HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٧٥٨

حدثني عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي طلحة، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، فيما يحكي عن ربه ﷿ قال «أذنب عبد ذنبا. فقال: اللهم! اغفر لي ذنبي. فقال ﵎: أذنب عبدي ذنبا، فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب. فقال: أي رب! اغفر لي ذنبي. فقال ﵎: عبدي أذنب ذنبا. فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب فقال: أي رب! اغفر لي ذنبي. فقال ﵎: أذنب عبدي ذنبا. فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب. اعمل ما شئت فقد غفرت لك». قال عبد الأعلى: لا أدري أقال في الثالثة أو الرابعة «اعمل ما شئت».
ج ٤ ص ٢١١٢

سلسلة الرواة

التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٦٢٤
[٨٧٦] وقوله: (أَذنَبَ عَبدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذُّنبَ) ، فيه دلالة أن المذنب ما دام معترفا بوحدانية الله؛ يغفر الله ذنبه على ما كان فيه، وقوله: (اعْمَل مَا شِئتَ)، على أنه لا يعمل ذنبا بعد المغفرة؛ إذ وفقه للتوبة والطاعة، وإذا عمِل عمِلَ بالواجب، وهذا حديث مرجو. وقوله: (وَاللهُ أَشَدُّ غَيرًا) ، أي: غيرة، يقال: غار على أهله يغار غَيْرَةً [وغَيْرًا]، والغَيْرَة في صفات الله تعالى مما لا يُكَيَّف.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٢ ص٦٧٥
(٣٢٩١) - حدّثنا أبو الوليد، حدّثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن عقبة بن عبد الغافر، عن أبي سعيد -﵁-، عن النبيّ -ﷺ-؛ أن رجلًا كان قبلكم رَغَسه اللَّه مالًا، فقال لبنيه لمّا حُضِر: أيُّ أبٍ كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإني لم أعمل خيرًا قط، فإذا متّ فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني في يوم عاصف، ففعلوا، فجمعه اللَّه -﷿-، فقال: ما حملك؟ قال: مخافتك، فتلقاه برحمته». انتهى . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥) - (بَابُ قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَإِنْ تَكَرَّرَتِ الذُّنُوبُ، وَالتَّوْبَةُ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٦١] (٢٧٥٨) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ -﷿-، قَالَ: «أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ ﵎: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا، يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ، فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ ﵎: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ، فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ ﵎: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا، يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ»، قَالَ عَبْدُ الأَعْلَى: لَا أَدْرِي أَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ، أَوِ الرَّابِعَةِ:«اعْمَلْ مَا شِئْتَ»؟ قَالَ أَبُو أَحْمَدَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زَنْجُويَهْ الْقُرَشِيُّ الْقُشَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ النَّرْسِيُّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادِ) بن نصر الباهليّ مولاهم البصريّ، أبو يحيى المعروف بالنَّرْسيّ -بفتح النون، وسكون الراء، وبالمهملة- ثقةٌ ، من كبار [١٠] (ت ٦ أو ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في«الإيمان»٢٧/ ٢٢١. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابدٌ، أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بأخرة، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (خت م ٤) تقدم في«المقدمة»٦/ ٨٠. ٣ - (إِسْحاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقةٌ حجةٌ [٤] (ت ١٣٢) وقيل: بعدها (ع) تقدم في«الطهارة»٣٠/ ٦٦٧. ٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ) واسمه عمرو بن محصن، وقيل: غيره، الأنصاريّ النجاريّ، ثقةٌ، يقال: وُلد في عهد النبيّ -ﷺ-، وقال ابن أبي حاتم: ليست له صحبة [٢] (ع) تقدم في«المساجد ومواضع الصلاة»٤٧/ ١٤٩٢. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁-، ذُكر في الحديث الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من إسحاق، والباقيان بصريّان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة -﵁-، وقد سبق القول فيه قريبًا. شرح الحديث: (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ التابعيّ المشهور، (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ) قال في«الفتح»: تابعيّ جليل من أهل المدينة، له في البخاريّ عن أبي هريرة عشرة أحاديث، غير هذا الحديث، واسم أبيه كنيته، وهو أنصاريّ صحابيّ، ويقال: إن لعبد الرحمن رؤيةً، وقال ابن أبي حاتم: ليست له صحبة، ولهم عبد الرحمن بن أبي عمرة آخر، أدركه مالك، وقال ابن عبد البرّ: هو عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي عمرة، نُسب لجدّه، قال الحافظ: فعلى هذا هو ابن أخي الراوي عنه. انتهى . (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- وأخرج البخاريّ هذا الحديث في«كتاب التوحيد»من«صحيحه»، فقال:«حدّثنا أحمد بن إسحاق، حدّثنا عمرو بن عاصم، حدّثنا همّام، حدّثنا إسحاق بن عبد اللَّه، سمعت عبد الرحمن بن أبي عمرة، قال: سمعت أبا هريرة، قال: سمعت النبيّ -ﷺ-»فصرّح بالتحديث، والسماع من أوله إلى آخره. (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ -﷿-) هذا هو المسمّى بالحديث القدسيّ. (قَالَ) -ﷺ-: («أَذْنَبَ عَبْدٌ)؛ أي: من هذه الأمة أو من غيرهم، (ذَنْبًا) وفي رواية البخاريّ: »إن عبدًا أصاب ذنبًا -وربما قال-: أذنب ذنبًا«، قال الحافظ: كذا تكرر هذا الشكّ في هذا الحديث من هذا الوجه، ولم يقع في رواية حماد بن سلمة -يعني: في رواية مسلم هنا- ولفظه عن النبيّ -ﷺ- فيما يحكي عن ربه -﷿- قال: »أذنب عبد ذنبًا«، وكذا في بقية المواضع. انتهى . (فَقَالَ) ذلك العبد، وهو عَطْف على «أذنب»، قال الطيبيّ: الفاء سببيّة، جعل اعترافه بالذنب سببًا للمغفرة، حيث أوجب اللَّه تعالى المغفرة للتائبين المعترفين بالسيّئات على سبيل الوعد . (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي) وفي رواية البخاريّ: «إن عبدًا أصاب ذنبًا، وربما قال: أذنب ذنبًا، فقال: رب أذنبت، وربما قال: أصبت فاغفر لي». (فَقَالَ تَبَارَكَ)؛ أي: تكاثرت خيرات أسمائه (وَتَعَالَى)؛ أي: ارتفع عن كل ما لا يليق به، (أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا، يَغْفِرُ الذَّنْبَ)؛ أي: إذا شاء لمن شاء، (وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ)؛ أي: يؤاخذ، ويعاقب فاعله، إذا شاء لمن شاء، وفي رواية البخاريّ: «فقال ربه: أَعَلِم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ به؟ غفرت لعبدي»، «فقال ربه» للملائكة: «أَعَلِمَ عبدي» بهمزة الاستفهام، والفعل الماضي، وللأصيليّ: «علم» بحذف الهمزة، وقال الطيبيّ: قوله: «أعلم» يجوز أن يكون استخبارًا عن الملائكة، وهو أعلم به؛ للمباهاة، وأن يكون استفهامًا للتقرير، والتعجيب، وإنما عدل عن الخطاب إلى الغيبة شكرًا لصنيعه إلى غيره، وإحمادًا له على فعله. انتهى . (ثُمَّ عَادَ، فَأَذْنَبَ) وفي رواية البخاريّ: «ثمَّ مكث ما شاء اللَّه، ثم أذنب ذنبًا، وربما قال: أصاب ذنبًا»، (فَقَالَ: أَيْ) بفتح، فسكون: حرف نداء للقريب، وفيها خلاف بين النحاة، أشرت إليه في «التحفة المرضيّة»، بقولي: «أَيْ» لِنَدَا الْأَوْسَطِ أَوْ ذِي الْقُرْبِ … أَوْ ذِي الْبُعْدِ وَالتَّفْسِيرَ أَيْضًا قَدْ رَأَوْا (رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ ﵎: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ، فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ ﵎: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا، يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ)؛ أي: من الذنب المعقَّب بالتوبة الصحيحة، ففيه أن التوبة الصحيحة لا يضرّ فيها العود إلى الذنب ثانيًا، بل مضت على صحتها، ويتوب من المعصية الثانية. (فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ»)؛ أي: ما دُمت تُذنب، ثم تتوب، قال المنذريّ -﵀-: قوله:«فليعمل ما شاء»معناه: إذا كان هذا دأبه، يذنب الذنب، فيتوب منه، ويستغفر، فليفعل ما شاء؛ لأنه كلما أذنب كانت توبته، واستغفاره كفارة لذنبه، فلا يضرّه، لا أنه يذنب الذنب، فيستغفر منه بلسانه، من غير إقلاع، ثم يعاوده، فإن هذه توبة الكذابين، ويدل له قوله:«ثمَّ أصاب ذنبًا آخر». انتهى. وقال النوويّ -﵀-: معناه: ما دُمت تذنب، ثم تتوب غفرت لك. وقال الطيبيّ -﵀-: أي: اعمل ما شئت ما دُمت تذنب، ثم تتوب، فإني أغفر لك، قال: وهذه العبارة تُستعمل تارة في معرض السخطة والنكير، وتارةً في صورة التلطّف والحفاوة، وليس المراد منه في كلتا الصورتين حثّ على الفعل، أو الترخّص فيه، وعلى السخطة والنكير وَرَدَ قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠]، وعلى الحفاوة والتلطّف وَرَدَ هذا الحديث، وذلك مثل قولك لمن تودّه، وترى منه الجفاء: اصنع ما شئت، فلست بتارك لك، وقوله -ﷺ- في حقّ حاطب بن أبي بلتعة -﵁-: «لعلّ اللَّه اطّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم». انتهى. قال المباركفوريّ -﵀-: قد أشكل على كثير من الناس معنى قوله: «فليعمل ما شاء» كما أشكل عليهم معنى قوله المذكور في حديث حاطب، فإن ظاهره إباحة كل الأعمال لأهل بدر، وتخييرهم فيما شاءوا منها، وذلك ممتنع. وقد أجيب عن ذلك بوجوه: منها: ما قال ابن القيم -﵀- في «الفوائد» ص ١٦: إن هذا خطاب لقوم قد عَلِمَ اللَّه -﷾- أنهم لا يفارقون دينهم، بل يموتون على الإِسلام، وأنهم قد يقارفون بعض ما يقارفه غيرهم من الذنوب، ولكن لا يتركهم سبحانه مصرّين عليها، بل يوفقهم لتوبة نصوح، واستغفار، وحسنات، تمحو أثر ذلك، ويكون تخصيصهم بهذا دون غيرهم؛ لأنه قد تحقق ذلك فيهم، وإنهم مغفور لهم، ولا يمنع ذلك كون المغفرة حصلت بأسباب تقوم بهم، كما لا يقتضي ذلك أن يعطلوا الفرائض؛ وثوقًا بالمغفرة، فلو كانت قد حصلت بدون الاستمرار على القيام بالأوامر لَمَا احتاجوا بعد ذلك إلى صلاة، ولا صيام، ولا حجّ، ولا زكاة، ولا جهاد، وهذا محال، ومِن أوجب الواجبات التوبة بعد الذنب، فضمان المغفرة لا يوجب تعطيل أسباب المغفرة، ونظير هذا قوله في الحديث الآخر: «أذنب عبد ذنبًا، فقال: أيْ رب أذنبت ذنبًا، فاغفره لي، فغفره له. . .» الحديث، وفيه: «قد غفرت لعبدي، فليعمل ما شاء»، فليس في هذا إطلاق وإذن منه سبحانه له في المحرمات، والجرائم، وإنما يدلّ على أنه يغفر له ما دام كذلك، إذا أذنب وتاب، واختصاص هذا العبد بهذا؛ لأنه قد عَلِم أنه لا يصرّ على ذنب، وأنه كلما أذنب تاب، وهذا حكمٌ يعمّ كل من كانت حاله حاله، لكن ذلك العبد مقطوع له بذلك، كما قُطع به لأهل بدر، وكذلك كل من بَشَّره رسول اللَّه -ﷺ- بالجنة، أو أخبره بأنّه مغفور له لم يَفْهَم منه هو ولا غيره من الصحابة -﵃- إطلاق الذنوب والمعاصي له، ومسامحته بترك الواجبات، بل كان هؤلاء أشدّ اجتهادًا، وحذرًا، وخوفًا بعد البشارة منهم قبلها؛ كالعشرة المشهود لهم بالجنة، وقد كان الصدّيق شديد الحذر والمخافة، وكذلك عمر، فإنهم عَلِموا أن البشارة المطلقة مقيدة بشروطها، والاستمرار عليها إلى الموت، ومقيدة بانتفاء موانعها، ولم يَفْهم أحد منهم من ذلك الإطلاق الإذن فيما شاءوا من الأعمال. انتهى كلام ابن القيّم -﵀- ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه -﷾- أعلم. وقوله: (قَالَ عَبْدُ الأَعْلَى) هو ابن حمّاد شيخه، (لَا أَدْرِي أَقَالَ) فاعله ضمير حمّاد بن سلمة، (فِي) المرّة (الثَّالِثَةِ، أَوِ) المرّة (الرَّابِعَةِ: «اعْمَلْ مَا شِئْتَ»؟)؛ يعني: أنه شكّ في قوله: «اعمل ما شئت» هل قاله في المرّة الثالثة، أو في الرابعة. وقوله: (قَالَ أَبُو أَحْمَدَ) هو: محمد بن عيسى بن محمد الزاهد النيسابوريّ الْجُلُوديّ المتوفَّى في ذي الحجة سنة (٣٦٨ هـ) وهو تلميذ أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان النيسابوريّ الزاهد الفقيه، راوي هذا الكتاب عن مؤلِّفه مسلم بن الحجاج. (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زَنْجُويَهْ الْقُرَشِيُّ الْقُشَيْرِيُّ) هو: محمد بن عبد الملك بن زنجويه البغداديّ، أبو بكر الغزّال، ثقةٌ [١١]، مات سنة (٢٥٨) وليس هو من رجال مسلم، وإنما يروي عنه الجلوديّ في زياداته؛ لعلوّ إسناده، وقد تقدّم هذا. (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ النَّرْسِيُّ) شيخ مسلمُ (بِهَذَا الإِسْنَادِ)؛ أي: بإسناد مسلم، وهو عن حمّاد بن سلمة، عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة -﵁-. وغرض أبي أحمد بهذا الكلام بيان علوّ إسناده في هذا الطريق على إسناده في طريق مسلم؛ لأنه وصل إلى عبد الأعلى بهذا بواسطة واحدة، وهو ابن زنجويه، بخلافه هناك، فإنه وصل إليه بواسطتين، وهما: أبو إسحاق، ومسلم، واللَّه تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٦٩٦١ و٦٩٦٢] (٢٧٥٨)، و(البخاريّ) في «التوحيد» (٧٥٠٧)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٦/ ١١١) وفي «عمل اليوم والليلة» (١/ ٣١٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٩٦ و٤٠٥ و٤٩٢)، و(ابن حبَّان) في «صحيحه» (٦٢٢ و٦٢٥)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١١/ ٤٠٩)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٤/ ٢٤٢)، و(اللالكائيّ) في «اعتقاد أهل السُّنَّة» (٦/ ١٠٦٧)، و(الطبرانيّ) في «الدعاء» (١/ ٥٠٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١٠/ ١٨٨) و«شعب الإيمان» (٥/ ٤٠٥)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان سعة رحمة اللَّه -﷾-، وفضله، وكرمه. ٢ - (ومنها): ما قاله النوويّ -﵀-: في هذا الحديث أن الذنوب لو تكررت مائة مرة، بل ألفًا، أو أكثر، وتاب في كل مرة قُبلت توبته، أو تاب عن الجميع توبة واحدة صحّت توبته. ٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -﵀-: هذا الحديث يدلّ على عظيم فائدة الاستغفار، وكثرة فضل اللَّه وسعة رحمته وحلمه وكرمه، ولا شكّ في أن هذا الاستغفار ليس هو الذي ينطق به اللسان، بل هو يثبت معناه في الجِنان، مقارنًا للسان؛ لتنحل به عقدة الإصرار، ويحصل معه الندم على ما سلف من الأوزار، فإذًا الاستغفار ترجمة التوبة، وعبارة عنها، ولذلك قال: «خياركم كل مُفْتَنٍ تواب» ، قيل: هو الذي يتكرر منه الذنب والتوبة، فكلّما وقع في الذنب عاد إلى التوبة، وأما من قال بلسانه: أستغفر اللَّه، وقلبه مصرّ على تلك المعصية، فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار، وصغيرته لاحقة بالكبار؛ إذ لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع استغفار. انتهى . قال الحافظ -﵀-: ويشهد له ما أخرجه ابن أبي الدنيا من حديث ابن عباس -﵄- مرفوعًا: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والمستغفر من الذنب، وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه»، والراجح أن قوله: والمستغفر. . . إلى آخره موقوف، وأوله عند ابن ماجه، والطبرانيّ من حديث ابن مسعود -﵁-، وسنده حسن، وحديث: «خياركم كل مفتن توّاب»، ذكره في «مسند الفردوس» عن عليّ -﵁- . ٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ أيضًا: فائدة هذا الحديث أن العود إلى الذنب، وإن كان أقبح من ابتدائه؛ لأنه انضاف إلى نقض التوبة، فالعودة إلى التوبة أحسن من ابتدائها؛ لأنه انضاف إليها ملازمة الإلحاح بباب الكريم، فإنه لا غافر للذنوب سواه. انتهى . ٥ - (ومنها): ما قاله ابن بطال -﵀-: في هذا الحديث أن المصرّ على المعصية في مشيئة اللَّه تعالى، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، مغلّبًا الحسنة التي جاء بها، وهي اعتقاد أن له ربًا خالقًا، يعذبه، ويغفر له، واستغفاره إياه على ذلك يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] ولا حسنة أعظم من التوحيد، فإن قيل: إن استغفاره ربه توبة منه. قلنا: ليس الاستغفار أكثر من طلب المغفرة، وقد يطلبها المصرّ والتائب، ولا دلالة في الحديث على أنه تاب مما سأل الغفران عنه؛ لأنَّ حدّ التوبة الرجوع عن الذنب، والعزم على أن لا يعود إليه، والإقلاع عنه، والاستغفار بمجرّده لا يُفهم منه ذلك . وقال غيره: شروط التوبة ثلاثة: الإقلاع، والندم، والعزم على أن لا يعود إليه، والتعبير بالرجوع عن الذنب لا يفيد معنى الندم، بل هو إلى معنى الإقلاع أقرب. قال بعضهم: يكفي في التوبة تحقق الندم على وقوعه منه، فإنه يستلزم الإقلاع عنه، والعزم على عدم العود فهما ناشئان عن الندم، لا أصلان معه، ومن ثمَّ جاء الحديث: «الندم توبة»، وهو حديث حسن من حديث ابن مسعود -﵁-، أخرجه ابن ماجه، وصححه الحاكم، وأخرجه ابن حبَّان من حديث أنس، وصححه، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى في أوائل «كتاب التوبة»، فلتراجعه هناك، وباللَّه تعالى التوفيق. وقال السبكيّ الكبير في «الحلبيات»: الاستغفار طلب المغفرة، إما باللسان، أو بالقلب، أو بهما، فالأول: فيه نفع؛ لأنه خير من السكوت، ولأنه يعتاد قول الخير، والثاني: نافع جدًّا، والثالث: أبلغ منه، لكن لا يمحصان الذنب -أي: قطعًا، وجزمًا- حتى توجد التوبة منه، فإن العاصي المصرّ يطلب المغفرة، ولا يستلزم ذلك وجود التوبة -إلى أن قال-: والذي ذكرته إن معنى الاستغفار غير معنى التوبة هو بحَسَب وَضْع اللفظ، لكنه غلب عند كثير من الناس أن لفظ «أستغفر اللَّه» معناه التوبة، فمن كان ذلك معتقده فهو يريد التوبة، لا محالة، ثم قال: وذكر بعض العلماء أن التوبة لا تتم إلا بالاستغفار؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣]، والمشهور أنه لا يشترط. انتهى من «الفتح» ، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٦٢] (. . .) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنِي أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ قَاصٌّ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّ عَبْدًا أَذْنَبَ ذَنْبًا»، بِمَعْنَى حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَذَكَرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: «أَذْنَبَ ذَنْبًا»، وَفِي الثَّالِثَةِ: «قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) هو: عبد الحميد بن حُميد الكسيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو الْوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطيالسيّ البصريّ، ذُكر قبل حديث.
مصادر المؤلف (١٤)

١. «صحيح البخاريّ»٣/ ١٢٨٢.

٢. هذا أَولى من قوله في«التقريب»: لا بأس به، كما يظهر من«تهذيب التهذيب».

٣. «الفتح» ١٧/ ٥١٣، «كتاب التوحيد» رقم (٧٥٠٧).

٤. «الفتح» ١٧/ ٥١٣.

٥. «الكاشف عن حقائق السنن» ٦/ ١٨٤٣.

٦. «الكاشف عن حقائق السنن»٦/ ١٨٤٣.

٧. «الفوائد» لابن قيّم الجوزيّة -﵀- ص ١٦.

٨. تقدّمت ترجمته في مقدّمة «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٦٣.

٩. رواه البيهقيّ في«شعب الإيمان»(٧١٢٠ و٧١٢١). قال الشيخ الألبانيّ -﵀-: ضعيف، وقد صحّ بلفظ:«إن المؤمن خُلق مفتنًا توّابًا. . .». راجع:«الضعيفة»٥/ ٢٦٨.

١٠. «المفهم»٧/ ٨٥ - ٨٦.

١١. تقدّم أن قوله: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» حديث حسن لغيره.

١٢. «المفهم» ٧/ ٨٥ - ٨٦.

١٣. «شرح البخاريّ» لابن بطال -﵀- ١٠/ ٥٠٣.

١٤. «الفتح» ١٧/ ٥١٤ - ٥١٥، «كتاب التوحيد» رقم (٧٥٠٧).