HadithLab
RU

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤١ ص٥٩٢
٣ - (أَبَانُ) بن يزيد العطّار، أبو يزيد البصريّ، ثقة له أفراد [٧] مات في حدود (١٦٠) (خ م د ت س) تقدم في «الإيمان» ١/ ٥٤٠. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية أبان بن يزيد عن أبي عمران هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢) - (بَابٌ فِي الأَلدِّ الْخَصِمِ) «الألدّ»: الشديد اللَّدَد؛ أي: الجدال، مُشتقّ من اللَّدِيدَين، وهما صفحتا العنق؛ والمعنى: أنه من أي جانب أخذ في الخصومة قَوِي، وقيل غير ذلك في معناه، مما سيأتي قريبًا -إن شاء الله تعالى -. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٥٧] (٢٦٦٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَاَلِ إِلَى اللهِ الأَلدُّ الْخَصِمُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب، والبابين قبله. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) - ﵂ -؛ أنها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ) قال الكرمانيّ ﵀: الأبغض هو الكافر، فمعنى الحديث: أبغض الرجال الكفّار: الكافر المعاند، أو أبغض الرجال المخاصمين. قال الحافظ ﵀: والثاني هو المعتمَد، وهو أعمّ من أن يكون كافرًا، أو مسلمًا، فإن كان كافرًا، فأفعل التفضيل في حقّه على حقيقتها في العموم، وإن كان مسلمًا، فسبب البغض أن كثرة المخاصمة تُفضي غالبًا إلى ما يُذمّ صاحبه، أو يخصّ في حقّ المسلمين بمن يُخاصم في باطل، ويشهد للأول حديث: «كفى بك إثمًا أن لا تزال مخاصمًا»، أخرجه الطبرانيّ، عن أبي أُمامة بسند ضعيف، وورد الترغيب في ترك المخاصمة، فعند أبي داود من طريق سليمان بن حبيب، عن أبي أُمامة - ﵁ -، رفعه: «أنا زعيم ببيت في رَبَض الجنّة لمن ترك المراء، وإن كان محقًّا»، وله شاهد عند الطبرانيّ من حديث معاذ بن جبل - ﵁ -، و«الربض» -بفتح الراء، والموحّدة، بعدها ضاد معجمة: الأسفل. انتهى . (إِلَى اللهِ الْألَدُّ الْخَصِمُ») بفتح الخاء المعجمة، وكسر الصاد المهملة: فسَّره البخاريّ: بأنه الدائم الخصومة. وقال ابن المنيّر ﵀:«الألدّ»: مشتقّ من اللدد، وهو الاعوجاج والانحراف عن الحقّ، وأصله من اللديد، وهو جانب الوادي، ويُطلق على جانب الفم، ومنه«اللدود»، وهو صبّ الدواء منحرفًا عن وسط الفم إلى جانبه. انتهى . وقال النوويّ ﵀:«الألد الخصم»-هو بفتح الخاء، وكسر الصاد - و«الألدّ»: شديد الخصومة، مأخوذ من لديدَي الوادي، وهما جانباه؛ لأنه كلما احتُجّ عليه بحجة أخذ في جانب آخر، وأما«الخصم»: فهو الحاذق بالخصومة، والمذموم هو الخصومة بالباطل في رفع حقّ، أو إثبات باطل. انتهى . وقال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀:«الألد الخصم»: الرواية«الْخَصْمُ»-بسكون الصاد- وقد قيّده بعضهم بكسرها، وكلاهما اسم للمخاصم، غير أن الذي بالسكون هو مصدر في الأصل، وُضع موضع الاسم، ولذلك يكون في المذكّر والمؤنّث، والتثنية، والجمع بلفظ واحد في الأكثر، ومن العرب من يُثنّيه، ويَجمعه؛ لأنه يَذهب به مذهب الاسم، وقد جاءت اللغتان في كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١)﴾ [ص: ٢١] ثم قال: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢]. فأما الذي بالكسر، فهو الشديد الخصومة. و«الألدّ»: هو الشديد الخصومة، مأخوذ من اللديدَين، وهما جانبا الوادي؛ لأنه كلما أُخذ عليه جانب أخذ في جانب آخر، وقيل: لإعماله لَديدَيه، وهو صفحتا عنقه عند خصومته. وكان حكم«الألدّ»أن يكون تابعًا للـ«خصم»؛ لأن«الألدّ»صفة، و«الخصم»اسم، لكن لمّا كان الخصم مصدرًا في الأصل، وكان«الألدّ»صفة مشهورة عُكس الأمر، فجُعل التابع متبوعًا، وهذا على نحو قوله تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] وإنما يُقال: أسود غِرْبيب. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٦٧٥٧] (٢٦٦٨)، و(البخاريّ) في«المظالم والغصب»(٢٤٥٧) و«التفسير»(٤٥٢٣) و«الأحكام»(٧١٨٨)، و(الترمذيّ) في«التفسير»(٢٩٧٦)، و(النسائيّ) في«المجتبى»(٥٤٢٥) وفي«الكبرى»(٥٩٨٧ و١١٠٣٦)، و(أحمد) في«مسنده»(٢٣٧٥ و٢٣٨٢٢ و٢٥١٧٦)، و(ابن راهويه) في«مسنده»(٣/ ٦٥٣)، و(الحميديّ) في«مسنده»(١/ ١٣٢)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٥٦٩٧)، و(اللالكائيّ) في«اعتقاد أهل السُّنَّة»(٢٠٩)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(١٠/ ١٠٨) وفي«شُعَب الإيمان»(٦/ ٣٤٠)، و(البغويّ) في«شرح السُّنَّة»(٢٤٩٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ذمّ شدّة الخصومة، والمراد به: الخصومة في دفع الحقّ، أو إثبات الباطل، كما سبق في كلام النوويّ ﵀، وهو الذي جاءت النصوص في ذمّه، فقد أخرج أحمد، والترمذيّ، وصححه، وابن ماجه عن أبي أمامة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -:«ما ضلّ قوم بعد هُدًى كانوا عليه، إلا أوتوا الجدل»، ثم تلا تلك الآية: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] . ٢ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: هذا الخصم المبغوض عند الله تعالى هو الذي يقصد بخصومته مدافعة الحق، وردّه بالأوجه الفاسدة، والشُّبَهِ الموهمة، وأشد ذلك الخصومة في أصول الدين، كخصومة أكثر المتكلمين، المعرضين عن الطرق التي أرشد إليها كتاب الله تعالى، وسُنَّة رسوله - ﷺ -، وسَلَف أمته إلى طُرُق مبتدعة، واصطلاحات مخترعة، وقوانين جدلية، وأمور صناعية، مدار أكثرها على مباحث سوفسطائية، أو مناقشات لفظية، تَرِد بسببها على الآخذ فيها شُبَهٌ، ربما يَعجَز عنها، وشكوك يذهب الإيمان معها، وأحسنهم انفصالًا عنها أجدلهم، لا أعلمهم، فكم من عالم بفساد الشبهة لا يقوى على حَلِّها، وكم من منفصل عنها لا يُدرك حقيقة علمها، ثم إن هؤلاء المتكلّمين قد ارتكبوا أنواعًا من المحال، لا يرتضيها الْبُلْهُ، ولا الأطفال، لَمّا بحثوا عن تَحَيُّز الجواهر، والألوان، والأحوال، ثم إنهم أخذوا يبحثون فيما أمسك عنه السلف الصالح، ولم يوجد عنهم بحثٌ واضح، وهو كيفية تعلقات صفات الله تعالى، وتعديدها، واتحادها في نفسها، وهل هي الذات أو غيرها؟، وفي الكلام، هل هو متحد، أو منقسم؟، وعلى الثاني: هل ينقسم بالنوع، أو الوصف؟، وكيف تعلَّق في الأزل بالمأمور، مع كونه حادثًا؟، ثم إذا انعدم المأمور، فهل يبقى ذلك التعلق؟، وهل الأمر لزيد بالصلاة مثلًا، هو نفس الأمر لعمرو بالزكاة؟ إلى غير ذلك من الأبحاث المبتدعة، التي لم يأمر الشارع بالبحث عنها، وسكت عنها الصحابة - ﵃ -، ومن سلك سبيلهم، بل نهوا عن الخوض فيها؛ لِعِلمهم بأنه بحث عن كيفية ما لا تُعلم كيفيته بالعقل، لكون العقول لها حدّ تقف عنده، وهو العجز عن التكييف، لا يتعدّاه، ولا فرق بين البحث عن كيفية الذات، وكيفية الصفات، ولذلك قال العليم الخبير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ومن توقف في هذا، فليعلم أنه إذا كان حُجِب عن كيفية نفسه، مع وجودها، وعن كيفية إدراك ما يُدرك به، فهو عن إدراك غيره أعجز. وغاية علم العلماء، وإدراك عقول الفضلاء أن يقطعوا بوجود فاعل لهذه المصنوعات، منزّه عن الشبيه، مقدَّس عن النظير، متصف بصفات الكمال. ثم متى ثبت النقل، وأخبرنا الصادقون عنه بشيء من أوصافه، وأسمائه قبلناه، واعتقدناه، وما لم يتعرّضوا له، سكتنا عنه، وتركنا الخوض فيه، وهذه طريقة السلف، وما سواها مَهَاوٍ، وتَلَف، ويكفي في الردع عن الخوض في طرق المتكلمين، ما قد ورد في ذلك عن الأئمة المتقدمين، فمن ذلك قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: من جعل دِينه غَرَضًا للخصومات، أكثر الشغل، والدِّين قد فُرغ منه، ليس بأمر يؤتكف على النظر فيه. وقال مالك بن أنس رحمه الله تعالى: ليس هذا الجدال من الدين في شيء، وقال: كان يقال: لا تمكّن زائغ القلب من أُذنك، فإنك لا تدري ما يَعلق من ذلك. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: لأن يُبتلَى العبد بكلّ ما نهى الله عنه ما عدا الشرك خير له من أن ينظر في علم الكلام، وإذا سمعت من يقول: الاسم هو المسمّى، أو غير المسمّى، فاشهد أنه من أهل الكلام، ولا دِين له. قال: وحكمي في أهل الكلام أن يُضربُوا بالجريد، ويُطاف بهم في العشائر، والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسُّنَّة، وأخذ في الكلام. وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: لا يُفلح صاحب الكلام أبدًا، علماء الكلام زنادقة. وقال ابن عقيل: قال بعض أصحابنا: أنا أقطع أن الصحابة - ﵃ - ماتوا، وما عرفوا الجوهر والعرض، فإن رضِيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت طريقة المتكلّمين أَولى من طريقة أبي بكر، وعمر، فبئسما رأيته. قال: وقد أفضى هذا الكلام بأهله إلى الشكوك، وبكثير منهم إلى الإلحاد، وببعضهم إلى التهاون بوظائف العبادات، وسبب ذلك إعراضهم عن نصوص الشارع، وتطلّبهم حقائق الأمور من غيره، وليس في قوة العقل ما يدرك ما في نصوص الشارع من الحِكَم التي استأثر بها، ولو لم يكن في الجدال، إلا أن النبيّ - ﷺ - قد أخبر أنه الضلال، كما قال فيما خرّجه الترمذيّ: «ما ضلّ قوم بعد هُدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل»، وقال: إنه صحيح. قال: وقد رجع كثير من أئمة المتكلّمين عن الكلام، بعد انقضاء أعمار مديدة، وآماد بعيدة، لَمّا لَطَف الله تعالى بهم، وأظهر لهم آياته، وباطن برهانه، فمنهم: إمام المتكلّمين أبو المعالي إمام الحرمين (ت ٤٧٨ هـ)، فقد حكى عنه الثقات أنه قال: لقد خلّيت أهل الإسلام، وعلومهم، وركبت البحر الأعظم، وغُصت في كل شيء، نَهَى عنه أهل العلم رغبةً في طلب الحق، وهربًا من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكلّ إلى كلمة الحقّ، عليكم بدين العجائز، وأختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص، والويل لابن الْجُوَينيّ. وقال لأصحابه عند موته: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أنه يبلغ بي ما بلغتُ، ما تشاغلت به. وقال أحمد بن سنان: كان الوليد بن أبان الكرابيسيّ خالي، فلما حضرته الوفاة قال لبنيه: تعلمون أحدًا أعلم مني؟ قالوا: لا، قال: فتَتَّهِموني؟ قالوا: لا، قال: فإني أوصيكم، أفتقبلون؟ قالوا: نعم، قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث، فإني رأيت الحقّ معهم. وقال أبو الوفاء بن عَقِيل: لقد بالغت في الأصول طول عمري، ثم عُدتُ القهقرى إلى مذهب المكتب. وهذا الشهرستاني، صاحب «نهاية الإقدام في علم الكلام» وَصَف حاله فيما وصل إليه من علم الكلام، وما ناله، فتمثّل بما قاله: لَعَمْرِي لَقَدْ طُفْتُ الْمَعَاهِدَ كُلَّهَا … وَصَيَّرْتُ طَرْفِي بَيْنَ تِلْكَ الْمَعَالِمِ فَلَمْ أَرَ إِلَّا وَاضِعًا كَفَّ حَائِرِ … عَلَى ذَقَنٍ أَو قَارعٍ سِنَّ نَادِمِ ثم قال: عليكم بدِين العجائز، فإنه أسنى الجوائز. قال القرطبيّ: ولو لم يكن في الكلام شيء يُذمُّ به إلا مسألتان، هما من مبادئه، لكان حقيقًا بالذمّ، وجديرًا بالذِّكر: [إحداهما]: قول طائفة منهم: إن أول الواجبات الشك في الله تعالى؛ إذ هو اللازم عن وجوب النظر، أو القصد إلى النظر، وإليه أشار الإمام بقوله: ركبت البحر. [والثانية]: قول جماعة منهم: إن من لم يعرف الله تعالى بالطرق التي طرّقوها، والأبحاث التي حرّروها، فلا يصح إيمانه، وهو كافر، فيلزمهم على هذا تكفير أكثر المسلمين، من السلف الماضين، وأئمة المسلمين، وأن من يبدأ بتكفيره: أباه، وأسلافه، حتى لقد أورد على بعضهم أن هذا يلزم منه تكفير أبيك، وأسلافك، وجيرانك، فقال: لا تُشَنِّع عليّ بكثرة أهل النار. قال: وقد رَدّ بعض من لم يقل بهاتين المسألتين من المتكلّمين ما على من قال بهما، بطريق من النظر والاستدلال؛ بناء منهم على أن هاتين المسألتين نظريّتان، وهذا خطأ فاحشٌ، فالكلّ يُخَطَّئون، الطائفة الأولى بأصل القول بالمسألتين، والثانية بتسليم أن فسادها ليس بضروريّ، ومن شكّ في تكفير من قال: إن الشكّ في الله تعالى واجب، وأن معظم الصحابة، والمسلمين كفّار، فهو كافر شرعًا، أو مُختلّ العقل وضعًا؛ إذ كل واحدة منهما معلومة الفساد بالضرورة الشرعيّة الحاصلة بالأخبار المتواترة القطعيّة، وإن لم يكن كذلك، فلا ضروريّ يُصار إليه في الشرعيّات، ولا العقليّات، عصمنا الله تعالى من بِدَع المبتدعين، وسلك بنا طرُق السلف الماضين، وإنما طوّلت في هذه المسألة الأنفاس من هذه البدع في الناس، ولأنه قد اغترّ كثير من الجهال بزخرف تلك الأقوال، وقد بذلت ما وجب عليّ من النصيحة، والله تعالى يتولّى إصلاح القلوب الجريحة. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد القرطبيّ ﵀ في هذا التحقيق، فإنه بحث نفيسٌ أنيس، والله تعالى وليّ التوفيق. [تنبيه]: قيل: إن سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾ [البقرة: ٢٠٤] هو الأخنس بن شَرِيق، وكان رجلًا حلو المنطق؛ إذا لقي رسول الله - ﷺ - ألان له القول، وادَّعَى أنه يحبه، وأنه مسلم، ويُشهد الله على ما في قلبه؛ أي: يحلف، ويقول: الله شاهد على ما في قلبي من محبتك، ومن الإسلام، فقال الله في حقه: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾؛ أي: شديد الجدال، والخصومة، والعداوة للمسلمين، والألد أفعل التفضيل، من اللدد، وهو شدة الخصومة، والخصام المخاصمة، وإضافة الألد بمعنى «في»، أو يُجعل الخصام ألدّ على المبالغة، وقيل: الخصام جمع خصم، كصعب وصعاب، بمعنى: هوأشدّ الخصوم خصومة، قاله في «العمدة» ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (٧)

١. «الفتح»١٧/ ١٨، كتاب«الأحكام»رقم (٧١٨٨).

٢. «الفتح»١٧/ ١٨.

٣. «شرح النوويّ»١٦/ ٢١٩.

٤. «المفهم» ٦/ ٦٨٩ - ٦٩٠.

٥. حسَّنه الشيخ الألبانيّ ﵀.

٦. «المفهم» ٦/ ٦٩٠ - ٦٩٤، ببعض تغيير من «الفتح».

٧. «عمدة القاري» ١٨/ ١١٤.