HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٧٤٤

حدثنا عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لِعُثْمَانَ - (قَالَ إِسْحَاق: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ عثمان: حدثنا) جَرِيرٌ عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ الحارث بن سويد، قال: دخلت على عبد الله أعوده وهو مريض. فحدثنا بحديثين: حديثا عن نفسه وحديثا عن رسول الله ﷺ. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول «لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دوية مهلكة. معه راحلته. عليها طعامه وشرابه. فنام فاستيقظ وقد ذهبت. فطلبها حتى أدركه العطش. ثم قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه. فأنام حتى أموت. فوضع رأسه على ساعده ليموت. فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده طعامه وشرابه. فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص92
ج ٤ ص ٢١٠٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر جامع الترمذي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٢ ص٥٥٦
[تنبيه]: رواية همّام بن منَبِّه عن أبي هريرة -﵁- هذه ساقها همّام بن منبّه -﵀- في «صحيفته»، فقال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة -﵁- عن محمد رسول اللَّه -ﷺ-، فذكر أحاديث، منها: وقال رسول اللَّه -ﷺ-: «أيَفْرَح أحدكم براحلته، إذا ضلّت منه، ثم وجدها؟» قالوا: نعم يا رسول اللَّه، قال: «والذي نفس محمد بيده لَلَّه أشدّ فرحًا بتوبة عبده إذا تاب، من أحدكم براحلته إذا وجدها». انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: تقدّم للمصنّف -﵀- أن أخرج رواية همّام هذه بهذا السند، لكن بسياق مخالف لِما هنا، ونصّه: [١/ ٦٧٨٣] (٢٦٧٥) - حدّثنا محمد بن رافع، حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر، عن هَمّام بن مُنَبِّه، قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة، عن رسول اللَّه -ﷺ-، فذكر أحاديث، منها: وقال رسول اللَّه -ﷺ-: «إن اللَّه قال: إذا تلقاني عبدي بشبر تلقيته بذراع، وإذا تلقاني بذراع تلقيته بباع، وإذا تلقاني بباع جئته أتيته بأسرع». انتهى. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٣٠] (٢٧٤٤) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ -وَاللَّفْظُ لِعُثْمَانَ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ أَعُودُهُ، وَهُوَ مَرِيضٌ، فَحَدَّثنَا بِحَدِيثَيْنِ: حَدِيثًا عَنْ نَفْسِهِ، وَحَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ رَجُلٍ فِي أَرْضٍ دَوِّيَّةٍ، مَهْلَكَةٍ، مَعَهُ رَاحِلَتُهُ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَنَامَ، فَاسْتَيْقَظَ، وَقَدْ ذَهَبَتْ، فَطَلَبَهَا حَتَّى أَدْرَكَهُ الْعَطَشُ، ثُمَّ قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ، فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ، فَاسْتَيْقَظَ، وَعِنْدَهُ رَاحِلَتُهُ، وَعَلَيْهَا زَادُهُ وَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَاللَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب. ٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قريبًا. ٤ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (عُمَارَةُ بْنُ عُمَيْرٍ) التيميّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] مات بعد المائة، وقيل: قبلها بسنتين (ع) تقدم في«الصلاة»٢٩/ ٩٧٧. ٦ - (الْحَارِثُ بْنُ سُويدٍ) التيميّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٢] مات بعد سنة سبعين (ع) تقدم في«الأشربة» ٦/ ٥١٦١. ٧ - (عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود الصحابيّ الشهير -﵁-، تقدّم قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير إسحاق، فمروزيّ، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن عمارة، عن الحارث، وفيه عبد اللَّه مهملًا، وقد تقدّم أنه إذا وقع عبد اللَّه من الصحابة في السند مهملًا يُنظر إلى السند، فإن كان كوفيًّا، كما هنا فهو ابن مسعود إلى آخر القاعدة، وقد ذكرها السيوطيّ -﵀- في «ألفية الأثر» حيث قال: وَحَيْثُمَا أُطْلِقَ «عَبْدُ اللَّه» فِي … طَيْبَةَ فَابْنُ عُمَرٍ وَإِنْ يَفِ بِمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيْرِ أَوْ جَرَى … بَكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُرَى وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعِنْدَ مِصْرِ … وَالشَّامِ مَهْمَا أُطْلِقَ ابْنُ عَمْرِ شرح الحديث: (عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ) وفي الرواية التالية عن إسحاق بن منصور، حدّثنا أبو أسامة: «حدّثنا الأعمش، حدّثنا عُمارة بن عُمير، قال: سمعت الحارث بن سُويد، حدّثني عبد اللَّه حديثين. . .»، فوقع التصريح بالتحديث والسماع في جميعهم. قال في «الفتح»: قوله: «عن عمارة بن عمير» فذكر البخاريّ تصريح الأعمش بالتحديث، وتصريح شيخه عمارة في رواية أبي أسامة المعلّقة بعد هذا، وعمارة تيميّ من بني تيم اللات بن ثعلبة، كوفيّ من طبقة الأعمش، وشيخه الحارث بن سويد تيميّ أيضًا، وفي السند ثلاثة من التابعين في نَسَقٍ أولهم الأعمش، وهو من صغار التابعين، وعمارة من أوساطهم، والحارث من كبارهم. انتهى . (عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُويدٍ) التيميّ، أبي عائشة الكوفيّ؛ أنه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود -﵁- (أَعُودُهُ)؛ أي: أزوره، يقال: عُدت المريض عيادةً: إذا زرته، فا لرجل عائد، وجمعه عُوّادٌ، والمرأة عائدة، وجمعها عُوّد بغير ألف، قال الأزهريّ: هكذا كلام العرب، ذكره الفيّوميّ . قال الجامع عفا اللَّه عنه: وإلى الجمعين المذكورين أشار ابن مالك في «الخلاصة» حيث قال: وَفُعَّلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ … وَصْفَيْنِ نَحْوُ «عَاذِلٍ» وَ«عَاذِلَهْ» وَمِثْلُهُ الْفُعَّالُ فِيمَا ذُكِّرَا … وَذَانِ فِي الْمُعَلِّ لَامًا نَدَرَا وقوله: (وَهُوَ مَرِيضٌ) جملة حاليّة من المفعول؛ أي: والحال أن عبد اللَّه مريض، (فَحَدَّثَنَا بِحَدِيثَيْنِ: حَدِيثًا عَنْ نَفْسِهِ)؛ أي: من قِبَل نفسه مما فتح اللَّه عليه بمجالسة النبيّ -ﷺ-، ومشاهدته، وتدبّر معاني الكتاب والسُّنَّة. [تنبيه]: لم يذكر المصنّف حديث عبد اللَّه عن نفسه، وقد ذكره البخاريّ في «صحيحه»، من طريق أبي شهاب، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن الحارث بن سُويد: حدّثنا عبد اللَّه بن مسعود حديثين: أحدهما عن النبيّ -ﷺ-، والآخر عن نفسه، قال: «إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل، يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مَرّ على أنفه، فقال به هكذا»، قال أبو شهاب بيده فوق أنفه. انتهى. قال في «الفتح»: قوله: (حديثين. . . إلخ) هكذا وقع في هذه الرواية غير مصرّح برفع أحد الحديثين إلى النبيّ -ﷺ-، قال النوويّ: قالوا: المرفوع: «لَلَّه أفرح. . . إلخ»، والأول قول ابن مسعود، وكذا جزم ابن بطال بأن الأول هو الموقوف، والثاني هو المرفوع، وهو كذلك، ولم يقف ابن التين على تحقيق ذلك، فقال أحد الحديثين عن ابن مسعود، والآخر عن النبيّ -ﷺ-، فلم يزد في الشرح على الأصل شيئًا، وأغرب الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة في «مختصره»، فأفرد أحد الحديثين من الآخر، وعبَّر في كل منهما بقوله: عن ابن مسعود، عن النبيّ -ﷺ-، وليس ذلك في شيء من نُسخ البخاريّ، ولا التصريح برفع الحديث الأول إلى النبيّ -ﷺ- في شيء من نُسخ كتب الحديث إلا ما قرأت في «شرح مغلطاي» أنه رُوي مرفوعًا من طريق وهّاها أبو أحمد الجرجانيّ؛ يعني: ابن عديّ. انتهى. وقوله: «إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه» قال ابن أبي جمرة : السبب في ذلك أن قلب المؤمن منوَّر، فإذا رأى من نفسه ما يخالف ما ينوّر به قلبه عَظُم الأمر عليه، والحكمة في التمثيل بالجبل أن غيره من المهلكات قد يحصل التسبب إلى النجاة منه، بخلاف الجبل إذا سقط على الشخص لا ينجو منه عادة، وحاصله: أن المؤمن يغلب عليه الخوف؛ لقوة ما عنده من الإيمان، فلا يأمن العقوبة بسببها، وهذا شأن المسلم أنه دائم الخوف، والمراقبة يستصغر عمله الصالح، ويخشى من صغير عمله السيئ. وقال الطيبيّ -﵀-: قوله: «يرى ذنوبه» المفعول الثاني محذوفٌ؛ أي: كالجبال، بدليل قوله: «كذباب»، ويجوز أن يكون «كأنه» مفعولًا ثانيًا، والتشبيه تمثيل، شبّه حالة ذنوبه، وأنها مهلكة له بحالته إذا كان تحت جبل على منوال قوله [من الطويل]: وَمَا النَّاسُ إِلَّا كَالدِّيَارِ وَأَهْلِهَا … بِهَا يَوْمَ حَلُّوهَا وَغَدْوًا بَلَاقِعُ لم يُشبّه الناس بالديار، وإنما شبّه وجودهم في الدنيا، وسُرعة زوالهم بحلول أهل الديار، وأوشك نهوضهم عنها، وتَرْكها خلاء خاويةً، دلّ التمثيل الأول على غاية الخوف والاحتراز من الذنوب، والثاني على نهاية قلة المبالاة، والاحتفال بها. [فإن قلت]: ما التوفيق بين هذا القول، وقول رسول اللَّه -ﷺ-: «لَلَّه أفرح»؟. [قلت]: لَمّا بالغ في احتراز المؤمن، وخوفه من الذنوب، وصوّره بتلك الصورة الفظيعة الهائلة تصوّر أنه طلب ملجأ وكهفًا يلوذ إليه من ذلك الهول، فقيل له: ليس ذلك الملجأ والمفزع إلا إلى اللَّه تعالى؛ لأنه أفرح إلى آخره، وذِكر الفاجر وارد على سبيل الاستطراد، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر: ١٢] بعد قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ﴾ [فاطر: ١٢]؛ لأن البحرين تمثيل للمؤمن والكافر. انتهى كلام الطيبيّ -﵀- . وقوله: «وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب» في رواية أبي الربيع الزهرانيّ عن أبي شهاب، عند الإسماعيليّ: «يرى ذنوبه كأنها ذباب مَرّ على أنفه»؛ أي: ذنبه سهل عنده، لا يعتقد أنه يحصل له بسببه كبير ضرر، كما أن ضرر الذباب عنده سهل، وكذا دَفْعه عنه، والذباب -بضم المعجمة، وموحدتين: الأولى خفيفة، بينهما ألف- جمع ذبابة، وهي الطير المعروف. وقوله: «فقال به هكذا»؛ أي: نَحّاه بيده، أو دَفَعه، وهو من إطلاق القول على الفعل، قالوا: وهو أبلغ. وقوله: «قال أبو شهاب» هو موصول بالسند المذكور. وقوله: «بيده على أنفه» هو تفسير منه لقوله: «فقال به». قال المحبّ الطبريّ: إنما كانت هذه صفة المؤمن لشدة خوفه من اللَّه، ومن عقوبته؛ لأنه على يقين من الذنب، وليس على يقين من المغفرة، والفاجر قليل المعرفة باللَّه، فلذلك قَلّ خوفه، واستهان بالمعصية. وقال ابن أبي جمرة: السبب في ذلك أن قلب الفاجر مظلم، فوقوع الذنب خفيف عنده، ولهذا تجد من يقع في المعصية إذا وُعظ يقول: هذا سهل، قال: ويستفاد من الحديث أن قلة خوف المؤمن ذنوبه، وخِفَّته عليه يدلّ على فجوره، قال: والحكمة في تشبيه ذنوب الفاجر بالذباب، كون الذباب أخف الطير، وأحقره، وهو مما يُعايَن، ويُدفَع بأقل الأشياء، قال: وفي ذِكر الأنف مبالغة في اعتقاده خفة الذنب عنده؛ لأن الذباب قلّما بينزل على الأنف، وإنما يقصد غالبًا العين، قال: وفي إشارته بيده تأكيد للخفة أيضًا؛ لأنه بهذا القَدْر اليسير يُدفع ضرره، قال: وفي الحديث ضَرْب المثل بما يمكن، والإرشاد إلى الحضّ على محاسبة النفس، واعتبار العلامات الدالة على بقاء نعمة الإيمان، وفيه أن الفجور أمر قلبيّ كالإيمان، وفيه دليل لأهل السُّنَّة؛ لأنهم لا يُكَفِّرون بالذنوب، وردّ على الخوارج وغيرهم، ممن يكفِّر بالذنوب. وقال ابن بطال: يؤخذ منه أنه ينبغي أن يكون المؤمن عظيم الخوف من اللَّه تعالى من كل ذنب صغيرًا كان، أو كبيرًا؛ لأن اللَّه تعالى قد يعذّب على القليل، فإنه لا يُسأل عما يفعل ﷾. انتهى من «الفتح» . وقوله: (وَحَدِيثًا)؛ أي: حدّثنا عبد اللَّه حديثًا (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ) عبد اللَّه: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «لَلَّه) بلام التأكيد المفتوحة، وهي لام الابتداء، (أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ) وفي رواية البخاريّ:»للَّه أفرح بتوبة العبد«، قال الطيبيّ نقلًا عن المظهر: معناه: أرضى بالتوبة، وأقبل لها، والفرح المتعارف في نعوت بني آدم غير جائز على اللَّه تعالى، إنما معناه الرضى، قال: والمتقدّمون من أهل الحديث فَهِموا منها ما وقع الترغيب فيه من الأعمال، والإخبار عن فضل اللَّه ﷿، وأثبتوا هذه الصفات للَّه تعالى، ولم يشتغلوا بتفسيرها مع اعتقادهم أن اللَّه ﷾ منزَّه عن صفات المخلوقين، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. ثم قال الطيبيّ: أقول: هذا هو المذهب المحتاط، وقلّما يزيغ عنه قَدَم الراسخ، ثم ذكر مذهب المشتغلين بالتأويل، فلم يُحْسن، حيث لم يتعقّبه تأويلاتهم مخالفين لأهل الحديث، وعموم السلف، وقد تقدّم في حديث أبي هريرة -﵁- الماضي الردّ عليهم بما فيه كفاية، فراجعه تستفد. وقال صاحب «المرعاة» بعد نقل كلام المؤوّلين ما نصّه: قلت: كل صفة وصف اللَّه بها نفسه، أو وصفه بها رسول اللَّه -ﷺ-، فهي صفة حقيقةً لا مجازًا، فهو تعالى يسمع، ويبصر، ويتكلم بما شاء، متى شاء، ويرضى، ويسخط، ويَعْجَب، ويفرح بتوبة عبده، ومعنى كل ذلك معلوم، والكيف مجهول، فنُثبت له ذلك كله، ولا نكيّفه، ولا نشبّهه بصفات المخلوقين، ولا نؤوّله، ولا نعطّله. قال شيخنا: لا حاجه إلى التأويل، ومذهب السلف في أمثال هذا الحديث إمرارها على ظواهرها، من غير تكييف، ولا تشبيه، ولا تأويل هذا. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا هو واجب كل مسلم تجاه آيات الصفات، وأحاديثها، كالاستواء، والنزول، والمجيء، والمحبّة، والفرح، والغضب، والرضا، وغير ذلك، أن يُثبتها للَّه ﷾ كما أثبتتها نصوص الكتاب والسُّنَّة، وأجراها السلف الصالح على ظواهرها، وحقيقتها على ما يليق بجلاله تعالى، ولا يُشبّه، ولا يمثّل، ولا يؤوّل، ولا يعطّل، فهذا هو المذهب الأعلم الأحكم الأسلم، فاقبله تَسْلَم، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (مِنْ رَجُلٍ) متعلّق بـ «أفرح»، (فِي أَرْضٍ دَوِّيَّةٍ) -بفتح الدال، وتشديد الواو المكسورة، وتشديد الياء المفتوحة، بعدها هاء التأنيث-: نسبة إلى الدّوّ -بفتح الدال، وتشديد الواو- وهي الأرض الفَقْر، والفلاة الخالية؛ أي: البريّة، والصحراء التي لا نبات بها، قال ابن الأثير: الدّوّ: الصحراء، والدويّة منسوبة إليها. ووقع في الرواية التالية: «داويّة»، وهي أيضًا بتشديد الياء، وقيل: ذلك لإبدال الواو الأولى ألفًا، وقد يُبدل في النسبة على غير قياس، نحو طائيّ في النسبة إلى طيء. (مَهْلَكَةٍ) -بفتح الميم، واللام، بينهما هاء ساكنة-؛ أي: موضع الهلاك، أو الهلاك نفسه. وقال النوويّ: وهي موضع خوف الهلاك، ويقال لها: مفازة. انتهى. وتُفتح لامها، وتكسر، وهما بمعنى، والمراد: يهلك سالكها، أو من حصل فيها، ويروى: مُهلِكة بضم الميم، وكسر اللام: اسم فاعل من الثلاثيّ المزيد فيه؛ أي: تُهْلِك هي من يحصل بها. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: أما «دوية» فاتفق العلماء على أنها بفتح الدال، وتشديد الواو والياء جميعًا، وذَكَر مسلم في الرواية التي بعد هذه، رواية أبي بكر بن أبي شيبة: «أرض داويّة» بزيادة ألف، وهي بتشديد الياء أيضًا، وكلاهما صحيح، قال أهل اللغة: الدوية: الأرض القفر، والفلاة الخالية، قال الخليل: هي المفازة، قالوا: ويقال: دَوّيّة، ودَاويّة، فأما الدوية فمنسوب إلى الدوّ، بتشديد الواو، وهي البريّة التي لا نبات بها، وأما الداويّة فهي على إبدال إحدى الواوين ألفًا، كما قيل: في النسب إلى طيء طائيّ. وأما المهلكة فهي بفتح الميم، وبفتح اللام، وكسرها، وهي موضع خوف الهلاك، ويقال لها: مفازة، قيل: إنه من قولهم: فَوَّز الرجلُ: إذا هلك، وقيل: على سبيل التفاؤل بفوزه، ونجاته منها، كما يقال للّديغ: سَلِيمٌ. انتهى . (مَعَهُ رَاحِلَتُهُ) الراحلة: المركب من الإبل، ذكرًا كان أو أنثى، وبعضهم يقول: الراحلة: الناقة التي تصلح أن تُرحل، وجمعها رواحل، قاله الفيّوميّ . (عَلَيْهَا)؛ أي: على الراحلة، (طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ) زاد في رواية الترمذيّ: «وما يُصلحه»، (فَنَامَ، فَاسْتَيْقَظَ، وَقَدْ ذَهَبَتْ) وفي رواية البخاريّ: «فوضع رأسه، فنام نومةً، فاستيقظ، وقد ذهبت راحلته»؛ أي: فخرج في طلبها، واستمرّ على ذلك، وفي رواية أحمد، والترمذيّ: «فأضلّها، فخرج في طلبها». (فَطَلَبَهَا)؛ أي: واستمرّ على ذلك (حَتَّى أَدْرَكَهُ الْعَطَشُ) وفي رواية البخاريّ: «حتى إذا اشتدّ عليه الحرّ والعطش، أو ما شاء اللَّه»، قال الحافظ: الشكّ من أبي شهاب، واقتصر جرير على ذِكر العطش، ووقع في رواية أبي معاوية: «حتى إذا أدركه الموت»، وقال الطيبيّ: إما شكّ من الراوي، والتقدير: قال رسول اللَّه -ﷺ- ذلك، أو قال: ما شاء اللَّه، أو تنويع؛ أي: اشتدّ الحر والعطش، أو ما شاء اللَّه من العذاب، والبلاء غير الحرّ، والعطش، قال القاري: والأظهر أن «أو» بمعنى الواو، وهو تعميم بعد تخصيص؛ أي: وما شاء اللَّه بعد ذلك. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأَولى ما تقدّم عن الحافظ أنه شكّ من أبي شهاب الراوي عن الأعمش، فتنبّه. (ثُمَّ قَالَ) الرجل في نفسه: (أَرْجِعُ) بقطع الهمزة، وهي ضمير المتكلّم، (إِلَى مَكَانِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ) لاحتمال أن تعود الراحلة إليه؛ لإلفها له أوّلًا، (فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ)؛ أي: أو حتى ترجع إليّ راحلتي، وإنما اقتصر على ما ذكر من الموت؛ استبعادًا لجانب الحياة، ويأسًا عن رجوع الراحلة، (فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ، فَاسْتَيْقَظَ)؛ أي: فانتبه من نومه (وَعِنْدَهُ رَاحِلَتُهُ)؛ أي: حاضرة، أو واقفة، والجملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، وكذا قوله: (وَعَلَيْهَا زَادُهُ وَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ) زاد في رواية أبي معاوية: «وما يُصلحه». (فَاللَّهُ) قال الطيبيّ -﵀-: الفاء هي التي تُعقّب الْمُجْمَل بالمفصّل؛ تأكيدًا، وتقريرًا له؛ لئلا يُزاد فيه، ولا يُنقص. انتهى. (أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا)؛ أي: من فرح هذا الرجل (برَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ») قال القاري: فهذا فَذْلَكة القصّة، أعيدت لتأكيد القضيّة. انتهى . [تنبيه]: سيأتي في حديث البراء -﵁- الآتي ذِكر لسبب لهذا الحديث المرفوع، وأوله:«كيف تقولون بفرح رجل، انفلتت منه راحلته، تَجُرّ زمامها بأرض قفر، ليس بها طعام، ولا شراب، وعليها له طعام، وشراب، فطلبها حتى شقّ عليه، ثم مرت بجذل شجرة، فتعلق زمامها، فوجدها متعلقة به؟ »قلنا: شديدًا يا رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه -ﷺ-:«أما واللَّهِ لَلَّهُ أشدّ فرحًا بتوبة عبده من الرجل براحلته»، وأخرجه ابن حبان في«صحيحه»من حديث أبي هريرة مختصرًا:«ذكروا الفرح عند رسول اللَّه -ﷺ-، والرجل يجد ضالته، فقال: لَلَّه أشدّ فرحًا. . .«الحديث ، واللَّه تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مسعود -﵁- هذا متّفقٌ عليه. [تنبيه]: أشار البخاريّ -﵀- في«صحيحه» إلى أنه وقع اختلاف في إسناد هذا الحديث، حيث قال بعد إخراج الحديث من طريق أبي شهاب عن الأعمش ما نصّه: تابعه أبو عوانة، وجرير عن الأعمش، وقال أبو أسامة: حدّثنا الأعمش، حدّثنا عمارة، سمعت الحارث، وقال شعبة، وأبو مسلم عن الأعمش، عن إبراهيم التيميّ، عن الحارث بن سُويد، وقال أبو معاوية: حدّثنا الأعمش، عن عمارة، عن الأسود، عن عبد اللَّه، وعن إبراهيم التيميّ عن الحارث بن سُويد، عن عبد اللَّه. انتهى كلام البخاريّ -﵀- . قال في «الفتح»: قوله: «تابعه أبو عوانة» هو الوضاح، وجرير هو ابن عبد الحميد، عن الأعمش، فأما متابعة أبي عوانة فوصلها الإسماعيليّ من طريق يحيى بن حماد، عنه، وأما متابعة جرير فوصلها مسلم، وقد ذكرت اختلاف لفظها. قوله: «وقال أبو أسامة» -هو حماد بن أسامة- حدّثنا الأعمش، حدّثنا عمارة، حدّثنا الحارث -يعني: عن ابن مسعود- بالحديثين، ومراده أن هؤلاء الثلاثة وافقوا أبا شهاب في إسناد هذا الحديث، إلا أن الأوَّلين عنعناه، وصرّح فيه أبو أسامة، ورواية أبي أسامة وصلها مسلم أيضًا، وقال مثل حديث جرير. قوله: «وقال شعبة، وأبو مسلم» زاد المستملي في روايته عن الفِرَبْريّ: اسمه عبيد اللَّه؛ أي: بالتصغير، كوفيّ، قائد الأعمش، قلت : واسم أبيه سعيد بن مسلم، كوفيّ ضعفه جماعة، لكن لمّا وافقه شعبة ترخص البخاري في ذِكره، وقد ذكره في «تاريخه»، وقال: في حديثه نظر، وقال العقيليّ: يُكتب حديثه، ويُنظر فيه، ومراده أن شعبة وأبا مسلم خالفا أبا شهاب، ومن تبعه في تسمية شيخ الأعمش، فقال الأولون: عمارة، وقال هذان: إبراهيم التيميّ، وقد ذكر الإسماعيليّ أن محمد بن فضيل، وشجاع بن الوليد، وقطبه بن عبد العزيز، وافقوا أبا شهاب على قوله: «عمارة، عن الحارث»، ثم ساق رواياتهم، وطريق قطبة عند مسلم أيضًا. قوله: «وقال أبو معاوية: حدّثنا الأعمش، عن عمارة، عن الأسود، عن عبد اللَّه، وعن إبراهيم التيميّ، عن الحارث بن سُويد، عن عبد اللَّه» يعني: أن أبا معاوية خالف الجميع، فجعل الحديث عند الأعمش، عن عمارة بن عمير، وإبراهيم التيميّ جميعًا، لكنه عند عمارة عن الأسود، وهو ابن يزيد النخعيّ، وعند إبراهيم التيميّ عن الحارث بن سُويد، وأبو شهاب ومن تبعه جعلوه عند عمارة عن الحارث بن سويد، قال الحافظ: ورواية أبي معاوية لم أقف عليها في شيء من السنن والمسانيد على هذين الوجهين، فقد أخرجه الترمذيّ عن هناد بن السريّ، والنسائيّ عن محمد بن عبيد، والإسماعيليّ من طريق أبي همام، ومن طريق أبي غريب، ومن طريق محمد بن طَرِيف، كلهم عن أبي معاوية، كما قال أبو شهاب، ومن تبعه، وأخرجه النسائيّ عن أحمد بن حرب الموصليّ، عن أبي معاوية، فجمع بين الأسود والحارث بن سُويد، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من طريق أبي غريب، ولم أره من رواية أبي معاوية عن الأعمش، عن إبراهيم التيميّ، وإنما وجدته عند النسائيّ من رواية عليّ بن مُسهر، عن الأعمش كذلك. وفي الجملة فقد اختُلف فيه على عمارة في شيخه، هل هو الحارث بن سويد، أو الأسود؟، وتبيَّن مما ذكرته أنه عنده عنهما جميعًا، واختُلف على الأعمش في شيخه، هل هو عمارة، أو إبراهيم التيميّ؟ وتبيَّن أيضًا أنه عنده عنهما جميعًا، والراجح من الاختلاف كلّه ما قال أبو شهاب، ومن تبعه، ولذلك اقتصر عليه مسلم، وصدّر به البخاريّ كلامه، فأخرجه موصولًا، وذَكَر الاختلاف معلّقًا، كعادته في الإشارة إلى أن مثل هذا الخلاف ليس بقادح، واللَّه أعلم. انتهى كلام الحافظ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا البحث الذي أوضحه الحافظ بحث نفيسٌ جدًّا. وحاصله: أن الحديث صحيح بطرقه المختلفة، وأن غرض البخاريّ بذكر الاختلاف معلّقًا الإشارة إلى أن هذا الاختلاف لا يقدح في صحّة الحديث، وهو غرض مهمّ جدًّا، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٦٩٣٠ و٦٩٣١ و٦٩٣٢] (٢٧٤٤)، و(البخاريّ) في «الدعوات» (٦٣٠٨)، و(الترمذيّ) في «صفة القيامة» (٢٤٩٨)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٣٨٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦١٨)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٩/ ١٠٨)، و(أبو نعيم) في «الحلية» (٤/ ١٢٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١٠/ ١٨٨) و«شعب الإيمان» (٥/ ٤١١)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (١٣٠١ و١٣٠٢)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده : ١ - (منها): بيان خوف المؤمن من اللَّه تعالى، حيث إنه إذا أذنب ذنبًا، رآه كأنه تحت جبل يخاف سقوطه عليه، وهذه ثمرة قوّة الإيمان. ٢ - (ومنها): بيان تهاون الفاجر، وعدم خوفه من اللَّه تعالى، وأنه إذا أذنب لم يستشعر بقلبه عظمة الذنب، وخطر عاقبته، وأن اللَّه تعالى يُمهله، ولا يُهمله، فقد أخرج الشيخان من حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «إن اللَّه ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته»، قال: ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢] «. ٣ - (ومنها): إثبات صفة الفرح للَّه تعالى على ما يليق بجلاله، بلا تأويل، ولا تمثيل، ولا تعطيل. ٤ - (ومنها): بيان جواز سفر المرء وحده؛ لأنه -ﷺ- لا يضرب المثل إلا بما يجوز، ويُحْمَل حديث النهي على الكراهة؛ جمعًا، ويظهر من هذا الحديث حكمة النهي، قاله ابن أبي جمرة -﵀-. وتعقّبه الحافظ، فقال: والحصر الأول مردود، وهذه القصة تؤكد النهي. ٥ - (ومنها): أن فيه تسميةَ المفازة التي ليس فيها ما يؤكل، ولا يشرب مهلكةً. ٦ - (ومنها): أن من رَكَن إلى ما سوى اللَّه يُقطع به أحوج ما يكون إليه؛ لأن الرجل ما نام في الفلاة وحده إلا ركونًا إلى ما معه من الزاد، فلما اعتمد على ذلك خانه، لولا أن اللَّه لَطَف به، وأعاد عليه ضالته، قال بعضهم: من سرّه أن لا يرى ما يسوؤه، فلا يتخذ شيئًا يخاف له فقدًا. ٧ - (ومنها): أن فرح البشر وغمّهم إنما هو على ما جرى به أثر الحكمة من العوائد، يؤخذ من ذلك أن حُزن المذكور إنما كان على ذهاب راحلته؛ لخوف الموت من أجل فَقْد زادِه، وفرحه بها إنما كان من أجل وجدانه ما فَقَد، مما تُنسب الحياة إليه في العادة. ٨ - (ومنها): بركة الاستسلام لأمر اللَّه تعالى؛ لأن المذكور لمّا أيس من وجدان راحلته، استسلم للموت، فمنّ اللَّه عليه بردّ ضالته. ٩ - (ومنها): ضَرْب المثل بما يصل إلى الأفهام، من الأمور المحسوسة، والإرشاد إلى الحضّ على محاسبة النفس، واعتبار العلامات الدالة على بقاء نعمة الإيمان، ذَكَر هذه الفوائد ابن جمرة -﵀- ، ونَقَلها الحافظ في «الفتح» . ١٠ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض -﵀-: في قوله: «قال من شدة الفرح. . . إلخ» فيه أن ما قاله الإنسان من قبيل هذا من دَهْش، وذهول، غير مؤاخَذ به، وكذلك حكايته عنه على طريق علميّ، وفائدة شرعية، لا على الهزء والمحاكاة والعيب؛ لحكاية النبيّ -ﷺ- إياه، ولو كان منكَرًا ما حكاه. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٣١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ قُطْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: «مِنْ رَجُلٍ بِدَاوِيَّةٍ مِنَ الأَرْضِ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) الكوفيّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الكوفيّ، أبو زكريا، مولى بني أمية، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤. ٣ - (قُطْبَةُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) بن سَيَاه -بكسر السين المهملة، بعدها تحتانية خفيفة- الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ [٨] (م ٤) تقدم في «فضائل الصحابة» ٢٢/ ٦٣١٠. و«الأعمش» سليمان بن مهران ذُكر قبله. وقوله: (من رجل بِدَاوَّيةٍ) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في النُّسخ: «من رجل» بالنون، وهو الصواب، قال القاضي: ووقع في بعضها: «مَرّ رجل» بالراء، وهو تصحيف؛ لأن مقصود مسلم أن يبيّن الخلاف في «دويّة»، و«داوية»، وأما لفظة «مِنْ» فمتفق عليها في الروايتين، ولا معنى للراء هنا. انتهى . وعبارة القاضي عياض -﵀- في «المشارق»: قوله في التوبة في «كتاب مسلم» في رواية أبي بكر بن أبي شيبة: «وقال: من رجل بداويّة» كذا للجميع، وهو الصواب، وكما في سائر الأحاديث، وكان عند بعضهم: «مَرّ رجل»، وكذا كان في كتاب القاضي التميميّ، والصواب الأول؛ لأنه إنما بَيَّن الخلاف بين قوله: «بداويّة من الأرض»، وقول أخيه عثمان في الحديث قبله: «في أرض دويّة» لا غير، وهما بمعنًى؛ أي: بمفازة قَفْر من الأرض، وابتداء الحديث يدلّ عليه: «لَلَّه أفرح بتوبة عبده من رجل» حالته كما ذُكِر. انتهى . وقال في «الفتح»: الدويّة: القَفْر، والمفازة، وهي الداويّة بإشباع الدال، ووقع كذلك في رواية لمسلم، وجَمْعها داويّ، قال الشاعر: أَرْوَعُ خَرَّاجٌ مِنَ الدَّاوِيِّ وقال في «اللسان»: ومنه خطبة الحجاج [من الرجز]: قَدْ لَفَّهَا اللَّيْلُ بِعَصْلَبِيِّ … أَرْوَعَ خَرَّاجٍ مِنَ الدَّاوِيِّ يعني: الفلوات، جمع داويّة، أراد أنه صاحب أسفار، ورِحَلٍ، فهو لا يزال يخرج من الفلوات، ويَحْتَمِل أن يكون أراد به أنه بصير بالفلوات، فلا يشتبه عليه شيء منها. انتهى . [تنبيه]: رواية قطبة بن عبد العزيز عن الأعمش هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٣٢] (. . .) - وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ عُمَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَارِثَ بْنَ سُويدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ، حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَالآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ»، بِمِثْلِ حَدِيثِ جَرِيرٍ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: وكلّهم ذُكروا في الباب، والبابين الماضيين، و«إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ» الكوسج التميميّ المروزيّ، و«أَبُو أُسَامَةَ» هو: حمّاد بن أسامة. [تنبيه]: رواية أبي أسامة عن الأعمش هذه ساقها البيهقيّ -﵀- في «الكبرى»، فقال: (٢٠٥٥٦) - أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن
مصادر المؤلف (٢٨)

١. «صحيفة همّام بن منبّه»رقم (٧٩).

٢. «الفتح» ١٤/ ٢٩١، «كتاب الدعوات» رقم (٦٣٠٨).

٣. «المصباح المنير» ٢/ ٤٣٦ - ٤٣٧.

٤. «بهجة النفوس» ٤/ ٢٠٠.

٥. «الكاشف عن حقائق السنن» ٦/ ١٨٥٧.

٦. «الفتح» ١٤/ ٢٩٢ - ٢٩٣.

٧. إن أراد تفسير الكيفيَّة، فنعم، وإن أراد تفسير المعنى، فباطل، فإن أهل الحديث يشتغلون بتفسير معاني الصفات، وإثباتها بحقيقة معانيها للَّه ﷾، وإن يجهلون، ويفوّضون علم كيفيّتها، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فتنبّه، ولا يهولنّك إرجاف المرجفين، واللَّه تعالى وليّ التوفيق.

٨. «مشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح» ٨/ ١٤٥.

٩. «مشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح» ٨/ ١٤٥.

١٠. «شرح مسلم» ١٧/ ٦١.

١١. «المصباح المنير» ١/ ٢٢٢ - ٢٢٣.

١٢. «الكاشف عن حقائق السنن» ٦/ ١٨٥٨.

١٣. «المرقاة» ٥/ ١٩٢.

١٤. «الفتح» ١٤/ ٢٩٦.

١٥. «صحيح البخاريّ» ٥/ ٢٣٢٤.

١٦. القائل هو الحافظ، فتنبّه.

١٧. أشار في «التغليق» ٥/ ١٣٧ - ١٣٨ إلى أنه أخرجه أحمد في «المسند»، وهو في ١/ ٣٨٣. انتهى من هامش «الفتح» ١٤/ ٢٩٦.

١٨. «الفتح» ١٤/ ٢٩٥ - ٢٩٦.

١٩. المراد فوائد الحديث برواياته المتنوّعة التي أوردتها في الشرح، لا خصوص السياق الذي أورده مسلم، فتنبّه.

٢٠. «بجهة النفوس» ٤/ ٢٠٤.

٢١. «الفتح» ١٤/ ٢٩٧ - ٢٩٨.

٢٢. «الفتح» ١٤/ ٢٩٧.

٢٣. هذا أَولى من قوله في «التقريب»: صدوق، راجع ترجمته في: «تت».

٢٤. «شرح النوويّ» ١٧/ ٦٢.

٢٥. «مشارق الأنوار» ١/ ٣٧٨.

٢٦. الضمير للإبل؛ أي: جَمَعها الليل بسائق شديد، فضَرَبه مَثَلًا لنفسه ورعيته. «لسان العرب».

٢٧. العَصْلَبيّ: الشديد الباقي على المشي والعمل.

٢٨. «لسان العرب» ١٤/ ٢٧٧.