HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٧٥٥

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ. جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيل بْنِ جَعْفَرٍ. قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حدثنا إِسْمَاعِيل. أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ عَنْ أَبِيهِ، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة، ما طمع بجنته أحد. ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط من جنته أحد».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص97
ج ٤ ص ٢١٠٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٢ ص٦٣٨
٤ - (ومنها): جواز النظر إلى النساء المسبيَّات؛ لأنه -ﷺ- لم يَنْه عن النظر إلى المرأة المذكورة، بل في سياق الحديث ما يقتضي إذنه في النظر إليها. ٥ - (ومنها): جواز ارتكاب أخف الضررين؛ لأنه -ﷺ- لم ينه المرأة عن إرضاع الأطفال الذين أرضعتهم مع احتمال أن يكبر بعضهم، فيتزوج بعض من أرضعته المرأة معه، لكن لمّا كانت حالة الإرضاع ناجزةً، وما يُخشى من المحرمية مُتَوَهَّمٌ اغتُفْر. ٦ - (ومنها): أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وقد يُستدلّ به على عكس ذلك، فأما الأول فمن جهة أن الأطفال لولا أنهم كان بهم ضرورة إلى الإرضاع في تلك الحالة ما تركها النبيّ -ﷺ- تُرضع أحدًا منهم، وأما الثاني وهو أقوى، فلأنه أقرّها على إرضاعهم من قبل أن تتبين الضرورة، قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٥٤] (٢٧٥٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنِطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ»). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الإسناد نفسه تقدّم قبل أربعة أحاديث، فلا حاجة إلى إعادة الكلام فيه، فتنبّه. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁-؛ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ) قيل: الحكمة في التعبير بالمضارع دون الماضي، الإشارة إلى أنه لم يقع له علم ذلك، ولا يقع؛ لأنه إذا امتنع في المستقبل كان ممتنعًا فيما مضى. (مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ) بيان لـ»ما«؛ أي: من غير التفات إلى الرحمة، (مَا طَمِعَ) بكسر الميم، يقال: طَمِعَ فيه، وبه، كفَرِح طَمَعًا، وطَمَاعًا، وطَمَاعيةً: حَرَصَ عليه، قاله المجد ، وقال الفيّوميّ: طَمِعَ في الشيء طَمَعًا، وطَمَاعَة، وطَمَاعِيَةً، مخففًا، فهو طَمِعٌ، وطَامِعٌ، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أَطْمَعْتُهُ، وأكثر ما يُستعمل فيما يقرُب حصوله، وقد يُستعمل بمعنى الأمل، ومن كلامهم: طَمِعَ فِي غَيْرِ مَطْمَع: إذا أمل ما يبعد حصوله؛ لأنه قد يقع كل واحد موقع الآخر؛ لتقارب المعنى. انتهى . (بِجَنَّتِهِ) وللترمذيّ: «في الجنة»، (أَحَدٌ)؛ أي: من المؤمنين فضلًا عن الكافرين، ولا بُعد أن يكون «أحد» على إطلاقه من إفادة العموم؛ إذ تصوُّر ذلك وحده يوجب اليأس من رحمته، وفيه بيان كثرة عقوبته؛ لئلا يغترّ مؤمن بطاعته، أو اعتمادًا على رحمته، فيقع في الأمن، ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]. (وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنِطَ) من القنوط، وهو اليأس، من باب نصر، وضرب، وسمع، (مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ«)؛ أي: من الكافرين. قال الطيبيّ: الحديث في بيان صفتي القهر والرحمة للَّه تعالى، فكما أن صفات اللَّه تعالى غير متناهية لا يبلغ كُنه معرفتها أحد، كذلك عقوبته ورحمته، فلو فُرض أن المؤمن وقف على كُنه صفته القهارية لَظَهر منها ما يقنط من ذلك الخواطر، فلا يطمع بجنته أحد، وهذا معنى وضع«أحد»موضع ضمير«المؤمن»، ويجوز أن يراد بالمؤمن الجنس على سبيل الاستغراق، فالتقدير: أحد منهم، ويجوز أن يكون المعنى على وجه آخر، وهو أن المؤمن قد اختص بأن يطمع في الجنة، فإذا انتفى الطمع منه، فقد انتفى عن الكل، وكذلك الكافر مختص بالقنوط، فإذا انتفى القنوط عنه، فقد انتفى عن الكل. وورد الحديث في بيان كثرة رحمته وعقوبته؛ كيلا يغترّ مؤمن برحمته، فيأمَن من عذابه، ولا ييأس كافر من رحمته، ويترك بابه. وحاصل الحديث: أن العبد ينبغي أن يكون بين الرجاء والخوف بمطالعة صفات الجمال تارةً، وبملاحظة نعوت الجلال أخرى، كذا في «المرقاة» . وقال في «اللمعات»: سياق الحديث لبيان صفتي اللطف والرحمة والغضب، وعدم بلوغ أحد إلى كنههما، فلو عَلِم المؤمنون الذين هم مظاهر رحمة اللَّه ما عند اللَّه من القهر ما طمع أحد منهم الجَنَّة، وكذا في الكافرين، وهذا مقصود آخر لا ينافي سَبْق رحمته على غضبه بالمعنى الذي سبق. انتهى . وقد ذكر البخاريّ هذا الحديث مع حديث أبي هريرة -﵁- الماضي: «جعل الرحمة مائة جزء. . .» الحديث، ولفظه: من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة -﵁- قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: «إن اللَّه خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمةً، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة، فلو يعلم الكافر بكل الذي عند اللَّه من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند اللَّه من العذاب لم يأمن من النار». انتهى . قال في «الفتح»: قوله: «فلو يعلم الكافر» كذا ثبت في هذه الطريق بالفاء؛ إشارةً إلى ترتيب ما بعدها على ما قبلها، ومن ثَمّ قَدَّم ذِكر الكافر؛ لأن كثرتها وَسَعتها تقتضي أن يطمع فيها كل أحد، ثم ذكر المؤمن استطرادًا. قال: والحكمة في التعبير بالمضارع دون الماضي الإشارة إلى أنه لم يقع له عِلم ذلك، ولا يقع؛ لأنه إذا امتنع في المستقبل كان ممتنعًا فيما مضى. وقوله: «بكل الذي» استُشكل هذا التركيب؛ لكون «كل» إذا أضيفت إلى الموصول كانت إذ ذاك لعموم الأجزاء، لا لعموم الأفراد، والغرض من سياق الحديث تعميم الأفراد. وأجيب بأنه وقع في بعض طرقه أن الرحمة قُسمت مائة جزء، فالتعميم حينئذ لعموم الأجزاء في الأصل، أو نُزِّلت الأجزاء منزلة الأفراد مبالغة. وقوله: «لم ييأس من الجنة» قيل: المراد أن الكافر لو عَلِم سعة الرحمة لَغَطَّى على ما يعلمه من عِظَم العذاب، فيحصل له الرجاء، أو المراد: أن متعلَّق علمه بسعة الرحمة مع عدم التفاته إلى مقابلها يُطمعه في الرحمة. قيل: في الجملة الأُولى نوع إشكال، فإن الجنة لم تُخلق للكافر، ولا طَمَع له فيها، فغير مستبعَد أن يطمع في الجنة من لا يعتقد كُفْر نفسه، فيُشكل ترتب الجواب على ما قبله. وأجيب بأن هذه الكلمة سيقت لترغيب المؤمن في سعة رحمة اللَّه التي لو علمها الكافر الذي كُتب عليه أنه يختم عليه أنه لا حظ له في الرحمة لتطاول إليها، ولم ييأس منها، إما بإيمانه المشروط، وإما لِقَطْع نَظَره عن الشرط مع تيقنه بأنه على الباطل، واستمراره عليه عنادًا، وإذا كان ذلك حال الكافر، فكيف لا يطمع فيها المؤمن الذي هداه اللَّه للإيمان؟ ، واللَّه تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متَّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٦٩٥٤] (٢٧٥٥)، و(البخاريّ) في «الرقاق» (٦٤٦٩)، و(الترمذيّ) في «الدعوات» (٣٥٤٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٣٤ و٤٨٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٤٥ و٦٥٦)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١١/ ٣٩٢)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٣/ ١٥٧)، و(البيهقيّ) في «شعب الإيمان» (٢/ ٤)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٤١٨٠)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان سعة رحمة اللَّه -﷾-، بحيث إنه لو يعلم الكافر به حقيقة لَمَا قنط من الجنّة، وقد ورد أن إبليس يتطاول للشفاعة لِمَا يرى يوم القيامة من سعة الرحمة، أخرجه الطبرانيّ في «الأوسط»، من حديث جابر، ومن حديث حذيفة، وسند كل منهما ضعيف . ٢ - (ومنها): بيان شدّة عقوبة اللَّه -﷿-، بحيث إن المؤمن لو علم بحقيقته، لَمَا طمع في الجنّة، وقريب من هذا الحديث حديث أبي هريرة -﵁- الآخر، عن النبيّ -ﷺ- قال: «لَمّا خلق اللَّه الجنة والنار، أرسل جبريل إلى الجنة، فقال: انظر إليها، وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فجاء، فنظر إليها، وإلى ما أعدَّ اللَّه لأهلها فيها، قال: فرجع إليه، قال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر بها، فحُفّت بالمكاره، فقال: ارجع إليها، فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فرجع إليها، فإذا هي قد حُفّت بالمكاره، فرجع إليه، فقال: وعزتك لقد خفت أن لا يدخلها أحد، وقال: اذهب إلى النار، فانظر إليها، وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فنظر إليها، فإذا هي يركب بعضها بعضًا، فرجع إليه، فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد، فيدخلها، فأَمر بها، فحُفّت بالشهوات، فقال: ارجع إليها، فرجع إليها، فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد، إلا دخلها»، رواه أبو داود، والنسائيّ، والترمذيّ، واللفظ له، وقال: حديث حسن صحيح. ٣ - (ومنها): أن الكرمانيّ -﵀- تكلّم هنا على«لو» بما حاصله: أنها هنا لانتفاء الثاني، وهو الرجاء لانتفاء الأول، وهو العلم، فأشبهت: لو جئتني أكرمتك، وليست لانتفاء الأول لانتفاء الثاني، كما بحثه ابن الحاجب في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] والعلم عند اللَّه، قال: والمقصود من الحديث: أن المكلَّف ينبغي له أن يكون بين الخوف والرجاء، حتى لا يكون مُفَرِّطًا في الرجاء، بحيث يصير من المرجئة القائلين: لا يضرّ مع الإيمان شيء، ولا في الخوف بحيث لا يكون من الخوارج، والمعتزلة القائلين بتخليد صاحب الكبيرة إذا مات من غير توبة في النار، بل يكون وسطًا بينهما، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]، ومن تتبع دين الإسلام وجد قواعده أصولًا وفروعًا كلها في جانب الوسط، واللَّه أعلم. ٤ - (ومنها): أن الحديث قد اشتمل على الوعد والوعيد المقتضيين للرجاء والخوف، فمن عَلِم أن من صفات اللَّه تعالى الرحمة لمن أراد أن يرحمه، والانتقام ممن أراد أن ينتقم منه، لا يأمن انتقامه من يرجو رحمته، ولا ييأس من رحمته من يخاف انتقامه، وذلك باعث على مجانبة السيئة، ولو كانت صغيرة، وملازمة الطاعة، ولو كانت قليلة، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٥٥] (٢٧٥٦) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقِ ابْنُ بِنْتِ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، فَي الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً قَطُّ لأَهْلِهِ: إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ، ثُمَّ اذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ، وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ، فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَرَّ، فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ الْبَحْرَ، فَجَمَعَ مَا فِيهِ، ثمَّ قَالَ: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقِ ابْنُ بِنْتِ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ) هو: محمد بن محمد بن مرزوق الباهليّ نُسِب لجدّه مرزوق، صدوقٌ له أوهام [١١] (ت ٢٤٨) (م، ق) تقدم في«الحج»٥٩/ ٣١٨٤. ٢ - (رَوْحُ) بن عُبادة بن العلاء بن حسّان القَيْسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [٩] (ت ٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في«الإيمان»٩٠/ ٤٧٦. ٣ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالمدنيين من مالك، والباقيان بصريّان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة -﵁-، قد سبق القول فيه قريبًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁-؛ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ:«قَالَ رَجُلٌ)؛ أي: ممن كان قبلنا، ففي حديث أبي سعيد الخدريّ: »أن رجلًا كان قبلكم رزقه اللَّه مالًا«، وفي رواية له: »ذكر رجلًا فيمن سلف، أو فيمن كان قبلكم«، وصرح في حديث حذيفة، وأبي مسعود عند الطبرانيّ أنه كان من بني إسرائيل، ولذلك أورد البخاريّ حديث أبي سعيد، وحذيفة، وأبي هريرة في ذِكر بني إسرائيل، قيل: اسم هذا الرجل جهينة، فقد أخرج أبو عوانة في »صحيحه« من حديث حذيفة، عن أبي بكر الصديق أن الرجل المذكور في حديث الباب هو آخر أهل النار خروجًا منها، وآخر أهل الجنة دخولًا الجنة، وقد وقع في »غرائب مالك« للدارقطني من طريق عبد الملك بن الحكم، وهو واهٍ، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، رفعه: »إن آخر من يدخل الجنة رجل من جهينة، يقال له: جهينة، فيقول أهل الجنة: عند جهينة الخبر اليقين«، وحكى السهيلي أنه جاء أن اسمه هنّاد، قاله في »الفتح« . وقوله: (لَمْ يَعْمَلْ) صفة «رجلٌ» (حَسَنَةً قَطُّ) ولفظ البخاريّ: «خيرًا قط»؛ أي: عملًا صالحًا بعد الإِسلام، قال الباجيّ: ظاهر أن العمل ما يتعلق بالجوارح، وهو العمل، وإن جاز أن يُطلق على الاعتقاد على سبيل المجاز والاتساع، فقوله -ﷺ- عن هذا الرجل: إنه لم يعمل شيئًا من الحسنات التي تعمل بالجوارح، وليس فيه إخبار عن اعتقاد الكفر، وإنما يُحمل هذا الحديث على أنه اعتقد الإيمان، ولكنه لم يأت من شرائعه بشيء، فلما حضره الموت خاف تفريطه، فأمر أهله أن يحرقوه. انتهى. قال المباركفوريّ: وقع في رواية أحمد ٢/ ٣٠٤: «كان رجل ممن كان قبلكم، لم يعمل خيرًا قط إلا التوحيد»، وهكذا وقع استثناء التوحيد في حديث ابن مسعود أيضًا عن أحمد ١/ ٣٩٨، ورواية الباب وإن لم يذكر فيها هذا الاستثناء صريحًا لكنها كالصريح في ذِكره؛ لإطباق الروايات على ذِكر خشيته، وخوفه من عذابه، وغفرانه تعالى. انتهى . وفي رواية «أسرف رجل على نفسه»؛ أي: بالغ في فعل المعاصي، وهذا لفظ مسلم، وللبخاريّ: «كان رجل يسرف على نفسه»، وفي حديث حذيفة عند البخاريّ: «إنه كان يسيء الظن بعمله»، وفي حديث أبي سعيد عند الشيخين: «فإنه لم يبتئر عند اللَّه خيرًا»، وفسَّرها قتادة: لم يَدَّخِر، ووقع في آخر حديث حذيفة عند البخاريّ: قال عقبة بن عمرو أبو مسعود: وأنا سمعته -يعني: النبيّ -ﷺ- يقول ذلك، وكان نباشًا -أي: للقبور- يسرق أكفان الموتى، قال الحافظ: قوله: «وكان نباشًا» هو من رواية حذيفة، وأبي مسعود معًا، كما يدلّ عليه رواية ابن حبان. ووقع في رواية للطبراني بلفظ: «بينما حذيفة وأبو مسعود جالسين، فقال أحدهما: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول:»إن رجلًا من بني إسرائيل كان ينبش القبور«. وقوله: (لأَهْلِهِ) متعلّق بـ«قال»، (إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ) بصيغة الأمر من التحريق، وفي الرواية التالية:«فأحرقوه»من الإحراق، ومقتضى السياق أن يقول: إذا مت فحرّقوني، لكنه على طريق الالتفات، قال الطيبيّ: قوله:«إذا مات. . . إلخ»مقول«قال»على الرواية الأُولى، ومعمول«أوصى»على الرواية الأخرى، فقد تنازعا فيه في عبارة الكتاب. انتهى. (ثُمًّ اذْرُوا) يجوز فيه وصل الهمزة، وقَطْعها من الثلاثي المجرد، والمزيد، يقال: ذَرَت الريح التراب وغيره تَذْرُوه ذروًا وذريًا وذَرّته: أطارته، وسفّته، وأذهبته، وفرّقته بهبوبها، قال الحافظ: بهمز قَطْع وسكون المعجمة، مِن: أذرت العين دمعها، وأذريت الرجل عن الفرس، وبالوصل مِن: ذروت الشيءَ، ومنه: ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف: ٤٥]. وفي رواية:«ثم اطحنوني، ثم ذُرُّوني»بضم المعجمة، وتشديد الراء، من الذرّ؛ أي: فرّقوني. وفي حديث حذيفة عند البخاري في«الرقاق»:«فذروني»، قال الحافظ: بالتخفيف بمعنى الترك، وبالتشديد بمعنى التفريق، وهو ثلاثيّ مضاعف، تقول: ذررت الملح أَذُرّه، ومنه الذريرة نوع من الطِّيب. قال ابن التين: ويَحْتَمِل أن يكون بفتح أوله، وكذا قرأناه، ورويناه بضمها، وعلى الأول هو من التذرية، وعلى الثاني من الذرّ. انتهى. (نِصْفَهُ)؛ أي: نصف رماده (فِي الْبَرِّ، وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ) وفي حديث حذيفة:«إذا أنا مت، فاجمعوا لي حطبًا كثيرًا، وأوقدوا فيه نارًا، حتى إذا أكلت لحمي، وخلصت إلى عظمي، فامتحشت، فخذوها، فاطحنوها، ثم انظروا يومًا راحًا ، فاذروه في اليمّ. . .»الحديث. وفي حديث أبي سعيد:«فإذا مت فاحرقوني: حتى إذا صرت فحمًا، فاسحقوني -أو قال-: فاسهكوني، ثم إذا كان ريح عاصف، فاذروني فيها، فأخذ مواثيقهم على ذلك». قال الباجيّ: وذلك على وجهين: أحدهما: على وجه الفرار مع اعتقاده أنه غير فائت، كما يفرّ الرجل أمام الأسد، مع اعتقاده أنه لا يفوته سَبْقًا، ولكنه يفعل نهاية ما يمكنه فعله. والوجه الثاني: أن يفعل هذا خوفًا من الباري تعالى، وتذللًا ورجاء أن يكون هذا سببًا إلى رحمته، ولعله كان مشروعًا في ملته. انتهى . (فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ) بتخفيف الدال، وتشديدها، من القَدْر، بمعنى التضييق، أو بمعنى القضاء، لا من القدرة والاستطاعة. (لَيُعَذِّبَنَّهُ) بنون التوكيد المشدّدة، (عَذَابًا)؛ أي: تعذيبًا (لَا يُعَذِّبُهُ)؛ أي: ذلك العذاب، (أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ)؛ أي: من الموحدين. وقد استُشكل هذا الحديث؛ لأن صنيع الرجل، وقوله ظاهر في الشكّ في قدرة اللَّه تعالى على البعث والإحياء، والشك في القَدَر كُفر، وقد قال في آخر الحديث: «خَشْيَتك، وغفر له»، والكافر لا يخشاه، ولا يُغفر له. واختُلف في تأويله، فقيل: إن «قدَر» بالتخفيف بمعنى ضَيّق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] بالتخفيف، والتشديد، وهو أحد الأقوال في قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، والمعنى: لئن ضيَّق اللَّه عليه، وناقشه في حساب. وقيل: المعنى: لئن قَدَر عليه العذاب؛ أي: قضى، من قَدَر بالتخفيف، والتشديد، بمعنى واحد؛ أي: لئن قدر عليه أن يعذبه ليعذبنه، ولكن هذا كالذي قبله معنى غير مناسب للسوق أصلًا، مع أنه وقع في حديث معاوية بن حيدة عند أحمد ٤/ ٤٤٧ و٥/ ٣، ٤: «ثم اذروني في الريح، لعلي أضلّ اللَّه -﷿-»؛ أي: أغيب عنه، وأفوته، يقال: ضل الشيءُ: إذا فات وذهب، وهو كقوله تعالى: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي﴾ [طه: ٥٢]، وهذا يدلّ على أن قوله: «لئن قدر اللَّه عليه» على ظاهره، وأنه أراد التمنع بالتحريق من قدرة اللَّه، ومع ذلك أخبر الصادق بغفرانه، فلا بد من وجه يمكن القول بإيمانه، فقيل: مقصود الرجل بهذه الوصية: إن فرقوا أجزائي في البرّ والبحر بحيث لا يكون هناك سبيل إلى جَمْعها، فيَحْتَمِل أنه رأى أن جَمْعه حينئذٍ يكون مستحيلًا، والقدرة لا تتعلّق بالمستحيل، فلذلك قال: «فلئن قدر اللَّه عليه»، فلا يلزم أنه نفى القدرة، أو شك فيها، فصار بذلك كافرًا، فكيف يغفر له؟ وذلك أنه ما نفى القدرة على ممكن، وإنما فَرَض غير المستحيل مستحيلًا فيما لم يثبت عنده أنه ممكن من الدين بالضرورة، والكفر هو الأول لا الثاني. وقيل: إن الرجل ظن أنه إذا فعل هذا الصنيع تُرك فلم يُنْشَر، ولم يعذَّب، وأما تلفّظه بقوله: «لئن قدر اللَّه»، وبقوله: «فلعلي أضل اللَّه» فلأنه كان جاهلًا بذلك. وقد اختُلف في مثله، هل يكفر أم لا؟ بخلاف الجاحد للصفة. قال الخطابيّ: إنه لم ينكر البعث، وإنما جهل، فظن أنه إذا فُعل به ذلك لا يعاد، فلا يعذَّب، وقد ظهر إيمانه باعترافه بأنّه إنما فعل ذلك من خشية اللَّه. وقيل: كان هذا الرجل موحّدًا مثبتًا للصانع، وكان في زمن الفترة حين ينفع مجرد التوحيد، ولم تبلغه شرائط الإيمان، ولا تكليف قبل ورود الشرع على المذهب الصحيح؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. وقيل: إنما وصى بذلك تحقيرًا لنفسه، وعقوبة لها بعصيانها، وإسرافها؛ رجاء أن يرحمه، فيغفر له، وهذا يؤيد أن قوله: «لئن قدر» بمعنى ضيّق، وقيل: لقي من هول المطلع ما أدهشه، وسَلَب عقله، فلم يتمكن من تمهيد القول، وتخميره، فبادر بسَقْط من القول، وأخرج كلامه مخرجًا لم يعتقد حقيقته. قال التوربشتيّ: وهذا أسلم الوجوه، وقال الطيبيّ: وهو كلام صدر عن غلبة حيرة، ودهشة، من غير تدبر في كلامه، كالغافل، والناسي، فلا يؤاخذ فيما قال، قال القاري: هذا هو الظاهر من الحديث كما سيأتي حيث قال تعالى: «لِمَ فعلت؟ قال: من خشيتك يا رب وأنت أعلم». وقيل: ذلك لا يؤاخذ عليه، وقال السنديّ: يَحْتَمِل أن شدة الخوف طيَّرت عقله، فما التفت إلى ما يقول، وما يفعل، وأنه هل ينفعه أم لا؟، كما هو المشاهَد في الواقع في مهلكة، فإنه قد يتمسك بأدنى شيء لاحتمال أنه لعله ينفعه؛ إذ هو فيما قال، وفَعَل في حُكْم المجنون. انتهى. وجعل الحافظ هذا القول أظهر الأقوال، حيث قال: وأظهر الأقوال أنه قال ذلك في حال دهشته، وغلبة الخوف عليه، حتى ذهب بعقله لِما يقول، ولم يقله قاصدًا لحقيقة معناه، بل في حالة كان فيها كالغافل، والذاهل، والناسي الذي لا يؤاخَذ بما يصدر منه، قال: وأبعد الأقوال قول من قال: إنه كان في شَرْعهم جواز المغفرة للكافر. انتهى. وقال ابن أبي جمرة: كان الرجل مؤمنًا؛ لأنه قد أيقن بالحساب، وإن السيئات يعاقَب عليها، وأما ما أوصى به فلعله كان جائزًا في شرعهم لتصحيح التوبة، فقد ثبت في شرع بني إسرائيل قَتْلهم أنفسهم، وقيل: ظن هذا الرجل أن اللَّه تعالى إن وجده على حاله وهيئته يعذبه شديدًا، وإذا وجده محترقًا مطحونًا مفرقًا، فلعله يرحمه، ويُشفق عليه؛ لتحمّله تلك المشاقّ والشدائد، كما هو دأب الموالي الكرماء، فإنهم إذا وجد أحدهم عبده المسيء في مرض، أو شدة رَحِمه، وعَطَف عليه، ورضي عنه، وإن كان قبل ذلك ساخطًا عليه، وغضبان، واللَّه تعالى أعلم . (فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ) الموصي بذلك، (فَعَلُوا)؛ أي: أهله، أو بَنُوه، (مَا أَمَرَهُمْ) به، من التحريق وغيره، (فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَرَّ، فَجَمَعَ مَا فِيهِ)؛ أي: من أجزاء الرجل، (وَأَمَرَ الْبَحْرَ، فَجَمَعَ مَا فِيهِ)؛ أي: من أجزائه أيضًا، وفي رواية: «فأمر اللَّه تعالى الأرض، فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت، فإذا هو قائم»، وفي حديث أبي سعيد: «فقال اللَّه: كن، فإذا رجل قائم»، وفي حديث سلمان الفارسيّ عند أبي عوانة في «صحيحه»: «فقال اللَّه له: كن، فكان كأسرع من طرفة العين»، وهذا جميعه كما قال ابن عقيل: إخبار عما سيقع له يوم القيامة، وليس كما قال بعضهم: إنه خاطب روحه، فإن ذلك لا يناسب قوله: فجمعه اللَّه؛ لأن التحريق، والتفريق، إنما وقع على الجسد، وهو الذي يُجمع، ويعاد عند البعث. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا داعي إلى صرف ظاهر الحديث بهذا التأويل، فإن الحديث ظاهر في كون هذا الأمر بعد أن فَعل الرجل ما أَمر به مباشرة، فتأمله بالإمعان، واللَّه تعالى أعلم. (ثُمَّ قَالَ) اللَّه -﷿- للرجل: (لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟)؛ أي: ما ذُكر من الوصية الجائرة، وفي رواية: «ما حملك على ما صنعت؟» (قَالَ) الرجل: (مِنْ خَشْيَتِكَ)؛ أي: فعلتُ ما فعلتُ من أجل خشيتي لعذابك (يَا رَبِّ) وفي حديث حذيفة: «ما حملني إلا مخافتك»، (وَأَنْتَ أَعْلَمُ) بقصدي من ذلك، قال ابن عبد البرّ -﵀-: وهذا دليل على إيمانه؛ إذ الخشية لا تكون إلا لمؤمن، بل لعالم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، ويستحيل أن يخافه من لا يؤمن به، وقد رُوي الحديث بلفظ: «قال رجل لم يعمل خيرًا قط إلا التوحيد»، وهذه اللفظة ترفع الإشكال في إيمانه، والأصول تعضدها: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]. قلت : الخشية من لوازم الإيمان، ولمّا كان فعله هذا من أجل خشية اللَّه تعالى، وخوفه، فلا بد من القول بإيمانه، وعلى هذا فالحديث ظاهر، بل هو كالصريح في استثناء التوحيد، كما تقدم، فلا إشكال فيه. (فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ») وفي حديث أبي سعيد -﵁-:«فما تلافاه أن رحمه»؛ أي: تداركه، و«ما»موصولة؛ أي: الذي تلافاه هو الرحمة، أو نافية، وصيغة الاستثناء محذوفة، وفي رواية بلفظ:«فتلقاه رحمة». قال الحافظ -﵀-: قالت المعتزلة: غُفر له؛ لأنه تاب عند موته، وندم على فعله، وقالت المرجئة: غُفر له بأصل توحيده الذي لا تضرّ معه معصية. وتُعُقّب الأول بأنّه لم يَرِد أنه ردَّ المظلمة، فالمغفرة حينئذ بفضل اللَّه، لا بالتوبة؛ لأنها لا تتم إلا بأخذ المظلوم حقه من الظالم، وقد ثبت أنه كان نَبّاشًا. وتُعُقِّب الثاني بأنّه وقع في حديث أبي بكر الصديق -﵁- المشار إليه أولًا أنه عُذّب، فعلى هذا فتُحْمَل الرحمة والمغفرة على إرادة ترك الخلود في النار، وبهذا يردّ على الطائفتين معًا: على المرجئة في أصل دخول النار، وعلى المعتزلة في دعوى الخلود فيها، وفيه أيضًا ردّ على من زعم من المعتزلة أنه بذلك الكلام تاب، فوجب على اللَّه قبول توبته. انتهى. وقيل: إن مغفرته إنما هي لكمال خوفه، وخشيته من اللَّه -﷿-؛ لأنَّ الخشية من المقامات السنية، ولمّا كانت على أقصى مراتبها، وإن حصلت عند حضور علامات الموت، صارت سببًا لمحو جميع سيئاته، ووسيلة إلى مغفرة جميع ذنوبه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وقد تقدّم أن الخوف من اللَّه من لوازم الإيمان، واللَّه تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٦٩٥٥ و٦٩٥٦] (٢٧٥٦)، و(البخاريّ) في «أحاديث الأنبياء» (٣٤٨١) و«التوحيد» (٧٥٠٦)، و(النسائيّ) في «المجتبى» (٤/ ١١٢) وفي «الكبرى» (٢٢٠٦)، و(ابن ماجه) في «الزهد» (٤٢٥٥)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ٢٤٠)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٣٩٨ و٢/ ٢٠٤)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٤١٨٣ و٤١٨٤)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قد ذكر الإمام أبو عمر بن عبد البرّ -﵀- اختلاف رواة «الموطّأ» في رفع هذا الحديث ووقفه، فقال بعد أن أورد الحديث من رواية يحيى بن يحيى الليثيّ عن مالك مرفوعًا ما نصّه: قال أبو عمر: تابع يحيى على رفع هذا الحديث عن مالك بهذا الإسناد أكثر رواة «الموطأ»، ووَقَفه مصعب بن عبد اللَّه الزبيريّ، وعبد اللَّه بن مسلمة القعنبيّ، فجعلاه من قول أبي هريرة، ولم يرفعاه، وقد رُوي عن القعنبيّ مرفوعًا كرواية سائر الرواة عن مالك، وممن رواه مرفوعًا عن مالك: عبد اللَّه بن وهب، وابن القاسم، وابن بكير، وأبو المصعب، ومطرف، ورَوح بن عبادة، وجماعة. انتهى . وقال في «الاستذكار» بعدما ذكر نحو هذا: والصواب رفعه؛ لأن مثله لا يكون رأيًا، وقد ذكرنا في «التمهيد» طرقًا كثيرة لحديث أبي هريرة هذا، وذكرنا من رواه معه من الصحابة -﵃-. انتهى . (المسألة الرابعة): في فوائده: ١ - (منها): بيان إثبات البعث بعد الموت، وإن تفرقت الأجزاء، وتلاشت. ٢ - (ومنها): بيان عظمة قدرة اللَّه تعالى. ٣ - (ومنها): بيان فضيلة الخوف من اللَّه تعالى، وغَلَبتها على العبد، وأنها من مقامات الإيمان، وأركان الإِسلام، وبها انتفع هذا المسرف، وحصلت له المغفرة. [تنبيه]: قال الحافظ وليّ الدين -﵀-: إن قلت: في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة -﵁-، عن النبيّ -ﷺ-، عن اللَّه تعالى: «أنا عند ظنّ عبدي بي»، وهذا قد ظنّ بربه تعذيبه، وعدم المغفرة له، فكيف غفر له؟. قلت: قد اختلفوا في معنى هذا الحديث، فقيل: المراد به الرجاء، وتأميل العفو. وقيل: معناه: بالغفران له إذا استغفر، والقبول له إذا تاب، والإجابة إذا دعا، والكفاية إذا طلب الكفاية. فإن قلنا بالثاني، فالجمع واضح؛ لأنَّ هذا قد ندم على ما فَرَطَ منه، ولولا ندمه لَمَا أَمَر أن يُفعل به ذلك، فكان تائبًا، فقُبلت توبته، وغُفر له. وإن قلنا بالأوّل، فقد حكى القاضي عياض، والنوويّ في «شرح مسلم» أنه قيل: إنما أوصى بذلك تحقيرًا لنفسه، وعقوبة لها؛ لعصيانها، وإسرافها، رجاء أن يرحمه اللَّه تعالى، فهو حينئذ قد رجا العفو، وأمّله، فكان اللَّه عند ظنّه به، فعفا عنه، وهذا بعيد من قوله: «إن قدر اللَّه عليّ»، إن لم يؤوّله بما تقدّم، واللَّه تعالى أعلم. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله القاضي عياض، والنوويّ -رحمهما اللَّه تعالى- جواب سليم، وتوجيه مستقيم، وبه يزول الإشكال. واللَّه تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): أنه لا ضرر على العبد في غلبة الخوف، وإن كانت بقرب الوفاة، وإن كان المطلوب من العبد في تلك الحالة أن يُحسن ظنه بربّه، لِمَا أخرجه مسلم عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاريّ -﵄-، قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- قبل موته بثلاثة أيام، يقول: «لا يموتنّ أحدكم، إلا وهو يحسن الظن باللَّه -﷿-». ٥ - (ومنها): أنه يدلّ على أن خوف العبد من ذنبه، ليس كراهية للقاء اللَّه تعالى؛ لأنَّ الخائف من ذنبه يطلب أن يكون مصيره إلى الدار الآخرة على وجه مرضيّ، يقربه إلى اللَّه تعالى، فَكَرِه حالة نفسه التي هو عليها، ولم يكره لقاء اللَّه تعالى مطلقًا، بل أحبّ لقاءه على غير تلك الحالة، قاله وليّ الدين -﵀-. ٦ - (ومنها): أن الأعمال بالنيّات، والمقاصد، فإن اللَّه تعالى لم ينظر إلى هذا العمل، بل إلى القصد، فقال له: «لم فعلت هذا؟»، ولما كان الحامل عليه الخشية، كان سبب المغفرة، ولو حَمَل عليه سبب آخر فاسد، لكان الأمر بخلاف ذلك، فيما يظهر، واللَّه تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): أن فيه بيانَ سعة رحمة اللَّه تعالى، ومغفرته، وأن المسرف على نفسه لا ييأس من ذلك، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]، وقد قيل: إن هذه الآية أرجى آية في كتاب اللَّه تعالى، اللَّهُمَّ اغفر لنا ذنوبنا، وكفّر عنّا سيّاتنا، وأدخلنا الجنّة برحمتك يا أرحم الراحمين. (المسألة الخامسة): أنه استُشكل قوله: «لئن قدر اللَّه عليّ، ليعذّبنّي»؛ لأنَّ ظاهره نفي قدرة اللَّه تعالى على إحيائه، وإعادته، والشاكّ في قدرة اللَّه تعالى كافر، مع أن الحديث يدلّ على إسلامه من وجهين: أحدهما: إخباره بأنّه إنما فعل هذا من خشية اللَّه تعالى، والكافر لا يخشى اللَّه تعالى. الثاني: إخباره -ﷺ- بأن اللَّه تعالى غفر له، والكافر لا يُغفر له، مع ما انضمّ إلى ذلك من الرواية التي في «مسند أحمد» الصريحة في أنه كان موحّدًا، فاختلف العلماء في تأويله: فقالت طائفة: لا يصحّ حمله على ظاهره؛ لِمَا ذكرناه، فيكون له تأويلان: أحدهما: أن معناه: لئن قدر اللَّه عليّ العذاب؛ أي: قضاه، يقال منه: قَدَرَ -بالتخفيف- وقَدَّر -بالتشديد- بمعنى واحد. الثاني: أن «قدَرَ» بمعنى: ضَيّق، فقوله: «لئن قدر اللَّه عليّ»؛ أي: لئن ضيّق اللَّه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦]، وهو أحد الأقوال في قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. وقال الآخرون: اللفظ على ظاهره، وذكروا له تأويلات: أحدها: أن هذا الرجل قال هذا الكلام، وهو غير ضابط لكلامه، ولا قاصد لحقيقة معناه، ومعتقد لها، بل قاله في حالةٍ غلب عليه فيها الدّهْشُ، والخوف، والجزَع الشديد، بحيث ذهب تيقّظه، وتدبّره، ما يقوله، فصار في معنى الغافل، والناسي، وهذه الحالة لا يؤاخذ فيها، وهو نحو قول القائل الآخر الذي غلب عليه الفرَح حين وجد راحلته: «أنت عبدي، وأنا ربّك»، فلم يُكفَّر بذلك، للدهش، والغلبة، والسهو، وقد ورد في غير «الصحيحين»: «فلعلي أضلّ اللَّه»؛ أي: أغيب عنه، وهذا يدلّ على أن قوله: «لئن قدر اللَّه» على ظاهره، كما ذكرنا. الثاني: أن هذا من مجاز كلام العرب، وبديع استعمالها، يسمّونه: مزج الشكّ باليقين، وسمّاه بعضهم: تجاهل العارف، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، فصورته صورة شكّ، والمراد به اليقين. الثالث: أن غاية ما فيه أن هذا رجل جهل صفة من صفات اللَّه تعالى، وقد اختلف العلماء في تكفير جاهل الصفة، فممن كفّره بذلك محمد بن جرير الطبريّ، وقاله الشيخ أبو الحسن الأشعريّ أوّلًا. وقال آخرون: لا يكفّر بجهل الصفة، ولا يخرج به عن اسم الإيمان، بخلاف جحدها، وإليه رجع أبو الحسن الأشعريّ، وعليه استقرّ قوله، قال: لأنه لم يعتقد ذلك اعتقادًا نقطع بصوابه، ويراه دينًا وشرعًا، وإنما يكفر من اعتقد أن مقالته حقّ؛ قال هؤلاء: ولو سئل الناس عن الصفات، لَوُجد العالم بها قليلًا. وحكاه ابن عبد البرّ عن المتقدّمين، من العلماء، ومن سلك سبيلهم، من المتأخرين، واستدلّ عليه بأن عمر، وعمران بن حُصين، وجماعة من الصحابة، سألوا رسول اللَّه -ﷺ- عن القدَر، ومعلوم أنهم إنما سألوه عن ذلك، وهم جاهلون به، وغير جائز عند أحد من المسلمين أن يكونوا بسؤالهم عن ذلك كافرين. انتهى. الرابع: أنه كان في زمن فترة، حين ينفع مجرّد التوحيد، ولا تكليف قبل ورود الشرع على المذهب الصحيح، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. الخامس: أنه يجوز أنه كان متمسّكًا بشريعة فيها جواز العفو عن الكافر، وإن كان ذلك غير جائز في شرعنا، فإنه من مجوّزات العقول عند أهل السُّنَّة، وإنما منعناه في شرعنا بالشرع، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية [النساء: ١١٦]. وغير ذلك من الأدلّة. ونصّ عبارة ابن عبد البرّ -﵀- في «الاستذكار»: وفي رواية أبي رافع عن أبي هريرة في هذا الحديث أنه قال: «قال رجل لم يعمل خيرًا قط إلا التوحيد»، وهذه اللفظة ترفع الإشكال في إيمان هذا الرجل، والأصول كلها تعضدها، والنظر يوجبها؛ لأنه محال أن يغفر اللَّه للذين يموتون وهم كفار؛ لأنَّ اللَّه -﷿- قد أخبر أنه لا يغفر أن يشرك به، وقال: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، فمن لم ينته عن شركه، ومات على كفر لم يك مغفورًا له، قال اللَّه -﷿-: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨]. وأما قوله: «لم يعمل حسنة قط» وقد روي: «لم يعمل خيرًا قط» ما عدا التوحيد من الحسنات والخير، بدليل حديث أبي رافع المذكور. وهذا شائع في لسان العرب أن يؤتى بلفظ الكل والمراد البعض، وقد تقول العرب: لم يفعل كذا قط تريدُ الأكثر من فعله، ألا ترى إلى قوله -ﷺ-: «لا يضع عصاه عن عاتقه» يريد أن الضرب للنساء كان منه كثيرًا، لا أن عصاه كانت ليلًا ونهارًا على عاتقه. والدليل على أن الرجل كان مؤمنًا قوله حين قال له: «لم فعلت هذا؟» قال: من خشيتك يا رب، والخشية لا تكون إلا لمؤمن يصدق، بل ما تكاد تكون إلا من مؤمن عالم، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. قالوا: كل من خاف اللَّه فقد آمن به وعرفه، ويستحيل أن يخاف من لا يؤمن به. وأما قوله: «لئن قدر اللَّه عليّ» فقد اختلف العلماء في ذلك: فقال بعضهم: هذا رجل جهل بعض صفات اللَّه تعالى، وهي القدرة، قالوا: ومن جهل صفة من صفات اللَّه -﷿-، وآمن به، وعلم سائر صفاته، أو أكثر صفاته لم يكن بجهله بعضها كافرًا، وإنما الكافر مَن عاند الحقّ، لا مَن جَهِله، والشواهد على هذا من القرآن كثيرة. ومنها قول اللَّه -﷿-: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [آل عمران: ٧٠]، وقال: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١]، وقال: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، وقال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، وقال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ [الصف: ٥]، وقال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]. فهذا هو الكفر المجتمع عليه في الاسم الشرعيّ، والاسم اللغويّ. والدليل على أن من جهل صفة من صفات اللَّه تعالى لا يكون بها كافرًا إذا كان مصدّقًا باللَّه ورسله وكتبه واليوم الآخر: أن أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- عمر وغيره سألوا رسول اللَّه -ﷺ- عن القدر، ومعناه قِدَمُ العلم أنه مكتوب عنده ما سبق في علمه، وفي ذلك يجري خلفه لا فيما يستأنف، بل ما قد جَفّ به القلم، وكل صغير وكبير مسطَّر في اللوح المحفوظ، فأعلمهم أنه ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، ومعلوم أنهم في حين سؤالهم وقبله كانوا مؤمنين، ولا يسع مسلمًا أن يقول فيه غير ذلك، ولو كان لا يسعه جهل صفة من صفات اللَّه تعالى، وهي قِدَم العلم لِعِلمهم بذلك مع الشهادة بالتوحيد، ويجعله عمودًا سادسًا للإسلام. وقال آخرون: أراد بقوله: «لئن قدر اللَّه عليّ»؛ أي: لئن كان قدر اللَّه عليه، والتخفيف في هذه اللفظة والتشديد سواء في اللغة، فَقَدَر هنا عند هؤلاء من القدر الذي هو الحُكم، وليس من باب القدرة والاستطاعة في شيء، وهو مثل قوله -﷿-: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. وللعلماء في تأويل هذه اللفظة في هذه الآية قولان: أحدهما: أنها من التقدير والقضاء، والآخر: أنها من التقتير والتضييق. والمعنى في قول هؤلاء -واللَّه أعلم- لئن ضيّق اللَّه عليّ، وبالغ في محاسبتي، ولم يغفر لي وجازاني على ذنوبي ليكونن ما ذُكر. والوجه الآخر: كأنه قال: لئن كان قد سبق في قَدَر اللَّه وقضائه أن يعذب كل ذي جرم على جرمه، لَيعذبنني على ذنوبي عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين غيري، وهذا منه خوف ويقين وإيمان، وتوبيخ لنفسه، وخشية لربه، وتوبة على ما سلف من ذنوبه، وهذا كله لا يكون إلا لمؤمن مصدق مؤمن بالبعث والجزاء. وفي القدر لغتان مشهورتان: قَدَّر اللَّه -بالتشديد- وقَدَر اللَّه -بالتخفيف- ذكره ابن قتيبة عن الكسائيّ، وذكره ثعلب وغيره. انتهى كلام ابن عبد البرّ -﵀- . وقد ذكرناه والشواهد عليه في التمهيد والحمد له. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يترجّح عندي من هذه الأقوال هو القول بأن الرجل إنما تكلم بهذا الكلام في حال شدّة خوفه من اللَّه تعالى، فطار عقله، وغاب وعيه، فَعَذره اللَّه تعالى في خطئه بسبب ذلك، كما عَذَر من أخطأ في شدة الفرح بقوله: «اللَّهُمَّ أنت عبدي، وأنا ربّك»، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة السادسة): قال الحافظ وليّ الدين -﵀-: إن قلت: ظاهر حال هذا الرجل أنه وقع في كبيرة، وهو اليأس من رحمة اللَّه، وكان هذا خاتمة أمره، فكيف كانت هذه الكبيرة سبب المغفرة؟. قلت: إن صرفنا اللفظ عن ظاهره، يحمل «قَدَرَ» على «قضى»، أو «ضيّق»، فليس فيه اليأس من رحمة اللَّه، فإنه يرجو الرحمة بتقدير أن لا يقضي عليه بالعذاب، أو لا يضيّق عليه على اختلاف القولين. وإن أخذناه على ظاهره، فالجواب عن هذا: أن شدّة الخوف اصطلمته، وأذهلته، حتى خرج عن حدّ التكليف، فنفعه خوفه، ونَجّاه مع التوحيد، ولم يضرّه يأسه؛ لأنه حصل له في حالة انقطع عنه فيها التكليف، وبتقدير أنه لم يصل إلى حالة أخرجته عن حيّز المكلّفين، فالخوف الحاصل له كفّر عنه سيّئته التي هي اليأس من رحمة اللَّه، بل كفَّر عنه سيئآته التي كان يرتكبها طول عمره، وقد يشتمل الفعل الواحد على طاعة من وجه، ومعصية من وجه، فربما غلبت الطاعة، فكفّرت المعصية، وربما غلبت المعصية، فأحبطت ثواب الطاعة، وفي هذا المحلّ غلبت الطاعة، فكفّرت المعصية. وعن الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام أنه قال فيمن سمع بآلة محرّمة، فأحدثت له أحوالًا صالحة، يحصل له إثم السماع المحرّم، وثواب الأعمال الصالحة، فإن غلب الثواب ربح، وإن غلب الإثم خسر، وإن استويا تكافأ. هذا معناه. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي ذكره وليّ الدين من كلام الشيخ عز الدين ابن عبد السلام، غير صحيح، فإن السماع المحرّم لا تحصل منه أحوال صالحة، وإن تخيّل صاحبه ذلك، وادّعاه، فإن الأحوال الصالحة، إنما تحصل بطاعة اللَّه تعالى، وأما المحرّمات، فلا يحصل بها إلا الأحوال الشيطانية، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. قال: وروى الإمام أحمد -﵀- في «مسنده»، وغيرُهُ بإسناد جيّد، عن ابن عمر -﵄-: أن رسول اللَّه -ﷺ- قال لرجل: «فعلتَ كذا وكذا؟»، قال: لا، والذي لا إله إلا هو، يا رسول اللَّه، ما فعلت، فقال: «بلى، ولكن غُفر لك بالإخلاص». وروي هذا المعنى أيضًا من حديث ابن عباس، وأنس، وابن الزبير -﵃-. انتهى كلام وليّ الدين -﵀-. قال الجامع عفا اللَّه عنه: لعله -ﷺ- أراد بالإخلاص التوحيد، فإن الرجل موحّد، والموحّد يُغفر له؛ كما قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، ولعله -ﷺ- أوحي إليه أن الرجل ممن شاء اللَّه مغفرته، فأخبر بذلك، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٥٦ و٦٩٥٧] (٢٦١٩) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ -وَاللَّفْظُ لَهُ-: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، قَالَ: قَالَ لِيَ الزُّهْرِيّ: أَلَا أُحَدِّثُكَ بِحَدِيثَيْنِ عَجِيبَيْنِ؟ قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «أَسْرَفَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى بَنِيهِ، فَقَالَ: إِذَا أَنَا مُتُّ، فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اسْحَقُونِي، ثُمَّ اذْرُونِي فِي الرِّيحِ فِي الْبَحْرِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبُنِي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ بِهِ أَحَدًا، قَالَ: فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ، فَقَالَ لِلأَرْضِ: أَدِّي مَا أَخَذْتِ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ، فَقَالَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ فَقَالَ: خَشْيَتُكَ يَا رَبِّ، أَوْ قَالَ: مَخَافَتُكَ، فَغَفَرَ لَهُ بِذَلِكَ»). (قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَحَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ:«دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا، وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ، حَتَّى مَاتَتْ هَزْلًا»، قَالَ الزُّهْرِيُّ: ذَلِكَ لِئَلَّا يَتَّكِلَ رَجُلٌ، وَلَا يَيْأَسَ رَجُلٌ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (١٠٥) على الصحيح، وقيل: إن روايته عن عمر مرسلة (ع) تقدم في«الإيمان»٢٦/ ٢١٣. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب. شرح الحديث: (قَالَ) معمر بن راشد: (قَالَ لِيَ الزُّهْرِيّ) محمد بن مسلم: (أَلَا) أداة تحضيض (أُحَدِّثُكَ بِحَدِيثَيْنِ عَجِيبَيْنِ؟ قَالَ الزُّهْرِيُّ) مبيّنًا الحديث الأول: (أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-) في الرواية الآتية:«سمعت رسول اللَّه -ﷺ-»، وقد ذكر الحافظ أبو عمر: أن أكثر رواة«الموطإ»رفعوا هذا الحديث، ووَقَفه القعنبيّ، ومصعب الزبيريّ، على أبي هريرة. قال وليّ الدين: والمراد: وَقْف لفظه، وأما حكمه فهو الرفع؛ لأنه لا يقال مثله، من قِبَل الرأي، فهو مرفوع على كل حال. انتهى. (قَالَ:«أَسْرَفَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ) وفي حديث حذيفة -﵁-: »كان رجل ممن كان قبلكم يسيء الظنّ بعمله«، وفي حديث أبي مسعود: أن هذا الرجل كان نبّاشًا. وفي رواية للطبراني: بينما حذيفة، وأبو مسعود جالسين، فقال أحدهما: سمعت رسول اللَّه -ﷺ-، يقول: »إن رجلًا من بني إسرائيل، كان ينبش القبور«. وفي الرواية الماضية: »لم يعمل حسنة قط«. ولأحمد، من حديث ابن مسعود: »أنه لم يعمل شيئًا قط إلا التوحيد«. وظاهر قوله: «أنه لم يعمل حسنة قط»، أنه لم يكن موحدًا؛ لأنَّ التوحيد أعظم الخير، لكن إخباره بأنّه فعل هذا من خشية اللَّه تعالى يدلّ على توحيده، وكيف يخشى اللَّه من لا يعرفه؟ بل يدلّ على علمه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ الآية [فاطر: ٢٨]، وقد رَفعت رواية أحمد المذكورة هذا الإشكال، حيث استثنت من الخير التوحيد. (فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى بَنِيهِ، فَقَالَ: إِذَا أَنَا مُتُّ) بكسر الميم، وضمّها، من مات يَمَاتُ، كخاف يخاف، ومات يموت، كقال يقول، وفي حديث أبي سعيد -﵁- عند البخاريّ: «أن رجلًا كان قبلكم رَغَسَه اللَّه مالًا، فقال لبنيه لمّا حُضِر: أي أَبٍ كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإني لم أعمل خيرًا قط، فإذا أنا متّ. . .». وله من حديث حذيفة -﵁-: «أن رجلًا حضره الموت، لمّا أيس من الحياة أوصى أهله: إذا أنا متّ، فاجمعوا لي حطبًا كثيرًا، ثم أَوْرُوا نارًا، حتى إذا أكلَتْ لحمي، وخلصت إلى عظمي، فخذوها، فاطحنوها، فذرّوني في اليمّ، في يوم حارّ. . .». (فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اسْحَقُونِي) بفتح الحاء المهملة، أمْر من سحق يسحق، كمنع يمنع، قيل: روي: «اسحكوني»، واسهكوني«، والكل بمعنى واحد، وهو الدّقّ والطحن. (ثُمَّ اذْرُونِي) بالذال المعجمة، ويجوز في همزه الوصل والقطع، يقال: ذرتْهُ الريحُ، وأذرتْهُ، تذرُوه، وتذرِيه: إذا أَطارته، ومنه تذرية الطعام. كذا ذكر في«المشارق»، و«النهاية»: ذريت، وأذريت، بمعنًى. وقال في«الصحاح»: ذريته: طيّرته، وأذهبته، وذَرَت الريحُ الترابَ، وغيره تذروه ذَرْوًا، وذَرْيًا؛ أي: سَفَتْهُ، ومنه قولهم: ذَرَى الناسُ الحنطةَ، ثم قال: وأذريت الشيءَ: إذا ألقيته كإلقائك الحَبّ للزرع، وطعَنَهُ، فأذراه عن ظهر دابّته؛ أي: ألقاه. انتهى. وذكر في«المحكم»نحوه، وهذا يقتضي الفرق بين الثلاثيّ، والرباعيّ، وأن ما يُلقَى في غير محلّ معيّن، يُستعمل فيه الثلاثيّ، كما في هذا الحديث، وما يُلقَى في محلّ معيّن يُستعمل فيه الرباعيّ. قاله الحافظ وليّ الدين -﵀- . (فِي الرِّيحِ فِي الْبَحْرِ) الجارّ الأول متعلّق بالفعل قبله، والثاني متعلق بحال مقدّر من«الريح»؛ أي: حال كون ذلك الريح كائنًا في البحر، وإنما لم يتعلّق بما تعلّق به ما قبله؛ لئلا يتعلق حرفا جرّ بلفظ ومعنى واحد بفعل واحد، وهو ممنوع، كما هو معروف في محله. وفي حديث أبي سعيد:«في يوم عاصف»؛ أي: عاصف ريحه. وفي رواية:«في ريح عاصف»، وإنما أمرهم بهذا لتتفرّق أجزاؤه، بحيث لا يكون هناك سبيل إلى جَمْعها في ظنّه، كما بَيَّنَ ذلك بقوله: (فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَىَّ رَبِّي)«قدر»من باب نصر، وضرب، وفرِحَ، يقال: قدرتُ على الشيء: إذا قَوِيتَ عليه، وتمكنتَ منه، والاسم: القدرة. قال السنديّ -﵀- ما معناه: يَحْتَمِل أنه رأى أن جَمْعه يكون مستحيلًا، والقدرة لا تتعلّق بالمستحيل، فلذلك قال:«فواللَّه لئن قَدَر اللَّه»، فلا يلزم أنه نَفَى القدرة، فصار بذلك كافرًا، فكيف يُغفر له؟، وذلك أنه ما نفى القدرة على ممكن، وإنما فرض غيرَ المستحيل مستحيلًا فيما لم يثبت عنده أنه ممكن من الدين بالضرورة، والكفر هو الأول، لا الثاني. ويَحْتَمِل أن شدّة الخوف طيّرت عقله، فما التفت إلى ما يقول، وما يفعل، وأنه هل ينفعه، أم لا؟، كما هو المشاهَد في الواقع في مهلكة، فإنه قد يتمسّك بأدنى شيء؛ لاحتمال أنه لعله ينفعه، فهو فيما قال، وفعل في حكم المجنون. وأجاب بعضهم بأن هذا رجل لم تبلغه الدعوة، وهذا بعيد، واللَّه تعالى أعلم. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم هذا البحث مستوفًى في المسألة الخامسة، فأرجع إليه تزدد علمًا جمًّا، وباللَّه تعالى التوفيق. (لَيُعَذِّبُنِي) جواب القسم، والفعل مبنيّ على الفتح لاتصال نون التوكيد به، (عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ بِهِ أَحَدًا، قَالَ: فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ)؛ أي: جميع ما أوصاهم به، (فَقَالَ) اللَّه تعالى (لِلأَرْضِ: أَدِّي) فعل أمر للمؤنّثة من التأدية، وهي الأرض، (مَا أَخَذْتِ) وفي الرواية الآتية: «فقَالَ اللَّهُ -﷿- لِكُلِّ شَيْءٍ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا: أَدِّ مَا أَخَذْتَ منه»؛ أي: من أجزاء هذا الميت، وفي رواية البخاريّ: «فأمر اللَّه الأرض، فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت. . .». (فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ) «إذا» هنا هي الفُجائيّة؛ أي: ففاجأ قيامه، وفيه سرعة اجتماع أجزائه، وفي حديث سلمان -﵁- عند أبي عوانة في «صحيحه»: «فقال اللَّه له: كن، فكان كأسرع من طرفة العين». قال في «الفتح»: وهذا جميعه -كما قال ابن عقيل-: إخبار عما سيقع له يوم القيامة، وليس كما قال بعضهم: إنه خاطب روحه، فإن ذلك لا يناسب قوله: «فجمعه اللَّه»؛ لأنَّ التحريق، والتفريق، إنما وقع على الجسد، وهو الذي يُجمع، ويعاد عند البعث. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله في «الفتح»، نقلًا عن ابن عقيل من أنه إخبار عما سيقع. . . إلخ فيه نظر لا يخفى؛ إذ سياق الحديث يأباه، وهذا الذي نفاه من الوقوع قبل ذلك ليس ببعيد، ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ٢٠]. فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. (فَقَالَ) اللَّه -﷿- (لَهُ)؛ أي: لذلك الرجل الذي اجتمعت أجزاؤه، (مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟) «ما» الأولى استفهاميّة، والثانية موصولة؛ أي: أيُّ شيء حملك على هذا الذي صنعته من هذه الوصيّة الجائرة؟ (فَقَالَ) الرجل: (خَشْيَتُكَ يَا رَبِّ، أَوْ قَالَ: مَخَافَتُكَ) برفع «خشيتك»، أو «مخافتك» على الفاعليّة لفعل مقدّر، يدلّ عليه السؤال، كما أشار إلى ذلك ابن مالك -﵀- في «خلاصته»، حيث قال: وَيَرْفَعُ الْفَاعِلَ فِعْلٌ أُضْمِرَا … كَمِثْلِ «زَيْدٌ» فِي جَوَابِ «مَنْ قَرَا؟» أي: «حملني على ذلك خشيتك»، أو «مخافتك» (فَغَفَرَ لَهُ بِذَلِكَ«)؛ أي: بسبب خشيته، وفي حديث أبي سعيد -﵁-:»فتلقّاه برحمته«. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه في الحديث الماضي، وللَّه الحمد والمنّة. ثمَّ ذكر المصنّف -﵀- الحديث الثاني من الحديثين العجيبين اللذين حدّثه بهما حميد بن عبد الرحمن، فقال بالسند الماضي، وليس معلّقًا، ولذا لم أرقّم له ترقيمًا جديدًا، فما فعله بعض الشرّاح، وكذا الذين رقموا الكتاب من الترقيم الجديد غير صحيح، فتنبّه. (قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَحَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا، وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ، حَتَّى مَاتَتْ هَزْلًا»، قَالَ الزُّهْرِيُّ: ذَلِكَ لِئَلَّا يَتَّكِلَ رَجُلٌ، وَلَا يَيْأَسَ رَجُلٌ). قال الجامع عفا اللَّه عنه: حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀- وهو متّفقٌ عليه من حديث ابن عمر -﵄-، وقد تقدّم في «كتاب قتل الحيّات» «باب تحريم قتل الهرّة» برقم [٤/ ٥٨٤١] (٢٢٤٣)، وفي «كتاب البرّ والصلة» «باب تحريم تعذيب الهرّة إلخ» برقم [٣٧/ ٦٦٥٦] (٢٦١٩)، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، واللَّه تعالى وليّ التوفيق. وقوله: (دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ) لا يُعرف اسمها، فقيل: حِمْيريّة، وقيل: إسرائيلية، ولا تعارض؛ لأنَّ طائفة من حِمْيَر تهوّدت، فنُسبت إلى دينها تارةً، وإلى قبيلتها أخرى. وقوله: (فِي هِرَّةٍ)؛ أي: بسببها. وقوله: (مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ) بفتح الخاء المعجمة، وكسرها، وضمها، حكاهنّ في «المشارق»، والفتح أشهر، ورُوي بالحاء المهملة، والصواب المعجمة، وهي هوامّ الأرض، وحشراتها، كما وقع في الرواية الأخرى، وقيل: المراد به: نبات الأرض، وهو ضعيف، أو غلط، قاله النوويّ . وقوله: (حَتَّى مَاتَتْ هَزْلًا) بفتح الهاء، وضمّها؛ أي: ضَعفًا، قال المجد -﵀-: الهُزالُ بالضم: نقيضُ السِّمَنِ، وهُزِلَ، كعُنِيَ هُزالًا، وهَزَلَ، كنَصَرَ هَزْلًا، ويُضَمُّ، وهَزَلْتُه أهْزِلُه، وهَزَّلْتُه، وأهْزَلُوا: هُزِلَتْ أمْوالهُم، كهَزَلُوا، كضَرَبوا، وحَبَسوا أمْوالَهُم عن شِدَّةِ، وضِيقٍ. انتهى . وقوله: (قَالَ الزُّهْرِيُّ: ذَلِكَ) إشارة إلى سبب ذكره الحديثين: حديث صاحب الوصيّة، وحديث صاحبة الهرّة، فذكرتُ الحديث الثاني (لِئَلَّا يَتَّكِلَ رَجُلٌ) من أهل الطاعة على طاعته، فيستخفّ بالمعاصي، ويسترسل فيها؛ اتّكالًا على الطاعة، فإن هذه المرأة الظاهر أنه كانت مطيعة، وإنما دخلت النار بسبب ظُلمها الهرة فقط، فإذا سمع القصّة تَرَك الاتكال على طاعته، وانكفّ عن الاسترسال في المعاصي؛ خوفًا من المؤاخذة، كما وقع لهذه المرأة. (وَلَا يَيْأَسَ رَجُلٌ)؛ أي: وذكرتُ الحديث الأول؛ لئلا يقع رجل من أهل المعاصي في القنوط بسبب كثرة معاصيه، فإذا سمع هذا الحديث انشرح صدره لرجاء رحمة ربه، فأناب، وتاب، فقبل اللَّه تعالى توبته، كما قبل توبة الرجل، واللَّه تعالى أعلم. وقال صاحب «التكملة»: قوله: «لئلا يتّكل إلخ»؛ يعني: أن قصّة تعذيب المرأة بسبب الهرّة توجب الحذر من الذنوب، فإن الذنب اليسير ربّما يكفي لتعذيب الإنسان في الآخرة، فهذه القصّة تنفي الاتّكال على الرجاء، والغفلة عن الخوف. وأما قصّة الرجل الذي أوصى بتحريقه، فإنها تنفي اليأس والقنوط من
مصادر المؤلف (٢٥)

١. «الفتح» ١٣/ ٥٤١.

٢. «القاموس المحيط» ص ٨١٢.

٣. «المصباح المنير» ٢/ ٣٧٨.

٤. «المرقاة» ٥/ ٢٥١.

٥. «مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ٨/ ١٧٤.

٦. «صحيح البخاريّ» ٥/ ٢٣٧٤.

٧. «الفتح» ١١/ ٢٠٢.

٨. «الفتح» ١١/ ٢٠٢.

٩. قوله:«ابنُ بنت»برفع«ابن»صفة لمحمد، فما وقع في النسخ المطبوعة مضبوطًا بالجرّ غلطٌ، فتنبّه.

١٠. «مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ٨/ ١٧٨.

١١. «مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ٨/ ١٧٨.

١٢. أي: كثير الريح وشديده.

١٣. «مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ٨/ ١٧٨.

١٤. «مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ٨/ ١٧٨.

١٥. «مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح»٨/ ١٧٨.

١٦. القائل هو المباركفوري، صاحب«المرعاة»، فتنبّه.

١٧. «التمهيد» ١٨/ ٣٧.

١٨. «الاستذكار» ٣/ ٩٤.

١٩. «الاستذكار» ٣/ ٩٤ - ٩٥.

٢٠. هذا أَولى من قوله في«التقريب»: من الثانية؛ لما لا يخفى على طالع ترجمته، فتنبّه.

٢١. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٣/ ٢٦٧.

٢٢. «حاشية السنديّ على النسائيّ» ٣/ ١١٣.

٢٣. «الفتح» ٧/ ٢٠٦ - ٢٠٧ رقم (٣٤٧٨).

٢٤. «شرح النوويّ» ١٦/ ١٧٣.

٢٥. «القاموس المحيط» ص ١٣٨٣.