَيْن الملّة؛ لقوله تعالى: ﴿دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: ١٦١] وقوله -ﷺ- حكاية عن الله تعالى: «إني خلقت عبادي حنفاء كلّهم وإنهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم. . .» الحديث، أخرجه مسلم. وثالثها: التشبيه بالمحسوس المعايَن؛ ليفيد أن ظهوره بلغ في الكشف والبيان مبلغ هذا المحسوس المشاهَد، ثم قيّده بقوله: «هل تحسّونه» تقريرًا لذلك، كما سبق. وتلخيصه: أن العالَم إما عالم الغيب، وإما عالم الشهادة، فإذا نُزِّل الحديث على عالم الغيب أشكل معناه، وإذا صُرِف إلى عالم الشهادة الذي عليه مبنى ظاهر الشرع، سهل تعاطيه، كما قال الخطّابيّ. وتحريره: أن الناظر إذا نظر إلى المولود نفسه من غير اعتبار عالم الغيب، وأنه وُلد على الخلقة التي خَلَق الله الناس عليها، من الاستعداد للمعرفة، وقبول الحق، والتأبي عن الباطل، والتمييز بين الخطأ والصواب، حَكَمَ بأنه لو تُرك على ما هو عليه، ولم يَعْتَوِره من الخارج ما يَصُدّه عن النظر الصحيح من فساد التربية، وتقليد الأبوين، والإِلْف بالمحسوسات، والانهماك في الشهوات، ونحو ذلك، استَمَرّ على ما كان عليه من الفطرة السليمة، ولم يَختر عليه شيئًا، وَينظُر فيما نُصب من الدلائل على التوحيد، وصِدق الرسول -ﷺ-، وغير ذلك نظرًا صحيحًا يوصله إلى الحقّ، ويهديه إلى الرّشْد، وعَرَف الصواب، واتّبَع الحقّ، ودخل في الملة الحنيفية، ولم يلتفت إلى ما سواها، لكن يصدُّه عن ذلك أمثال هذه العوائق. [فإن قلت]: أمْر الغلام الذي قتله الخضر ينقض عليك هذا البناء؛ لأنه لم يُلحق بأبويه، بل خيف إلحاقهما به؛ لقول تعالى: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف: ٨٠]، ولقوله -ﷺ-: «الغلام الذي قتله الخضر طُبع يوم طُبع كافرًا»، وهو حديث رواه مسلم. [قلت]: لا ينقضه، بل يرفعه، ويُشَيِّد بنيانه؛ لأن الخضر؛ نظر إلى عالم الغيب، وقَتل الغلام، وموسى -﵇- اعتبر عالم الشهادة، وظاهر الشرع، فأنكر عليه، ولذلك لمّا اعتَذَر الخضر بالعلم الخفي الغائب، أمسك موسى؛ عن الاعتراض. انتهى كلام الطيبيّ -﵀- . وقوله: (الآية) تجوز فيه أوجه الإعراب الثلاثة، النصب على تقدير فِعْل؛ أي: اقرأ الآية إلى آخرها، والرفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر؛ أي: الآية مقروءة بتمامها، والجرّ بتقدير: إلى آخر الآية، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلَّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٦٧٣٢ و٦٧٣٣ و٦٧٣٤ و٦٧٣٥ و٦٧٣٦ و٦٧٣٧ و٦٧٣٨] (٢٦٥٨)، و(البخاريّ) في «الجنائز» (١٣٥٨ و١٣٥٩ و١٣٨٥) و«التفسير» (٤٧٧٥) و«القدر» (٦٥٩٩)، و(أبو داود) في «السُّنَّة» (٤/ ٢٢٩ و٢٣٠)، و(الترمذيّ) في «القدر» (٢١٣٨)، و(مالك) في «الموطّأ) (١/ ٢٤١)، و(الطيالسيّ) في»مسنده«(٢٤٣٣)، و(أحمد) في»مسنده«(٢/ ٢٨٢ و٣٤٦ و٣٩٣ و٤١٠)، و(ابن حبّان) في»صحيحه«(١٢٨ و١٢٩ و١٣٠)، و(الطحاويّ) في»مشكل الآثار«(٢/ ١٦٢)، و(أبو يعلى) في»مسنده«(١١/ ١٩٧ و٢٨٢)، و(الآجرّيّ) في»الشريعة«(ص ١٩٤)، و(أبو نعيم) في»مستخرجه«(٣/ ٩)، و(البيهقيّ) في»الكبرى«(٦/ ٢٠٢ و٢٠٣) و»شُعب الإيمان«(١/ ٩٧) و»الاعتقاد«(١/ ١٦٤ و١٥٥)، و(اللالكائيّ) في»اعتقاد أهل السُّنَّة«(٩٩٤ و٩٩٥ و٩٩٨)، و(البغويّ) في»شرح السُّنَّة«(٨٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان إثبات القدر، وأن الله تعالى علم الأشياء قبل وجودها، وقدّرها، وكتبها، ثم إنها توجد على طِبق ذلك. ٢ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن الولد الصغير يتبع أبويه في الإسلام والكفر، ففي رواية لمسلم:«فإن كانا مسلمين فمسلم»، وقد أجمع المسلمون على ذلك، وإنما اختلفوا فيما إذا أسلم أحد أبويه، فقال الشافعيّ، وأبو حنيفة، وأحمد، والجمهور: يتبع أيهما أسلم، سواء كان هو الأب، أو الأم، وقال مالك: يتبع أباه خاصّة، دون أمه، حتى لو أسلمت أمه، وأبوه كافر استمرّ على الحكم له بالكفر. واختلفوا أيضًا فيما إذا سُبِيٍ، وليس معه أحد أبويه، فقال الجمهور أيضًا: يتبع السابي، فإذا كان مسلمًا فهو مسلم، ولو كان أبواه كافرين حيَّين، وقال مالك: هو على حاله من الحكم عليه بالكفر، ولو انفرد عنهما حتى يُسْلم استقلالًا بعد البلوغ، ذكره وليّ الدين -﵀- . ٣ - (ومنها): أن ابن عبد البر: حكى عن طائفة أنه ليس في هذا الحديث ما يقتضي العموم، وأن معناه: أن كل من وُلد على الفطرة، وكان أبواه على غير الإسلام هوّداه، أو نصّراه، أو مجّساه، قالوا: وليس معناه أن جميع المولودين يولدون على الفطرة، بل المعنى: أن المولود على الفطرة بين الأبوين الكافرين يكفِّرانه، وكذا من يولد على الفطرة، وكان أبواه كافرين حُكم له بحكمهما في صِغَره، حتى يبلغ، فيكون له حُكْم نفسه حينئذ، لا حكم أبويه. واحتَجّ هؤلاء بحديث الغلام الذي قَتَله الخضر، فإنه لم يولد على الفطرة، بل طُبع كافرًا، وحديث أبي سعيد مرفوعًا: «ألا إن بني آدم خُلقوا طبقات شتى، فمنهم من يولد مؤمنًا، ويحيا مؤمنًا، ويموت مؤمنًا، ومنهم من يولد كافرًا، ويحيا كافرًا، ويموت كافرًا، ومنهم من يولد مؤمنًا، ويحيا مؤمنًا، ويموت كافرًا، ومنهم من يولد كافرًا، ويحيا كافرًا، ويموت مؤمنًا». ويردّ هذا التأويل لفظ الرواية الأخرى بلفظ: «ما من مولود يولد إلا على هذه الفطرة» ، فقد ذكره بأداة الحصر، فأفاد العموم، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في معنى «الفطرة» المذكورة في هذا الحديث: (اعلم): أنه قد اختَلَف السلف في المراد بها على أقوال كثيرة: [أحدهما]: أن المراد: الخِلقة، فإن الفَطْر بمعنى الخَلْق، والمراد: الخلقة المعروفة الأُولى المخالفة لخلق البهائم؛ أي: على خلقة يَعرف بها ربه، إذا بلغ مبلغ المعرفة، ذكره ابن عبد البرّ عن جماعة من أهل الفقه والنظر، قال: وأنكروا أن يُفْطَر المولود على كفر، أو إيمان، وإنما يعتقد ذلك بعد البلوغ إذا مَيَّز، ولو فُطر في أول أمره على شيء ما انتقل عنه، وقد نجدهم يؤمنون، ثم يكفرون، ومحال أن يعقل الطفل حال ولادته كفرًا أو إيمانًا، والله تعالى يقول: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، فمن لا يعلم شيئًا استحال منه الكفر والإيمان، قال ابن عبد البرّ: هذا القول أصحّ ما قيل في ذلك. [القول الثاني]: أن المراد هنا: الإسلام، حكاه ابن عبد البرّ عن أبي هريرة، والزهريّ، وغيرهما، وقال هؤلاء: هذا هو المعروف عند عامّة السلف، من أهل العلم بالتأويل، فقد أجمعوا في قول الله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] أنها دين الإسلام، واحتجوا بقول أبي هريرة -﵁- في هذا الحديث: اقرءوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، واحتجوا بقوله في حديث عياض بن حمار -﵁-: «إن الله خَلَق آدم وبنيه حنفاء مسلمين»، ثم ردّه ابن عبد البر بأن الإسلام مستحيل من الطفل، وقرَّر المازري ذلك بأن المراد بالفطرة: ما أُخذ عليهم في صُلب آدم يوم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، وأن الولادة تقع عليها، حتى يقع التعبير بالأبوين، وقرره أبو العباس القرطبيّ بأن الله تعالى خلق قلوب بني آدم مُؤَهّلة لقبول الحقّ، كما خَلَق أعينهم، وأسماعهم قابلة للمرئيات، والمسموعات، فما دامت على ذلك القبول، وعلى تلك الأهلية، أدركت الحقّ، ودين الإسلام، وصحح هذا أبو العباس القرطبيّ بقوله في رواية مسلم: «على هذه الملة»، وهي إشارة إلى ملة الإسلام، قال: وقد جاء ذلك مصرَّحًا به في «صحيح مسلم»: «وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم. . .» الحديث. وفي معنى ذلك قول النوويّ: الأصح أن معناه: أن كل مولود يولد متهيأ للإسلام، فمن كان أبواه، أو أحدهما مسلمًا استَمَرّ على الإسلام في أحكام الآخرة والدنيا، وإن كان أبواه كافرين جرى عليه حكمهما، فيتبعهما في أحكام الدنيا، وهذا معنى: «يهوّدانه، وينصّرانه»؛ أي: يُحكم له بحكمهما في الدنيا، فإن بلغ استمرّ عليه حُكمُ الكفر، ودينهما، فإن سبقت له سعادة أسلم، وإلا مات على كفره. انتهى . [القول الثالث]: أن المراد: البداءة التي ابتدأهم عليها؛ أي: على ما فَطر الله عليه خَلْقه، من أنه ابتدأهم للحياة، والموت، والشقاء، والسعادة، قال محمد بن نصر المروزيّ: وهذا المذهب سببه ما حكاه أبو عبيد، عن عبد الله بن المبارك، أنه سئل عن قول النبيّ -ﷺ-: «كل مولود يولد على الفطرة»، فقال: يفسِّره الحديث الآخر حين سئل عن أطفال المشركين، فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين»، قال: وقد كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا القول، ثم تركه، وقال ابنه عبد الله ما رسمه مالك في «الموطإ»، وذكره في أبواب القدر فيه من الآثار ما يدلّ على أن مذهبه في ذلك نحو هذا القول. [القول الرابع]: أن معناه: أن الله تعالى قد فطرهم على الإنكار، والمعرفة، وعلى الكفر، والإيمان، فأخذ من ذرية آدم -﵇- الميثاق حين خلقهم، فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ قالوا جميعًا: ﴿بَلَى﴾، فأما أهل السعادة، فقالوا: بلى على معرفة له طوعًا من قلوبهم، وأما أهل الشقاوة، فقالوا: بلى كرهًا، لا طوعًا، قال محمد بن نصر المروزيّ: وسمعت إسحاق بن راهويه يذهب إلى هذا المعنى، واحتَجّ بقول أبي هريرة -﵁-: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ قال إسحاق: يقول: لا تبديل لخِلْقته التي جُبل عليها ولدُ آدم كلهم؛ يعني: من الكفر والايمان، والمعرفة والإنكار، قال: واحتَجَّ له بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية، قال إسحاق: أجمع أهل العلم إنها الأرواح قبل الأجساد، واحتَجَّ لهذا أيضًا بحديث أُبَيّ بن كعب -﵁- في قصة الغلام الذي قَتَله الخضر، وأنه طُبع كافرًا، وبحديث عائشة -﵂-، وقوله -ﷺ- لها: «أوَ لا تدرين أن الله خلق الجنة، وخلق النار، فخلق لهذه أهلًا، ولهذه أهلًا؟» . قال إسحاق: فهذا الأصل الذي يعتمد عليه أهل العلم، قال ابن عبد البر: إن أراد هؤلاء أن الله خلق الأطفال، وأخرجهم من بطون أمهاتهم ليعرف منهم العارف، ويعترف، فيؤمن، ويُنكر منهم المنكر، فيكفر، كما سبق له القضاء، وذلك في حين يصح منهم فيه الإيمان والكفر، فذلك ما قلنا، وإن أرادوا أن الطفل يولد عارفًا مقرًّا مؤمنًا وعارفًا جاحدًا كافرًا في حين ولادته، فهذا يكذبه العيان والعقل، قال: وقول إسحاق في هذا الباب لا يرضاه الحذّاق الفهماء من أهل السُّنَّة، وإنما هو قول المجبرة. [القول الخامس]: أن معناه: ما أخذ الله من ذرية آدم من الميثاق قبل أن يخرجوا إلى الدنيا يوم استخرج ذرية آدم من ظهره، فخاطبهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ فأقرُّوا له جميعًا بالربوبية عن معرفة منهم به، ثم أخرجهم من أصلاب آبائهم، مخلوقين، مطبوعين على تلك المعرفة، وذلك الإقرار، قالوا: وليست تلك المعرفة بإيمان، ولا ذلك الإقرار بإيمان، ولكنه إقرار من الطبيعة للرب فطرةٌ ألزمها قلوبهم، ثم أرسل إليهم الرسل، فدعَوْهم إلى الاعتراف له بالربوبية، فمنهم من أنكر بعد المعرفة؛ لأنه لم يكن الله ليدعو خَلْقه إلى الإيمان به، وهو لم يُعرِّفهم نفسه، رواه أبو داود في «سننه» عن حماد بن سلمة أنه سئل عن هذا الحديث فقال: هذا عندنا حيث أخذ الله عليهم العهد في أصلاب آبائهم، حين قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾. [القول السادس]: أن المراد بالفطرة: ما يقلّب الله قلوب الخلق إليه بما يريد، فقد يكفر العبد، ثم يؤمن، فيموت مؤمنًا، وقد يؤمن، ثم يكفر، فيموت كافرًا، وقد يكفر، ثم لا يزال على كفره، حتى يموت عليه، وقد يكون مؤمنًا، حتى يموت على الإيمان، فالفطرة عند هؤلاء ما قدّره الله على عباده من أول أحوالهم إلى آخرها، سواء كانت حالة واحدة لا تنتقل، أو حالًا بعد حال، قال ابن عبد البرّ: وهذا وإن كان صحيحًا في الأصل، فإنه أضعف الأقاويل من جهة اللغة في معنى الفطرة، حكاها كلها ابن عبد البرّ وغيره. [القول السابع]: أن المراد بالفطرة: ملّة أبيه؛ أي: دِينه؛ بمعنى: أن له حُكمه، حكاه القاضي عياض، وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: سألت محمد بن الحسن عن هذا الحديث، فقال: كان هذا في أول الإسلام قبل أن تنزل الفرائض، وقبل الأمر بالجهاد، قال أبو عبيد: كأنه يعني: أنه لو كان يولد على الفطرة، ثم مات قبل أن يهوِّداه أبواه، أو ينصّرانه، لم يرثهما، ولم يرثاه؛ لأنه مسلم، وهما كافران، ولَمَا جاز أن يُسْبَى، فلما فُرضت الفرائض، وتقررت السنن على خلاف ذلك عُلم أنه يولد على دينهما. انتهى. وهذا يوافق القول الثاني أن المراد بالفطرة: الإسلام لله، وجعله منسوخًا لِمَا ذكره، والحقّ أنه لا يحتاج فيه إلى دعوى النسخ؛ لأنه وإن كان معناه الولادة على الإسلام، فقد أخبر في بقيته أن أبويه يهوّدانه، وينصّرانه؛ أي: يثبت له حكمهما بطريق التبعية، فالحكم بإسلامه هو الباطن، ويهوديته، أو نصرانيته هو في الظاهر. وقال ابن عبد البرّ: أظن محمد بن الحسن حاد عن الجواب فيه لإشكاله عليه، أو لجهله به، أو لكراهة الخوض في ذلك، قال: وقوله: إن ذلك كان قبل الأمر بالجهاد، فليس كما قال؛ لأن في حديث الأسود بن سَرِيع ما يُبيّن أن ذلك كان بعد الأمر بالجهاد، وهو حديث صحيح، ثم رَوَى عن الأسود بن سَرِيع قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ما بال قوم بلغوا في القتل حتى قتلوا الولدان؟» فقال رجل: أوَ ليس أبناؤهم أولاد المشركين؟ فقال رسول الله -ﷺ-: «أوَ ليس خياركم أولاد المشركين؟ إنه ليس من مولود، إلا وهو يولد على الفطرة، فيعبِّر عنه لسانه، ويهوِّده أبواه، أو ينصّرانه»، ذكر هذا كلّه ولي الدين العراقيّ . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أرجح الأقوال هو القول الثاني، وهو أن المراد بالفطرة هو الإسلام، وقد تقدّم أنه هو المعروف عند عامّة السلف، وصححه النووي، والقرطبيّ، قال النوويّ -﵀-: والأصح أن معنى قوله: «يولد على الفطرة» أن كل مولود يولد متهيئًا للإسلام، فمن كان أبواه، أو أحدهما مسلمًا استمرّ على الإسلام في أحكام الآخرة والدنيا، وإن كان أبواه كافرين جرى عليه حكمهما في أحكام الدنيا، وهذا معنى: «يهوِّدانه، وينصِّرانه، ويمجِّسانه»؛ أي: يُحكم له بحكمهما في الدنيا، فإن بلغ استمرّ عليه حُكْمُ الكفر ودِينهما، فإن كانت سبقت له سعادة أسلم، وإلا مات على كفره، وإن مات قبل بلوغه فالأصح أنه من أهل الجنة. والجواب عن حديث: «الله أعلم بما كانوا عاملين» أنه ليس فيه تصريح بأنهم في النار، وحقيقة لفظه: «الله أعلم بما كانوا يعملون» لو بلغوا، ولم يبلغوا؛ إذ التكليف لا يكون إلا بالبلوغ. وأما غلام الخضر، فيجب تأويله قطعًا؛ لأن أبويه كانا مؤمنين، فيكون هو مسلمًا، فيُتأوّل على أن معناه: أن الله أعلمُ أنه لو بلغ لكان كافرًا، لا أنه كافر في الحال، ولا يجري عليه في الحال أحكام الكفار، والله أعلم. انتهى. والحاصل: أن أرجح الأقوال هو القول بأن الفطرة هي الإسلام، ويقوّي ذلك رواية مسلم بعد هذا بلفظ: «ما من مولود يولد إلا وهو على هذه الملّة»، فإنه صريح في كون معنى الفطرة هو الإسلام، ويقوّيه أيضًا ما سيأتي لمسلم في «كتاب صفة الجنّة» من حديث عياض بن حمار -﵁- الطويل، وفيه: «وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم. . .» الحديث، فهو أيضًا صريح في أنهم فُطروا على هذه الملّة، وهي الإسلام، فتأمَّله بالإمعان، والله تعالى وليّ التوفيق. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الأطفال، هل هم من أهل الجنّة، أم من أهل النار؟ (اعلم): أن هذا الخلاف مخصوص بأطفال المشركين، وأما أولاد المسلمين، فلا خلاف في كونهم من أهل الجنّة، كما حكاه القاضي أبو يعلى الفرّاء الحنبليّ عن الإمام أحمد -﵀- أنه قال: لا يُختلف فيهم أنهم من أهل الجنّة، وهذا هو المشهور بين الناس، وأما ما نُقل عن بعضهم أنهم توقّفوا، وقالوا: إن الوِلدان كلهم تحت المشيئة، فغريب جدًّا، كما نبّه عليه الحافظ ابن كثير في «تفسيره» ، فتنبّه. إذا عرفت هذا فاعلم أنه قد اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في هذه المسألة على أقوال: [أحدها]: أنهم في مشيئة الله تعالى، وهو منقول عن الحمَّادَين، وابن المبارك، وإسحاق، ونقله البيهقيّ في «الاعتقاد» عن الشافعيّ في حقّ أولاد الكفار خاصّةً، قال ابن عبد البرّ: وهو مقتضى صنيع مالك، وليس عنده في هذه المسألة شيء منصوص، إلا أن أصحابه صرّحوا بأن أطفال المسلمين في الجنة، وأطفال الكفار خاصّة في المشيئة، والحجة فيه حديث: «الله أعلم بما كانوا عاملين». قال ابن القيّم -﵀-: قالوا: وقد رَوى ابن حبان في «صحيحه» من حديث جرير بن حازم قال: سمعت أبا رجاء العُطارديّ قال: سمعت ابن عباس يقول، وهو على المنبر: قال رسول الله -ﷺ-: «لا يزال أمر هذه الأمة قَوّامًا، أو مقاربًا ما لم يتكلموا في الوِلدان، والقَدَر». قال أبو حاتم: الوِلدان أراد بهم أطفال المشركين، قال ابن القيّم: وفيما استدلّت به هذه الطائفة نظر، والنبيّ -ﷺ- لم يجب فيهم بالوقف، وإنما وَكَلَ عِلم ما كانوا يعملونه لو عاشوا إلى الله، وهذا جواب عن سؤالهم: كيف يكونون مع آبائهم بغير عمل؟ وهو طرف من الحديث، ويدل عليه حديث عائشة -﵂- الذي ذكره أبو داود ، والنبيّ -ﷺ- وكَل العلم بعملهم إلى الله، ولم يقل: الله أعلم حيث يستقرون، أو أين يكونون، فالدليل غير مطابق لمذهب هذه الطائفة. وأما حديث أبي رجاء عن ابن عباس في المنع من الكلام فيهم، ففي القلب مِن رَفْعه شيء . وبالجملة فإنما يدلّ على ذمّ من تكلم فيهم بغير علم، أو ضَرَب الأحاديث فيهم بعضها ببعض، كما فعل مع الذين أنكر عليهم كلامهم في القدر، وأما من تكلم فيهم بعلم وحقّ فلا يُذمّ. انتهى . [ثانيها]: أنهم تَبَع لآبائهم، فأولاد المسلمين في الجنة، وأولاد الكفار في النار، وحكاه ابن حزم عن الأزارقة، من الخوارج، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، وتعقبه بأن المراد: قوم نوح خاصّة، وإنما دعا بذلك لَمّا أوحى الله إليه ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، وأما حديث: «هم من آبائهم - أو منهم»، فذاك ورد في حكم الحربيّ. ورَوَى أحمد من حديث عائشة -﵂-: سألت رسول الله -ﷺ- عن وِلدان المسلمين؟، قال: «في الجنة»، وعن أولاد المشركين؟ قال: «في النار»، فقلت: يا رسول الله لم يُدرِكوا الأعمال، قال: «ربك أعلم بما كانوا عاملين، لو شئتِ أسمعتك تضاغيهم في النار»، وهو حديث ضعيف جدًّا؛ لأن في إسناده أبا عَقِيل مولى بُهَيَّة، وهو متروك. وقال ابن القيّم -﵀-: وهذا القول مذهب طائفة، وحكاه القاضي أبو يعلى روايةً عن أحمد، قال شيخنا -يعني: ابن تيميّة -﵀-- وهو غلط منه على أحمد، وسبب غلطه أن أحمد سئل عنهم، فقال: هم على الحديث، قال القاضي: أراد حديث خديجة؛ إذ سألت النبيّ -ﷺ- عن أولادها الذين ماتوا قبل الإسلام، فقال: «إن شئت أسمعتُك تضاغيهم في النار». قال شيخنا: وهذا حديث موضوع، وأحمد أجلّ من أن يَحتج بمثله، وإنما أراد حديث عائشة: «الله أعلم بما كانوا عاملين». [ثالثها]: أنهم يكونون في برزخ بين الجنة والنار؛ لأنهم لم يعملوا حسنات يدخلون بها الجنة، ولا سيئات يدخلون بها النار. قال ابن القيّم: وهذا أيضًا ليس بشيء، فإنه لا دار للقرار إلا الجنة والنار، وأما الأعراف، فإن مآل أصحابها إلى الجنة، كما قاله الصحابة -﵃- . [رابعها]: خَدَم أهل الجنة، وفيه حديث عن أنس، ضعيف، أخرجه أبو داود الطيالسيّ، وأبو يعلى، وللطبرانيّ، والبزار، من حديث سمرة مرفوعًا: «أولاد المشركين خَدَم أهل الجنة»، وإسناده ضعيف. [خامسها]: أنهم يصيرون ترابًا، رُوي عن ثمامة بن أشرس. [سادسها]: هم في النار، حكاه عياض عن أحمد، وغلّطه ابن تيمية، بأنه قول لبعض أصحابه، ولا يُحفظ عن الإمام أصلًا. [سابعها]: أنهم يُمتحنون في الآخرة، بأن تُرفع لهم نار، فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن أبي عُذّب، أخرجه البزار، من حديث أنس، وأبي سعيد، وأخرجه الطبرانيّ من حديث معاذ بن جبل، وقد صحت مسألة الامتحان في حقّ المجنون، ومن مات في الفترة، من طرق صحيحة، وحَكَى البيهقيّ في «كتاب الاعتقاد» أنه المذهب الصحيح، ومال إليه ابن القيّم، قال: وهذا أعدل الأقوال، وبه يُجمع بين شمل الأدلّة، وتتّفق الأحاديث في هذا الباب. قال الجامع عفا الله عنه: لو صحّت أحاديث امتحان الأطفال لكان هذا المذهب أعدل المذاهب، وأرجحها، كما قال ابن القيّم، لكنها غير ثابتة، فقد أخرجها أبو يعلى الموصليّ من حديث أنس -﵁-، وفي سنده ليث بن أبي سُليم، وهو متروك، وأخرجها الذهليّ، والبزّار من حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁-، وفي سندها عطيّة العوفيّ، وهو ضعيف جدًّا، ورُوي من حديث معاذ بن جبل -﵁-، وفي سنده عمرو بن واقد الدمشقيّ، وهو متروك. والحاصل: أن أحاديث امتحان الأطفال غير ثابتة، وإنما يصحّ حديث امتحان الأصمّ، والأحمق، والْهَرِم، وأهل الفترة، فقد أخرجه أحمد من حديث الأسود بن سَرِيع -﵁-، فقال في «مسنده»: (١٦٣٤٤) - حدّثنا عليّ بن عبد الله، حدّثنا معاذ بن هشام، حدّثنا أبي، عن قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سَرِيع، أن رسول الله -ﷺ- قال: «أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصمّ، لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هَرِم، ورجل مات في فترة، فأما الأصمّ، فيقول: رب قد جاء الإسلام، وما أسمع شيئًا، وأما الأحمق، فيقول: رب قد جاء الإسلام، والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرِم، فيقول: رب لقد جاء الإسلام، وما أعقل شيئًا، وأما الذي مات في الفترة، فيقول: رب ما أتاني لك رسول، فيأخذ مواثيقهم لَيُطيعنّه، فيرسِل إليهم أن ادخلوا النار، فوالذي نفس محمد بيده، لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا». ثم ساق بالإسناد المذكور عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة مثله، غير أنه قال في آخره:«فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لم يدخلها يُسحب إليها». انتهى . وهذا إسناد صحيح، فظهر بهذا أن حديث الامتحان بالنسبة للأصمّ، ومن ذُكر معه صحيح، لا حديث امتحان الأطفال، فترجيح القول بالامتحان في حقّهم به غير صحيح؛ لأن طُرقه كلها واهية، فلا يمكن تصحيحها بتعدّد طرقها، فتنبّه، وتأمّل بالإمعان، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: تُعُقّب القول بالامتحان المذكور بأن الآخرة ليست دار تكليف، فلا عمل فيها، ولا ابتلاء. وأجيب بأن ذلك بعد أن يقع الاستقرار في الجنة، أو النار، وأما في عرصات القيامة فلا مانع من ذلك، وقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ [القلم: ٤٢] وفي «الصحيحين»: «إن الناس يؤمَرون بالسجود، فيصير ظَهْر المنافق طبقًا، فلا يستطيع أن يسجد». [ثامنها]: أنهم في الجنة، قال النوويّ -﵀-: وهو المذهب الصحيح المختار الذي صار إليه المحققون؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وإذا كان لا يعذِّب العاقل؛ لكونه لم تبلغه الدعوة، فلأن لا يعذِّب غير العاقل من بابِ أولى، ولحديث سمرة الطويل، وفيه: «والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم -﵇-، والصبيان حوله، فأولاد الناس. . .»، ولحديث عمة خنساء قالت: قلت: يا رسول الله، مَن في الجنة؟ قال: «النبيّ في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة»، رواه أحمد، وإسناده حسن. [تاسعها]: الوقف. [عاشرها]: الإمساك، قال الحافظ -﵀-: وفي الفرق بينهما دقة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: أرجح الأقوال عندي هو قول من قال: إنهم في الجنّة، كما هو ظاهر مذهب البخاريّ -﵀-، وذكر النوويّ -﵀-: أنه المذهب الصحيح المختار الذي صار إليه المحقّقون للآية المذكورة: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. فإن قال قائل: إنها في عذاب الدنيا. قلنا: اللفظ عامّ، فلا ينفي دخول عذاب الآخرة. ومِن أصرح الأدلّة: حديث سمرة بن جندب -﵁- في «صحيح البخاريّ» أنه -ﷺ- قال في جملة ذلك المنام حين مرّ على ذلك الشيخ تحت الشجرة، وحوله وِلدان، فقال له جبريل: هذا إبراهيم -﵇-، وهؤلاء أولاد المسلمين، وأولاد المشركين، قالوا: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قال: «نعم، وأولاد المشركين»، وهذا أوضح دليل، وأبْيَن حجة في المسألة. وقد مال الإمام البخاريّ -﵀- إلى ترجيح هذا القول، فقال في «صحيحه»: «باب ما قيل في أولاد المشركين»، قال في «الفتح»: هذه الترجمة تُشعر بأنه كان متوقفًا في ذلك، وقد جزم بعد هذا في «تفسير سورة الروم» بما يدلّ على اختيار القول الصائر إلى أنهم في الجنة، كما سيأتي تحريره، وقد رَتَّب أيضًا أحاديث هذا الباب ترتيبًا يشير إلى المذهب المختار، فإنه صدّره بالحديث الدالّ على التوقف -وهو حديث: «الله أعلم بما كانوا عاملين»- ثم ثنى بالحديث المرجِّح لكونهم في الجنة -وهو حديث الفطرة- ثم ثلّث بالحديث المصرِّح بذلك -وهو حديث قصّة الرؤيا- فإن قوله في سياقه: «وأما الصبيان حوله، فأولاد الناس» قد أخرجه في «التعبير» بلفظ: «وأما الولدان الذين حوله، فكل مولود يولد على الفطرة»، فقال بعض المسلمين: وأولاد المشركين؟ فقال: «وأولاد المشركين»، ويؤيده ما رواه أبو يعلى من حديث أنس مرفوعًا: «سألت ربي اللّاهين من ذرية البشر، أن لا يعذبهم، فأعطانيهم»، إسناده حسن، وورد تفسير اللاهين بأنهم الأطفال من حديث ابن عباس مرفوعًا، أخرجه البزار، وروى أحمد من طريق خنساء بنت معاوية بن صُريم عن عمتها، قالت: قلت: يا رسول الله، مَن في الجنة؟ قال: «النبيّ في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة»، إسناده حسن. انتهى. والحاصل: أن المذهب الراجح في الأطفال، سواء كانوا للمسلمين -وهذا بلا خلاف- أو للمشركين، فإنهم في الجنّة؛ لوضوح أدلّته، وقوّة حجته، وإلله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٣٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، كِلَاهُمَا عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإسْنَادِ، وَقَالَ: «كَمَا تُنتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً»، وَلَمْ يَذْكُرْ جَمْعَاءَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى السامىّ -بالمهملة- أبو محمد البصريّ، وكان يغضب إذا قيل له: أبو همام، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في «الطهارة» ٥/ ٥٥٧. والباقون ذُكروا في الباب، والبابين الماضيين. [تنبيه]: رواية معمر عن الزهريّ هذه ساقها الإمام أحمد -﵀- في «مسنده»، فقال: (٧٦٩٨) - حدّثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهريّ، عن ابن المسيِّب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه، وينصّرانه، ويمجّسانه، كما تنتج البهيمة، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول: واقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٣٤] (. . .) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيِدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ»، ثُمَّ يَقُولُ: اقْرَؤُوا: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السّرح المصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسان المصريّ، يُعرف بابن التّستُريّ، صدوق، تُكُلِّم في بعض سماعاته، قال الخطيب: بلا حجة [١٠] (ت ٢٤٣) (خ م س ق) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٤. ٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب الحافظ المصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) بن أبي النِّجَاد الأيليّ، أبو يزيد، مولى آل أبي سفيان، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) على الصحيح، وقيل غير ذلك (ع) تقدّم في «المقدّمة» ٣/ ١٤. ٥ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف المدنيّ الفقيه، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (ثُمَّ يَقُولُ إلخ) فاعل «يقول» ضمير أبي هريرة -﵁-، كما بُيّن في الرواية الماضية، وليس ضمير رسول الله -ﷺ-، ففيه إدراج، كما مرّ بيانه، والله تعالى أعلم. وقوله: (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) الإشارة إلى دين الإسلام؛ أي: دين الإسلام هو الدين المستقيم. والحديث متّفق عليه، وقد مضى شرحه وبيان مسائله قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٣٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ، فأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، ويشَرِّكَانِهِ»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ لَوْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: «اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كانُوا عَامِلِينَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقيان ذُكرا في الباب وقبله. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁-؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ)»يُلِدَ«بضمّ أوله، وكسر ثانيه، فعل ماض مغيَّر الصيغة، أصله: وُلِدَ، على وزن ضُرِب، أُبدلت واوه ياء؛ لانضمامها، قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في جميع النُّسخ:»يُلِدَ«بضم الياء المثناة تحتُ، وكسر اللام، على وزن ضُرِبَ، حكاه القاضي عن رواية السمرقنديّ، قال: وهو صحيح على إبدال الواو ياءً؛ لانضمامها، قال: وقد ذكر الهجريّ في»نوادره«: يقال: وُلِد ويُلِد بمعنًى، قال القاضي: ورواه غير السمرقنديّ:»يُولَدُ«. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله القاضي عياض، وتبعه النوويّ، والسنوسيّ، وغيرهما من ضبط:«يُلِدَ»بضمّ الياء التحتانيّة هو الصواب، وأما ما ذكره القرطبيّ من ضَبْطه بالتاء الفوقيّة بدل الياء، فالظاهر أنه تصحيف، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم. (فَأَبَوَاهُ)؛ أي: المولود، (يُهَوِّدَانِهِ)؛ أي: يعلّمانه دين اليهود، ويجعلانه يهوديًّا، (وَيُنَصِّرَانِهِ)؛ أي: يعلّمانه دين النصارى، ويجعلانه نصرانيًّا، (وَيُشَرِّكَانِهِ») بتشديد الراء؛ أي: يعلّمانه دين المشركين، ويجعلانه مشركًا. (فَقَالَ رَجُلٌ) لا يُعرف اسمه : (يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ)؛ أي: أخبرني (لَوْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ)؛ أي: قبل أن يبلغ أن يعرف هذه الأديان، ويتبيَّنها، بأن مات صغيرًا؛ أي: فما حكمه، هل هو من أهل الجنة، أم من أهل النار؟ (قَالَ) -ﷺ-: («اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ») قال ابن قتيبة: معنى قوله: «بما كانوا عاملين»؛ أي: لو أبقاهم، فلا تحكموا عليهم بشيء، وقال غيره: أي: عَلِم أنهم لا يعملون شيئًا، ولا يرجعون، فيعملوا، أو أخبر بعلم شيء لو وُجد كيف يكون، مثل قوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا﴾ [الأنعام: ٢٨]، ولكن لم يُرِدْ أنهم يُجازَون بذلك في الآخرة؛ لأن العبد لا يجازى بما لم يعمل، قاله في «الفتح» . والحديث متفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الباب، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٣٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإسنَادِ، فِي حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ، إِلَّا وَهُوَ عَلَى الْمِلَّةِ»، وَفي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ: «إِلَّا عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ، حَتَّى يُبَيِّنَ عَنْهُ لِسَانُهُ»، وَفي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ: «لَيْسَ مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ، حَتَّى يُعَبِّرَ عَنْهُ لِسَانُهُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم تقدَّموا قريبًا. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ) ضمير التثنية لأبي معاوية، وعبد الله بن [تنبيه]: رواية أبي معاوية عن الأعمش، ساقها الإمام أحمد -﵀ - في «مسنده»، فقال: (٧٤٣٨) - حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من مولود يولد، إلا على هذه الملة، حتى يُبِين عنه لسانه، فأبواه يهوّدانه، أو ينصّرانه، أو يشرّكانه،، قالوا: يا رسول الله، فكيف ما كان قبل ذلك؟ قال:«الله أعلم بما كانوا عاملين». انتهى . وأما رواية عبد الله بن نُمير، فقد ساقها أيضًا أحمد مقرونًا بغيره، فقال: (٧٤٣٦) - حدّثنا أبو معاوية، ووكيع، ومحمد بن عبيد، قالوا: حدّثنا الأعمش … وابن نُمير ثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -:«ليس مولود يولد إلا على هذه الملة»، وقال وكيع مرةً:«على الملة». انتهى . وبالسند المتصل إلى المؤلف -﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٣٧] (. . .) - (حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّزاق، حَدَّثنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَدَا مَا حَدَّثَنَا أبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُول اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:«مَنْ يُولَدُ يُولَدُ عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَة، فَأَبوَاهُ يُهَوِّدَانِه، وَيُنَصِّرَانِه، كَمَا تَنْتِجُونَ الإبِلَ، فَهَلْ تَجِدُونَ فِيهَا جَدْعَاءَ، حَتَّى تَكُونُوا أنتُمْ تَجْدَعُونَهَا؟، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أفَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ صَغِيرًا؟ قَالَ: «اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ»). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد نفسه تقدَّم قبل ثلاثة أبواب. شرح الحديث: (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) الأبناويّ اليمنيّ؛ أنه (قَالَ: هَذَا) مبتدأ، وهو إشارة إلى ما تضمّنته «صحيفته» المشهورة من الأحاديث، وعدّتها (١٣٨) حديثًا. (مَا حَدَّثَنَا) «ما» اسم موصول خبر المبتدأ، (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرَ)؛ أي: همّام، (أَحَادِيثَ) وقد مرّ عَدَدُها آنفًا، وقوله: (مِنْهَا) خبر مقدّم لقوله: (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:) لأنه مبتدأ مؤخّر محكيّ؛ لِقَصْد لفظه («مَنْ يُولَدُ)»من« اسم موصول مبتدأ خبره قوله: (يُولَدُ عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ) بكسر الفاء، هي في اللغة: الْخِلقة، والمراد بها هنا ما يراد في الآية الشريفة، وهي الدِّين؛ لأنه قد اعتَوَرها البيان من أول الآية، وهو: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾، ومن آخرها وهو: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ . (فَأَبوَاهُ) الفاء إما للتعقيب، وهو ظاهر، وإما للتسبب؛ أي: إذا تقرر ذلك فمن تغيَّر كان بسبب أبويه، وقوله: (يُهَوِّدَانِه، وَيُنَصِّرَانِهِ) معناه: أنهما يعلّمانه ما هو عليه، ويصرفانه عن الفطرة، ويَحْتَمِل أن يكون المراد: يُرَغِّبانه في ذلك، أو أن كونه تبعًا لهما في الدين بولادته على فراشهما يوجب أن يكون حكمه حكمهما، وقيل: معنى «يهودانه»: يُحكم له بحكمهما في الدنيا، فإن سبقت له السعادة أسلم إذا بلغ، وإلا مات على كفره، وإن مات قبل بلوغه فالصحيح أنه من أهل الجنة، وقيل: لا عبرة بالإيمان الفطريّ في أحكام الدنيا، إنما يُعتبر الإيمان الشرعيّ المكتسب بالإرادة، والفعل، وطفل اليهودِيَّيْن مع وجود الإيمان الفطريّ محكوم بكفره في الدنيا تبعًا لوالديه. قال الكرمانيّ -﵀ -: [فإن قلت]: الضمير في «أبواه» راجع إلى كل مولود؛ لأنه عامّ فيقضي تهويد كل المواليد، أو نحوه، وليس الأمر كذلك، لبقاء البعض على فطرة الإسلام. [قلت]: الغرض من التركيب: أن الضلالة ليست من ذات المولود، ومقتضى طبعه، بل أينما حصلت فإنما هي بسبب خارج عن ذاته. انتهى . (كمَا تَنْتِجُونَ الإِبِلَ) ضُبط في النُّسخ بالقلم بفتح التاء الأُولى، وكسر الثانية، من باب ضرب، والواو فاعل، و«الإبل» منصوب على المفعوليّة، وقال وليّ الدين -﵀-: قوله: «تُنْتَجُون» بضم أوله، وإسكان ثانيه، وفتح ثالثه، وقوله: «الإبلَ» منصوب على المفعولية، وهذا الفعل مبنيّ للفاعل، وإن كانت صيغته صيغة المبنيّ للمفعول، وقول أبي العباس القرطبيّ: إنه مبنيّ لِمَا لم يُسَمّ فاعله، إن أراد في الصورة، وإلا فهو وَهَمٌ، فقد ذُكر فاعله معه. انتهى . (فَهَلْ تَجِدُونَ فِيهَا جَدْعَاءَ)؛ أي: مقطوعة الأذن، (حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا؟ «) من باب نفع؛ أي: تقطعون أُذُنها، (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أفَرَأَيتَ)؛ أي: أخبرنا، فهو من إطلاق السبب على المسبَّب؛ لأن مشاهدة الأشياء طريق إلى الإخبار عنها، والهمزة فيه مقرّرة؛ أي: قد رأيت ذلك، فأخبرنا ، (مَنْ يَمُوتُ صَغِيرًا)؛ أي: ماذا حكمه، أهو من أهل الجنّة، أم من أهل النار؟. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله:«أفرأيت من يموت صغيرًا»: هذا السؤال إنما كان عن أولاد المشركين، كما جاء مفسّرًا من حديث ابن عباس -﵄-، فأمَّا أولاد المؤمنين، فقد تقدم الاستدلال على أنهم في الجنة، وأما أطفال المشركين فاختُلف فيهم على ثلاثة أقوال : فقيل: في النار مع آبائهم، وقيل: في الجنة، وقيل: تؤجّج لهم نار، ويؤمرون بدخولها، فمن أطاع منهم دخل الجنة، ومن عصى منهم دخل النار. وذهب قوم -وأحسبهم من غير أهل السُّنَّة- فقالوا: يكونون في برزخ. وسبب اختلاف الثلاثة الأقوال: اختلاف الآثار في ذلك، ومخالفة بعضها لظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، والصبيّ والمجنون لا يفهمون، ولا يخاطبون، فهم كالبهائم، فلم يُبعث إليهم رسول، فلا يعذَّبون. والحاصل من مجموع ذلك -وهو: القول الحقّ الجاري على أصول أهل الحقّ-: أن العذاب المترتب على التكليف لا يعذَّبه من لم يكلّف، ثم لله تعالى أن يعذِّب من شاء ابتداء من غير تكليف، من صبيّ أو مجنون، أو غير ذلك بحكم المالكية، وأنه لا حَجْر عليه، ولا حكم، فلا يكون ظالمًا بشيء من ذلك إن فعله، كما قررناه في الباب قبل هذا، وعلى هذا يدلّ قوله -ﷺ- في حديث عائشة -﵄-: «إن الله خلق للجنة أهلًا، وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا، وهم في أصلاب آبائهم»، وقد قدّمنا أن الأعمال معرّفات، لا موجبات. انتهى . (قَالَ) -ﷺ-: («اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ») قال القرطبيّ -﵀-: معناه: الله أعلم بما جَبَلَهم عليه، وطَبَعهم عليه، فمن خلقه الله تعالى على جبلّة المطيعين كان من أهل الجنة، ومن خلقه الله على جبلّة الكفار من القسوة والمخالفة، كان من أهل النار، وهذا كما قال في غلام الخضر: «طُبع يوم طبع كافرًا»، وهذا الثواب والعقاب ليس مرتّبًا على تكليف، ولا مرتبطًا به، وإنما هو بحكم علمه ومشيئته. وأما من قال: إنهم في النار مع آبائهم، فمعتمَده قوله -ﷺ-: «هم من آبائهم»، ولا حجَّة فيه لوجهين: أحدهما: أن المسألة علمية، وهذا خبر واحد، وليس نصًّا في الغرض. وثانيهما: سلّمناه، لكنا نقول ذلك في أحكام الدنيا، وعنها سئل، وعليها خرج الحديث، وذلك أنهم قالوا: يا رسول الله إنا نبيّت أهل الدار من المشركين، وفيهم الذراري؟ فقال: «هم من آبائهم»؛ يعني: في جواز القتل في حال التبييت، وفي غير ذلك من أحكام آبائهم الدنيوية، والله تعالى أعلم. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الباب، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف: -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٣٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ -يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «كُلُّ إِنْسَانٍ تَلِدُهُ أمُّهُ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَأَبَوَاهُ بَعْدُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، وَيُمَجِّسَانِهِ ، فَإِنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ فَمُسْلِمٌ، كُلُّ إِنْسَانٍ تَلِدُهُ أُمُّهُ، يَلْكُزُهُ الشَّيْطَانُ فِي حِضْنَيْهِ، إلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا»). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد نفسه تقدّم قبل أربعة أبواب. شرح الحديث: (عَنِ الْعَلَاءِ) بن عبد الرحمن الْجهنيّ مولاهم المدنيّ، (عَنْ أَبِيهِ) عبد الرحمن بن يعقوب الجهنيّ مولاهم المدنيّ، (عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ) -﵁-؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «كُلُّ إنْسَانٍ تَلِدُهُ أمُّهُ عَلَى الْفِطْرَةِ)؛ أي: على ملّة الإسلام (وَأَبَوَاهُ) وفي نسخة:»أبواه«بحذف الواو، (بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لقطعها عن الإضافة، ونيّة معناها؛ أي: بعد أن ولدته أمه على الفطرة، (يُهَوِّدَانِهِ، أوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَو يُمَجِّسَانِهِ) وفي بعض النسخ:»وينصّرانه، ويمجّسانه«بالواو، (فَإِنْ كَانَا)؛ أي: الأبوان، (مُسْلِمَيْنِ فَمُسْلِمٌ)؛ أي: فالمولود مسلم تبعًا لهما، (كُلُّ إِنْسَانٍ) هكذا النسخ بدون واو، و»كلُّ«مبتدأ، وقوله: (تَلِدُهُ أُمُّهُ) جملة في محل جرّ صفة لـ»إنسان«، وجملة قوله: (يَلْكُزُهُ الشَّيْطَانُ) خبر المبتدأ، و»يلْكُز«بفتح أوله، وضمّ ثالثه، يقال: لكزه لَكْزًا، من باب قَتَلَ: ضربه بجُمْع كفّه في صدره، وربّما أُطلق على جميع البدن، قاله الفيّوميّ . (فِي حِضْنَيْهِ) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في جميع النُّسخ:«في حضنيه»بحاء مهملة مكسورة، ثم ضاد معجمة، ثم نون، ثم ياء، تثنية حِضْن، وهو الجَنْب، وقيل: الخاصرة، قال القاضي: ورواه ابن ماهان:«خِصْييه»بالخاء المعجمة، والصاد المهملة، وهو الأنثيان، قال القاضي: وأظنّ هذا وَهَمًا، بدليل قوله:«إلا مريم، وابنها»، وسبق شرح هذا الحديث في«كتاب الفضائل»، وسبق ذِكْر الغلام الذي قتله الخضر في فضائل الخضر. انتهى .
مصادر المؤلف (٤٨)

١. «شرح النوويّ» ١٦/ ٢٠٦.

٢. هذا أولى من قول «التقريب»: صدوق، كما يظهر من ترجمته في «تهذيب التهذيب».

٣. «الفتح» ٤/ ١٨١، كتاب «الجنائز» رقم (١٣٨٥).

٤. «الفتح» ٤/ ١٨١، كتاب «الجنائز» رقم (١٣٨٥).

٥. «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٥٤٥ - ٥٤٦.

٦. «الفتح ٤/ ١٨٥.

٧. «طرح التثريب في شرح التقريب»٧/ ٢٢١.

٨. «الفتح» ٤/ ١٨٥.

٩. المصباح المنير» ٢/ ٥٩١ - ٥٩٢.

١٠. «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٥٤٦.

١١. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٧/ ٢٢٩.

١٢. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٧/ ٢٢٩.

١٣. «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٥٤٦.

١٤. هو الحديث الخامس في هذا الباب.

١٥. هو الحديث الأول في الباب، وهو الذي نشرحه الآن.

١٦. «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٥٤٦.

١٧. «مرقاة المفاتيح» ١/ ٢٦٤.

١٨. «الكاشف عن حقائق السنن»٢/ ٥٤٧ - ٥٤٨.

١٩. «طرح التثريب في شرح التقريب»٧/ ٢٢٣.

٢٠. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٧/ ٢٢٣.

٢١. «شرح النوويّ» ١٦/ ٢٠٨.

٢٢. رواه مسلم في هذا الباب.

٢٣. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٧/ ٢٢١.

٢٤. راجع: «تفسير سورة الإسراء» لابن كثير ٣/ ٣٥.

٢٥. أراد: ما أخرجه أبو داود في «سننه» ٤/ ٢٢٩: عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله ذراري المؤمنين؟ فقال: «هم من آبائهم»، فقلت: يا رسول الله بلا عمل؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين»، قلت: يا رسول الله فذراري المشركين؟ قال: «من آبائهم»، قلت: بلا عمل؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين».

٢٦. صححه الشيخ الألبانيّ -﵀-. راجع: «الصحيحة» ٤/ ١٩.

٢٧. «حاشية ابن القيم على سنن أبي داود» ١٢/ ٣٢١.

٢٨. أي: صياحهم.

٢٩. «حاشية ابن القيم على سنن أبي داود» ١٢/ ٣٢١.

٣٠. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٤/ ٢٤.

٣١. «الفتح» ٤/ ١٧٨ - ١٧٩، كتاب «الجنائز» رقم (١٣٨٤).

٣٢. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٢/ ٢٧٥.

٣٣. «شرح النوويّ»١٦/ ٢٠٩ - ٢١٠.

٣٤. «تنبيه المعلم» ص ٤٣٨.

٣٥. «الفتح» ٢/ ٢٤٧.

٣٦. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٢/ ٢٥٣.

٣٧. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٢/ ٢٥٣.

٣٨. «عمدة القاري» ٨/ ١٧٧.

٣٩. «عمدة القاري» ٨/ ١٧٧.

٤٠. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٧/ ٢٢١.

٤١. «شرح الشيخ الهرريّ» ٢٤/ ٥٦٢.

٤٢. هذا على حَسَب ما ثبت لدى القرطبيّ، وإلا فقد تقدّم أن الأقوال عشرة، فتنبّه.

٤٣. «المفهم»٦/ ٦٧٨ - ٦٧٩.

٤٤. «المفهم»٦/ ٦٧٨ - ٦٧٩.

٤٥. وفي نسخة:«أبواه».

٤٦. وفي نسخة:«أو ينصّرانه، أو يمجّسانه».

٤٧. «المصباح المنير»٢/ ٥٥٨.

٤٨. «شرح النوويّ» ١٦/ ٢١٠ - ٢١١.