واستعاذ -ﷺ- من جميع سخطه؛ لأنه -﷿- إذا سَخِط على العبد فقد هلك، وخاب وخسر، ولو كان السخط في أدنى شيء، وبأيسر سبب، واللَّه تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا من أفراد المصتف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٦٩١٩] (٢٧٣٩)، و(البخاريّ) في «الأدب المفرد» (٦٨٥)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١٥٤٥)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٤/ ٤٦٣)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٤/ ٥٣) وفي «الدعاء» (١/ ٣٩٨)، و(ابن عساكر) في «تاريخ دمشق» (٣٨/ ١٣)، واللَّه تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوَّلَ الكتاب قال:
[٦٩٢٠] (٢٧٤٠) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، وَمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً هِيَ أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورِ) بن شعبة، أبو عثمان الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ مصنِّف، وكان لا يرجع عما في كتابه؛ لشدّة وثوقه به [١٠] (ت ٢٢٧) وقيل: بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٦١/ ٣٣٨.
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب، و«أبو عثمان النهديّ» هو: عبد الرحمن بن ملّ بن عمرو.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنف -﵀-، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أسامة بن زيد الصحابيّ ابن الصحابيّ، حِبّ رسول اللَّه -ﷺ-، وابن حبّه -﵄-.
شرح الحديث:
(عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ) -﵁-، زاد في الرواية التالية من طريق معتمر بن
سليمان عن أبيه مع أسامة: سعيد بن زيد أحد العشرة المبشّرين بالجنّة -﵃-، وقد قال الترمذيّ: لا نعلم أحدًا قال فيه: عن سعيد بن زيد غير معتمر بن سليمان. انتهى (قَالَ) أسامة: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «مَا) نافية، (تَرَكْتُ) وفي رواية:»ما أدع«؛ أي: أترك، وعبّر بالماضي لتحقّق وقوعه، (بَعْدِي)؛ أي: بعد موتي، وإنما قال: بعدي؛ لأن كونهن فتنة صار بعده أظهر، وأشهر، وأضرّ، فهو عَلَم من أعلام النبوّة حيث أخبر -ﷺ- عن غيب وقد وقع، واللَّه تعالى أعلم.
(فِتْنَةً)؛ أي: امتحانًا وابتلاء، (هِيَ أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ») لأن الطباع كثيرًا تميل إليهنّ، وتقع في الحرام لأجلهنّ، وتسعى للقتال والعداوة بسببهنّ، وأقل ذلك أن ترغّبه في الدنيا ليتهالك فيها، وأيّ فساد أضرّ من هذا، وحبّ الدنيا رأس كل خطيئة، مع ما هنالك من مظنة الميل بالعشق، وغير ذلك من فتن، وبلايا، ومِحَن.
قيل: أرسل بعض الخلفاء إلى الفقهاء بجوائز، فقبلوها، وردّها الفضيل، فقالت له امرأته: تردّ عشرة آلاف، وما عندنا قوت يومنا؟ فقال: مَثَلي ومَثَلكم كقوم لهم بقرة يحرثون عليها، فلما هَرَمت ذبحوها، وكذا أنتم أردتم ذبحي على كِبَر سني، موتوا جوعًا قبل أن تذبحوا فضيلًا.
وكان سعيد بن المسيِّب يقول -وقد أتت عليه ثمانون سنة-: ما شيء أخوف عندي عليّ من النساء.
وقيل: إن إبليس لمّا خُلقت المرأة قال: أنتِ نصف جندي، وأنت موضع سري، وأنت سهمي الذي أرمي بك، فلا أخطئ أبدًا .
وقال الطيبيّ -﵀-: قوله: «فتنة أضرّ»، وذلك لأن المرأة إذا لم يكن يمنعها الصلاح الذي من جبلّتها كانت عين المفسدة، فلا تأمر زوجها إلا بشرّ، ولا تحثّه إلا على فساد، وقد قدّمها اللَّه تعالى في آية ذكر الشهوات: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ على سائر الأنواع، وجعلها نفس الشهوات، حيث بيّن الشهوات بقوله: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾، ثم عقّبها بغيرها: ﴿وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ الآية [آل عمران: ١٤]