HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٧٦٨

حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إبراهيم عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن صفوان بن محرز قال: قال رجل لابن عمر: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟ قال: سمعته يقول «يدني المؤمن يوم القيامة من ربه ﷿. حتى يضع عليه كنفه. فيقرره بذنوبه. فيقول: هل تعرف؟ فيقول: أي رب! أعرف. قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم. فيعطى صحيفة حسناته. وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذي كذبوا على الله».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص105
ج ٤ ص ٢١٢٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٢ ص٧٥٤
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد أجاد البيهقيّ -﵀- في هذا التحقيق، وأفاد، وخلاصته أن زيادة «ويضعها على اليهود والنصارى» غير صحيحة؛ لأمور: منها: أن الإمام البخاريّ -﵀- ضعّف حديث الفداء أصلًا بحديث الشفاعة؛ لكونه أقوى. ومنها: وقوع الشكّ في هذه الزيادة من راويها. ومنها: كون من رواها وهو أبو طلحة الراسبيّ ممن لا يُحتَمَل تفرّده، فكيف وقد خالف غيره من الحفّاظ، كما قال البيهقيّ -﵀-. ومنها: مخالفتها للنصوص الصريحة، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٨٩] (٢٧٦٨) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عُمَرَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يُدْنَى الْمُؤْمِنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رَبِّهِ -﷿- حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ؟ فَيَقُولُ: أيْ رَبِّ أَعْرِفُ، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَإِنِّي أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ، وَالْمُنَافِقُونَ، فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عليّة، تقدّم قبل بابين. ٣ - (صَفْوَانُ بْنُ مُحْرِزِ) بن زياد المازنيّ، أو الباهليّ البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٣] (ت ٧٤) (خ م ت س ق) تقدم في«الإيمان»٤٣/ ٢٨٦. ٤ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب -﵄-، تقدّم قريبًا. والباقيان ذُكرا في الباب، وقبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخه، كما أسلفته، والصحابيّ مدنيّ، وفيه ابن عمر -﵄- أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، ومن المشهورين بالفتوى، وشدّة اتّباع السُّنَّة من الصحابة -﵃-. شرح الحديث: (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة السَّدُوسيّ البصريّ (عَنْ صفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ) -بضم الميم، وسكون الحاء المهملة، وكسر الراء، وبالزاي في آخره- المازنيّ البصريّ، وليس له عند مسلم إلا ثلاثة أحاديث، وله عند البخاريّ حديثان فقط. ووقع في رواية للبخاريّ من طريق شيبان عن قتادة: «حدّثنا صفوان»، فانتفت عن قتادة تهمة التدليس. (قَالَ) صفوان: (قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عُمَرَ) وفي رواية للبخاريّ: «أن رجلًا سأل ابن عمر»، وفي رواية عن صفوان: «قال: بينما أنا أمشي مع ابن عمر، آخذ بيده»، وفي رواية: «بينما ابن عمر يطوف، إذ عَرَض له رجل»، قال الحافظ -﵀-: ولم أقف على اسم السائل، لكن يمكن أن يكون هو سعيد بن جبير، فقد أخرج الطبرانيّ من طريقه: «قال: قلت لابن عمر: حدّثني. . .»، فذكر الحديث. (كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-) وفي رواية للبخاريّ: «فقال: يا أبا عبد الرحمن»، وهي كنية عبد اللَّه بن عمر -﵄-. (يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟) هي ما تكلّم به المرء يُسمع نفسه، ولا يُسمع غيره، أو يسمع غيره سرًّا دون من يليه، قال الراغب: ناجيته: إذا ساررته، وأصله أن تخلو في نجوة من الأرض، وقيل: أصله من النجاة، وهي أن تنجو بسرّك من أن يُطَّلَع عليه، والنجوى أصله المصدر، وقد يوصف بها، فيقال: هو نجوى، وهم نجوى، والمراد بها هنا: المناجاة التي تقع من الرب -﷾- يوم القيامة مع المؤمنين، وقال الكرمانيّ: أطلق على ذلك النجوى؛ لمقابلة مخاطبة الكفار على رؤوس الأشهاد هناك. انتهى . (قَالَ) ابن عمر -﵄-: (سَمِعْتُهُ)؛ أي: رسول اللَّه -ﷺ-، (يَقُولُ: «يُدْنَى) بالبناء للمفعول، (الْمُؤْمِنُ) وفي رواية للبخاريّ:»يُدنى أحدكم من ربّه«، (يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رَبِّهِ -﷿-)؛ أي: دُنُوًّا يليق بجلاله، فاللَّه -﷾- يُدني إليه من يشاء من عباده إذا شاء، كيف شاء، فنؤمن بصفة الدنوّ على مراد اللَّه، كما يليق بجلاله، وذلك كما نؤمن بأن المؤمنين يرونه -﷾- في الآخرة رؤية حقيقيّة، دون أن نعلم كيفيّتها، فتأويل الشرّاح؛ كالحافظ، والنوويّ، والقاضي عياض، وغيرهم الدنوّ هنا ليس مما ينبغي، فكما يثبتون الرؤبة على حقيقتها، دون تأويل، ولا تكييف، ولا تشبيه، فكذلك الدنوّ هنا دون أيّ فرق، فتنبّه، فإن هذا مما حادت فيه الأفهام، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ) -بفتح الكاف، والنون، بعدها فاء-؛ أي: جانبه، والكنف أيضًا السِّتر، وهو المراد هنا، والأول مجاز في حقّ اللَّه تعالى، كما يقال: فلان في كنف فلان؛ أي: في حمايته، وكلاءته، وذكر عياض أن بعضهم صحّفه تصحيفًا شنيعًا، فقال بالمثناة بدل النون، ويؤيد الرواية الصحيحة أنه وقع في رواية سعيد بن جبير بلفظ: «يجعله في حجابه»، زاد في رواية همام: «وسِتره»، قاله في «الفتح». قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قوله: والأول -يعني: تفسيره بالجانب- مجاز في حقّ اللَّه تعالى كما يقال: فلان في كَنَف فلان؛ أي: في حمايته وكَلاءته، فيه نظرٌ من وجهين: [الأول]: أن المراد هنا بالكنف هو الحجاب والستر؛ لكونه جاء في الرواية الأخرى بهذا اللفظ، كما سبق بيانه آنفًا، والرواية يفسّر بعضها بعضًا، وأخرج الحديث البخاريّ في كتابه «خلق أفعال العباد» من طريق عبد اللَّه بن المبارك، عن محمد بن سواء، عن قتادة، ثم قال في آخر الحديث: قال عبد اللَّه بن المبارك: كَنَفه: سِتره. قاله في «الفتح» ، [والثاني]: أنه قال في «القاموس»: أنت في كَنَف اللَّه تعالى مُحَرَّكَةً: في حِرْزه وسِتْره، وهو الجانب، والظلّ، والناحية. انتهى . فإذا ثبت لغةً إطلاق الكنف على الجانب، فالحقّ إبقاؤه على ظاهره وحقيقته؛ إذ لا حاجة إلى المجاز، كسائر الصفات من السمع، والبصر، والكلام، والرضا، والغضب، والاستواء، والنّزول، ونحوها مما وردت به النصّوص الصحيحة، فنثبتها كلها على الوجه اللائق به -﷾- من غير تعطيل، ولا تحريف، ومن غير تمثيل، ولا تكييف، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: الحكمة في وضع الكنف عليه: سَتره عن أهل الموقف حتى لا يطّلع على سرّه غيره. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: قال في «الفتح»: ومن رواه «كتفه» بالمثنّاة المكسورة، فقد صحّف على ما جزم به جَمْع من العلماء. انتهى . (فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ)؛ أي: يحمله على أن يعترف بها، ويقرّرها على نفسه، وقد فسّر التقرير بقوله: (فَيَقُولُ) اللَّه -﷿-: (هَلْ تَعْرِفُ؟) هكذا في هذه الرواية بحذف المفعول، وقد فُسّر في رواية البخاريّ، ولفظه: «فيقول: أتعرف ذنب كذا وكذا؟» زاد في رواية: «فيقرره بذنوبه»، وفي رواية سعيد بن جبير: «فيقول له: اقرأ صحيفتك، فيقرأ، ويُقرّره بذنب ذنب، ويقول: أتعرف، أتعرف؟»، وفي رواية للبخاريّ: «فيقول: عَمِلت كذا وكذا». (فَيَقُولُ) المؤمن: (أَيْ رَبِّ) «أي حرف نداء، وقد مرّ الخلاف، هل للقريب، أم للبعيد، أم للوسط؟ وهنا للقريب، كما يدلّ عليه سياق الحديث. (أَعْرِفُ) ذلك الذنب، (قَالَ) اللَّه -﷿-: (فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا) حيث لم أطلع عليها أحدًا من الناس، (وإِنِّي أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ) وفي رواية سعيد بن جبير:«فيلتفت يمنةً ويسرةً، فيقول: لا بأس عليك، إنك في سِتري، لا يَطَّلِع على ذنوبك غيري»، وفي رواية:«اذهب، فقد غفرتها لك»، (فَيُعْطَى) بالبناء للمفعول، ووقع في بعض الروايات بلفظ:«فيُطوى»، وهو خطأ. (صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ)؛ أي: بيده اليمنى، حتى يقرأه، ويستبشر به، ويُقرئه أصحابه، كما قال اللَّه -﷿-: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣)﴾ [الحاقة: ١٩ - ٢٣]. (وَأمَّا الْكُفَّارُ، وَالْمُنَافِقُونَ، فَيُنَادَى) بالبناء للمفعول، (بِهِمْ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ) ثم بيّن ما هو النداء؟ بقوله: (هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ) بنسبة الولد، والشريك إليه -﷾-. [تنبيه]: أول الآية قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أي: لا أحد أظلم منهم لأنفسهم؛ لأنهم افتروا على اللَّه كذبًا بقولهم لأصنامهم: هؤلاء شفعاؤنا عند اللَّه، وقولهم: الملائكة بنات اللَّه، وأضافوا كلامه سبحانه إلى غيره، واللفظ وإن كان لا يقتضي إلا نفي وجود من هو أظلم منهم كما يفيده الاستفهام الإنكاريّ، فالمقام يفيد نفي المساوي لهم في الظلم. فالمعنى على هذا: لا أحد مثلهم في الظلم فضلًا عن أن يوجد من هو أظلم منهم، والإشارة بقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ إلى الموصوفين بالظلم المتبالغ، وهو مبتدأ، وخبره ﴿يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ فيحاسبهم على أعمالهم، أو المراد بعرضهم: عَرْض أعمالهم. ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ الأشهاد: هم الملائكة الحفظة، وقيل: المرسلون. وقيل: الملائكة والمرسلون والعلماء الذين بلّغوا ما أمرهم اللَّه بإبلاغه، وقيل: جميع الخلائق. والمعنى: أنه يقول هؤلاء الأشهاد عند العرض: هؤلاء المعرضون أو المعروضة أعمالهم الذين كذبوا على ربهم بما نسبوه إليه، ولم يصرّحوا بما كذبوا به، كأنه كان أمرًا معلومًا عند أهل ذلك الموقف. وقوله: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ هذا من تمام كلام الأشهاد؛ أي: يقولون: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ويقولون: ألا لعنة اللَّه على الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بالافتراء، ويجوز أن يكون من كلام اللَّه سبحانه، قاله بعدما قال الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨]، والأشهاد جمع شهيد، ورجّحه أبو عليّ بكثرة ورود شهيد في القرآن كقوله: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء: ٤١]، وقيل: هو جَمْع شاهد كأصحاب وصاحب، والفائدة في قول الأشهاد بهذه المقالة المبالغة في فضيحة الكفار، والتقريع لهم على رؤوس الأشهاد. انتهى من تفسير الشوكانيّ -﵀- ، واللَّه تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن عمر -﵄- هذا متَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٦٩٨٩] (٢٧٦٨)، و(البخاريّ) في «المظالم» (٢٤٤١) و«التفسير» (٤٦٨٥) و«الأدب» (٦٠٧٠) و«التوحيد» (٧٥١٤) و«خلق أفعال العباد» (ص ٦١ - ٦٢)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٦/ ٣٦٤)، و(ابن ماجه) في «المقدّمة» (١٨٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٧٤ و١٠٥)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٧/ ٦٤)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (٨٤٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٧٣٥٥ و٧٣٥٦)، و(ابن منده) في «الإيمان» (٧٩٠ و١٠٧٩)، و(ابن أبي عاصم) في «السُّنَّة» (٦٠٤ و٦٠٥)، و(الطبريّ) في «التفسير» (٦٤٩٧ و١٨٠٨٩ و١٨٠٩٠)، و(الآجريّ) في «الشريعة» (ص ٢٦٨)، و(اللالكائيّ) في «اعتقاد أهل السُّنَّة» (٦/ ١١٦٤)، و(أبو نعيم) في «الحلية» (٢/ ٢١٦)، و(البيهقيّ) في «شعب الإيمان» (١/ ٢٥٣) وفي «الأسماء والصفات» (ص ٢١٩ - ٢٢٠)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان إكرام اللَّه تعالى لعبده المؤمن، حيث يدنيه منه، ويضع عليه كنفه، حتى لا يسمع أحد مناجاته له. ٢ - (ومنها): أن فيه الرّدَّ على الجهميّة في إنكارهم الصفات، حيث إن فيه إثبات صفة الكلام للَّه -﷾-، حيث يكلّم عبده المؤمن في الآخرة. ٣ - (ومنها): بيان فضل سَتر المؤمن على نفسه في الدنيا إذا وقع منه مخالفة؛ لأن ذلك يكون سببًا لمغفرة اللَّه تعالى له ذلك في الآخرة. ٤ - (ومنها): ما قاله المهلَّب -﵀-: في الحديث تفضُّل اللَّه على عباده بسَتره لذنوبهم يوم القيامة، وأنه يغفر ذنوب من شاء منهم، بخلاف قول من أنفذ الوعيد على أهل الإيمان؛ لأنه لم يستثن في هذا الحديث ممن يَضع عليه كنفه وسِتره أحدًا إلا الكفار والمنافقين، فإنهم الذين يُنادَى عليهم على رؤوس الأشهاد باللعنة. قال الحافظ بعد نقل كلام المهلّب المذكور ما نصّه: قد استشعر البخاريّ هذا، فأورد في «كتاب المظالم» هذا الحديث، ومعه حديث أبي سعيد: «إذا خَلَص المؤمنون من النار، حُبِسوا بقنطرة بين الجنة والنار، يتقاصّون مظالم، كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبوا، ونُقُّوا أُذن لهم في دخول الجنة. . .»، الحديث. فدلّ هذا الحديث على أن المراد بالذنوب في حديث ابن عمر: ما يكون بين المرء وربه -﷾- دون مظالم العباد، فمقتضى الحديث أنها تحتاج إلى المقاصصة، ودلّ حديث الشفاعة أن بعض المؤمنين من العصاة يُعذَّب بالنار، ثم يخرج منها بالشفاعة، كما تقدم تقريره في «كتاب الإيمان»، فدلّ مجموع هذه الأحاديث على أن العُصاة من المؤمنين في القيامة على قسمين: أحدهما: مَن معصيته بينه وبين ربه، فدلّ حديث ابن عمر على أن هذا القِسم على قِسمين: قِسْم تكون معصيته مستورة في الدنيا، فهذا الذي يسترها اللَّه عليه في القيامة، وهو بالمنطوق، وقسم تكون معصيته فجاهَرة، فدلّ مفهومه على أنه بخلاف ذلك. والقسم الثاني: مَن تكون معصيته بينه وبين العباد، فهم على قسمين أيضًا: قسم ترجح سيئاتهم على حسناتهم، فهؤلاء يقعون في النار، ثم يخرجون بالشفاعة، وقسم تتساوى سيئاتهم وحسناتهم، فهؤلاء لا يدخلون الجنة حتى يقع بينهم التقاصّ، كما دلّ عليه حديث أبي سعيد. وهذا كله بناء على ما دلّت عليه الأحاديث الصحيحة أن يفعله باختياره، وإلا فلا يجب على اللَّه شيء، وهو يفعل في عباده ما يشاء. انتهى . ٥ - (ومنها): بيان قبح المجاهرة بالمعاصي، وأن اللَّه تعالى لا يغفر لأصحابها؛ لمبارزتهم له بها، واستخفافهم بشأنها. أخرج الشيخان في «صحيحيهما» من حديث أبي هريرة -﵁- قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: «كل أمتي مُعَافًى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملًا، ثم يُصبح وقد سَتَره اللَّه عليه، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف سِتر اللَّه عنه». ٦ - (ومنها): بيان فضيحة الكفّار والمنافقين يوم القيامة، حيث ينادى بهم على رؤوس الأشهاد: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، بينما ينادى المؤمنون بأسمى النداء: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٣)﴾ [الزخرف: ٦٨ - ٧٣]. اللَّهُمَّ اعصمنا من المعاصي والفتن، وجنّبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، واجعلنا من عبادك المتّقين الذين أعليت أقدارهم، ورفعت درجاتهم، حيث قلت: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾ [يونس: ٦٢ - ٧١] بفضلك وَجُودك ومنّك وكرمك، يا أرحم الراحمين. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة -عفا اللَّه عنه وعن والديه-: قد انتهيتُ من كتابة الجزء الثاني والأربعين من «شرح صحيح الإمام مسلم» المسمَّى «البحرَ المحيطَ الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج» -﵀- بعد صلاة العشاء ليلة الأحد، وهي الليلة العاشرة من شهر رمضان المبارك (١٠/ ٩/ ١٤٣٣ هـ الموافق ٢٩ يوليو - تموز ٢٠١٢ م). أسأل اللَّه العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم، لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم. وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣]. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢]. «اللَّهُمَّ صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللَّهُمَّ بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». «السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته». ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء الثالث والأربعون مفتتحًا بـ (٩) - (بَابُ ذِكْرِ حَدِيثِ تَوْبَةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَصَاحِبَيْهِ -﵃-) [٦٩٩٠] (٢٧٦٩). «سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك». * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قال الجامع عفا اللَّه عنه: شرعت في كتابة الجزء الثالث والأربعين من شرح «صحيح الإمام مسلم» المسمّى «البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج ﵀» ليلة الأحد من شهر رمضان المبارك (١٠/ ٩/ ١٤٣٣ هـ). (٩) - (بَابُ ذِكْرِ حَدِيثِ تَوْبَةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَصَاحِبَيْهِ -﵃-) أما كعب بن مالك -﵁-، فتأتي ترجمته بعدُ، وأما صاحباه، فهما: مُرارة بن الربيع، وهلال بن أميّة -﵄-. أما مرارة، فهو: مرارة بن الربيع الأنصاريّ الأوسيّ، من بني عمرو بن عوف، ويقال: إن أصله من قُضاعة، حالف بني عمرو بن عوف، صحابيّ مشهور، شَهِد بدرًا على الصحيح، وهو أحد الثلاثة الذين تِيْبَ عليهم، أخرجاه في «الصحيحين» من حديث كعب بن مالك في قصة توبته، فقلت: هل لقي أحد مثل ما لقيت؟ قالوا: هلال بن أمية، ومُرارة بن الربيع، فذكروا لي رجلين صالحين، شَهِدا بدرًا، وفي حديث جابر عند قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] قال: هم كعب بن مالك، ومُرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، وكلهم من الأنصار، ذكره في «الإصابة» . وأما هلال، فهو هلال بن أمية بن عامر بن قيس بن عبد الأعلم بن عامر بن كعب بن واقف الأنصاريّ الواقفيّ، شَهِد بدرًا وما بعدها، وله ذِكر في «الصحيحين» من رواية سعيد بن جبير، عن ابن عمر، وأخرج ابن شاهين من طريق عطاء بن عجلان، عن مكحول، عن عكرمة، عن هلال بن أمية أنه أتى عمر، فذكر قصة اللعان مطوّلة، قال الحافظ: وهذا لو ثبت لدلّ على أن
مصادر المؤلف (٩)

١. هذا أَولى مِن جَعْلِه في«التقريب»من الطبقة الرابعة؛ لِمَا يظهر من مراجعة مشايخه من الصحابة، والرواة عنه من التابعين في«التهذيبين»، وكذا تاريخ وفاته يحقّق ذلك، فتنبّه.

٢. «الفتح» ١٣/ ٦٣٧، «كتاب الأدب» رقم (٦٠٧٠).

٣. «الفتح»١٣/ ٥٩٢.

٤. «القاموس المحيط»ص ٧٦٥.

٥. «الفتح»١٣/ ٥٩٢.

٦. «فتح القدير» للشوكانيّ -﵀٣/ ٤٣٧.

٧. «الفتح» ١٣/ ٦٣٨ - ٦٣٩، «كتاب الأدب» رقم (٦٠٧٠).

٨. قال الجامع عفا اللَّه عنه: مدّة ما بينه وبين الجزء الذي قبله في الكتابة (٥٢) يومًا، وهذا من فضل ربي، وله الحمد، والفضل، والمنّة، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣].

٩. «الإصابة في تمييز الصحابة» ٦/ ٦٥.