HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٦٩٩

حدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - (قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الْآخَرَانِ: حدثنا) أبو معاوية عن الأعمش، عن أبي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة. ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة. ومن ستر مسلما، ستره الله في الدنيا والآخرة. والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له به طريقا إلى الجنة. وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده. ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص71
ج ٤ ص ٢٠٧٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٦١٤
[٨٥٠] وفي حديث أبي هريرة ﵁: (مَن نَفَّسَ عَن مُؤْمِنٍ كُرَبَةً) ؛ فيه دلالة على ثواب تنفيس الكربة عن المسلمين ومَعُونتهم.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٢ ص١٧٠
(١١) - (بَابُ فَضْلِ الاجْتِمَاعِ عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَعَلَى الذِّكْرِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٨٢٩] (٢٦٩٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِي - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَة، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْد، مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيه، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّة، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الله، يَتْلُونَ كِتَابَ الله، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرعْ بِهِ نَسَبُهُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) التميميّ النيسابوريّ الإمام، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، تقدّم في السند الماضي. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ) الكوفيّ، أحد مشايخ الجماعة، بلا واسطة، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، تقدّم قبل حديثين. ٥ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران الكوفيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٦ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ -، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين إلى الأعمش، سوى يحيى، فنيسابوريّ، والباقيان مدنيّان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ -؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ نَفَّسَ) بتشديد الفاء؛ أي: فَرّج، قال الطيبيّ ﵀: يقال: نفّست عنه كَرْبه: إذا رفعته، وفرّجته عنه، مأخوذ من قولهم: أنت في نفَس: أي: سَعَة، كأن من كان في كربة وضيق سُدّ عنه مداخل الأنفاس، فإذا فُرّج عنه فُتحت المداخل، والمعنى هنا: من أزال، وأذهب . (عَنْ مُؤْمِنٍ) وفي بعض النسخ:»من مؤمن«، والمراد: أيّ مؤمن، ولو كان فاسقًا؛ مراعاة لإيمانه ، وفي رواية ابن ماجه:»عن مسلم«. (كُرْبَةً) بضمّ الكاف، وسكون الراء: اسم مِن كَرَبه الأمر، من باب نصر: إذا شقّ عليه، وأهمّه، والجمع: كرب؛ أي: حزنًا، وعناءً، وشدّة، ولو حقيرة، قال القاري: وقال الطيبيّ: قوله:«كربة»؛ أي: غمًّا وشدّةً، نكّرها تقليلًا، وميّز بها بعد الإبهام، وبيّنها بقوله:«من كُرَب الدنيا»؛ للإيذان بتعظيم شأن التنفيس؛ يعني: أن أقلّه المختصّ بالدنيا يفيد هذه الفائدة، فكيف بالكثير المختصّ بالعقبى؟، فلذلك لم يقيّد هذه القرينة بما قيّده في القرينتين الأخيرتين من ذِكر الدنيا والآخرة معًا، ولأنهما تخصيص بعد التعميم؛ اهتمامًا بشأنهما. انتهى . (مِنْ كُرَبِ) بضمّ الكاف، وفتح الراء، جمع كُربة، مثلُ غُرْفة وغُرَف، (الدُّنْيَا) الفانية المنقضية، و«من» تبعيضية، أو ابتدائية. (نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً)؛ أي: عظيمة، (مِنْ كُرَب يَوْم الْقِيَامَةِ)؛ أي: الباقية الغير المتناهية، فلا يَردُ أنه تعالى قال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٥]، فإنه أعمّ من أن يكون في الكمية، أو الكيفية، ولمّا كان الخلق كلهم عيال الله، وتنفيس الكرب إحسان، فجازاه الله جزاء وفاقًا؛ لقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠] . (وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ)؛ أي: سَهّل على فقير، وهو يشمل المؤمن والكافر المعاهَد؛ أي: من كان له دَين على فقير، فسَهَّل عليه بإمهال، أو بترك بعضه، أو كله، وقال الطيبيّ: المعسر: من رَكِبه الدَّين، وتعسّر عليه قضاؤه، (يَسَّرَ اللهُ) وفي بعض النسخ: «يُيَسّر الله»، (عَلَيْهِ) بدل تيسيره على عبده مجازاةَ بجنسه، (فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)؛ أي: في أمورهما. (وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا)؛ أي: في قبيحٍ يفعله، فلا يَفْضحه، أو كساه ثوبًا، قاله القاري، وقال غيره: أي: ستر بدنه باللباس، أو عيوبه بعدم الغيبة له، والذبّ عن معايبه، وهذا على من ليس معروفًا بالفساد، وأما المعروف به، فيُستحب أن تُرفع قصته إلى الوالي، ولو رآه في معصية، فينكرها بحسب القدرة، وإن عجز يرفعها إلى الحاكم؛ إذا لم يترتب عليه مفسدة، وأما جرح الرواة والشهود، وأمناء الصدقات، فواجب . (سَتَرَهُ اللهُ)؛ أي: سَتَر عيوبه، وقبيح عمله، وقال المظهر: يجوز أن يراد بالستر: الظاهر، وأن يراد: سَتْر من ارتكب ذنبًا، فلا يفضحه . (فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ) الواو للاستئناف، وهو في عون العبد تذييل للكلام السابق. (مَا كَانَ الْعَبْدُ) «ما» مصدريّة ظرفيّة؛ أي: مدّةَ كون العبد مشغولًا في عون أخيه بأي وجهٍ كان، من جلب نفع، أو دفع ضرّ. (فِي عَوْنِ أَخِيهِ)؛ أي: مشغولًا بقضاء حاجة أخيه المسلم، وفيه إشارة إلى فضيلة عون الأخ على أموره، والمكافأة عليها بجنسها من العناية الإلهية، سواء كان بقلبه، أو بدنه، أو بهما؛ لدفع المضارّ، أو جلب المسارّ؛ إذ الكل عون. وقال الطيبيّ ﵀: «والله في عون العبد» تذييل للسابق، لا سيّما على دفع المضرّة عن أخيه المسلم، وعلى جلب النفع له، ولذلك أخرجه من سياق الشرطية، وبنى الخبر على المبتدأ؛ ليقوى به الحكم، وخصّ العبد بالذكر تشريفًا له بنسبة العبديّة له، كما شرّف رسول الله - ﷺ - في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]، وكرّره، وقال: «في عون العبد»، ولم يقل: والله يعينه في كذا، كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]؛ أي: إن الله يوقع العون في العبد، ويجعله مكانًا له؛ مبالغة في الإعانة. انتهى . ولمّا فرغ من الحثّ على الشفقة على خَلْق الله تعالى أتبعه بما يُنبئ عن التعظيم لأمر الله تعالى؛ لأن العلم وسيلة إلى العمل، ومقدّمة له، ومن ثمّ ختمه بقوله: «ومن بطّأ به عمله»، فقال: (وَمَنْ سَلَكَ)؛ أي: دخل، أو مشى (طَرِيقًا)؛ أي: قريبًا، أو بعيدًا، قيل: التنوين للتعميم؛ إذ النكرة في الإثبات قد تفيد العموم؛ أي: سببًا؛ أيّ سبب كان، من التعلّم، والتعليم، والتصنيف، والكدح فيه، ومفارقة الأوطان، والضرب في البلدان، والإنفاق فيه، وغير ذلك مما لا يُحصى كثرةً، وقال في «المرعاة»: «ومن سلك طريقًا» حقيقيًّا حسّيًّا، وهو المشي بالأقدام إلى مجالس العلماء، أو معنويًّا، مثل حِفظ العلم، ومدارسته، ومذاكرته، ومطالعته، وكتابته، والتفهّم له، ونحو ذلك من الطرق المعنويّة التي يُتوصّل بها إلى العلم. انتهى. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «ومن سلك … إلخ»؛ أي: من مشى إلى تحصيل علم شرعيّ، قاصدًا به وجه الله تعالى، جازاه الله عليه بأن يوصله إلى الجنة مسلمًا مكرمًا. وقوله (يَلْتَمِسُ فِيهِ)؛ أي: يطلب، والجملة حاليّة، أو صفة لـ «طريقًا». (عِلْمًا) نَكّره؛ ليشمل كل نوع من أنواع علوم الدِّين، قليله، أو كثيرة؛ إذا كان بنيّة القربة، والنفع، والانتفاع، وفيه استحباب الرحلة في طلب العلم، وقد ذهب موسى إلى الخضر - عليهما الصلاة والسلام - وقال له: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]،، ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أُنيس في حديث واحد. (سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ)؛ أي: بذلك السلوك، أو الطريق، أو الالتماس، أو العلم، والباء سببيّة. (طَرِيقًا) موصلًا، ومُنْهِيًا (إِلَى الْجَنَّةِ)؛ أي: يسهّل الله له العلم الذي طلبه، وسلك طريقه، وييسّره عليه، فإن العلم طريق يوصل إلى الجنة، أو يُيسّر الله له إذا قصد بطلبه وجه الله تعالى الانتفاع به، والعمل بمقتضاه، فيكون سببًا لهدايته، ولدخول الجنّة بذلك، وقد يُيسّر الله لطالب العلم علومًا أخرى ينتفع بها، وتكون موصلة إلى الجنة، أو يسهّل الله له طريق الجنة الحسيّ يوم القيامة، وهو الصراط، وما قبله، وما بعده من الأهوال، فييسّر ذلك على طالب العلم للانتفاع به. (وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ)؛ أي: مجمع (مِنْ بُيُوتِ اللهِ) بضمّ الباء، وتكسر، وإنما عدل عن المساجد إلى بيوت الله؛ ليشمل كل ما يبنى تقربًا إلى الله تعالى، من المساجد، والمدارس، والرُّبُط. وقال القرطبيّ ﵀: بيوت الله هي المساجد، كما قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]. انتهى، والأول أقرب، والله تعالى أعلم. وقوله: (يَتْلُونَ) حال من «قوم»؛ لتخصيصه. (كِتَابَ اللهِ)؛ أي؛ القرآن الكريم، مع التدبّر فيما يتعلق بذات الله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، ومعرفة الحلال والحرام، وغير ذلك مما حواه الكتاب من عجائب الدنيا والآخرة. (وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ) قيل: المراد بالتدارس: قراءة بعضهم على بعض تصحيحًا لألفاظه، أو كشفًا لمعانيه، والأظهر: إجراؤه على عمومه، فيشمل جميع ما يتعلّق بالقرآن، من التعليم، والتعلم، والتفسير، والتحقيق في مبانيه، والاستكشاف عن دقائق معانيه. (إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ) يجوز فيه كسر الهاء، وضم الميم، وهو الأكثر، وضمهما، وكسرهما. (السَّكِينَةُ) قيل: المراد بالسكينة هنا: الرحمة، وهو الذي اختاره القاضي عياض، قال النوويّ: وهو ضعيف؛ لِعَطْف الرحمة عليه، وقيل: الطمأنينة، والوقار، وهو أحسن. انتهى ، وقيل: إنها شيء من مخلوقات الله تعالى، فيه طمأنينة، ورحمة، ومعه الملائكة، وقال القرطبيّ: هي إما السكون، والوقار، والخشوع، وإما الملائكة الذين يستمعون القرآن، سُمُّوا بذلك؛ لِمَا هم عليه من السكون والخشوع. انتهى . (وَغَشِيَتْهُمُ)؛ أي: أتتهم، وعَلَتهم، وغطّتهم (الرَّحْمَةُ)؛ أي: فتكفّر خطيئاتهم، وتُرفع درجاتهم، ويصلون إلى جنته وكرامته، (وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ)؛ أي: أحدقت ملائكة الرحمة، والبركة، وأحاطت بهم، أو طافت بهم، وداروا حولهم إلى سماء الدنيا، يستمعون القرآن، ودراستهم، ويحفظونهم من الآفات، ويزورونهم، ويصافحونهم، ويؤمّنون على دعائهم، (وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ)؛ أي: في الملأ الأعلى، والطبقة العليا من الملائكة المقرّبين، ثم يَحْتَمل أن يكون هذا الذكر ذكر ثناء وتشريف، وَيَحْتَمل أن يكون ذكر مباهاة؛ أي: أن الله تعالى يباهي بهم الملائكة، يقول: انظروا إلى عبادي تركوا أشغالهم، وأقبلوا عليّ، يذكروني، ويقرؤون كتابي، كما ثبت ذلك فيمن يقف بعرفة. وقال الحافظ ابن رجب ﵀: وذِكر الله لعبده هو ثناؤه عليه في الملأ الأعلى بين ملائكته، ومباهاته به، وتنويهه بذكره. قال الربيع بن أنس: إن الله ذاكر مَن ذكره، وزائد مَنْ شكره، ومعذِّب مَن كفره، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١، ٤٢]، وصلاة الله على عبده هي ثناؤه عليه بين ملائكته، وتنويهه بذكره، كذا قال أبو العالية، ذكره البخاريّ في «صحيحه». انتهى . (وَمَنْ بَطَّأَ) بتشديد الطاء، من التبطئة، ضدّ التعجل؛ كالإبطاء، والْبُطء، نقيض السرعة، وفي رواية ابن ماجه: «ومن أبطأ»، والباء في (ط) للتعدية؛ أي: من أخّره، وجعله بطيئًا عن بلوغ درجة السعادة. (عَمَلُهُ) السيئ في الآخرة، أو تفريطه للعمل الصالح في الدنيا، (لَمْ يُسْرعْ بِهِ) من الإسراع؛ أي: لم يقدّمه (نَسَبُهُ»)؛ أي: شَرَف نَسَبه؛ يعني: أنه لا يَجْبر نقصه كونه نسيبًا في قومه؛ إذ لا يحصل التقرب إلى الله تعالى بالنسب، بل بالأعمال الصالحة، والآخرة لا ينفع فيها إلا تقوى الله تعالى، والعمل الصالح، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. وقال القرطبيّ ﵀: يعني: أن الآخرة لا ينفع فيها إلا تقوى الله تعالى، والعمل الصالح، لا الفخر الراجح، ولا النسب الواضح . وقال النوويّ ﵀: معناه: من كان عمله ناقصًا لم يُلحقه نسبه بمرتبة أصحاب الأعمال، فينبغي أن لا يتّكل على شرف النسب، وفضيلة الآباء، ويقصّر في العمل. انتهى . [فإن قلت]: هذا ينافي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية [الطور: ٢١]، فإنه يدلّ على أن النسب ينفع. [قلت]: هذه الآية فيمن تَبِع في الإيمان، ولكنه مقصّر في بعض الأعمال، فيُلحق بهم تكريمًا لهم، وأما الحديث فهو محمول على من اتبع هواه، فضلّ السبيل، فإنه لا ينفعه نسبه، ولا يُلحقه بآبائه. انتهى. وقال الطيبيّ ﵀: قوله: «ومن بطّأ به عمله … إلخ» تذييل بمعنى التعظيم لأمر الله تعالى، فالواو فيه، وفي قوله: «والله في عون العبد» استئنافيّة، وبقيّة الواوات عاطفة، وأخرج الأخير مخرج الحصر خصوصًا بـ «ما»، و«إلا»؛ ليقطع الحكم به، ويكمل العناية بشأنه ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀. [تنبيه]: ذكر أبو الفضل بن عمّار الحافظ علّة لهذا الحديث، فقال: هو حديث رواه الخلق عن الأعمش، عن أبي صالح، فلم يذكر الخبر في إسناده غير أبي أسامة، فإنه قال فيه: عن الأعمش، قال: حدّثنا أبو صالح، ورواه أسباط بن محمد عن الأعمش، عن بعض أصحابه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، والأعمش كان صاحب تدليس، فربّما أخذ عن غير الثقات. انتهى كلام ابن عمار. قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة ما أشار إليه ابن عمّار: أن هذا الحديث فيه انقطاع بسبب أن الأعمش مدلّس، فلعله أخذه عن غير ثقةٌ، فدلّسه. ويجاب عن هذا بأمور: أحدها: أن أبا أسامة صرّح عند مسلم بقول الأعمش: حدّثنا أبو صالح، وأبو أسامة من الحفّاظ المتقنين، كما هو مصرّح به في ترجمته في «التهذيب» وغيره. الثاني: أن الاعتراض على رواية أبي أسامة برواية أسباط بن محمد ليس من عمل أهل الإنصاف، فإن أبا أسامة حافظ ثقة ثبت، وأما أسباط فمختلَف فيه، راجع ترجمته في «تهذيب التهذيب» ، فقد ضعّفه الكوفيّون، ولا سيّما في الثوريّ، قال الدوريّ عن ابن معين:. ليس به بأس، وكان يخطئ عن سفيان، وقال الغلابي عنه: ثقةٌ، والكوفيون يضعّفونه، وقال الْبَرْقيّ عنه: الكوفيون يضعّفونه، وهو عندنا ثَبْت فيما يروي عن مطرّف، والشيبانيّ، وقال العقيليّ: ربما يهم في الشيء، وقال ابن سعد: كان ثقةٌ صدوقًا، إلا أن فيه بعض الضعف. من «تهذيب التهذيب» انتهى باختصار. فمن كان مثل هذا كيف يضعف به مثل أبي أسامة الذي قال فيه الإمام أحمد بن حنبل: أبو أسامة أثبت من مائة مثل أبي عاصم ؟ كان صحيح الكتاب، ضابطًا للحديث، كَيّسًا صدوقًا، وقال أيضًا: كان ثبتًا، ما كان أثبته، لا يكاد يخطئ، وقال ابن سعد: كان ثقةٌ مأمونًا، كثير الحديث يدلس، ويبيّن تدليسه، وكان صاحب سُنَّة وجماعة، وقال العجليّ كان ثقةٌ، وكان يُعَدّ من حكماء أصحاب الحديث. انتهى من «التهذيب» أيضًا باختصار . والحاصل: أن مخالفة أسباط لأبي أسامة لا قيمة لها، ولا وزن عند من أنصف، وسلك سبيل النقد الصحيح، فتأمل بالإمعان، والله تعالى وليّ التوفيق. الثالث: أن مسلمًا أخرجه هنا، وهو من أعلم الناس بالعلل، وهو يعلم تدليس الأعمش، وأزال التهمة عنه بذكر الطريق الثاني المصرّح بالتحديث تأكيدًا لعدم تدليسه؛ لأن أبا أسامة ثقة ثبتٌ حجة، فتصريحه بالتحديث زيادة مقبولة لا شكّ فيها، كما هو رأي مسلم ﵀. الرابع: أن تدليس الأعمش خاصّ بمن أقلّ عنهم الرواية من شيوخه، وأما الذين أكثرَ عنهم الرواية فلا يدلّس عنهم، ومنهم أبو صالح السّمّان، شيخه في هذا السند، وقد صرَّح بهذه القاعدة الحافظ الذهبيّ ﵀ في «الميزان»، ومن هو الذهبيّ؟، هو الذهب النضير، والناقد البصير، والمحقّق الخبير، ودونك نصّه: «ومتى قال:»عن«تطرّق إليه احتمال التدليس إلا في شيوخ أكثرَ عنهم؛ كإبراهيم، وأبي وائل، وأبي صالح السمّان، فإن روايته عن هذا المصنف محمولة على الاتصال». انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من الحجج أن هذا الحديث صحيح، لا غبار في صحّته، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى وليّ التوفيق. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٦٨٢٩ و٦٨٣٠] (٢٦٩٩)، و(أبو داود) في «الأدب» (٣٦٤٣ و٤٩٤٦)، و(الترمذيّ) في «الحدود» (١٤٢٥) و«البرّ والصلة» (١٩٣١) و«القراءات» (٢٩٤٦)، و(ابن ماجه) في «المقدّمة» (٢٢٥) و«الحدود» (٢٥٧٢)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٩/ ٨٥ - ٨٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٥٢ و٢٧٤ و٣٢٥ و٤٠٦ و٥٠٠ و٥١٤ و٥٢٢)، و(الدارميّ) في «سننه» (٣٥١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٣٤ و٥٠٤٥)، و(أبو نعيم) في «الحلية» (٨/ ١١٩)، و(القُضاعيّ) في «مسند الشهاب» (٤٥٨)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (١٢٧). والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن هذا الحديث حديث عظيم، جامع لأنواع من العلوم والقواعد، والآداب. ٢ - (ومنها): بيان فضل التنفيس عن المسلم، والحثّ عليه. ٣ - (ومنها): بيان فضل الستر على المسلم، وعدم كشف معايبه، وهذا مخصوص بمن كان مستقيمًا، وأما الفاسق المنتهك لحرمات الله ﷿ فلا يُستر عليه، بل يجب ردعه عن جرائمه بحسب ما يقتضيه الحال. ٤ - (ومنها): بيان فضل العلماء، والحثّ على العلم. ٤ - (ومنها): بيان فضل إنظار المعسر، والتخفيف عنه. ٥ - (ومنها): بيان فضل قيام العبد بعون أخيه المسلم، وقضاء حوائجه، ونَفْعه بما تيسّر، من علم، أو مال، أو معاونة، أو إشارة بمصلحة، أو نصيحة، أو غير ذلك. ٦ - (ومنها): فضل المشي في طلب العلم، والمراد به: العلم الشرعيّ، علم الكتاب والسُّنَّة، لا العلم المتعلّق بامور الدنيا، فإن النبيّ - ﷺ - لم يُبعث له، فقد أخرج مسلم عن أنس - ﵁ -؛ أن النبيّ - ﷺ - مَرّ بقوم يُلَقِّحون، فقال: «لو لم تفعلوا لصلح»، قال: فخرج شِيصًا، فمرّ بهم، فقال: «ما لنخلكم؟» قالوا: قلت كذا وكذا، قال: «أنتم أعلم بأمر دنياكم». ومما يتعيّن على طالب العلم أن يقصد به وجه تعالى، وهو وإن كان شرطًا في كل عبادة، لكن عادة العلماء يقيّدون هذه المسألة به؛ لكونه قد يَتساهل فيه بعض الناس، ويغفُل عنه بعض المبتدئين ونحوهم، قاله النوويّ ﵀ . ٧ - (ومنها): بيان استحباب الرحلة في طلب العلم، وقد ذهب موسى ﵇ في طلب الخضر ﵇ لذلك، فقال له: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]، ورحل جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أنيس - ﵃ - مسيرة شهر في حديث واحد، كما علّقه البخاريّ ﵀ في «صحيحه» في «باب الخروج في طلب العلم»، وأخرج قصة موسى والخضر ﵇ في ذلك الباب. قال القرطبيّ ﵀: الحديث فيه الحضّ والترغيب في الرحلة في طلب العلم، والاجتهاد في تحصيله، وقد ذكر أبو داود هذا الحديث من حديث أبي الدرداء، وزاد زيادات حسنة، فقال: عن أبي الدرداء - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سلك الله به طريقًا من طرق الجنة، وإن الملائكة لَتَضع أجنحتها رضًا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورّثوا دينارًا، ولا درهمًا، ورَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر». وهذا حديث عظيم يدلّ على أن طلب العلم أفضل الأعمال، وأنه لا يبلغ أحد رتبة العلماء، وإن رتبتهم ثانية عن رتبة الأنبياء. وقوله: «إن الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم»: قيل: معناه: تخضع له، وتعظّمه، وقيل: تبسطها له بالدعاء؛ لأنَّ جناح الطائر يده. وقوله: «وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض»؛ يعني بـ «من» هنا: من يعقل، وما لا يعقل، غير أنه غلب عليه من يعقل، بدليل أن هذا الكلام قد جاء في غير كتاب أبي داود، فقال: «حتى النملة في جُحرها، وحتى الحوت في جوف الماء»، وعلى هذا المعنى يدلّ - من حديث أبي داود هذا - عَطْف الحيتان بالواو على «من في السماوات، ومن في الأرض»، فإنَّه يفيد أن من يعقل، وما لا يعقل يستغفر للعالم، فأمَّا استغفار من يعقل فواضح، فإنَّه دعاء بالمغفرة، وأما استغفار ما لا يعقل، فهو - والله أعلم - أن الله يغفر له، ويأجره بعدد كل شيء لَحِقه أثرٌ من علم العالم. وبيان ذلك: أن العالم يبيّن حكم الله تعالى في السماوات وفي الأرض، وفي كل ما فيهما، وما بينهما، فيغفر له ذنبه، ويعظم له أجره بحسب ذلك. ويَحْتَمِل أن يكون ذلك على جهة الإغياء، والأوّل أَولى، والله تعالى أعلم. وقوله: «إن فضل العالم على العابد، كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب»: هذه المفاضلة لا تصحّ حتى يكون كل واحد منهما قائمًا بما وجب عليه من العلم والعمل، فإنَّ العابد لو ترك شيئًا من الواجبات، أو عَمِله على جهل لم يستحقّ اسم العابد، ولا تصحّ له عبادة، والعالم لو ترك شيئًا من الواجبات لكان مذمومًا، ولم يستحقّ اسم العالم، فإذًا محل التفضيل إنما هو في النوافل، فالعابد يستعمل أزمانه في النوافل من الصلاة، والصوم، والذكر، وغير ذلك، والعالم يستعمل أزمانه في طلب العلم، وحِفظه، وتقييده، وتعليمه، فهذا هو الذي شئهه بالبدر؛ لأنَّه قد كَمُل في نفسه، واستضاء به كل شيء في العالم، من حيث إن علمه تعدّى لغيره، وليس كذلك العابد، فإنَّ غايته أن ينتفع في نفسه، ولذلك شبَّهه بالكوكب الذي غايته أن يُظهر نفسه. وقوله: «وإن العلماء ورثة الأنبياء» إنما خصّ العلماء بالوراثة، وإن كان العبّاد أيضًا قد ورثوا العلم بما صاروا به عبّادًا؛ لأنَّ العلماء هم الذين نابوا عن النبيّ - ﷺ - في حَمْلهم العلم عنه، وتبليغهم إياه لأمته، وإرشادهم لهم، وهدايتهم. وبالجملة فالعلماء هم العالمون بمصالح الأمة بعده، الذابّون عن سُنَّته، الحافظون لشريعته، فهؤلاء الأحقّ بالوراثة، والأولى بالنيابة والخلافة، وأما العبّاد فلم يُطلق عليهم اسم الوراثة؛ لقصور نفعهم، وقلّة حظهم. وقوله: «إن الأنبياء لم يورّثوا دينارًا ولا درهمًا»؛ يعني: أنهم - صلوات الله عليهم - كان الغالب عليهم الزهد، فلا يتركون ما يورَث عنهم، ومن ترك منهم شيئًا، يصحّ أن يورَث عنه تصدّق به قبل موته، كما فعل نبينا - ﷺ - حين قال: «لا نورَث، ما تركنا صدقة»، متّفقٌ عليه. وقوله: «فمن أخذه أخذ بحظ وافر»؛ أي: بحظ عظيم، لا شيء أعظم منه، ولا أفضل، كما ذكرناه. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ ، وهو بحث نفيش، والله تعالى أعلم. ٨ - (ومنها): بيان فضل الاجتماع على تلاوة القرآن في المسجد، قال النوويّ ﵀: وهو مذهبنا، ومذهب الجمهور، وقال مالك: يكره، وتأوله بعض أصحابه، ويُلحق بالمسجد في تحصيل هذه الفضيلة: الاجتماع في مدرسة، ورِباط، ونحوهما - إن شاء الله تعالى -، ويدلّ عليه إطلاقه في رواية لمسلم عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدريّ - ﵄ - بلفظ: «لا يقعد قوم يذكرون الله ﷿ إلا حفتهم الملائكة. . .» الحديث، فإنه مطلق يتناول جميع المواضع، ويكون التقييد في الحديث الأول خرج مخرج الغالب، لا سيما في ذلك الزمان، فلا يكون له مفهوم يُعمل به، قاله النوويّ ﵀ . ٩ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: فيه ما يدلّ على جواز تعليم القرآن في المساجد، أما للكبار الذين يتحفّظون بالمسجد فلا إشكال فيه، ولا يُختلف فيه، وأما الصغار الذين لا يتحفّظون بالمساجد، فلا يجوز؛ لأنه تعريض للمسجد للقذر والعبث، وقد قال - ﷺ -: «جنّبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم» . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث ضعيف، فلا يصلح حجةً للمسألة، والله تعالى أعلم. قال: وقد تمسّك بهذا الحديث من يُجيز قراءة القرآن على لسان واحد، كما يُفعل عندنا بالمغرب، وقد كره بعض علمائنا ذلك، ورأوا أنها بدعة؛ إذ لم تكن كذلك قراءة السلف، وإنما الحديث محمول على أن كل واحد يدرس وأخرجه عبد الرزاق في «مصنّفه» ١٧٢٦١)، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٢/ ٢٦ وقال: رواه الطبرانيّ في «الكبير»، ومكحول لم يسمع من معاذ. انتهى. والحاصل أن الحديث ضعيف. لنفسه، أو مع من يُصلح عليه، وليستعين به. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: القول بالكراهة هو الصواب؛ لأن ذلك ليس من هدي السلف، بل هو مما أحدثه الناس في الأزمان المتأخّرة، والله تعالى المستعان. ١٠ - (ومنها): أن العبرة بالأعمال الصالحات، لا بالنسب الشريف، ولذا ترى أكثر العلماء من السلف والخلف لا أنساب لهم يتفاخرون بها، بل كثير منهم من الموالي، ومع ذلك هم سادات الأمة، وينابيع الحكمة، وذو النسب الشريف الذي لم يتّبع الهدى صار نِسْيًا منسيًّا، ولذا قال - ﷺ -: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين»، رواه مسلم، وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قام رسول الله - ﷺ - حين أنزل الله ﷿: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤]، قال: «يا معشر قريش اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا صفية عمة رسول الله - ﷺ - لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد - ﷺ - سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئًا»، متّفقٌ عليه. ولبعضهم شعرً [أمن البسيط]: مَا بَالُ نَفْسِكَ أَنْ تَرْضَى تُدَنِّسُهَا … وَثَوْبُ جِسْمِكَ مَغْسُولٌ مِنَ الدَّنِس تَرْجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا … إِنَّ السَّفِينَةَ لَا تَجْرِي عَلَى الْيَبَسِ وقال آخر [من الطويل]: عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي كُلِّ حَالَةٍ … وَلَا تَتْرُكِ التَّقْوَى اتِّكَالًا عَلَى النَّسَبْ فَقَدْ رَفَعَ الإِسْلَامُ سَلْمَانَ فَارِسٍ … وَقَدْ وَضَعَ الْكُفْرُ الشَّرِيفَ أَبَا لَهَبْ ولآخر [من الكامل]: إِنَّا وَإِنْ كَرُمَتْ أَوَائِلُنَا … لَسْنَا عَلَى الأَحْسَابِ نَتَّكِلُ نَبْنِي كَمَا كَانَتْ أَوَائِلُنَا … تَبْنِي وَنَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلُوا ولآخر: كُنِ ابْنَ مَنْ شِئْتَ وَاكْتَسِبْ أَدَبًا … يُغْنِيكَ مَحْمُودُهُ عَنِ النَّسَبِ إِنَّ الْفَتَى مَنْ يَقُولُ هَا أَنَا ذَا … لَيْسَ الْفَتَى مَنْ يَقُولُ كَانَ أَبِي والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد الحافظ ابن رجب ﵀ في شرح هذا الحديث، وأفاد، فأحببت إيراده هنا، وإن كان مطوّلًا؛ تكميلًا للفوائد، ونشرًا للعوائد؛ لأن كتابي هذا موضوع للتوسّع في جمع الفوائد العلميّة؛ تقريبًا لها إلى محبي السُّنَّة، فأذكرها في مسائل مكمّلة لِمَا سبق من المسائل، فأقول: (المسألة الرابعة): قال ﵀ بعد أن ساق المتن: هذا الحديث خرّجه مسلم من رواية الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، واعتَرَض عليه غير واحد من الحفاظ في تخريجه، منهم الفضل الهرويّ، والدارقطنيّ، فإن أسباط بن محمد رواه عن الأعمش، قال: حدّثنا عن أبي صالح، فتبيَّن أن الأعمش لم يسمعه من أبي صالح، ولم يذكر من حدثه عنه، ورجّح الترمذيّ وغيره هذه الرواية. قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت لك الردّ على هذا الاعتراض، وأن الصواب مع مسلم، وأن الحديث صحيح، دون شكّ، وذلك في التنبيه الذي بعد المسألة الأولى، فارجع إليه تستفد علمًا، وبالله التوفيق. قال: وزاد بعض أصحاب الأعمش في متن الحديث: «ومن أقال لله مسلمًا أقال الله عَثْرته يوم القيامة». وخرّجاه في «الصحيحين» من حديث ابن عمر - ﵄ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يُسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم فرَّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة» . وخرّج الطبراني من حديث كعب بن عُجرة، عن النبيّ - ﷺ - قال: «من نفّس عن مؤمن كربة نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر على مؤمن عورته ستر الله عورته، ومن فرّج عن مؤمن كربة فرَّج الله عنه كربته» . وخرّج الإمام أحمد من حديث مسلمة بن مُخَلَّد، عن النبيّ - ﷺ - قال: «من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن نَجَّى مكروبًا فكّ الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته» . انتهى. (المسألة الخامسة): قوله - ﷺ -: «من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة». هذا يرجع إلى أن الجزاء من جنس العمل، وقد تكاثرت النصوص بهذا المعنى، كقوله - ﷺ -: «إنما يرحم الله من عباده الرحماء» ، وقوله: «إن الله يعذّب الذين يعذّبون الناس في الدنيا» . و«الكربة»: هي الشدة العظيمة التي توقع صاحبها في الكَرْب، وتنفيسها أن يُخفَّف عنه منها، مأخوذ من تنفّس الخِناق، كأنه يرخي له الخناق، حتى يأخذ نَفَسًا، والتفريج أعظم من ذلك، وهو أن يزيل عنه الكربة، فتفرج عنه كربته، ويزول همّه وغمّه، فجزاء التنفيس التنفيس، وجزاء التفريج التفريج، كما في حديث ابن عمر، وقد جُمع بينهما في حديث كعب بن عُجرة. وخرّج الترمذيّ من حديث أبي سعيد الخدريّ مرفوعًا: «أيما مؤمن أطعم مؤمنًا على جوع أطعمه الله يوم القيامة من ثمار الجنة، وأيما مؤمن سقَى مؤمنًا على ظمأ سقاه الله يوم القيامة من الرحيق المختوم، وأيما مؤمن كسا مؤمنًا على عُرْيٍ كساه الله من خُضْر الجنة»، وخرّجه الإمام أحمد بالشكّ في رَفْعه، وقيل: إن الصحيح وَقْفه. وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن ابن مسعود قال: «يُحشر الناس يوم القيامة أعرى ما كانوا قط، وأجوع ما كانوا قط، وأظمأ ما كانوا قط، وأنصب ما كانوا قط، فمن كسا لله كساه الله، ومن أطعم لله أطعمه الله، ومن سقَى لله سقاه الله، ومن عفى لله أعفاه الله». وخرّج البيهقيّ من حديث أنس مرفوعًا: «أن رجلًا من أهل الجنة يُشرف يوم القيامة على أهل النار، فيناديه رجل من أهل النار: يا فلان، هل تعرفني؟ فيقول: لا والله، ما أعرفك، من أنت؟ فيقول: أنا الذي مررتَ بي في دار الدنيا، فاستسقيتني شَرْبة من ماء، فسقيتك، قال: قد عرفت، قال: فاشفع لي بها عند ربك، قال: فيسأل الله تعالى، فيقول: شَفِّعني فيه، فيأمر به، فيخرجه من النار» . وقوله: «كربة من كرب يوم القيامة» ولم يقل: من كرب الدنيا والآخرة، كما قيل في التيسير والستر، وقد قيل في مناسبة ذلك: إن الكُرَب هي الشدائد العظيمة، وليس كل أحد يحصل له ذلك في الدنيا، بخلاف الإعسار والعورات المحتاجة إلى السَّتر، فإن أحدًا لا يكاد يخلو من ذلك، ولو بتعسّر الحاجات المهمة، وقيل: لأن كُرَب الدنيا بالنسبة إلى كُرَب الآخرة كلا شيء، فلذا ادّخر الله جزاء تنفيس الكرب عنده؛ لينفّس به كرب الآخرة، ويدلّ على ذلك قول النبيّ - ﷺ -: «يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيُسمعهم الداعي، وَيَنفُدهم البصر، وتدنو الشمس منهم، فيبلغ الناس من الكَرْب والغم ما لا يطيقون، ولا يحتملون، فيقول الناس بعضهم لبعض: ألا ترون ما بلغكم، ألا تنظرون من يشفع لكم عند ربكم. . .» وذكر حديث الشفاعة، خرّجاه بمعناه، من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وخرّجاه من حديث عائشة - ﵂ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «تُحشرون حُفاة عُراة غُرْلًا، قالت: فقلت: يا رسول الله الرجال والنساء ينظر بعضهم بعضًا؟ فقال: الأمر أشدّ من أن يُهِمَّهم ذلك». وخرّجاه من حديث ابن عمر، عن النبيّ - ﷺ - في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين: ٦]، قال: «يقوم أحدهم في الرَّشْح إلى أنصاف أذنيه». وخرّجاه من حديث أبي هريرة عن النبيّ - ﷺ - قال: «يَعْرَق الناس يوم القيامة، حتى يذهب عَرَقهم في الأرض سبعين ذراعًا، ويُلْجمهم حتى يبلغ آذانهم»، ولفظه للبخاريّ، ولفظ مسلم: «إن العرق ليذهب في الأرض سبعين ذراعًا، وإنه ليبلغ إلى أفواه الناس، أو إلى آذانهم». وخرّج مسلم من حديث المقداد عن النبيّ - ﷺ - قال: «تدنو الشمس من العباد، حتى تكون قدر ميل، أو ميلين، فتَصْهَرهم الشمس، فيكونون في العرق قَدْر أعمالهم، فمنهم من يأخذه إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه إلى حِقْويه، ومنهم من يُلجمه إلجامًا». وقال ابن مسعود: الأرض كلها يوم القيامة نار، والجنة من ورائها، ترى أكوابها، وكواعبها، فيعرق الرجل حتى يرشح عرقه في الأرض قدر قامة، ثم يرتفع حتى يبلغ أنفه، وما مسَّه الحساب، قال: فمم ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: مما يرى الناس ما يُصنع بهم. وقال أبو موسى: الشمس فوق رؤوس الناس يوم القيامة، فأعمالهم تظلهم، أو تُضحيهم . وفي «المسند» من حديث عقبة بن عامر، مرفوعًا: «كل امرئ في ظل صدقته، حتى يُفصل بين الناس . (المسألة السادسة): قوله - ﷺ -:«ومن يسَّر على مُعْسِر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة»: وهذا أيضًا يدلّ على أن الإعسار قد يحصل في الآخرة، وقد وَصَف الله يوم القيامة بأنه عسير، وأنه على الكافرين غير يسير، فدلّ على أنه يسير على غيرهم، وقال: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦]، والتيسير على المعسر في الدنيا من جهة المال يكون بأحد أمرين: إما بإنظاره إلى الميسرة، وذلك واجب، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وتارةً بالوضع عنه إن كان غريمًا، وإلا فبإعطائه ما يزول به إعساره، وكلاهما له فضل عظيم. وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبيّ - ﷺ - قال: «كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى معسرًا قال لصبيانه: تجاوزوا عنه، لعل الله أن يتجاوز عنّا، فتجاوز الله عنه». وفيهما عن حذيفة، وأبي مسعود الأنصاريّ، سمعا النبيّ - ﷺ - يقول: «مات رجل، فقيل له: بمَ غفر الله لك؟ فقال: كنت أبايع الناس، فأتجاوز عن الموسر، وأخفف عن المعسر». وفي رواية: قال: «كنت أُنظر المعسر، وأتجوّز في السكة - أو قال: في النقد - فغُفر له». وخرّجه مسلم من حديث أبي مسعود، عن النبيّ - ﷺ -، وفي حديثه: «قال الله: نحن أحقّ بذلك منه، تجاوزوا عنه». وخرّج أيضًا من حديث أبي قتادة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «من سرّه أن ينجيه الله من كُرَب يوم القيامة، فلينفّس عن معسر، أو يضع عنه». وخرّج أيضًا من حديث أبي الْيَسَر - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «من أنظر معسرًا، أو وضع عنه، أظله الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه». وفي «المسند» عن ابن عمر - ﵄ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «من أراد أن تستجاب دعوته، أو تُكشف كربته، فليفرج عن معسر» . (المسألة السابعة): قوله - ﷺ -: «ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة»: هذا مما تكاثرت النصوص بمعناه، وخرّج ابن ماجه من حديث ابن عباس - ﵄ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه المسلم، كشف الله عورته، حتى يَفضحه بها في بيته» . وخرّج الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر - ﵁ -، سمع النبيّ - ﷺ - يقول: «من ستر على المؤمن عورته، ستره الله ﷿ يوم القيامة» . وقد رُوي عن بعض السلف أنه قال: أدركت قومًا لم يكن لهم عيوب، فذكروا عيوب الناس، فذكر الناس لهم عيوبًا، وأدركت قومًا كانت لهم عيوب، فكَفُّوا عن عيوب الناس، فنُسيت عيوبهم، أو كما قال. وشاهِدُ هذا الحديث: حديث أبي برزة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -؛ أنه قال: «يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان في قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم، تتبَّع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه في بيته» ، خرّجه الإمام أحمد، وأبو داود، وخرّج الترمذيّ معناه من حديث ابن عمر - ﵄ -. (واعلم): أن الناس على ضربين: أحدهما: من كان مستورًا لا يُعرف بشيء من المعاصي، فإذا وقعت منه هفوة، أو زلة، فإنه لا يجوز هتكها، ولا كشفها، ولا التحدث بها؛ لأن ذلك غِيبة محرّمة، وهذا هو الذي وردت فيه النصوص، وفي ذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: ١٩]، والمراد: إشاعة الفاحشة على المؤمن فيما وقع منه، واتُّهِم به، وهو بريء منه، كما في قضية الإفك. قال بعض الوزراء الصالحين لبعض من يأمر بالمعروف: اجتهد أن تستر العصاة، فإن ظهور معاصيهم عيب في أهل الإسلام، وأَولى الأمور سَتر العيوب، ومثل هذا لو جاء تائبًا نادمًا، وأقرّ بحدّ، ولم يُفَسِّره لم يُستفسَر، بل يؤمر بأن يرجع، ويستر نفسه، كما أمر النبيّ - ﷺ - ماعزًا، والغامدية، وكما لم يستفسر الذي قال: أصبت حدًّا، فأقمه عليّ، ومثل هذا لو أُخذ بجريمته، ولم يبلغ الإمام، فإنه يُشفع له، لا يبلغ الإمام، وفي مثله جاء في الحديث عن النبيّ - ﷺ -: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم»، خرّجه أبو داود، والنسائيّ، من حديث عائشة - ﵂ - . والثاني: من كان مشتهرًا بالمعاصي، مُعلنًا بها، ولا يبالي بما ارتكب منها، ولا بما قيل له، هذا هو الفاجر المعلن، وليس له غِيبة، كما نصّ على ذلك الحسن البصريّ وغيره، ومثل هذا لا بأس بالبحث عن أمره، لتقام عليه الحدود، وصرَّح بذلك بعض أصحابنا - يعني: الحنبليّة - واستَدَلّ بقول النبيّ - ﷺ -: «واغْدُ يا أُنيسُ على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» . ومثل هذا لا يُشفع له إذا أُخذ، ولو لم يبلغ السلطان، بل يُترك حتى يقام عليه الحدّ« لينكَفّ شرّه، وَيَرتدع به أمثاله، قال مالك: من لم يُعرف منه أذى للناس، وإنما كانت منه زلّة، فلا بأس أن يُشفع له ما لم يبلغ الإمام، وأما من عُرف بشرّ، أو فساد، فلا أُحِبّ أن يَشفع له أحد، ولكن يُترك حتى يقام عليه الحدّ، حكاه ابن المنذر وغيره. وكَرِه الإمام أحمد رَفْع الفسّاق إلى السلطان بكل حال، وإنما كرهه؛ لأنهم غالبًا لا يقيمون الحدود على وجهها، ولهذا قال: إن علمتَ أنه يقيم عليه الحدّ فارفعه، ثم ذكر أنهم ضربوا رجلًا، فمات؛ يعني: أنه لم يكن قَتْله جائزًا. ولو تاب أحدٌ من الضرب الأول كان الأفضل له أن يتوب فيما بينه وبين الله تعالى، ويستر على نفسه، وأما الضرب الثاني فقيل: إنه كذلك، وقيل: بل الأَولى له أن يأتي الإمام، ويقرّ على نفسه بما يوجب الحدّ حتى يطهّره. قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأَولى عدم الاعتراف؛ لأنه - ﷺ - أشار على ماعز بالتراجع، فدلّ على أن الأَولى عدمه، بل يُحسن التوبة فيما بينه وبين الله تعالى، والله تعالى أعلم. (المسألة الثامنة): قوله: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»، وفي حديث ابن عمر - ﵄ -: «ومن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته»، وخرّج الطبرانيّ من حديث عمر - ﵁ - مرفوعًا: «أفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمن: كسوت عورته، أو أشبعت جوعته، أو قضيت له حاجته» . وبَعَث الحسن البصريّ قومًا من أصحابه في قضاء حاجة لرجل، وقال لهم: مُرّوا بثابت البنانيّ، فخذوه معكم، فأتَوْا ثابتًا، فقال: أنا معتكف، فرجعوا إلى الحسن، فأخبروه، فقال: قولوا: يا أعمش أما تعلم أن مشيك في حاجة أخيك المسلم خير لك من حجة بعد حجة؟، فرجعوا إلى ثابت، فترك اعتكافه، وذهب معهم. وخرّج الإمام أحمد من حديث ابنة لخباب بن الأرتّ، قالت: خرج خباب في سرية، فكان النبيّ - ﷺ - يتعاهدنا، حتى يحلُب عنزة لنا في جفنة لنا، فتمتلئ حتى تفيض، فلما قَدِم خباب حلبها، فعاد حلابها إلى ما كان. وكان أبو بكر الصديق - ﵁ - يحلُب للحيّ أغنامهم، فلما استُخلف قالت جارية منهم: الآن لا يحلبها، فقال أبو بكر: بل وإني لأرجو أن لا يغيّرني ما دخلت فيه عن شيء كنت أفعله، أو كما قال. وإنما كانوا يقومون بالحِلاب؛ لأن العرب كانت لا تحلب النساء منهم، وكانوا يستقبحون ذلك، وكان الرجال إذا غابوا احتاج النساء إلى من يحلب لهنّ. وقد رُوي عن النبيّ - ﷺ - أنه قال لقوم: «لا تسقوني حَلْب امرأة» . وكان عمر يتعاهد الأرامل، يستقي لهنّ الماء بالليل، ورآه طلحة بالليل يدخل بيت امرأة، فدخل إليها طلحة نهارًا، فماذا هي عجوز عمياء مقعدة، فسألها: ما يصنع هذا الرجل عندك؟ قالت: هذا مذ كذا وكذا يتعاهدني، ياتيني بما يصلحني، ويُخرج عني الأذى، فقال طلحة: ثكلتك أمك يا طلحة، أعورات عمر تتبع؟ وكان أبو وائل يطوف على نساء الحيّ وعجائزهنّ كل يوم، فيشتري لهنّ حوائجهنّ، وما يصلحهن. وقال مجاهد: صحبت ابن عمر في السفر لأخدمه، فكان يخدمني. وكان كثير من الصالحين يشترط على أصحابه أن يخدمهم في السفر، وصحب رجل قومًا في الجهاد، فاشترط عليهم أن يخدمهم، وكان إذا أراد أحد منهم أن يغسل رأسه أو ثوبه، قال: هذا من شَرْطي، فيفعله، فمات، فجرَّدوه للغُسل، فرأوا على يده مكتوبًا: من أهل الجنة، فنظروا، فإذا هي كتابة بين الجلد واللحم. وفي «الصحيحين» عن أنس قال: كنا مع النبيّ - ﷺ - في السفر، فمنا الصائم، ومنا المفطر، قال: فنزلنا منزلًا في يوم حارّ، أكثرُنا ظلًّا صاحب الكساء، ومنا من يتقي الشمس بيده. قال: فسقط الصُّوّام، وقام المفطرون، وضربوا الأبنية، وسَقَوا الركاب، فقال رسول الله - ﷺ -: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر». ويروى عن رجل من أسلم أن النبيّ - ﷺ - أُتي بطعام في بعض أسفاره، فأكل منه، وأكل أصحابه، وقبض الأسلميّ يده، فقال له رسول الله - ﷺ -: «ما لك؟» فقال: إني صائم، قال: «فما حملك على ذلك؟»، قال: كان معي ابناي يرحّلان لي، ويخدماني، فقال: «ما زال لهم الفضل عليك بعدُ». وفي مراسيل أبي داود عن أبي قلابة؛ أن ناسًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - قَدِموا يُثنون على صاحب لهم خيرًا، قالوا: ما رأينا مثل فلان قط، ما كان في مسير إلا وكان في قراءة، ولا نزلنا منزلًا إلا كان في صلاة، قال: «فمن كان يكفيه ضيعته - حتى ذَكَر - من كان يَعلف جمله، أو دابته؟» قالوا: نحن، قال: «فكلكم خير منه». (المسألة التاسعة): قوله - ﷺ -: «ومن سلك طريقًا، يلتمس فيه علمًا، سهل الله له طريقًا إلى الجنة». وقد رَوَى هذا المعنى أيضًا أبو الدرداء - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -. وسلوكُ الطريق لالتماس العلم يَدخل فيه سلوك الطريق الحقيقيّ، وهو المشي بالأقدام إلى مجالس العلماء، ويدخل فيه سلوك الطرق المعنوية المؤدية إلى حصول العلم، مثل حِفظه، ومدارسته، ومذاكرته، ومطالعته، وكتابته، والتفهم له، ونحو ذلك، من الطرق المعنوية التي يُتوصل بها إلى العلم. وقوله: «سهَّل الله له طريقًا إلى الجنة»: قد يراد بذلك: أن الله يسهّل له العلم الذي طلبه، وسَلَك طريقه، وييسره عليه، فإن العلم طريق يوصل إلى الجنة، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر: ١٧]، وقال بعض السلف: هل من طالب علم، فيعان عليه؟ وقد يراد أيضًا: أن الله ييسر لطالب العلم إذا قصد بطلبه وجه الله تعالى الانتفاع به، والعمل بمقتضاه، فيكون سببًا لهدايته، ولدخول الجنة بذلك، وقد يُيسّر الله لطالب العلم علومًا أخرى ينتفع بها، وتكون موصلة إلى الجنة، كما قيل: من عَمِل بما عَلِم أورثه الله علم ما لم يعلم، وكما قيل: إن من ثواب الحسنة الحسنةَ بعدها، وقد دلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦،]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمد: ١٧]، وقد يدخل في ذلك أيضًا تسهيل طريق الجنة الحسنى يوم القيامة، وهو الصراط، وما قبله، وما بعده من الأهوال، فييسر ذلك على طالب العلم؛ للانتفاع به، فان العلم يدلّ على الله من أقرب الطرُق إليه، فمن سلك طريقه، ولم يُعَرِّج عنه، وصل إلى الله تعالى، وإلى الجنة من أقرب الطرق، وأسهلها، فسَهُلَت عليه الطرق الموصلة إلى الجنة كلها في الدنيا والآخرة، فلا طريق إلى معرفة الله، وإلى الوصول إلى رضوانه، والفوز بقربه، ومجاورته في الآخرة، إلا بالعلم النافع، الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، فهو الدليل عليه، وبه يُهتدَى في ظلمات الجهل، والشُّبَه، والشكوك، ولهذا سَمَّى الله كتابه نورًا يُهتَدى به في الظلمات، وقال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥، ١٦]. ومَثَّل النبيّ - ﷺ - حملة العلم الذي جاء به بالنجوم التي يُهتدَى بها في الظلمات، ففي «المسند» عن أنس - ﵁ - عن النبيّ - ﷺ - قال: «إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء، يُهتدَى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضلّ الهداة» . وما دام العلم باقيًا في الأرض، فالناس في هُدًى، وبقاء العلم ببقاء حَمَلَته، فإذا ذهب حملته، ومن يقوم به، وقع الناس في الضلال، كما في «الصحيحين» عن عبد اللَّه بن عمرو -﵄-، عن النبيّ -ﷺ-: «إن اللَّه لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء، فإذا لم يَبق عالمٌ اتخذ الناس رؤساء جهالًا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا، وأضلوا». وذكر النبيّ -ﷺ- يومًا رَفْع العلم، فقيل له: كيف يذهب العلم، وقد قرأنا القرآن، وأقرأناه نساءنا، وأبناءنا؟ فقال النبيّ -ﷺ-: «هذه التوراة، والإنجيل، عند اليهود والنصارى، فماذا تغني عنهم؟»، فسئل عبادة بن الصامت عن هذا الحديث، فقال: لو شئت لأخبرتك بأول علم يُرفع من الناس: الخشوع، وإنما قال عبادة هذا؛ لأن العلم قسمان: أحدهما: ما كان ثمرته في قلب الإنسان، وهو العلم باللَّه تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، المقتضية لخشيته، ومهابته، وإجلاله، والخضوع له، ومحبته، ورجائه، ودعائه، والتوكل عليه، ونحو ذلك، فهذا هو العلم النافع، كما قال ابن مسعود -﵁-: إن أقوامًا يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب، فَرَسَخ فيه نفع. وقال الحسن: العلم علمان: علم على اللسان، فذاك حجة اللَّه على ابن آدم، كما في الحديث: «القرآن حجة لك، أو عليك»، وعِلم في القلب، فذاك العلم النافع. والقسم الثاني: العلم الذي على اللسان، وهو حجة لك، أو عليك، فأول ما يُرفع من العلم: العلم النافع، وهو الباطن الذي يخالط القلوب، ويُصلحها، ويبقَى عِلم اللسان حجة، فيتهاون الناس به، ولا يعملون بمقتضاه، لا حَمَلَته، ولا غيرهم، ثم يذهب هذا العلم بذهاب حملته، فلا يبقَى إلا القرآن في المصاحف، وليس ثَمّ من يعلم معانيه، ولا حدوده، ولا أحكامه، ثم يُسرَى به في آخر الزمان، فلا يبقَى في المصاحف، ولا في القلوب منه شيء بالكلية، وبعد ذلك تقوم الساعة، كما قال -ﷺ-: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس»، وقال: «لا تقوم الساعة، وفي الأرض أحد يقول: اللَّه اللَّه». (المسألة العاشرة): قوله -ﷺ-: «ما جلس قوم في بيت من بيوت اللَّه، يتلون كتاب اللَّه، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم اللَّه فيمن عنده». هذا يدلّ على استحباب الجلوس في المساجد؛ لتلاوة القرآن، ومدارسته، وهذا إن حُمل على تعلم القرآن، وتعليمه، فلا خلاف في استحبابه، وفي «صحيح البخاريّ» عن عثمان -﵁- عن النبيّ -ﷺ- قال: «خيركم من تعلم القرآن، وعلّمه»، وقال أبو عبد الرحمن السُّلَميّ: فذلك الذي أقعدني في مقعدي هذا، وكان قد عَلَّم القرآن في زمن عثمان بن عفان، حتى بلغ الحجاج بن يوسف. وإن حُمل على ما هو أعمّ من ذلك دخل فيه الاجتماع في المسجد على دراسة القرآن مطلقًا، وقد كان النبيّ -ﷺ- أحيانًا يامر من يقرأ القرآن؛ ليسمع قراءته، كما كان ابن مسعود -﵁- يقرأ عليه، وقال: «إني أحب أن أسمعه من غيري»، متّفقٌ عليه. وكان عمر -﵁- يأمر من يقرأ عليه، وعلى أصحابه، وهم يستمعون، فتارةً يأمر أبا موسى، وتارة يأمر عقبة بن عامر. وسئل ابن عباس -﵄-: أيُّ العمل أفضل؟ قال: ذِكر اللَّه، وما جلس قوم في بيت من بيوت اللَّه يتعاطون فيه كتاب اللَّه فيما بينهم، ويتدارسونه، إلا أظلّتهم الملائكة باجنحتها، وكانوا أضياف اللَّه ما داموا على ذلك، حتى يخوضوا في حديث غيره. ورُوي مرفوعًا، والموقوف أصحّ. ورَوَى يزيد الرّقَاشيّ عن أنس قال: كانوا إذا صَلَّوا الغداة قعدوا حِلَقًا حِلَقًا، يقرؤون القرآن، ويتعلمون الفرائض والسنن، ويذكرون اللَّه تعالى. ورَوَى عطية، عن أبي سعيد الخدريّ، عن النبيّ -ﷺ- قال: «ما من قوم صَلَّوا صلاة الغداة، ثم قعدوا في مصلاهم، يتعاطون كتاب اللَّه، ويتدارسونه، إلا وُكِّل بهم ملائكة، يستغفرون لهم، حتى يخوضوا في حديث غيره». وهذا يدلّ على استحباب الاجتماع بعد صلاة الغداة لمدارسة القرآن، ولكن عطية فيه ضَعف. وقد رَوَى حرب الكرماني بإسناده عن الأوزاعيّ أنه سئل عن الدراسة بعد صلاة الصبح، فقال: أخبرني حسان بن عطية، أن أول من أحدثها في مسجد دمشق: هشام بن إسماعيل المخزوميّ في خلافة عبد الملك بن مروان، فأخذ الناس بذلك، وبإسناده عن سعيد بن عبد العزيز، وإبراهيم بن سليمان: أنهما كانا يدرّسان القرآن بعد صلاة الصبح ببيروت، والأوزاعيّ في المسجد، لا يغيّر عليهم، وذكر حرب أنه رأى أهل دمشق، وأهل حمص، وأهل مكة، وأهل البصرة، يجتمعون على القرآن بعد صلاة الصبح، ولكن أهل الشام يقرؤون القرآن كلهم جملة من سورة واحدة بأصوات عالية، وأهل البصرة، وأهل مكة يجتمعون، فيقرأ أحدهم عشر آيات، والناس ينصتون، ثم يقرأ آخر عشر آيات، حتى يفرغوا، قال حرب: وكل ذلك حسن جميل. وقد أنكر مالك على أهل الشام، وقال زيد بن عبيد الدمشقيّ: قال لي مالك بن أنس: بلغني أنكم تجلسون حِلَقًا تقرؤون، فأخبرته بما كان يفعل أصحابنا، فقال مالك: عندنا كان المهاجرون والأنصار ما نعرف هذا، قال: فقلت: هذا طريف، قال: وطريف رجل يقرأ، ويجتمع الناس حوله، فقال: هذا من غير رأينا، قال أبو مصعب، وإسحاق بن محمد الَرْويّ: سمعنا مالك بن أنس يقول: الاجتماع بكرة بعد صلاة الصبح لقراءة القرآن بدعة، ما كان أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، ولا العلماء بعدهم على هذا، كانوا إذا صلوا يخلو كل بنفسه، ويمرأ، ويذكر اللَّه تعالى، ثم ينصرفون من غير أن يكلّم بعضهم بعضًا؛ اشتغالًا بذكر اللَّه، فهذه كلها مُحْدَثة. وقال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: لم تكن القراءة في المسجد من أمْر الناس القديم، وأول من أحدث في المسجد: الحَجَّاج بن يوسف، قال مالك: وأنا أكره ذلك الذي يُقرأ في المسجد في المصحف، وقد روى هذا كله أبو بكر النيسابوريّ في كتاب مناقب مالك -﵀-. واستَدَلّ الأكثرون على استحباب الاجتماع لمدارسة القرآن في الجملة بالأحاديث الدالة على استحباب الاجتماع للذكر، والقرآنُ أفضل أنواع الذكر، ففي «الصحيحين» عن أبي هريرة -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- قال: «إن للَّه ملائكة يطوفون في الطرُق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون اللَّه تعالى، تنادوا: هَلُمُّوا إلى حاجتكم، فيحفّونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، فيسألهم ربهم، وهو أعلم بهم: ما يقول عبادي؟ قال: يقولون: يسبّحونك، ويكبّرونك، ويحمدونك، ويمجدونك. . . .» الحديث، وقد تقدّم قريبًا. وفي «صحيح مسلم» عن معاوية -﵁-؛ أن رسول اللَّه -ﷺ- خرج على حلقة من أصحابه، فقال: «ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر اللَّه ونحمده لِمَا هدانا للإسلام، ومنّ علينا به، فقال: آللَّه ما أجلسكم إلا ذلك؟ قالوا: آللَّه ما أجلسنا إلا ذلك. . .» الحديث. وخرّج الحاكم من حديث معاوية قال: كنت مع النبيّ -ﷺ- يومًا، فدخل المسجد، فإذا هو بقوم في المسجد قعود، فقال النبيّ -ﷺ-: «ما أقعدكم؟» فقالوا: صلينا الصلاة المكتوبة، ثم قعدنا نتذاكر كتاب اللَّه ﷿، وسُنَّة نبيّه -ﷺ -، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: «إن اللَّه إذا ذَكَر شيئًا تعاظَمَ ذِكره». وفي المعنى أحاديث أُخَرُ متعددة، وقد أخبر -ﷺ- أن جزاء الذين يجلسون في بيت اللَّه يتدارسون كتاب اللَّه أربعة أشياء: أحدها: تنزل السكينة عليهم، وفي «الصحيحين» عن البراء بن عازب قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف، وعنده فرس، فتغشته سحابة، فجعلت تدور، وتدنو، وجعل فرسه ينفر منها، فلما أصبح أتى النبيّ -ﷺ-، فذكر ذلك له، فقال: «تلك السكينة، تنزل للقرآن»، وفيهما أيضًا عن أبي سعيد، أن أُسيد بن حُضير بينما هو ليلة يقرأ في مِرْبده، إذ جالت فرسه، فقرأ، ثم جالت أخرى، فقرأ، ثم جالت أيضًا، قال أسيد: فخشيت أن تطأ يحيى -يعني: ابنه- قال: فقمت إليها، فإذا مثل الظُّلّة فوق رأسي، فيها أمثال السرُج، عَرَجت في الجوّ حتى ما أراها، فغدا على النبيّ -ﷺ-، فذكر ذلك له، فقال: «تلك الملائكة كانت تسمع لك، ولو قرأت لأصبحت يراها الناس، ما تستتر منهم». واللفظ لمسلم فيهما. ورَوَى ابن المبارك عن يحيى بن أيوب، عن عبيد اللَّه بن زَحْر، عن سعد بن مسعود؛ أن رسول اللَّه -ﷺ- كان في مجلس، فرفع بصره إلى السماء، ثم طأطأ بصره، ثم رفعه، فسئل رسول اللَّه -ﷺ- عن ذلك، فقال: «إن هؤلاء القوم كانوا يذكرون اللَّه تعالى -يعني: أهل مجلسٍ أَمامَهُ- فنزلت عليهم السكينة، تحملها الملائكة كالقبّة، فلما دنت منهم تكلم رجل منهم بباطل، فرُفعت عنهم»، وهذا مرسل. والثاني: غَشَيان الرحمة، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]. وخرّج الحاكم من حديث سلمان؛ أنه كان في عصابة، يذكرون اللَّه تعالى، فمَرّ بهم رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: «ما كنتم تقولون؟ فإني رأيت الرحمة تنزل عليكم، فأردت أن أشارككم فيها». وخرّج البزار من حديث أنس -﵁- عن النبيّ -ﷺ- قال: «إن للَّه سيّارة من الملائكة، يطلبون حِلَق الذكر، فإذا أتوا إليهم حَفّوا بهم، ثم بَعَثُوا رائدهم إلى السماء، إلى رب العزة تعالى، فيقولون: ربنا أتينا على عباد من عبادك يعظمون آلاءك، ويتلون كتابك، ويصلّون على نبيّك، ويسألونك لآخرتهم ودنياهم، فيقول اللَّه تعالى: غَشُّوهم برحمتي، فيقولون: ربنا إن فيهم فلانًا الخطّاء، إنما اعتنقهم اعتناقًا، فيقول تعالى: غَشُّوهم برحمتي، فهم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم» . والثالث: أن الملائكة تحُفّ بهم، وهذا مذكور في الأحاديث التي ذكرناها، وفي حديث أبي هريرة المتقدم: «فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا»، وفي رواية الإمام أحمد: «علا بعضهم على بعض، حتى يبلغوا العرش». وقال خالد بن معدان، يرفع الحديث: «إن ملائكة في الهواء يسيحون بين السماء والأرض، يلتمسون الذكر، فإذا سمعوا قومًا يذكرون اللَّه تعالى، قالوا: رُويدًا -زادكم اللَّه- فينشرون أجنحتهم حولهم، حتى يصعد كل منهم إلى العرش». خرَّجه الخلال في «كتاب السُّنَّة». والرابع: أن اللَّه يذكرهم فيمن عنده، وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «يقول اللَّه: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم». وهذه الخصال الأربع لكل مجتمعِين على ذكر اللَّه تعالى، كما في «صحيح مسلم» عن أبي هريرة، وأبي سعيد، كلاهما عن النبيّ -ﷺ- قال: «إن لأهل ذكر اللَّه تعالى أربعًا: تنزل عليهم السكينة، وتغشاهم الرحمة، وتَحُفّ بهم الملائكة، ويذكرهم الرب فيمن عنده» . وقد قال اللَّه تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]. وذِكر اللَّه لعبده هو ثناؤه عليه في الملأ الأعلى بين ملائكته، ومباهاته به، وتنويهه بذكره. قال الربيع بن أنس: إن اللَّه ذاكر مَن ذكره، وزائد مَن شكره، ومعذب مَن كَفَره، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣]، وصلاة اللَّه على عبد هي ثناؤه عليه بين ملائكته، وتنويهه بذكره، كذا قال أبو العالية، ذكره البخاريّ في «صحيحه». وقال رجل لأبي أُمامة: رأيت في المنام كأن الملائكة تصلي عليك، كلما دخلت، وكلما خرجت، وكلما قمت، وكلما جلست، فقال أبو أمامة: وأنتم لو شئتم صلّت عليكم الملائكة، ثم قرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾، خرّجه الحاكم. (المسألة الحادية عشرة): قوله -ﷺ-: «ومن أبطأ به عمله لم يُسرع به نسبه» معناه: أن العمل هو الذي يبلغ بالعبد درجات الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢]، فمن أبطأ به عمله أن يبلغ به المنازل العالية عند اللَّه تعالى، لم يسرع به نسبه، فيبلغه تلك الدرجات، فإن اللَّه تعالى رتَّب الجزاء على الأعمال، لا على الأنساب، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ [المؤمنون: ١٠١]، وقد أمر اللَّه تعالى بالمسارعة إلى مغفرته ورحمته بالأعمال، كما قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١]. قال ابن مسعود: يأمر اللَّه بالصراط، فيُضرَب على جهنم، فيمرّ الناس على قَدْر أعمالهم زمرًا زمرًا، أوائلهم كلمح البرق، ثم كمرّ الريح، ثم كمرّ الطير، ثم كمرّ البهائم، حتى يمرّ الرجل سعيًا، وحتى يمرّ الرجل مشيًا، حتى يمرّ آخرهم يتلبّط على بطنه، فيقول: يا رب لِمَ أبطأت بي؟ فيقول: إني لم أُبطئ بك، إنما أبطأ بك عملك . وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- حين أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤]: «يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من اللَّه، لا أغني عنكم من اللَّه شيئًا، يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من اللَّه شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من اللَّه شيئًا، يا صفية عمة النبيّ -ﷺ- لا أغني عنك من اللَّه شيئًا، يا فاطمة بنت محمد -ﷺ- سليني ما شئت لا أغني عنك من اللَّه شيئًا». وفي رواية خارج «الصحيحين»: «إن أوليائي منكم المتقون، تأتي الناس بالأعمال، وتأتوني بالدنيا، تحملونها على رقابكم، تقولون: يا محمد، يا محمد، فأقول: قد بلَّغت». وخرّج ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- قال «إن أوليائي المتقون يوم القيامة، وإن كان نَسَب أقرب من نسب، يأتي الناس بالأعمال، وتأتوني بالدنيا، تحملونها على رقابكم، تقولون: يا محمد، يا محمد، فأقول: هكذا، وهكذا»، فأعرض في كِلا عِطفيه. وخرّج البزار من حديث رفاعة بن رافع؛ أن النبيّ -ﷺ- قال لعمر: «اجمع لي قومك -يعني: قريشًا- فجمعهم، فقال: إن أوليائي منكم المتقون، فإن كنتم أولئك فذاك، وإلا فانظروا، يأتي الناس بالأعمال يوم القيامة، وتأتوني بالأثقال، فيُعْرَض عنكم»، وخرّجه الحاكم مختصرًا، وصححه. وفي «المسند» عن معاذ بن جبل -﵁-؛ أن النبيّ -ﷺ- لمّا بعثه إلى اليمن، خرج معه يوصيه، ثم التفت، وأقبل بوجهه إلى المدينة، فقال: «إن أَولى الناس بي المتقون، مَن كانوا، حيث كانوا»، وخرّجه الطبرانيّ، وزاد فيه: «إن أهل بيتي هؤلاء يرون أنهم أَولى الناس بي، وليس كذلك، إن أوليائي منكم المتقون، من كانوا، وحيث كانوا» . ويشهد لهذا كله ما في «الصحيحين» عن عمرو بن العاص -﵄-؛ أنه سمع النبيّ -ﷺ- يقول: «إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء، وإنما وليي اللَّه، وصالحو المؤمنين»، يشير إلى أن ولايته لا تُنال بالنسب، وإن قَرُب، وإنما تنال بالإيمان، والعمل الصالح، فمن كان أكمل إيمانًا وعملًا، فهو أعظم ولاية له، سواء كان له نسب قريب، أو لم يكن. وفي هذا المعنى يقول بعضهم: لَعَمْرُكَ مَا الإِنْسَانُ إِلا بِدِينِهِ … فَلَا تَتْرُكِ التَّقْوَى اتِّكَالًا عَلَى النَّسَبْ لَقَدْ رَفَعَ الإِسْلَامُ سَلْمَانَ فَارِسٍ … وَقَدْ وَضَعَ الشِّرْكُ النَّسِيبَ أَبَا لَهَبْ انتهى ما كتبه الحافظ ابن رجب -﵀- في شرح هذا الحديث بطوله، وهو بحث ممتع مفيد جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٨٣٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَاهُ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي أُسَامَةَ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ التَّيْسِيرِ عَلَى الْمُعْسِرِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَيُّ) هو: نصر بن عليّ بن نصر بن عليّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ طُلب للقضاء فامتنع [١٠] (ت ٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣٠. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. وقوله: (قَالَا: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) ضمير التثنية لعبد اللَّه بن نمير، وأبي أسامة، فكلاهما رويا هذا الحديث عن الأعمش بسنده المذكور. [تنبيه]: أما رواية عبد اللَّه بن نُمير عن الأعمش، فقد ساقها البيهقيّ -﵀- في «الزهد الكبير»، فقال: (٧٦٤) - أخبرنا أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا الحسن بن عفان، ثنا عبد اللَّه بن نمير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «من نفّس عن أخيه كربة من كرب الدنيا، نفّس اللَّه عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر على مسلم، ستر اللَّه عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر على مسلم، يسَّر اللَّه عليه في الدنيا والآخرة، واللَّه في عون العبد ما كان في عون أخيه، ومن سلك طريقًا يبتغي به علمًا، سهَّل اللَّه له به طريقًا إلى الجنة، وما جلس قوم في مسجد من مساجد اللَّه، يتلون فيه كتاب اللَّه، ويتدارسونه بينهم، إلا حفّت بهم الملائكة، ونزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم اللَّه فيمن عنده، ومن أبطأ به عمله، لم يُسرع به نسبه». انتهى . وأما رواية أبي أسامة عن الأعمش، فقد ساقها الترمذيّ -﵀- في«جامعه»، فقال: (٢٩٤٥) - حدثنا محمود بن غيلان، حدّثنا أبو أسامة، حدّثنا الأعمش،
مصادر المؤلف (٤٨)

١. وفي نسخة: «من مؤمن».

٢. وفي نسخة: «ييسّر الله عليه».

٣. «الكاشف عن حقائق السنن»٢/ ٦٦٥.

٤. «مرقاة المفاتيح»١/ ٤١٤.

٥. «الكاشف عن حقائق السنن»٢/ ٦٦٥.

٦. «مرقاة المفاتيح» ١/ ٤١٤.

٧. راجع: «المرعاة» ١/ ٣٠٨.

٨. «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٦٦٥.

٩. «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٦٦٥.

١٠. «شرح النوويّ» ١٧/ ٢١.

١١. «المفهم» ٦/ ٦٨٧ - ٦٨٨.

١٢. «جامع العلوم والحكم» ٢/ ٣٠٧.

١٣. «المفهم» ٦/ ٦٨٨.

١٤. «شرح مسلم» ١٧/ ٢٢ - ٢٣.

١٥. «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٦٦٥.

١٦. «تهذيب التهذيب» ١/ ١٨٥.

١٧. تأمل هذه العبارة، فإنها من أرفع التوثيق، فإن أبا عاصم النبيل إمام حجة، ومع ذلك فضّل الإمام أحمد أبا أسامة عليه، فتبصّر.

١٨. «تهذيب التهذيب» ٣/ ٣ - ٤.

١٩. «ميزان الاعتدال» ٢/ ٢٢٤.

٢٠. «شرح النوويّ» ١٧/ ٢١.

٢١. «المفهم» ٦/ ٦٨٥ - ٦٨٧.

٢٢. «شرح مسلم» ١٧/ ٢١ - ٢٢.

٢٣. هذا أخرجه المصنّف برقم (٧٥٠) من حديث واثلة بن الأسقع - ﵁ -؛ أن النبي - ﷺ - قال: «جَنِّبوا مساجدكم صبيانكم، ومجانينكم، وشراءكم، وبيعكم، وخصوماتكم، ورَفْع أصواتكم، وإقامة حدودكم، وسَلَّ سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجَمِّروها في الجُمَع»، وهو ضعيف؛ لأن في سنده الحارث بن نبهان، متروك، وشيخه ضعيف.

٢٤. «المفهم» ٦/ ٦٨٧.

٢٥. «مرقاة المفاتيح» ١/ ٤١٤ - ٤١٦.

٢٦. متّفقٌ عليه.

٢٧. في سنده ليث بن أبي سُليم: ضعيف، وشعيب الأنماطيّ: مجهول، كما قال الهيثميّ في«المجمع »٨/ ١٩٣.

٢٨. رواه أحمد ٤/ ١٠٤، وفي سنده: عنعنة ابن جريج.

٢٩. متفق عليه.

٣٠. رواه مسلم.

٣١. رواه أبو يعلى (٣٤٩٠) وفي سنده علي بن أبي سارة: متروك، راجع: «المجمع» ١٠/ ٣٨٢.

٣٢. أي: تظهرهم، وتبرزهم.

٣٣. رواه أحمد ٤/ ١٤٧ - ١٤٨، وصححه ابن حبّان برقم (٣٣١٠).

٣٤. وفي سنده زيد العمّيّ، على ضَعفه لم يسمع من ابن عمر - ﵄ -.

٣٥. في سنده مقال، كما قال البوصيريّ، إلا أنه صحيح بشواهد.

٣٦. رواه أحمد ٤/ ١٥٩، وفي سنده انقطاع، كما قال الهيثميّ في «المجمع» ١/ ١٣٤، لكنه يصحّ بشواهد.

٣٧. صحيح بشواهده.

٣٨. صححه ابن حبّان.

٣٩. متّفقٌ عليه.

٤٠. ضعّفه الهيثميّ في «المجمع» بأن في سنده ضعيفين: محمد بن بشير الكنديّ، وكثير النوّاء، وحسّنه بعضهم. .

٤١. منكر.

٤٢. في سنده: رشدين بن سعد: ضعيف.

٤٣. في إسناده ضعف، لكن الهيثميّ حسّنه في «المجمع» ١٠/ ١٨ ونصّه: رواه البزار من طريق زائدة بن أبي الرقاد، عن زياد النميريّ، وكلاهما وُثّق على ضعفه، فعاد هذا إسناده حسن. انتهى.

٤٤. هو بهذا اللفظ رواه ابن أبي الدنيا، كما في «الدرّ المنثور» ١/ ٣٦٣، قاله بعض المحققين، وأما لفظ مسلم، كما الحديث المذكور بعد هذا الحديث في هذا الباب: «لا يقعد قوم يذكرون اللَّه إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم اللَّه فيمن عنده».

٤٥. حسنٌ مرفوعًا وموقوفًا.

٤٦. رواه البزار، والطبرانيّ، والبخاريّ في «الأدب المفرد»، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبيّ.

٤٧. رواه أحمد، والطبرانيّ، وصححه ابن حبّان.

٤٨. «كتاب الزهد الكبير» ٢/ ٢٩١ - ٢٩٢.