HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٧١٩

حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ أنه كان يدعو بهذا الدعاء «اللهم! اغفر لي خطيئتي وجهلي. وإسرافي في أمري. وما أنت أعلم به مني. اللهم! اغفر لي جدي وهزلي. وخطئي وعمدي. وكل ذلك عندي. اللَّهُمَّ! اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ. وما أسررت وما أعلنت. وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي. أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وأنت المؤخر. وأنت على كل شيء قدير».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص80
ج ٤ ص ٢٠٨٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٢ ص٣٤١
«عمل اليوم والليلة» (٥١٥)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٩٢٣٦)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٠/ ٣٦٠)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١/ ٤٤٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٧٠١)، و(الحاكم) في «المستدرك» (١/ ٦١٥)، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٨٧٧] (٢٧١٩) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي اِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-؛ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي، وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي، وَهَزْلِي، وَخَطَئِي، وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت، وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْت، وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أبُو بُرْدَةَ بْن أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيُّ) قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث الكوفيّ، تقدّم قبل خمسة أبواب. ٢ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن قيس الأشعريّ الصحابيّ الشهير -﵁-، تقدّم قبل أربعة أبواب. والباقون ذُكروا في الباب الماضي، و«أبو إسحاق» هو: عمرو بن عبد اللَّه السَّبِيعيّ. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، والثاني بالكوفيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وأن صحابيّه من مشاهير أفاضل الصحابة -﵃-. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) عبد اللَّه بن قيس بن سُليم الأشعريّ -﵁- (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-؛ أَنَّهُ) -ﷺ- (كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ) قال الحافظ -﵀-: لم أر في شيء من طرقه محلّ الدعاء بذلك، وقد وقع معظم آخره في حديث ابن عباس -﵄-؛ أنه -ﷺ- كان يقوله في صلاة الليل، ووقع أيضًا في حديث عليّ -﵁- عند مسلم؛ أنه كان يقوله في آخر الصلاة، واختَلفت الرواية هل كان يقوله قبل السلام، أو بعده؟ ففي رواية لمسلم: «ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والسلام: اللَّهُمَّ اغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت»، وفي رواية له، ولأحمد، وأبي داود، والترمذيّ: «وإذا سلَّم قال: اللَّهُمَّ اغفر لي ما قدّمت. . .» إلى آخره. ويُجمع بينهما بحمل الرواية الثانية على إرادة السلام؛ لأن مخرج الطريقين واحد، وأورده ابن حبان في «صحيحه» بلفظ: «كان إذا فرغ من الصلاة، وسلَّم»، وهذا ظاهر في أنه بعد السلام، ويَحْتَمِل أنه كان يقول ذلك قبل السلام وبعده، وقد وقع في حديث ابن عباس -﵄- نحو ذلك. انتهى كلام الحافظ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي حَمْله على أنه -ﷺ- كان يقوله قبل السلام، وبعد السلام، أو يكون على اختلاف الأوقات أقرب، وأحوط، واللَّه تعالى أعلم. («اللَّهمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي)؛ أي: سيئتي، أو ذنبي، قال في»الفتح«: الخطئية: الذنب، يقال: خَطِئَ يَخْطَأُ، ويجوز تسهيل الهمزة، فيقال: خطيّة بتشديد الياء. انتهى . (وَجَهْلِي)؛ أي: ما صدر مني من أجل جهلي، والجهلُ ضدّ العلم، وقال القاري:»وجهلي«؛ أي: فيما يجب عليّ عِلمه، وعمله، وقيل: أي: ما لم أعلمه، (وَإِسْرَافِي) الإسراف: الإفراط في كل شيء، ومجاوزة الحدّ فيه؛ أي: تجاوزي عن حدّي، وقوله: (فِي أَمْرِي)؛ أي: في أموري كلها، قال الكرمانيّ -﵀-: يَحْتَمِل أن يتعلق بالإسراف فقط، ويَحْتَمِل أن يتعلق بجميع ما ذُكر على سبيل التنازع بين العوامل . (وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي)؛ أي: تعلمه، ولا أعلمه، من المعاصي، والسيئات، والتقصيرات في الطاعة، وقيل: أي: مما علمته، وما لم أعلمه، وهو تعميم بعد تخصيص، وتتميم لِمَا يُستغفر منه . (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي) بكسر الجيم، وهو الاجتهاد في الأمر، والتحقيق، وضدّ الهزل، (وَهَزْلِي) بفتح الهاء، وسكون الزاي، وهو المزاح؛ أي: ما وقع مني في الحالين، أو هو التكلم بالسخرية، والبطلان، والهذيان . (وَخَطَئِي، وَعَمْدِي) قال في «الصحاح»: الْخَطَأُ: نقيض الصواب، وقد يُمَدّ، والْخِطْأ -أي: بكسر، فسكون-: الذنب ، وقال في «القاموس»: الْخَطْءُ، والْخَطَأ، والْخَطَاءُ: ضدّ الصواب، والخطيئة: الذنب، أو ما تُعُمِّد منه، كالْخِطْء بالكسر، والخطأ ما لم يتعمد. انتهى . وقوله: «خطئي» كذا عند مسلم، ووقع عند أكثر رواة البخاريّ بلفظ: «خطاياي». قال الحافظ -﵀-: وقع في رواية الكشميهنيّ: «خطئي»، وكذا أخرجه البخاريّ في «الأدب المفرد» بالسند الذي في «الصحيح»، وهو مناسب لذكر العَمْد، ولكن جمهور الرواة على الأول، و«الخطايا» جمع خطيئة، وعَطْف العمد عليها من عَطْف الخاصّ على العامّ، فإن الخطيئة أعمّ من أن تكون عن خطأ، أو عمد، أو هو من عَطْف أحد العامّين على الآخر؛ يعني: أنه اعتبر المغايرة بينهما باختلاف الوصفين . وقال في «العمدة»: قوله: «وعمدي»: العمد ضدّ السهو، والجهل ضدّ العلم، والهزل ضدّ الجدّ، وعَطْف العمد على الخطأ، إما من عَطْف الخاص على العام، باعتبار أن الخطيئة أعمّ من التعمد، أو من عطف أحد المتقابِلَين على الآخر، بأن يحمل الخطيئة على ما وقع على سبيل الخطأ. (وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي)؛ أي: موجود، أو ممكن؛ أي: أنا متصف بهذه الأمور، فاغفرها لي، قاله تواضعًا، أو أراد: ما وقع سهوًا، أو ما قبل النبوة، أو محضُ مجرَّد تعليم لأمته . (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ) قبل هذا الوقت، من التقدمة، وهي وضع الشيء قدامًا، وهي جهة القدام الذي هو الأمام في الاتجاه؛ أي: قبالة الوجه، قاله الحرانيّ. (وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ)؛ أي: أخفيت، (وَمَا أَعْلَنْتُ)؛ أي: أظهرت، أو ما حدّثت به نفسي، وما تحرك به لساني، قاله تواضعًا، وإجلالًا للَّه تعالى، أو تعليمًا لأمته، وتَعقب في «الفتح» الأخير بأنه لو كان للتعليم فقط كفى فيه أمْرهم، بأن يقولوا، فالأَولى أنه للمجموع، (وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي)؛ أي: ما علِمته ولم أعلمه، (أَنْتَ الْمُقَدِّمُ)؛ أي: بعض العباد إليك بتوفيق الطاعة، أو أنت المقدم لنا بالبعث في الآخرة، وهو إشارة إلى حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «نحق الآخرون السابقون يوم القيامة. . .» الحديث، متّفقٌ عليه. (وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ)؛ أي: بخذلان بعضهم عن التوفيق، فتؤخره عنك، أو أنت المؤخر لنا بالبعث في الدنيا، أو أنت الرافع، والخافض، أو المعزّ، والمذلّ. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «أنت المقدم وأنت المؤخر»؛ أي: المقدّم لمن شئت بالتوبة، والولاية، والطاعة، والمؤخر لمن شئت بضدّ ذلك، والأَوْلى أنه تعالى مقدِّم كل مُقَدَّم في الدنيا والآخرة، ومؤخِّر كل مُؤَخَّر في الدنيا والآخرة، وهذان الاسمان من أسماء اللَّه تعالى المزدوجة، كالأول والآخر، والمبدئ والمعيد، والقابض والباسط، والخافض والرافع، والضارّ والنافع، فهذه الأسماء لا تقال إلا مزدوجة، كما جاءت في الكتاب والسُّنَّة، هكذا قال بعض العلماء، ولم يُجز أن يقال: يا خافض حتى يضم إليه: يا رافع. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: «لا تقال إلا مزدوجة» في إطلاقه نظر لا يخفى، فتأمله بالإمعان، وباللَّه تعالى التوفيق. وقوله: (وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ») جملة مؤكّدة لمعنى ما قبلها، و«على كل شيء»متعلق بـ«قدير»؛ أي: أنت الفعّال لكل ما تشاء، ولذا لم يوصَف به غير الباري، ومعنى قدرته على الممكن الموجود حال وجوده: أنه إن شاء أبقاه، وإن شاء أعدمه، ومعنى قدرته على المعدوم حين عدمه: أنه إن شاء إيجاده أوجده، وإلا فلا، وفيه أن مقدور العبد مقدور للَّه تعالى حقيقةً؛ لأنه شيء، واللَّه على كل شيء قدير، واللَّه تعالى أعلم. مسائل تتعلَّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٦٨٧٧ و٦٨٧٨] (٢٧١٩)، و(البخاريّ) في «الدعوات» (٦٣٩٨ و٦٣٩٩) وفي «الأدب المفرد» (٦٨٨ و٦٨٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٤١٧)، و(ابن أبي شيبة في «مصنّفه» (٦/ ٥٠)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٩٥٤ و٩٥٧)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٦/ ٣٣٢)، و(الرويانيّ) في «مسنده» (١/ ٣٣٦)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (١٣٧١)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب الدعاء بهذا الدعاء الجامع المستوعب لحوائج الدنيا والآخرة. ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من المداومة على الاستغفار، والدعاء، مع أن اللَّه ﷿ قد غفر له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخّر؛ إظهارًا للعبوديّة، وتواضعًا، ومن باب: «أفلا أكون عبدًا شكورًا». ٣ - (ومنها): أنه ينبغي للأمة أن تقتدي بالنبيّ -ﷺ- في كثرة الاستغفار والتوبة؛ لأنه إذا كان هو محتاجًا إليه مع شَرَف منزلته عند اللَّه تعالى، فغيره أحقّ به وأَولى. ٤ - (ومنها): ما قاله في «الفتح»: قال الطبريّ بعد أن استشكل صدور هذا الدعاء من النبيّ -ﷺ- مع قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] ما حاصله: أنه -ﷺ- امتثل ما أمره اللَّه به من تسبيحه، وسؤاله المغفرة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ الآية، قال: وزعم قوم أن استغفاره عما يقع بطريق السهو، والغفلة، أو بطريق الاجتهاد، مما لا يصادف ما في نفس الأمر. وتُعُقِّب بأنه لو كان كذلك للزم منه أن الأنبياء ﵈ يؤاخذون بمثل ذلك، فيكونون أشدّ حالًا من أممهم. وأجيب بالتزامه، قال المحاسبيّ: الملائكة والأنبياء أشدّ للَّه خوفًا ممن دونهم، وخوفهم خوف إجلال وإعظام، واستغفارهم من التقصير، لا من الذنب المحقّق. وقال عياض: يَحْتَمِل أن يكون قوله: «اغفر لي خطيئتي»، وقوله: «اغفر لي ما قدّمت، وما أخرت» على سبيل التواضع، والاستكانة، والخضوع، والشكر لربه؛ لِمَا عَلِم أنه قد غُفر له، وقيل: هو محمول على ما صدر من غفلة، أو سهو، وقيل: على ما مضى قبل النبوة. وقال قوم: وقوع الصغيرة جائز منهم، فيكون الاستغفار من ذلك، وقيل: هو مثل ما قال بعضهم في آية الفتح: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ [الفتح: ٢]؛ أي: من ذنب أبيك آدم، وما تأخر؛ أي: من ذنوب أمتك. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قد تقدَّم القول في عصمة الأنبياء ﵈ من الذنوب، وفي معنى ذنوبهم غير مرة، ونزيد هنا نكتتين: إحداهما: أنّا وإن قلنا: إن الذنوب تقع منهم، غير أنهم يتوقعون وقوعها، وأن ذلك ممكن، وكانوا يتخوفون من وقوع الممكن المتوقع، ويُقَدِّرونه واقعًا، فيتعوذون منه، وعلى هذا فيكون قوله: «وكل ذلك عندي»؛ أي: ممكن الوقوع عندي، ودليل صحة ذلك أنهم مكلّفون باجتناب المعاصي كلّها، كما كُلِّفه غيرهم، فلولا صحّة إمكان الوقوع لَمَا صحّ التكليف. والثانية: أن هذه التعويذات، وهذه الدعوات، والتضرّعات قيام بحقّ وظيفة العبودية، واعتراف بحقّ الربوبية؛ ليقتدي بهم مذنبو أممهم، ويسلكوا مناهج سُبُلهم، فتُستجاب دعوتهم، وتُقبل توبتهم، واللَّه تعالى أعلم، وقد أطنب الناس في ذلك، وما ذكرناه خلاصته. انتهى كلام القرطبي -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: مسألة وقوع الخطأ من الأنبياء ﵈ قد حقّقه شيخ الإسلام -﵀- في «مجموع الفتاوى»، حيث قال ما نصّه: والقول الذي عليه جمهور الناس، وهو الموافق للآثار المنقولة عن السلف إثبات العصمة من الإقرار على الذنوب مطلقًا، والردّ على من يقول: إنه يجوز إقرارهم عليها، وحُجج القائلين بالعصمة إذا حُرِّرت إنما تدلّ على هذا القول، وحُجج النفاة لا تدلّ على وقوع ذنب أُقرّ عليه الأنبياء ﵈، فإن القائلين بالعصمة احتجوا بأن التأسي بهم مشروع، وذلك لا يجوز إلا مع تجويز كون الأفعال ذنوبًا، ومعلوم أن التأسي بهم إنما هو مشروع فيما أُقرّوا عليه، دون ما نُهوا عنه، ورجعوا عنه، كما أن الأمر والنهي إنما تجب طاعتهم فيما لم يُنسخ منه، فأما ما نُسخ من الأمر والنهي فلا يجوز جعله مأمورًا به، ولا منهيًّا عنه، فضلًا عن وجوب اتباعه، والطاعة فيه. وكذلك ما احتجوا به من أن الذنوب تنافي الكمال، أو أنها ممن عَظُمت عليه النعمة أقبح، أو أنها توجب التنفير، أو نحو ذلك من الحجج العقلية، فهذا إنما يكون مع البقاء على ذلك، وعدم الرجوع، وإلا فالتوبة النصوح التي يقبلها اللَّه يُرفَع بها صاحبها إلى أعظم مما كان عليه، كما قال بعض السلف: كان داود؛ بعد التوبة خيرًا منه قبل الخطيئة، وقال آخر: لو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه لَمَا ابتَلَى بالذنب أكرم الخلق عليه. انتهى كلام شيخ الإسلام -﵀- باختصار ، وهو تحقيق نفيس. وخلاصة القول في هذا: أن الأنبياء ﵈ معصومون من الكبائر مطلقًا، وأما الصغائر فما يوجب الخسّة، وينفّر الناس عنهم؛ كسرقة لقمة، وتطفيف الكيل بحبة، أو نحو ذلك، فلا يقع منهم أصلًا، وأما ما ليس كذلك فقد يقع منهم، إلا أنهم لا يُقَرّون عليه، بل يأتيهم الوحي بالتنبيه، والتقويم، فهذا هو المذهب الصحيح؛ لوضوح حجته، واستنار محجّته، فتأمله بالإمعان، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تكميل]: نقل الكرمانيّ تبعًا لمغلطاي عن القرافيّ أن قول القائل في دعائه: اللَّهُمَّ اغفر لجميع المسلمين دعاء بالمحال؛ لأن صاحب الكبيرة قد يدخل النار، ودخول النار ينافي الغفران. وتُعُقّب بالمنع، وأن المنافي للغفران الخلود في النار، وأما الإخراج بالشفاعة، أو العفو فهو غفران في الجملة. وتُعقب أيضًا بالمعارضة بقول نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨]، وقول إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم: ٤١]، وبأن النبيّ -ﷺ- أُمر بذلك في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]. والتحقيق أن السؤال بلفظ التعميم لا يستلزم طلب ذلك لكل فرد فرد بطريق التعيين، قال الحافظ: فلعل مراد القرافيّ مَنْع ما يُشعر بذلك، لا منع أصل الدعاء بذلك، ذكره في «الفتح» ، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٨٧٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ فِي هَذَا الإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ الْمِسْمَعِيُّ) أبو محمد الصنعانيّ، ثم البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٠) ويقال: قبلها (خ م س ق) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٧. [تنبيه]: قوله: «الْمِسْمَعيّ» بكسر الميم، وسكون السين المهملة، وفتح الميم، بعدها عين مهملة: نسبة إلى محلّة بالبصرة، نزلها الْمِسمَعون، فنُسبت إليهم، قاله في «تهذيب الأنساب» . والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: رواية عبد الملك بن الصبّاح عن شعبة هذه ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه» بسند المصنّف، فقال:
مصادر المؤلف (١٥)

١. «الفتح»١٤/ ٤٤٠،«كتاب الدعوات»رقم (٦٣٩٨).

٢. «الفتح»١٤/ ٤٤٠.

٣. «شرح البخاريّ» للكرمانيّ ٢٢/ ١٧٩.

٤. «مرعاة المفاتيح» ٨/ ٥٣٣.

٥. «مرعاة المفاتيح» ٨/ ٥٣٣.

٦. «صحاح الجوهريّ» ص ٣٠٢.

٧. «القاموس المحيط» ص ٣٧٨.

٨. «الفتح» ١٤/ ٤٤٠، و«مرعاة المفاتيح» ٨/ ٥٣٣.

٩. «فيض القدير شرح الجامع الصغير»للمناويّ ٢/ ١٥٤.

١٠. «المفهم» ٧/ ٤٨.

١١. «الفتح» ١٤/ ٤٤٠.

١٢. «المفهم» ٧/ ٤٧ - ٤٨.

١٣. «مجموع الفتاوى» ١٠/ ٢٩٣ - ٢٩٤.

١٤. «الفتح» ١٤/ ٤٤٠.

١٥. «اللباب في تهذيب الأنساب» ٣/ ٢١٢.