HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٧٦٩

حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عبد الله بن عمرو بن سرح، مولى بني أمية. أخبرني ابن وهب. أخبرني يونس عن ابن شهاب. قال: ثم غَزَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةَ تبوك. وهو يريد الروم ونصارى العرب بالشام. قال ابن شهاب: فأخبرني عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ عبد الله بن كعب كان قائد كعب، من بنيه، حين عمي. قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك. قال كعب بن مالك: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غزوة غزاها قط. إلا في غزوة تبوك. غير أني قد تخلفت في غزوة بدر. ولم يعاتب أحدا تخلف عنه. إنما خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمسلمون يريدون عير قريش. حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم، على غير ميعاد. ولقد شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ليلة العقبة. حين تواثقنا على الإسلام. وما أحب أن لي بها مشهد بدر. وإن كانت بدر أذكر في الناس منها. وكان من خبري، حين تخلفت عن رسول الله ﷺ، في غزوة تبوك، أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة. والله! ما جمعت قبلها راحلتين قط. حتى جمعتهما في تلك الغزوة. فغزاها رسول الله ﷺ في حر شديد. واستقبل سفرا بعيدا ومفازا. واستقبل عدوا كثيرا. فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم. فأخبرهم بوجههم الذي يريد. والمسلمون مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كثير. ولا يجمعهم كتاب حافظ (يريد، بذلك، الديوان). قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب، يظن أن ذلك سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي من الله ﷿. وغزا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ الغزوة حين طابت الثمار والظلال. فأنا إليها أصعر. فتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه. وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم. فأرجع ولم أقض شيئا. وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك، إذا أردت. فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد. فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غاديا والمسلمون معه. ولم أقض من جهازي شيئا. ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا. فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو. فهممت أن أرتحل فأدركهم. فيا ليتني فعلت. ثم لم يقدر ذلك لي. فطفقت، إذا خرجت في الناس، بعد خروج رسول الله ﷺ، يحزنني أني لا أرى لي أسوة. إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق. أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء. ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوكا فقال، وهو جالس في القوم بتبوك «ما فعل كعب بن مالك؟» قال رجل من بني سلمة: يا رسول الله! حبسه براده والنظر في عطفيه. فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت. والله! يا رسول الله! ما علمنا عليه إلا خيرا. فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فبينما هو على ذلك رأى رجلا مبيضا يزول به السراب فقال رسول الله ﷺ «كن أبا خيثمة»، فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري. وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون. فقال كعب بن مالك: فلما بلغني إن رسول الله ﷺ قد توجه قافلا من تبوك، حضرني بثي. فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غدا؟ وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي. فلما قيل لِي: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قد أظل قادما، زاح عني الباطل. حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدا. فأجمعت صدقة. وصبح رسول الله ﷺ قادما. وكان، إذا قدم من سفر، بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين. ثم جلس للناس. فلما فعل ذلك جاءه المخلفون. فطفقوا يعتذرون إليه. ويحلفون له. وكانوا بضعة وثمانين رجلا. فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم. وبايعهم واستغفر لهم. ووكل سرائرهم إلى الله. حتى جئت. فلما سلمت، تبسم تبسم المغضب ثم قال «تعال» فجئت أمشي حتى جلست بين يديه. فقال لي «ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟» قال قلت: يا رسول الله! إني، والله! لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر. ولقد أعطيت جدلا. ولكني، والله! لقد علمت، لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي. ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عقبى الله. والله! ما كان لي عذر. والله! ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. قال رسول الله ﷺ «أما هذا، فقد صدق. فقم حتى يقضي الله فيك» فقمت. وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني. فقالوا لي: والله! ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا. لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بما اعتذر به إليه المخلفون. فقد كان كافيك ذنبك، استغفار رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَكَ. قال: فوالله! ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فأكذب نفسي قال ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم. لقيه معك رجلان. قالا مثل ما قلت. فقيل لهما مثل ما قيل لك. قال قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن ربيعة العامري، وهلال بن أمية الواقفي. قال فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة. قال فمضيت حين ذكروهما لي. قال وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المسلمين عن كلامنا، أيها الثلاثة، من بين من تخلف عنه. قال، فاجتنبنا الناس. وقال، تغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض. فما هي بالأرض التي أعرف. فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان. وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم. فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد. وآتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة. فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام، أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر. فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي. وإذا التفت نحوه أعرض عني. حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي، وأحب الناس إلي. فسلمت عليه. فوالله! ما رد علي السلام. فقلت له: يا أبا قتادة! أنشدك بالله! هل تعلمن أني أحب الله رسوله؟ قال فسكت. فعدت فناشدته. فسكت فعدت فنا شدته. فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي، وتوليت، حتى تسورت الجدار. فبينا أنا أمشي في سوق المدينة، إذا نبطي من نبط أهل الشام، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة. يقول: من يدل على كعب بن مالك. قال فطفق الناس يشيرون له إلي. حتى جاءني فدفع إلي كتابا من ملك غسان. وكنت كاتبا. فقرأته فإذا فيه: أما بعد. فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك. ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة. فالحق بنا نواسك. قال فقلت، حين قرأتها: وهذه أيضا من البلاء. فتياممت بها التنور فسجرتها بها. حتى إذا مضت أربعون من الخمسين، واستلبث الوحي، إذا رسول الله ﷺ يأتيني فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك. قال فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا. بل اعتزلها. فلا تقربنها. قال فأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك. قال فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. قال فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله ﷺ. فقالت له: يا رسول الله! إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم. فهل تكره أن أخدمه؟ قال «لا. ولكن لا يقربنك» فقالت: إنه، والله! ما به حركة إلى شئ. ووالله! ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان. إلى يومه هذا. قال فقال لي بعض أهلي: لو اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في امرأتك؟ فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه. قال فقلت: لا استأذن فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وما يدريني ماذا يقول رسول الله ﷺ، إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب. قال فلبثت بذلك عشر ليال. فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا. قال ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة، على ظهر بيت من بيوتنا. فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله ﷿ منا. قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على سلع يقول، بأعلى صوته: يا كعب بن مالك! أبشر. قال فخررت ساجدا. وعرفت أن قد جاء فرج. قال فآذن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ بتوبة الله علينا، حين صلى صلاة الفجر. فذهب الناس يبشروننا. فذهب قبل صاحبي مبشرون. وركض رجل إلي فرسا. وسعى ساع من أسلم قبلي. وأوفى الجبل. فكان الصوت أسرع من الفرس. فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني. فنزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته. والله! ما أملك غيرهما يومئذ. واستعرت ثوبين فلبستهما. فانطلقت أتأمم رسول الله ﷺ. يتلقاني الناس فوجا فوجا، يهنئونني بالتوبة ويقولون: لتهنئك توبة الله عليك. حتى دخلت المسجد، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالس في المسجد، وحوله الناس. فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني. والله! ما قام رجل من المهاجرين غيره. قال فكان كعب لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال، وهو يبرق وجهه من السرور ويقول «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك» قال فقلت: أمن عندك؟ يا رسول الله! أم من عند الله؟ فقال «لا. بل من عند الله» وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا سر استنار وجهه. كأن وجهه قطعة قمر. قال وكنا نعرف ذلك. قال فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله! إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله ﷺ. «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ»أمسك بعض مالك. فهو خير لك» قال فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. قال وقلت: يا رسول الله! إن الله إنما أنجاني بالصدق. وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت. قال فوالله! ما علمت أن أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث، منذ ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى يومي هذا، أحسن مما أبلاني الله به. والله! ما تعمدت كذبة منذ قلت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إلى يومي هذا. وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي. قال: فأنزل الله ﷿: ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم، إنه بهم رءوف رحيم* وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم﴾ [٩ /التوبة و-١١٨] حتى بلغ: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ [٩ /التوبة]. قال كعب: والله! ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد إذ هداني الله للإسلام، أعظم في نفسي، من صدقي رسول الله ﷺ. أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا. إن الله قال للذين كذبوا، حين أنزل الوحي، شر ما قال لأحد. وقال الله: ﴿سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم، فأعرضوا عنهم، إنهم رجس، ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون* يحلفون لكم لترضوا عنهم، فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين﴾ [٩ /التوبة و-٩٦]. قال كعب: كنا خلفنا، أيها الثلاثة، عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له. فبايعهم واستغفر لهم. وأرجأ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنَا حتى قضى الله فيه. فبذلك قال الله ﷿: وعلى الثلاثة الذين خلفوا. وليس الذي ذكر الله مما خلفنا، تخلفنا عن الغزو. وإنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص105
ج ٤ ص ٢١٢٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٦٢٥
[٨٧٨] في حديث كعب بن مالك : (حِينَ تَوَاثَقَنَا عَلَى الإِسلام)؛ أي: بايعنا وأكدنا البيعة، وقوله: (فَجَلَا لِلمُسلِمِينَ أَمَرَهُم)؛ أَي بَيَّن، (فَأَخبَرَهُم بِوَجهِهِم)؛ أي: بقصدهم وسفرهم، وقوله: (فَأَنَا إِلَيْهَا أَصْعَرُ)؛ أي: أميل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان: ١٨]، وفي الحديث: (يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَيْسَ فِيهِم إِلَّا أَصْعَر أَوْ أَبْتَر) ؛ يريد قلة دينهم، وإعراضهم عن الحق. وقوله: (حَتَّى اسْتَمَرَّ بِالنَّاسِ الجِدُّ)؛ يعني: حتى جَدَّ أمر الخروج، وقوله: (وَتَفَارَطَ الغَزْوُ)؛ يقال: فَرَطَ يَفْرُطُ: إذا تقدم، وفرط مني أمر أي: بدر، وتفارط الغزو وتفرط أي: فات وتقدم، وفي الدعاء في الصلاة على الطفل الميت: (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا) ؛ أي: أجرا يتقدمنا، وفي الحديث: (أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ) ؛ أي: أتقدمكم إليه، وفي الحديث: (أَنَا وَالنَّبِيئُونَ قُرَّاطٌ لَقَاصِفِينَ) ، القاصفون: الذين يزدحمون، يقول: نحن نتقدم الأمم إلى الجنة، وهم على أثرنا يزدحمون، حتى يكسر بعضهم بعضا بِدَارًا إليها. وقوله: (أَنِّي لَا أَرَى لِي أُسوَةٌ)؛ أي: أحدًا فعل مثل فِعْلي فأتأسى به، (إِلَّا رَجُلًا مَغمُوصًا عَلَيهِ فِي النِّفَاقِ)؛ يقال: غَمِصَ فلانٌ الناس؛ أي: احتقرهم، فقوله: (إِلَّا مَغمُوصًا عَلَيهِ)؛ أي: إلا من يحتقره المسلمون لنفاقه، وفي حديث عمر ﵁: (أَتَغْمِصُ الفُتْيَا) : أي: أتستهين به وتحقره؟، وفي حديث علي ﵁ لما قتل ابن آدم أخاه: (غَمِصَ الله الخَلْقَ) ؛ قيل: نقصهم من الطول والعرض، والقوة والبطش. وقوله: (حَبَسَهُ بُردَاهُ وَالنَّظَرُ فِي عِطَفَيهِ)؛ يعني إعجابه بنفسه ولباسه، وإيثار الدَّعَة والراحة، وقوله: (رَأَى رَجُلًا مُبيَضًّا)، أو: (مُبَيِّضًا) ؛ أي: عليه ثيابُ بَيَاضٍ، (يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ)؛ أي: يظهر خياله، أي: يَبِينُ أثر مشيه وركوبه في السّراب، وقوله: (كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ)؛ لفظه أمرٌ؛ ومعناه خبرٌ، أي: هو أبو خيثمة، ويجوز أن يكون المعنى: اللهم اجعله أبا خيثمة، وقوله: (لَمَزَهُ المُنَافِقُونَ)؛ أي: عابوه، وقوله: (حَضَرَنِي بَثِّي)؛ أي: حزني، وقوله: (زَاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ)؛ أي: ذهب وزال، وقوله: (فَأَجمَعتُ صِدقَهُ)؛ أي عزمت على أن أَصْدُقَه، وقوله: (صَبَّحَ قَادِمًا)؛ صَبَّحَ: من الصباح؛ وهو نور النهار، يقال: صَبَّحَ؛ أي: أتى وقت الصّباح، وأنا آتيه أُصبُوحَة كلِّ يوم، وأتانا لِصُبْحِ خامسةٍ، ولقيته ذا صَبَاحٍ؛ أي: وقتَ الصباح. وقوله: (لَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا)؛ أي: لقد رُزِقت القدرةَ على الكلام، والتَّفَصِّي من عهدة ما يُنسب إليّ، وقوله: (تَجِدُ عَلَيَّ)، أي: تغضب، و(عُقْبَى الله)؛ أي: ثواب الله في الآخرة، وقوله: (يُؤَنِّبُونِنِي)؛ أي: يَلُومُونني أَشدَّ اللَّوم، وقوله: (فَاجتَنَبَنَا النَّاسُ)؛ أي: تجنبونا وتركوا مجالسَتنا، (حَتَّى تَنَكَّرَت لِي فِي نَفْسِيَ الأَرض)، أي: تغير لنا كل شيء، حتى الأرض صارت كأنها مظلمة في عيني، وقوله: (فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا)؛ أي: خضعا وقعدا في بيتهما؛ ولم يكثرا الدخول والخروج، وقوله: (حَتَّى تَسَوَّرتُ)؛ أي: صعدت، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١]، قال صاحب المجمل : سار: إذا وثب وثار. وفي الحديث ما يدل على الاحتراز من كيد الشيطان، وهوى النفس، إذ تخلف كعب بن مالك ﵁ اختيارا للدّعة والراحة، وقوله: (بِدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضيَعَةٍ)؛ أي: موضع ضَيْعَة، وقوله: (نُوَاسِكَ)؛ أي: نعاونك، (فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّورَ) ، أي: قصدت، قال: تَيَمَّمَتِ العَينَ الَّتِي عِندَ ضَارِجٍ … يَفِيءُ عَلَيْهَا الظِّلُّ عَرمَضُهَا طَامِ وفي نسخة: (فَتَأَمَّمتُ) ؛ وهي لغة في تيممت، وفي الحديث: (كَانُوا يَتَأَمَّمُونَ شِرَارَ ثِمَارِهِم فِي الصَّدَقَة) ؛ أي: يتعمدون، وفي قراءة عبد الله: (وَلَا تَأَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ) ؛ قال أهل اللغة : أمَّ وتيمَّمَ وتَأَمَّمَ بمعنى واحد، وقوله: (سَجَرْتُ بِهَا التَّنُّورَ) ، أي: أوقدته، والسَّجُور: ما يُسْجَر به التنور، وفي قوله: (مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ)، وقوله: (فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إِلَيَّ)؛ في ذلك دليل على تجنب المسيء والتجهم له، والإعراض عنه حتى يعود إلى الحق، وفيه التعزيرُ والتأديب عند الزّلّة، ومنها: التحزُّن على الذنب، والسرورُ بالتوبة، ومنها: اختيار الصدق على كل حال. و(أَوْفَى): أشرف، و(سَلْع): جبل، وقوله: (إِنَّ مِن تَوَبَتِي أَن أَنخَلِعَ مِن مَالِي)؛ أي: أخرج منه وأتصدق به، وفي الحديث سنة الاعتذار من الذنب، وسنةُ الركعتين للقادم من السفر، ومنها التقرب إلى الله تعالى بالصدقة، وفي قوله: (أَمسِك بَعض مَالِكَ)؛ اختيار بالتصدق ببعض المال، وإمساك البعض؛ لئلا يحتاج إلى الناس. وفي الحديث فضل الله على العبد بالعفو عنه، ووقبول التوبة وإن عظُم الذنب، وقوله: (إِلَّا وَرَّى بِغَيرِهَا)؛ أي: سَتَر تلك الغزوة ولم يظهرها؛ وأظهر غيرها، قال أهل اللغة : أصل الكلمة من الوراء، أي: ألقى التبْيِين وراء ظهره، أي: وهَّم أنه يريد غزوةً غيرها. ومن باب حديث الإفك
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٣ ص٦
هلال بن أمية عاش إلى خلافة معاوية، حتى أدرك عكرمة الرواية عنه، ولكن عطاء بن عجلان متروك، ويَحْتَمِل أيضًا أن يكون عكرمة أرسل الحديث عنه، قاله في «الإصابة» أيضًا . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٩٠] (٢٧٦٩) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو بْنِ سَرْحٍ مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ، أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- غَزْوَةَ تَبُوكَ، وَهُوَ يُرِيدُ الرُّومَ، وَنَصَارَى الْعَرَبِ بِالشَّامِ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعبِ كَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حَدِيثَهُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي غَزْوةِ تَبُوكَ، قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي غَزْوةٍ غَزَاهَا قَطُّ إِلَّا فِي غَزْوةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أَنِّي قَدْ تَخَلَّفْتُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يُعَاتِبْ أَحَدًا تَخلَّفَ عَنْهُ، إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَالْمسْلِمُونَ يُرِيدُونَ عِيرَ قُرَيْشٍ، حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهُمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ، وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الإِسْلَامِ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وَإِنْ كانَتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا، وَكَانَ مِنْ خَبَرِي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي غَزْوةِ تَبُوكَ، أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى، وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْغَزْوةِ، واللَّه مَا جَمَعْتُ قَبْلَهَا رَاحِلَتَيْنِ قَطُّ، حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِي تِلْكَ الْغَزْوةِ، فَغَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا، وَمَفَازًا، وَاسْتَقْبَلَ عَدُوًّا كَثِيرًا، فَجَلَا لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ؛ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِمُ الَّذِي يُرِيدُ، وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- كَثِيرٌ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابُ حَافِظٍ -يُرِيدُ بِذَلِكَ: الدِّيوَانَ-. قَالَ كَعْبٌ: فَقَلَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ يَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ سَيَخْفَى لَهُ، مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ -﷿-، وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- تِلْكَ الْغَزْوَةَ حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ، وَالظِّلَالُ، فَأَنَا إِلَيْهَا أَصْعَرُ، فَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ، فَأَرْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، وَأَقُولُ فِي نَفْسِي: أَنَا قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ إِذَا أَرَدْتُ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَمَادَى بِي، حَتَّى اسْتَمَرَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- غَادِيًا، وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئًا، ثُمَّ غَدَوْتُ، فَرَجَعْتُ، وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَمَادَى بِي، حَتَّى أَسْرَعُوا، وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ، فَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ، فَأُدْرِكَهُمْ، فَيَا لَيْتَنِي فَعَلْتُ، ثُمَّ لَمْ يُقَدَّرْ ذَلِكَ لِي، فَطَفِقْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَحْزُنُنِي أَنِّي لَا أَرَى لِي أُسْوَةً، إِلَّا رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ فِي النِّفَاقِ، أَوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ. وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ ، فَقَالَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْقَوْمِ بِتَبُوكَ: «مَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ؟»، قَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ، وَالنَّظَرُ فِي عِطْفَيْهِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِئْسَمَا قُلْتَ، واللَّه يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ رَأَى رَجُلًا مُبَيِّضًا يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ»، فَإِذَا هُو أَبُو خَيْثَمَةَ الأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِصَاعِ التَّمْرِ حِينَ لَمَزَهُ الْمُنَافِقُونَ، فَقَالَ كعْبُ بْنُ مَالِكٍ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ تَوَجَّهَ قَافِلًا مِنْ تَبُوكَ، حَضَرَنِي بَثِّي، فَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الْكَذِبَ، وَأَقُولُ: بِمَ أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَدًا، وَأَسْتَعِينُ عَلَى ذَلِكَ كُلَّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي، فَلَمَّا قِيلَ لِي: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا، زَاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ، حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَنْجُوَ مِنْهُ بِشَيْءٍ أَبَدًا، فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ، وَصَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَادِمًا، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بالْمسْجِدِ، فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَهُ الْمُخَلَّفُونَ، فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- علَانِيَتَهُمْ، وَبَايَعَهُمْ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ، حَتَّى، جِئْتُ، فَلَمَّا سَلَّمْتُ، تَبَسَّمَ تبسُّمَ الْمُغْضَبِ، ثُمَّ قَالَ: «تَعَالَ»، فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي: «مَا خَلَّفَكَ؟، أَلَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي واللَّه لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، لَرَأَيْتُ أَنِّي سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا، وَلَكِنِّي واللَّه لَقَدْ عَلِمْتُ، لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ، تَرْضَى بِهِ عَنِّي، لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْحطَكَ عَلَيَّ، وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ، تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ، إِنِّي لأَرْجُو فِيهِ عُقْبَى اللَّهِ ، واللَّه مَا كَانَ لِي عُذْرٌ، واللَّه مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى، وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فيكَ». فَقُمْتُ، وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ، فَاتَّبَعُونِي، فَقَالُوا لِي: واللَّه مَا عَلِمْنَاكَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا، لَقَدْ عَجَزْتَ فِي أَنْ لَا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِمَا اعْتَذَرَ بِهِ إِلَيْهِ الْمُخَلَّفُونَ، فَقَدْ كَانَ كَافِيَكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لَكَ، قَالَ: فَواللَّه مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونَنِي حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأُكَذِّبَ نَفْسِي، قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعِي مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ لَقِيَهُ مَعَكَ رَجُلَانِ، قَالَا مِثْلَ مَا قُلْتَ، فَقِيلَ لَهُمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لَكَ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ رَبِيعَةَ الْعَامِرِيُّ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ، قَالَ: فذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ، قَدْ شِهِدَا بَدْرًا، فِيهِمَا أُسْوَةٌ، قَالَ: فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي. قَالَ: وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا، أيّهَا الثَّلَاثَةُ، مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، قَالَ: فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ، وَقَالَ: تَغَيَّرُوا لَما حَتَّى تَنَكَّرَتْ لِي فِي نَفْسِيَ الأَرْضُ، فَمَا هِيَ بِالأَرْضِ الَّتِي أَعْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا، وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا، يَبْكِيانِ، وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ، وَأَجْلَدَهُمْ، فَكُنْتُ أَخْرُجُ، فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ، وَأَطُوفُ فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِي رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ أَمْ لَا؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ، وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي نَظَرَ إِلَيَّ، وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا طَالَ ذَلِكَ عَلَيَّ مِنْ جَفْوَةِ الْمُسْلِمِينَ، مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّي، وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَواللَّه مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، هَلْ تَعْلَمَنَّ أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ قَالَ: فَسَكَتَ، فَعُدْتُ، فَنَاشَدْتُهُ، فَسَكَتَ، فَعُدْتُ، فَنَاشَدْتُهُ، فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الْجِدَارَ، فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ، إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ نَبَطِ أَهْلِ الشَّامِ، مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ، يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ قَالَ: فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إِلَيَّ، حَتَّى جَاءَنِي، فَدَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، وَكُنْتُ كَاتِبًا، فَقَرَأْتُهُ، فَإِذَا فِيهِ: أمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ، وَلَا مَضْيَعَةٍ، فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ، قَالَ: فَقُلْتُ حِينَ قَرَأْتُهَا: وَهَذِهِ أَيْضًا مِنَ الْبَلَاءِ، فَتَيَامَمْتُ بِهَا التَّنُّورَ، فَسَجَرْتُهَا بِهَا، حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ مِنَ الْخَمْسِينَ، وَاسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ، إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَأْتِينِي، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ، قَالَ: فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ قَالَ: لَا بَلِ اعْتَزِلْهَا، فَلَا تَقْرَبَنَّهَا، قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَي بِمِثْلِ ذَلِكَ، قَالَ: فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي الْحَقِي بِأَهْلِكِ، فَكُونِي عِنْدَهُمْ، حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِي هَذَا الأَمْرِ، قَالَ: فَجَاءَتِ امْرَأَةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ، لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنْ لَا يَقْرَبَنَّكِ»، فَقَالَتْ: إِنَّهُ واللَّه مَا بِهِ حَرَكَةٌ إِلَى شَيْءٍ، وَواللَّه مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا. قَالَ: فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي امْرَأَتِكَ، فَقَدْ أَذِنَ لِامْرَأَة هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ، قَالَ: فَقُلْتُ: لَا أَسْتَأْذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، وَمَا يُدْرِينِي مَاذَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا، وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ؟، قَالَ: فَلَبثْتُ بِذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ، فَكَمُلَ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً، مِنْ حِينَ نُهِيَ عَنْ كَلَامِنَا. قَالَ: ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ صَبَاحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ -﷿- مِنَّا قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي، وَضَاقَتْ عَلَيَّ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارخٍ أَوْفَى عَلَى سَلْعٍ، يَقُولُ بِأَعْلَى صَوْتهِ: يَا كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ، قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ، قَالَ: فَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- النَّاسَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا، حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، فَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ رَجُلٌ إِلَيَّ فَرَسًا، وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ قِبَلِي، وَأَوْفَى الْجَبَلَ، فَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الْفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي، فَنَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ، فَكَسَوْتُهُمَا إِيَّاهُ بِبِشَارَتِهِ، واللَّه مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ، فَلَبِسْتُهُمَا، فَانْطَلَقْتُ أَتَأَمَّمُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا، يُهَنِّئُونِي بِالتَّوْبَةِ، وَيَقُولُونَ: لِتَهْنِئْكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَحَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ، حَتَّى صَافَحَنِي، وَهَنَّأَنِي، واللَّه مَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهاجِرِينَ غَيْرُهُ، قَالَ: فَكَانَ كَعْبٌ لَا يَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ. قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ، وَيَقُولُ: «أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ»، قَالَ: فَقُلْتُ: أَمِنْ، عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «لَا، بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ»، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ، كَأَنَّ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، قَالَ: وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ، قَالَ: فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ، وإِلَى رَسُولِهِ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَمْسِكْ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ»، قَالَ: فَقُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِيَ الَّذِي بِخَيْبَرَ، قَالَ: وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أَنْجَانِي بِالصِّدْقِ، وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لَا أُحَدِّثَ إِلَّا صِدْقًا مَا بَقِيتُ، قَالَ: فَواللَّه مَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَبْلَاهُ اللَّهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى يَوْمِي هَذَا، أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي اللَّهُ بِهِ، واللَّه مَا تَعَمَّدْتُ كَذْبَةً مُنْذُ قُلْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى يَوْمِي هَذَا، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِيَ اللَّهُ فِيمَا بَقِيَ. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ -﷿-: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾. قَالَ كَعْبٌ: واللَّه مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْد إِذْ هَدَانِي اللَّهُ لِلإِسْلَامِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي رَسُولَ اللَّهُ -ﷺ- أَنْ لَا أَكَونَ كَذَبْتُهُ، فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا، إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لأَحَدٍ، وَقَالَ اللَّهُ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾ [التوبة: ٩٥ - ٩٦]. قَالَ كَعْبٌ: كُنَّا خُلِّفْنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ حَلَفُوا لَهُ فَبَايَعَهُمْ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى اللَّهُ فِيهِ، فَبِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ -﷿-: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨]، وَلَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ مِمَّا خُلِّفْنَا تَخَلُّفَنَا عَنِ الْغَزْوِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا، وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ، وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، فَقَبِلَ مِنْهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ) المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ت) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه بن وهب المصريّ الحافظ، ثقة عابد [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، ثقةٌ من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام الشهير، رأس الطبقة [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدم في «شرح المقدمة» جـ ١ ص ٣٤٨. ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاريّ، أبو الخطاب المدنيّ، ثقةٌ عالمٌ [٣] مات في خلافة هشام بن عبد الملك (خ م د س) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ١٣/ ١٦٥٩. ٦ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كعْبِ) بن مالك الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ، يقال: له رؤية [٢] مات سنة سبع، أو ثمان وتسعين (خ م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٦٤/ ٣٦٠. ٧ - (كَعْبُ بْنُ مَالِكِ) بن أَبِي كعب الأنصاريّ السَّلَميّ -بالفتح- المدنيّ الصحابي المشهور، وهو أحد الثلاثة الذين خُلِّفوا، مات في خلافة عليّ -﵄- (ع) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ١٣/ ١٦٥٩. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من سُباعيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب، والباقون مصريّون، وفيه ثلاثة من التابعين روي بعضهم عن بعض: ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه، عن عبد اللَّه بن كعب، ورواية الابن عن أبيه، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة، ستأتي قصّته في حديث الباب. شرح الحديث: (عَن) محمد بن مسلم بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه (ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ؛ أنه (قَالَ: ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) من هنا إلى قوله: «قال ابن شهاب: فأخبرني» من مرسل الزهريّ، وعبارة «الفتح» عند قوله: «قوله: عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك؛ أن عبد اللَّه بن كعب»: كذا عند الأكثر، ووقع عن الزهريّ في بعض هذا الحديث روايةٌ عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، وهو عمّ عبد الرحمن بن عبد اللَّه الذي حدّث به عنه هنا، وفي رواية عن عبد اللَّه بن كعب نفسه، قال أحمد بن صالح، فيما أخرجه ابن مردويه: كان الزهريّ سمع هذا القَدْر من عبد اللَّه بن كعب نفسه، وسمع هذا الحديث بطوله من ولده عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب، وعنه أيضًا رواية عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب، عن عمه عُبيد اللَّه بالتصغير ، ووقع عند ابن جرير من طريق يونس، عن الزهريّ في أول الحديث بغير إسناد: «قال الزهريّ: غزا رسول اللَّه -ﷺ- غزوة تبوك، وهو يريد نصارى العرب، والروم بالشام، حتى إذا بلغ تبوك، أقام بضع عشرة ليلة، ولقيه بها وَفْد أذرح، ووَفْد أيلة، فصالحهم رسول اللَّه -ﷺ- على الجزية، ثم قَفَل من تبوك، ولم يجاوزها، وأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ الآية [التوبة: ١١٧]، والثلاثة الذين خُلِّفوا رهطٌ من الأنصار، في بضعة وثمانين رجلًا، فلما رجع صَدَقَهُ أولئك، واعترفوا بذنوبهم، وكَذَبَ سائرهم، فحلفوا ما حبسهم إلا العذر، فقَبِل ذلك منهم، ونهى عن كلام الذين خُلِّفوا، قال الزهريّ: وأخبرني عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب. . »، فساق الحديث بطوله. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن قوله في رواية مسلم هنا:«قال ابن شهاب: ثم غزا رسول اللَّه -ﷺ-»إلى قوله:«قال ابن شهاب»مرسل، وليس موصولًا بالسند المذكور، كما ظنّه بعض الشرّاح ، فتنبّه، وباللَّه تعالى التوفيق. [تنبيه]: قال الرشيد العطّار -﵀- في«غُرره» ما ملخّصه: هذا الحديث قد أخرجه البخاريّ، ولم يورد ما فيه من مرسل ابن شهاب، ولا يخفى على من له أُنس بعلم الرواية أن مسلمًا -﵀- إنما احتجّ بما في هذه الأحاديث، وما شاكَلها بالمسنَد، دون المرسل، وإنما أوردها بما فيها من المرسل جريًا على عادته في ترك الاختصار، واللَّه -﷿- أعلم. انتهى . (غَزْوَةَ تَبُوكَ) بفتح المثنّاة، بعدها موحّدة، ثم واو، ثم كاف: مكان معروف، وهو نصف طريق المدينة إلى دمشق، وهو من المدن المشهورة اليوم في المملكة العربيّة السعوديّة في أقصى شمالها. [تنبيه]: قال الفيّوميّ -﵀-: بَاكَتِ الناقةُ تَبُوكُ بَوْكًا: سَمِنَتْ، فهي بَائِكٌ، بغيم هاء، وبهذا المضارع سُمِّيت غزوة تَبُوكُ؛ لأن النبيّ -ﷺ- غزاها في شهر رجب سنة تسع، فصالح أهلها على الجزية، من غير قتال، فكانت خالية عن البؤس، فأشبهت الناقة التي ليس بها هُزال، ثم سُمِّيت البقعة تَبُوكُ بذلك، وهو موضع من بادية الشام قريب من مَدْيَن الذين بَعث اللَّه إليهم شعيبًا. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي ذكره الفيّومي سببًا لتسمية تبوك، فيه نظر لا يخفى؛ لأن هذا الاسم اسم قديم، قبل غزوة النبيّ -ﷺ-، فلا يمكن أن يكون غزوه سببًا للتسمية، فتأمله بالإمعان. وقال المرتضى -﵀-: وتَبُوك: أَرْضٌ بينَ الشّامِ والمَدِينَةِ، وفي «العُباب»: بينَ وادِي القُرَى والشّام، وإِلَيها نُسِبَتْ غَزْوَو من غَزَواتِه -ﷺ-، واخْتُلِفَ في وَزْنِها، ووَجْهِ تَسمِيَتِها، قال الأَزْهرِيُّ: فإِن كانت التاءُ في تَبُوكَ أَصليّة فلا أَدْرِي مِمَّ اشْتِقاقُ تَبُوك، وإنْ كانَتْ للتَّأنِيثِ في المُضارعِ فهي من باكَتْ تَبُوكُ، ثمّ قال: وقد يَكُونُ تَبُوكُ على تَفْعُول، قال: وقرأْتُ في «الرَوْضِ» للسُّهَيلِيِّ ما نَصُّه: غزوةُ تَبُوكَ سُمِّيَت بعَيْنِ تَبُوك، وهي العَينُ التي أَمَرَ رسولُ اللَّهِ -ﷺ- الناسَ أَلّا يَمَسُّوا من مائِها شَيئًا، فسَبَق إِلَيها رَجُلانِ، وهي تَبِضُّ بشيءٍ من ماءٍ، فجَعَلا يُدْخِلانِ فيها سَهْمَيْنِ؛ ليَكْثُرَ ماؤها، فسَبَّهُما رسول اللَّه -ﷺ-، وقالَ لَهُمَا فيما ذَكَره القُتَبِيُّ: ما زِلْتُما تَبُوكانِها منذُ اليَوْم؟ قال: فبِذلِكَ سُمِّيَت العَيْنُ تَبُوك، ووَقع في «السِّيرَة»: فقال: «مَنْ سَبَق إِلى هذا؟» فقِيلَ له: يا رَسُولَ اللَّهِ فلانٌ، وفُلانٌ، وفلانٌ، وقالَ الواقِدِيُّ فيما ذُكِرَ لي: سَبَقَه إِليها أَرْبَعَةٌ من المُنافِقِينَ: مُعَتِّبُ بن قُشيرٍ، والحارِثُ بن يَزِيدَ الطَّائِيُّ، ووَدِيعَةُ بنُ ثابِتٍ، وزيدُ بنُ نُصَيب. انتهى . وقوله: (وَهُوَ يُرِيدُ الرُّومَ) جملة حاليّة من «رسول اللَّه -ﷺ-»، و«الرُّوم» بالضم: جِيل من وَلَد الروم بن عيصو بن إسحاق -﵇- سُمُّوا بِاسم جدّهم، قيل: كان لعيصو ثلاثون ولدًا منهم الرُّوم، ودخل في الروم طوائف من تَنُّوخ، ونَهْد، وسليم، وغيرهم، من غسان كانوا بالشأم، فلما أجلاهم المسلمون عنها دخلوا بلاد الروم، فاستوطنوها، فاختلطت أنسابهم، قاله في «التاج» . (وَنَصَارَى الْعَرَبِ بِالشَّامِ) بهمزة ساكنة، ويجوز تخفيفها، والنسبة إليها شأميّ على الأصل، ويجوز شآم بالمدّ من غير ياء، مثلُ يمنيّ، ويمانٍ، قاله الفيّوميّ . وقال في «القاموس» و«شرحه»: الشأم بلاد عن مشأمة القبلة، وقد سُمّيت لذلك؛ أي: لأنها عن مشأمة القبلة، أو لأن قومًا من بني كنعان تشاءموا إليها؛ أي: تياسووا، أو سُمِّي بِسام بن نوح، فإنه بالشين المعجمة بالسريانية، ثم لمّا أعربوه أعجموا الشين، وهذا الوجه قد أنكره كثير من محققي أئمة التواريخ، وقالوا: لم ينزلها سام قط، ولا رآها فضلًا عن كونه بناها، أو لأن أرضها شامات: بِيضٌ، وحُمْرٌ، وسُود، وقد بَحثوا في هذا الوجه أيضًا، وصوّبوا الأول، واقتصروا عليه، وعلى هذا لا تهمز؛ لأنه معتلّ واويّ، وكذلك على الوجه الذي قبله، وينافيه أنهم لا ينطقون به إلا مهموزًا، مؤنثةٌ، وقد تُذَكَّرُ. انتهى . [تنبيه]: كان سبب غزوة تبوك ما ذكره ابن سعد، وشيخه، وغيرهما، قالوا: بلغ المسلمين من الأنباط الذين يَقْدَمون بالزيت من الشام إلى المدينة أن الروم جَمَعت جموعًا، وأجلبت معهم لخم، وجذام، وغيرهم من متنصرة العرب، وجاءت مقدّمتهم إلى البلقاء، فندب النبيّ -ﷺ- الناس إلى الخروج، وأعلمهم بجهة غزوهم، ورَوَى الطبرانيّ من حديث عمران بن حصين -﵄- قال: كانت نصارى العرب كتبت إلى هرقل أن هذا الرجل الذي خرج يدّعي النبوّة هلك، وأصابتهم سنون، فهلكت أموالهم، فبعث رجلًا من عظمائهم، يقال له: قباذ، وجهّز معه أربعين ألفًا، فبلغ النبيّ -ﷺ- ذلك، ولم يكن للناس قوّة، وكان عثمان قد جهّز عِيرًا إلى الشام، فقال: يا رسول اللَّه هذه مائتا بعير بأقتابها، وأحلاسها، ومائتا أوقية، قال: فسمعته يقول: «لا يضرّ عثمان ما عَمِل بعدها»، وأخرجه الترمذيّ، والحاكم، من حديث عبد الرحمن بن حبان نحوه. وذكر أبو سعيد في «شرف المصطفى»، والبيهقي في «الدلائل» من طريق شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غَنْم، أن اليهود قالوا: يا أبا القاسم إن كنت صادقًا، فالْحَقْ بالشام، فإنها أرض المحشر، وأرض الأنبياء، فغزا تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل اللَّه تعالى الآيات من سورة بني إسرائيل: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ الآية [الإسراء: ٧٦]. انتهى، قال الحافظ: وإسناده حسن مع كونه مرسلًا. انتهى . (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزهريّ بالسند السابق، فمن هنا متّصلٌ، وما قبله مرسلٌ، كما نبّهت عليه. (فَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ، وكَانَ)؛ أي: عبد اللَّه بن كعب، ووقع في بعض النسخ: «كان» بلا واو، فيكون خبر «أنّ». (قَائِدَ كَعْبٍ) اسم فاعل من قاده يقوده، يقال: قَاد الرجلُ الفرسَ قَوْدًا، من باب قال، وقِيَادًا بالكسر، وقِيَادَةً، قال الخليل: القَوْدُ: أن يكون الرجلُ أمام الدابة، آخذًا بقيادها، والسَّوْق: أن يكون خلفها. انتهى . وقوله: (مِنْ بَنِيهِ) قال في «الفتح»: بفتح الموحّدة، وكسر النون، بعدها تحتانيّة ساكنة، وقع في رواية القابسيّ هنا، وكذا لابن السكن في «الجهاد»: «من بيته» بفتح الموحّدة، وسكون التحتانية، بعدها مثنّاة، والأول هو الصواب. انتهى. وقال في «العمدة»: قوله: «من بنيه»: وهم عبد اللَّه هذا، وعبيد اللَّه، وعبد الرحمن. انتهى . (حِينَ عَمِيَ) بفتح العين المهملة، وكسر الميم، من باب تَعِبَ؛ أي: فَقَدَ بصره، وفي رواية مَعِقل بن عبيد اللَّه، عن ابن شهاب الآتية: «وكان قائد كعب حين أُصيب بصره، وكان أعلم قومه، وأوعاهم لأحاديث أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-». (قَالَ) عبد اللَّه بن كعب: (سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكِ) بن أبي كعب، واسمه: عمرو السَّلَميّ المدنيّ الشاعر، صاحب النبيّ -ﷺ-، وهو أحد الثلاثة الذين تاب اللَّه عليهم، وأنزل فيهم: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ الآية [التوبة: ١١٨]. (يُحَدِّثُ حَدِيثَهُ حِينَ تَخَلَّفَ)؛ أي: زمان تخلّفه (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ) الجارّان متعلّقان بـ «تخلّف»، وفي رواية البخاريّ: «حين تخلّف عن قصة تبوك»، وعليه فـ «عن قصّة» متعلق بقوله: «يُحَدّث». (قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ) -﵁-: (لَمْ أَتَخَلَّفْ)، أي: لم أتأخّر (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ)، أي: في أيّ وقت مضى، يقال: ما فعلت ذلك قَطُّ؛ أي: في الزمان الماضي، بضمّ الطاء مشدّدة، قال الفيّوميّ . وقال في «القاموس» و«شرحه»: وإِذا أَرَدْتَ بقَطّ الزَّمَانَ فمُرْتَفِعٌ أَبدًا، غير مُنَوَّن تقول: ما رَأَيْتُ مثلَه قَطُّ؛ لأَنَّهُ مثلُ قَبْلُ، وبَعْدُ، فإِنْ قَلَّلَت بقَطْ فاجْزِمْها، ما عِنْدَكَ إلا هذا قَطْ، فإِن لَقِيَتْه أَلِفُ وَصْلٍ كَسَرْتَ، تقول: مَا عَلِمْتُ إلّا هذا قَطِ اليَوْمَ، وما فَعَلْت هذا قَطْ مَجْزُومَ الطّاء، ولا قَطُّ مُشَدَّدًا مضمومَ الطّاءِ، أَو يُقَال: قَطّ يا هذا مُثَلَّثَهَ الطّاءِ، مُشَدَّدَة، ومَضْمُومَةَ الطّاءِ مُخَفَّفَة، ومَرْفُوعَةً، ونصُّ اللِّحْيَانِيِّ في «النَّوَادِرِ»: وما زالَ هذا مُذْ قُطُّ يا فَتَى بضَمِّ القافِ والتَّثْقِيل، وتَخْتَص بالنَّفْي ماضِيًا، وتَقُولُ العَامَّةُ: لا أَفْعَلُه قَطُّ، وإِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ في المُسْتَقْبَلِ عَوْضُ. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قال، والصحيح أن استعمال «قط» في المثبَت لغة فصيحة، فقد وقع بعد المثبت في مَواضِعَ من «صحِيح البُخارِيِّ» مِنْها في «باب صلاةِ الكُسُوفِ»: «أَطْوَلُ صلاةٍ صَلَّيْتَها قَطُّ»، وفي «سُنَن أَبِي دَاوُدَ»: «تَوَضَّأَ ثَلاثًا قَطْ»، وأثْبَتَه ابنُ مالِكٍ لغةً، وحَقَّقَ بَحثَه في «التَّوْضِيحِ على مُشْكِلاتِ الصَّحِيح» قال: وهي مِمّا خَفِيَ على كَثيرٍ من النُّحاةِ. انتهى بتصرّف . (إِلَّا فِي غَزْوةِ تَبُوكَ) زاد أحمد من رواية معمر: «وهي آخر غزوة غزاها»، وهذه الزيادة رواها موسى بن عقبة، عن ابن شهاب بغير إسناد، ومثله في زيادات المغازي ليونس بن بُكير، من مرسل الحسن، قاله في «الفتح» . وكانت غزوة تبوك في سنة تسع من الهجرة، في رجب منها . (غَيْرَ أَنِّي قَدْ تَخَلَّفْتُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ)؛ أي: لم أشهدها، (وَلَمْ يُعَاتِبْ)؛ أي: لم يعاتب النبيّ -ﷺ- (أَحَدًا) ويَحْتَمِل أن يكون الفاعل ضمير اللَّه -﷿-، ويؤيّده ما وقع في رواية للبخاريّ بلفظ: «ولم يعاتب اللَّه أحدًا». وقال في «العمدة»: قوله: «ولم يُعاتِب أحدًا»؛ أي: لم يعاتب اللَّه أحدًا، ويُروَى: «لم يُعَاتَبْ» على صيغة المجهول، و«أحد» بالرفع نائب فاعله . (تَخَلَّفَ عَنْهُ)؛ أي. عن غزوة بدر، ولفظ البخاريّ: «عنها»؛ أي: عن الغزوة، ثم بيّن سبب عدم المعاتبة، فقال: (إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-)؛ أي: إلي بدر، (وَالْمُسْلِمُونَ يُرِيدُونَ عِيرَ قُرَيْشِ) بكسر العين، وسكون التحتانيّة: الإبل تَحْمِل الْمِيرة، ثم غلب على كلّ قافَلة ؛ يعني: أنهم أرادوا أن يأخذوا عِير قريش التي أقبلت من الشام، وهي محملّة بضائع التجارات. (حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهمْ)؛ أي: بين النبيّ -ﷺ-، والمسلمين (وَبَيْنَ عَدُوِّهُمْ)؛ أي: مشركي قريش، (عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ) بكسر الميم: وقت الوعد، أو موضعه؛ يعني: دون أن يكون بين المسلمين والمشركين مواعدة للقتال في وقت، أو مكان معيّن. (وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ) أراد به أنه وإن لم يتشرّف بحضوره غزوة بدر، إلا أنه تشرّف بحضور ليلة العقبة التي بايع الأنصار فيها رسولَ اللَّه -ﷺ- على مؤازرته، والدفاع عنه، فأبدله اللَّه تعالى عن نعمة الحضور في غزوة بدر بنعمة أخرى، وهي شهوده ليلة العقبة . وقال النوويّ -﵀-: ليلة العقبة هي الليلة التي بايع الأنصار فيها النبيّ -ﷺ- علي الإسلام، وأن يُؤْووه، وينصروه، والعقبة التي في طرف مِنى التي تضاف إليها الجمرة، وكانت البيعة بها مرّتين في سنتين، في السنة الأولى كانوا اثني عشر، وفي الثانية كانوا سبعين، كلّهم من الأنصار -﵃-. انتهى . (حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الإِسْلَامِ) بثاء مثلثة، وقاف؛ أي: أخذ بعضنا على بعض الميثاق لَمّا تبايعنا على الإسلام والجهاد، (وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا)؛ أي: بدل العقبة، فالباء بمعنى بدل، كما قال في «الخلاصة»: وَ«مِنْ» وَ«بَاءٌ» يُفْهِمَانِ بَدَلَا … . . . . . . . . . . . (مَشْهَدَ بَدْرٍ)؛ أي: شهود غزوه، فالمشهد كالْمَحْضَر وزنًا ومعنًى . (وَإنْ كَانَتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ)؛ أي: أعظم ذِكرًا، وأشهر بالفضيلة (فِي النَّاسِ)؛ أي: بينهم، (مِنْهَا)؛ أي: من العقبة، وفي رواية: «وإن كانت بدر أكثر ذكرًا في الناس منها»، ووقع في رواية لأحمد بلفظ: «ولَعَمْري إن أشرف مشاهد رسول اللَّه -ﷺ- لبدرٌ». قاله كعب -﵁-: (وَكَانَ) وفي نسخة: «فكان» (مِنْ خَبَرِي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي غَزْوةِ تَبُوكَ، أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى)؛ أي: أشدّ قوّةً (وَلَا أَيْسَرَ)؛ أي: أكثر يُسرًا (مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ)؛ أي: تأخّرت (عَنْهُ) -ﷺ- (فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ)؛ أي: غزوة تبوك، (واللَّه مَا جَمَعْتُ قَبْلَهَا رَاحِلَتَيْنِ قَطُّ)؛ أي: لم يجتمع لي فيما مضى من الوقت راحلتان، (حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ)؛ أي: حتى تيسّر لي جَمْعهما في غزوة تبوك. وزاد في رواية ابن أخي الزهريّ الآتية: «فكان رسول اللَّه -ﷺ- قلّما يريد غزوة إلا ورّى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة»، ولفظ البخاريّ: «ولم يكن رسول اللَّه -ﷺ- يريد غزوة إلا وَرَّى بغيرها»؛ أي: أوْهَم غيرها، والتورية أن يذكر لفظًا يَحْتَمِل معنيين، أحدهما أقرب من الآخر، فيوهم إرادة القريب، وهو يريد البعيد، وزاد أبو داود من طريق محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهريّ: «وكان يقول: الحرب خدعة». وزاد في رواية من طريق يونس، عن الزهريّ: «وقَلّما كان يخرج إذا خرج في سفر إلا يوم الخميس»، وللنسائيّ من طريق ابن وهب، عن يونس: «في سفر جهاد، ولا غيره»، وله من وجه آخر: «وخرج في غزوة تبوك يوم الخميس» . (فَغَزَاهَا)، أي: غزوة تبوك، (رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي حَرٍّ شَدِيدٍ)، أي: في وقت اشتداد الحرّ، (وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا) إذ بين تبوك وبين المدينة أربع عشرة مرحلةً، (وَمَفَازًا) بفتح الميم، ويقال لها: المفازة، قال ابن منظور -﵀-: الْمَفَازُ، والْمَفازة: الْبَرَيّة الْقَفْرُ، وتُجمع الْمَفَاوز. انتهى . وقال في «العمدة»: المفازة: المهلكة، سُمّيت بذلك؛ تفاؤلًا بالفوز والسلامة، كما قالوا للّديغِ: سليم، وذكر ابن الأنباريّ عن ابن الأعرابيّ أنها مأخوذة من قولهم: قد فوَّز الرجل: إذا هلك، وقيل: لأن من قطعها فاز ونجا. انتهى . وقال المرتضى -﵀-: المَفازَةُ: المَنْجاةُ، وبه فَسَّرَ أَبو إسحاقَ قولَه تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨] أي: بمَنْجاةٍ منه، وقال الفرَّاءُ؛ أي: ببعيدٍ منه، قيل: أَصْلُ المَفازَةِ: المَهْلَكَةُ من الفَوزِ، بمعنى الهَلاكِ، وقال ابن الأَعرابيِّ: سُمِّيَتِ المَفازَةُ من فوَّزَ الرَّجلُ إذا ماتَ، وقيل: سُمِّيَتْ تَفاؤُلًا بالسَّلامة من الفَوز: النَّجاةِ، وهذا قول الأصمعيّ، حقَّقه ابنُ فارس في «المُجمَل» وغيره. انتهى . وقال الفيّوميّ -﵀-: فَازَ يَفُوزُ فَوْزًا: ظَفِر، ونجا، ويقال لمن أخذ حقّه من غريمه: فَازَ بما أخذ؛ أي: سَلِم له، واختَصّ به، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أَفَزْتُهُ بالشيء، وفَازَ: قطع المَفَازَةَ، والمَفَازةُ: الموضع الْمُهْلِك، مأخوذة من فَوّزَ بالتشديد: إذا مات؛ لأنها مَظِنّة الموت، وقيل: من فَازَ: إذا نجا، وسَلِم، وسُمّيت به تفاؤلًا بالسلامة. انتهى . (وَاسْتَقْبَلَ عَدُوًّا كَثِيرًا) وهو الروم، ومن انضاف إليهم من لخم، وجُذام، وغيرهم من منتصرة العرب، (فَجَلَا لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ) «جلا» بالجيم؛ أي: أظهره؛ ليتأهبوا لذلك، وهو مخفف اللام، يقال: جليت الشيء: إذا كشفته، وبيّنته، وأوضحته، وفي «التلويح»: ضَبَطه الدمياطي في حديث سعد في المغازي بالتشديد، وهو خطأ، قاله في «العمدة» . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: وهو خطأٌ، فيه نظر، فقد ضبطه في «الفتح» بهما، فقال: قوله: «فجلَّى» بالجيم، وتشديد اللام، ويجوز تخفيفها؛ أي: أوضح. انتهى . يعني: أنه أظهر لهم الأمر، وكَشَفه، ولم يورِّه، والمقصود؛ أنه -ﷺ- كان من هديه أن لا يُعلن جهة خروجه للقتال، بل كانت عادته التوريةَ بذلك، فإن كان يريد جهة المشرق مثلًا توجه إلى المغرب عند خروجه، ثم عاد إلى المشرق؛ لئلا يتبيّن أمره للمنافقين، ولطلائع العدوّ، وكان ذلك من تدبير الحرب، وسياسته، فإن الحرب خُدعة، ولكنه لم يفعل مثل ذلك في غزوة تبوك، بل أعلن جهة خروجه قبل أن يخرج لِمَا رأى من طول السفر، وكثرة العدوّ، وزيادة المشقّة، فأراد أن يكون المسلمون على بيّنة من الأمر، ويستعدّوا لهذا السفر بما تيسّر لهم ، كما أبان ذلك بقوله: (لِيَتَأَهَّبُوا) متعلّق بـ «جلا»؛ أي: ليستعدّوا، يقال: تأهّب للسفر: إذا تهيّأ له، وقوله: (أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ) بضمّ الهمزة، وسكون الهاء؛ أي: عُدّته، وجميع ما يحتاج إليه الإنسان في سفره، والجمع: أُهَبٌ، بضمّ، ففتح، كغُرْفة وغُرَف . وقال في «الفتح»: في رواية الكشميهنيّ: «أُهْبة عدوّهم»، والأهبة بضم الهمزة، وسكون الهاء: ما يُحتاج إليه في السفر والحرب. انتهى . (فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِمُ)؛ أي: بقصدهم (الَّذِي يُرِيدُ) هـ -ﷺ-، وقوله: (وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- كَثِيرٌ) جملة مستأنفة، أو في محلّ نصب على الحال، (وَلَا يَجْمَعُهُمْ)؛ أي: لا يستوعب عددهم (كِتَابُ حَافِظٍ) بالإضافة؛ أي: حساب شخص ماهر في الحساب، وفي رواية البخاريّ: «كتابٌ حافظٌ» بالتنوين فيهما، على أن الثاني صفة للأول، وزاد في رواية معقل الآتية: «يزيدون على عشرة آلاف، ولا يجمعهم ديوان حافظ»، وللحاكم في «الإكليل» من حديث معاذ: «خرجنا مع رسول اللَّه -ﷺ- إلى غزوة تبوك زيادةً على ثلاثين ألفًا»، وبهذه العِدّة جزم ابن إسحاق، وأورده الواقديّ بسند آخر موصول، وزاد: «أنه كان معه عشرة آلاف فرس»، فتُحمَل رواية معقل على إرادة عدد الفرسان، ولابن مردويه: «ولا يجمعهم ديوان حافظ»؛ يعني كعب بذلك: الديوان، يقول: لا يجمعهم ديوان مكتوبٌ، وهو يُقَوِّي رواية التنوين، وقد نُقل عن أبي زرعة الرازي أنهم كانوا في غزوة تبوك أربعين ألفًا، ولا تخالِف الرواية التي في «الإكليل»: «أكثر من ثلاثين ألفًا»، لاحتمال أن يكون من قال: أربعين ألفًا جبر الكسر، قاله في «الفتح» . (يُرِيدُ) كعب بن مالك (بِذَلِكَ)؛ أي: بقوله: «ولا يجمعه كتاب حافظ» (الدِّيوَانَ) قال الحافظ -﵀-: قوله: «يريد الديوان» هو كلام الزهريّ، وأراد بذلك الاحتراز عما وقع في حديث حذيفة -﵁-: «أن النبيّ -ﷺ- قال: اكتبوا لي من تلفَّظ بالإسلام»، وقد ثبت أن أوّل من دوَّن الديوان عمر -﵁-. انتهى . [تنبيه]: قال المجد -﵀-: الدِّيوانُ -؛ أي: بالكسر- ويفتح: مُجْتَمَعُ الصُّحُفِ، والكِتابُ، يُكْتَبُ فيه أهلُ الجَيْشِ، وأهْلُ العَطِيَّةِ، وأوَّلُ مَنْ وَضَعَهُ عُمَرُ -﵁-، جمعه: دَواوِينُ، ودَياوِينُ. انتهى . وقال الفيّوميّ -﵀-: الدِّيوَانُ جَرِيدة الحساب، ثم أُطلق على الحساب، ثم أُطلق على موضع الحساب، وهو مُعَرَّب، والأصل: دِوَّانٌ، فأُبدل من أحد المضعّفين ياء؛ للتخفيف، ولهذا يُردّ في الجمع إلى أصله، فيقال: دَوَاوِينُ، وفي التصغير: دُوَيْوِينٌ؛ لأن التصغير، وجمع التكسير، يردّان الأسماء إلى أصولها، ودَوَّنْتُ الديوان، أي: وضعته، وجمعته، ويقال: إن عمر أول من دَوَّنَ الدَّوَاوِينَ في العرب؛ أي: رتّب الجرائد للعُمّال، وغيرها. انتهى . والمعنى لم يكن هناك كتاب، أو ديوان تُسجّل فيه أسماء المشاركين في الغزو. (قَالَ كعْبٌ) -﵁-: (فَقَلَّ رَجُلٌ) من المسلمين (يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ) من الجيش، (يَظُنُّ) هكذا رواية مسلم، وفي رواية البخاريّ: «إلا يظنّ» بـ «إلا»، وهو الصواب، فلا بُدّ من تقديرها في رواية مسلم؛ لأن المعنى عليها، قال القرطبيّ -﵀-: قوله: «يظنّ أن ذلك سيخفى له» كذا وقع هذا الكلام في سائر روايات مسلم، وفي نُسخه، وسقط من الكلام «إلا» قبل «يظن»، وبه يستقيم الكلام، وهي إيجاب بعدما تضمّنه «قَلّ» من معنى النفي؛ لأن معنى قوله: «قلّ رجلٌ» بمعنى: ما رجل، فكأنه قال: ما رجل يريد أن يتغيب إلا ظنّ أن ذلك سيخفى له. انتهى . (أَنَّ ذَلِكَ) التغيّب (سَيَخْفَى) مضارع خَفِي، كرضي يرضى، وفي رواية البخاريّ: «إلا ظن أنه سيخفى»، ووقع في رواية الكشميهنيّ: «أَنْ سيخفى» بتخفيف النون، بلا هاء. (لَهُ) اللام بمعنى «على»؛ أي: على النبيّ -ﷺ-، والمعنى: أن من كان يريد أن يتغيّب عن الغزو، فإنه من السهل عليه أن يفعل ذلك؛ لأنه يظنّ أنه -ﷺ- لا يطّلع عليه؛ لكثرة الناس، ولعدم تسجيل أسمائهم في ديوان، إلا أن ينزل وحي من اللَّه تعالى، كما بيّنه بقوله: (مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ) بالبناء للفاعل، أو المفعول، (وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ -﷿-)؛ أي: إلا أن يُنزل اللَّه -﷿- وحيًا على رسوله -ﷺ- بتغيّب ذلك الرجل، واللَّه تعالى أعلم. (وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- تِلْكَ الْغَزْوَةَ)؛ أي: غزوة تبوك، (حِينَ طَابَتِ)؛ أي: أدركت (الثِّمَارُ، وَ) تفيّأت (الظِّلَالُ)؛ يعني: حين كانت الأثمار ناضجة على الأشجار، وكان ذلك موسم أهل المدينة، يشتاقون إليه، لتوفّر الثمار فيه، ولكونها زمن تجارتهم فيها، والحصول على الأرباح، وهي التي كانت أساس معيشتهم في ذلك الزمان . وفي رواية موسى بن عقبة، عن ابن شهاب: «في قيظ شديد، في ليالي الخريف، والناس خارفون في نخيلهم»، وفي رواية أحمد من طريق معمر: «وأنا أَقْدَر شيء في نفسي على الجهاز، وخفّة الحاذ، وأنا في ذلك أصغو إلى الظلال والثمار». وقوله: «الْحَاذِ» بحاء مهملة، وتخفيف الذال المعجمة، هو الحال وزنًا ومعنى، وقوله: «أصغو» بصاد مهملة، وضم المعجمة، أي: أمْيَل، ويُروَى: «أصعُر» بضم العين المهملة، بعدها راء، وفي رواية ابن مردويه: «فالناس إليها صعر»، قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: «بضمّ العين» فيه نظر؛ لأنه مخالف لِمَا في كتب اللغة، فقد ضُبط فيه بفتحها، من باب تَعِبَ، فتنبّه. (فَأَنَا إِلَيْهَا)؛ أي: إلى التمتّع بتلك الثمار والظلال (أَصْعَرُ)؛ أي: أمْيَل، وهم أفعل تفضيل من صَعِرَ، من باب فَرِحَ. قال الفيّوميّ -﵀-: الصَّعَرُ: ميلٌ في العنق، وانقلاب في الوجه إلى أحد الشدقين، وربما كان الإنسان أَصْعَرَ خِلْقةً، أو صَعَّرَهُ غيره بشيء يصيبه، وهو مصدر من باب تَعِبَ، وصَعَّرَ خَدَّه بالتثقيل وصَاعَرَهُ: أماله عن الناس إعراضًا وتكبرًا. انتهى . وقال المرتضى -﵀-: الصَّعَرُ مُحَرَّكَةً، والتَّصَعُّرُ: ميَلٌ في الوَجْهِ، وقيل: الصَّعَرُ: المَيَلُ في الخَدِّ خاصَّةً، أو هو مَيَلٌ في العُنُقِ، وانقلابٌ في الوَجْهِ إِلى أَحدِ الشِّقَّيْنِ، أو هو داءٌ في البعيرِ يأخُذُه، ويَلْوِي عُنُقه منه، ويُمِيلُه، صَعِرَ كفَرِحَ صَعَرًا، فهو أَصْعَرُ، وجمْعه صُعْرٌ، قال أَبو دَهْبَلٍ: أنشده أَبو عَمْرِو بنُ العلاءِ [من الكامل]: وَتَرَى لَهَا دَلًّا إذَا نَطَقتْ … تَرَكَتْ بَنَاتِ فُؤادِهِ صُعْرا (فَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-)، أي: تأهبّ بإعداد جَهَاز السفر، وهو أُهبته، وما يحتاج إليه في قطع المسافة، وهو بالفتح، وبه قرأ السبعة في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ [يوسف: ٧٠]، والكسر لغةٌ قليلة، وجِهَازُ العَرُوس، والميت باللغتين أيضًا، يقال: جَهَّزَهُمَا أهلهما بالتثقيل، وجَهَّزْتُ المسافرَ بالتثقيل أيضًا: هَيّأت له جِهازه، فَالمُجَهِّزُ بالكسر اسم فاعل، قاله الفيّوميّ . وقوله: (وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ) يَحْتَمِل أن يكون عطفًا على الفاعل، وأن يكون مبتدأ والظرف خبره، والجملة في محلّ نصب على الحال، (وَطَفِقْتُ) بكسر الفاء، وتُفتح على قلّة؛ أي: شرعت، قال المرتضى -﵀-: طَفِق يفْعَلُ كَذا، كفرِح طَفَقًا: جعَلَ يفعَلُ، وأخذَ، وهو من أفْعالِ المُقارَبَة، قال الليْثُ: ولُغَة رَديئة طَفَق مثل ضَرَبَ طَفْقًا، وطُفوقًا، وعَزاه الجَوْهَريّ إلى الأخْفَش، وقال ابنُ سيدَه: وهي لُغة عن الزّجّاج، والأخفَش، وقال أبو الهَيثَم: طَفِق، وعلِقَ، وجَعَل، وكادَ، وكَرَب، لا بُدّ لهُنّ من صاحِب يصْحَبهنّ يوصَف بهنّ، فيرتَفِع، ويطلُبْن الفِعْلَ المُسْتَقْبَل خاصّةً، كقولك: كادَ زَيْدٌ يقول ذلك، فإن كنَيْتَ عن الاسمِ قلت: كادَ يقول ذاك، ومنه قولُه تعالَى: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ﴾ [ص: ٣٣]، أراد: طَفِق يمْسَحُ مسْحًا. قال المرتضى: وقوله: إذا واصَلَ الفِعْلَ، قال شيخُنا: هو مِثلُ نقْلِ الحافِظِ ابنِ حَجَرٍ في «فتح الباري»: طَفِقَ يفعَل كذا: إذا شرَعَ في فِعْلٍ، واستمرّ فيه، قلتُ: المَعروفُ في أفعال الشّروعِ هو الدّلالة على الشّروعِ فيه، مع قطْع النّظَر عن الاستِمرار، والمُواصَلة أم لا، ولذلِك مَنَعوا خبَرَها من دخولِ «أَنْ» عليه، لِمَا فِيها من مَعْنى الاستِقْبال، فدَلالتُها على الاستِمرار كيْفَ يُتَصَوَّر فتأمّل. وقال ابنُ دُرَيد: خاصٌّ بالإثباتِ، يُقال: طفِقَ يفعَلُ كذا، ولا يُقال: ما طَفِقَ يفعلُ كذا وكذا. انتهى . وقوله: (أَغْدُو)، أي: أذهب مبكّرًا، وهو خبر «طَفِقت»؛ لأنها من أفعال الشرع التي ترفع المبتدأ اسمًا لها، وتنصب الخبر خبرًا لها، قال في «الخلاصة»: كَأَنْشَأَ السَّائِقُ يَحْدُو وَطَفِقْ … كَذَا جَعَلْتُ وَأَخَذْتُ وَعَلِقْ (لِكَيْ أَتجَهَّزَ مَعَهُمْ)؛ أي: مع النبيّ -ﷺ-، والمسلمين، (فَأَرْجِعُ) إلى بيتي (وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا)؛ أي: لم أفعل من إعداد جهازي السفر لا كثيرًا، ولا قليلًا، (وَأَقُولُ فِي نَفْسِي)؛ أي: أحدّث نفسي، فأقوله: (أَنَا قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ)، أي: على التجهّز لهذه الغزوة (إِذَا أَرَدْتُ)؛ أي: في أيّ وقت قصدت ذلك. (فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ)؛ أي: محادثة نفسي بذلك (يَتَمَادَى بِي)، أي: يستمرّ، ويلازمني، وبثبّطني عن الجدّ في ذلك (حَتَّى اسْتَمَرَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ) بكسر الجيم، والرفع على أنه فاعل استمرّ؛ أي: استمرّ الاجتهاد، والاهتمام بالخروج، وفي رواية البخاريّ: «حتى اشتدّ الناسُ الجدَّ». قال في «الفتح»: بكسر الجيم، وهو الجدّ في الشيء، والمبالغة فيه، وضبطوا «الناسُ» بالرفع على أنه الفاعل، و«الجدَّ» بالنصب على نزع الخافض، أو هو نعت لمصدر محذوف، أي: اشتدّ الناسُ الاشتدادَ الجدَّ، وعند ابن السكن: «اشتدّ بالناس الجدُّ» برفع «الجدُّ»، وزيادة الموحّدة، وهو الذي في رواية أحمد، ومسلم، وغيرهما، وفي رواية الكشميهنيّ: «بالناس الجدُّ»، و«الجدُّ» على هذا فاعل، وهو مرفوع، وهي رواية مسلم، وعند ابن مردويه: «حتى شَمَّر الناس الجدّ»، وهو يؤيد التوجيه الأول. انتهى . (فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- غَادِيًا)؛ أي: ذاهبًا وقت الغدوّ، قال الفيّوميّ -﵀-: غَدَا غُدُوًّا، من باب قعد: ذهب غُدْوُةً، وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، وجمع الغُدْوَةِ غُدًى، مثل مُديةٍ ومُدًى، هذا أصله، ثم كَثُر، حتى اسُتعمِل في الذهاب، والانطلاق أيِّ وقت كان، ومنه قوله -ﷺ-: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسَ. . .»، أي: وانطلق. انتهى ، وقوله: (وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ) جملة في محلّ نصب على الحال، وكذا قوله: (وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي) بفتح الجيم، وتُكسر على قلّة، كما أسلفته؛ أي: من أُهبة سفري (شَيْئًا)، أي: كثيرًا أو قليلًا، وعند ابن أبي شيبة، وابن جرير من وجه آخر، عن كعب: «فأخذت في جِهازي، فأمسيت، ولم أفرغ، فقلت: أتجهز في غد». (ثُمَّ غَدَوْتُ)؛ أي: خرجت من بيتي مبكّرًا لإعداد الجهاز، (فَرَجَعْتُ) إلى بيتي (وَ) الحال أني (لَمْ أَقْضِ شَيْئًا) من ذلك، (فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ)، أي: الغدوّ، والرجوع بلا قضاء شيء (يَتَمَادَى)؛ أي: يستمرّ (بِي، حَتَّى أَسْرَعُوا) بالسين المهملة؛ أي: أسرع النبيّ -ﷺ-، والمسلمون معه إلى الخروج، وفي رواية الكشميهنيّ: «حتى شَرُعوا» بالشين المعجمة، وهو تصحيف. (وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ) بالفاء، والطاء المهملة؛ أي: فات، وسبق، والفَرَط: السبق، وفي رواية ابن أبي شيبة: «حتى أمعن القومُ، وأسرعوا، فطفقت أغدو للتجهيز، وتشغلني الرجال، فأجمعت القعود، حين سبقني القوم»، وفي رواية أحمد من طريق عمر بن كثير، عن كعب: «فقلت: أيهات، سار الناس ثلاثًا، فأقمت». (فَهَمَمْتُ) من باب نصر؛ أي: قصدت (أَنْ أَرْتَحِلَ)؛ أي: أذهب إلى الغزو (فَأُدْرِكهُمْ) بالنصب عطفًا على «أرتحل»، (فَيَا لَيْتَنِي فَعَلْتُ) الارتحال، حتى أدركهم، (ثُمَّ لَمْ يُقَدَّرْ) بالبناء للمفعول، من التقدير؛ أي: لم يقدِّر اللَّه تعالى (ذَلِكَ)؛ أي: الارتحال (لِي) بل تأخرت، وتخلّفت عنهم (فَطَفِقْتُ)؛ أي: شرعت (إِذَا خَرَجْتُ) من بيتي (فِي النَّاسِ) الباقين في المدينة، (بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) منها إلى الغزو، (يَحْزُنُنِي) بفتح حرف المضارعة، وضمّ الزاي، مضارع حزنه، من باب نصر، أو بضمّ حرف المضارعة، وكسر الزاي، من أحزنه، قال الفيّوميّ -﵀-: حَزِنَ حَزَنًا، من باب تَعِب، والاسم: الحُزْن بالضمّ، فهو حَزِين، ويتعدى في لغة قريش بالحركة، يقال: حَزَنَنِي الأمر يَحْزُنُنِي، من باب قَتَل، قاله ثعلب، والأزهريُّ، وفي لغة تميم بالألف، ومَثَّل الأزهريّ بِاسم الفاعل، والمفعول، في اللغتين، على بابهما، ومنع أبو زيد استعمال الماضي من الثلاثيّ، فقال: لا يقال: حَزَنَهُ، وإنما يستعمل المضارع من الثلاثيّ، فيقال: يَحْزُنُهُ. انتهى . وقال المجد -﵀-: الحُزْنُ بالضم، ويُحَرَّكُ: الهَمُّ، جَمْعه: أحْزَانٌ، حَزِنَ كفَرِحَ، وتَحَزَّنَ، وتَحازَنَ، واحْتَزَنَ، فهو حَزْنانٌ، ومِحْزانٌ، وحَزَنَهُ الأَمْرُ حُزْنًا بالضم، وأحْزَنَهُ، أو أحْزَنَهُ: جَعَلَهُ حَزينًا، وحَزَنَهُ: جَعَلَ فيه حُزْنًا، فهو مَحْزونٌ، ومُحْزَنٌ، وحَزِين، وحَزِنٌ بكسر الزاي، وضَمِّها، جَمْعه: حِزانٌ، وحُزَناءُ. انتهى . وقوله: (أَنِّي لَا أَرَى لِي أُسْوَةً) في تأويل المصدر فاعل «يحزنني»، أي: يحزنني عدم رؤية من يكون لي أسوة، بضمّ الهمزة، وكسرها؛ أي: قُدوةً أقتدي به، (إِلّا رَجُلًا مَغْمُوصًا) بالغين المعجمة، والصاد المهملة؛ أي: مطعونًا (عَلَيْهِ فِي) دينه، متّهمًا بـ (النِّفَاقِ) وقيل: معنى «مغموصًا»: مُستحقَرًا، تقول: غمصت فلانًا: إذا استحقرته، وكذلك أغمصته، قاله العينيّ -﵀-، وقال القرطبيّ -﵀-: المغموص: المَعيب المتّهم المحتقَر. (أَوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١)﴾ [التوبة: ٩١]. قال كعب: (وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ) هكذا في بعض نُسخ مسلم بغير صرف للعلمية والتأنيث، وكذا هو في رواية الأكثرين، ووقع في بعضها «تبوكًا» بالصرف، على إرادة المكان، أو الموضع. (فَقَالَ) -ﷺ- (وَهُوَ جَالِسٌ) جملة حاليّة من الفاعل، (فِي الْقَوْمِ بِتَبُوكَ) متعلّقان بـ «جالس»، («مَا فَعَلَ)»ما«استفهاميّة؛ أي: أيّ شيء فعل (كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ؟») حين تخلّف عنا في المدينة، (قَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ) بكسر اللام: القبيلة المشهورة، وفي رواية معمر: «من قومي»، وعند الواقدي أنه عبد اللَّه بن أنيس، وهذا غير الجهنيّ الصحابيّ المشهور، وقد ذكر الواقديّ فيمن استُشهِد باليمامة عبد اللَّه بن أنيس السَّلَميّ، بفتحتين، فهو هذا. (يَا رَسُولَ اللَّهِ: حَبَسَهُ بُرْدَاهُ) تثنية بُرْد، وهو بضمّ، فسكون: ثوب مخطَّط، جَمْعه أبراد، وبرُد، وبُرُود، وأكسية يُلتَحَف بها، الواحدة بِهاء . (وَالنَّظَرُ)؛ أي: وحبسه النظر (فِي عِطْفَيْهِ) بكسر العين المهملة؛ أي: جانبيه، وهو إشارة إلى إعجابه بنفسه، ولباسه، وقيل: كنى بذلك عن حُسنه، وبهجته، والعرب تَصِف الرداء بصفة الحسن، وتسميه عِطْفًا؛ لوقرعه على عطفي الرجل . وقال القرطبيّ -﵀-: «البردان»؛ يعني به: الرداء والإزار، والرداء والقميص، وسمّاهما بردين؛ لأنَّ القميص والإزار قد يكونان من برود، والبرود: ثياب من اليمن فيها خطوط، ويَحْتَمِل أن تسميتها بردين على طريقة: العُمَرين، والبكرين، والقمرين. و«العطف»: الجانب، وكأن هذا القائل كان في نفسه حقدٌ، ولعلّه كان منافقًا، فنَسب كعبًا إلى الزهو والكِبْر، وكانت نسبةً باطلةً، بدليل شهادة العدل الفاضل معاذ بن جبل -﵁-؛ إذ قال: «بئسما قلت، واللَّه يا رسول اللَّه ما علمنا عليه إلا خيرًا»، وفيه جواز الذمّ، والتقبيح للمتكلّم في حقّ المسلم بالعيب، والقبيح، ونصرة المسلم في حال غيبته، والردّ عن عرضه. انتهى . (فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) كون معاذ بن جبل -﵁- هو الذي ردّ عليه متّفق عليه، إلا ما حَكَى الواقديّ، وفي رواية أنه أبو قتادة، قال: والأول أثبت. (بِئْسَمَا قُلْتَ)، أي: بئس القول الذي قلته في كعب بن مالك، (واللَّه يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ)؛ أي: على كعب (إِلَّا خَيْرًا)؛ أي: فإنه ليس ممن يغترّ بردائه، وعطفيه، قال النوويّ -﵀-: فيه ردّ غيبة المسلم الذي ليس بمنهمك في الباطل، ولذا لم ينكر النبيّ -ﷺ- على قائل ذلك اكتفاء بإنكار معاذ -﵁-. (فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ) الحال (رَأَى رَجُلًا مُبَيِّضًا) بكسر الياء: اسم فاعل من بيّض، فهو مبيِّضٌ؛ أي: أظهر بياض نفسه في السراب، (يَزُولُ)؛ أي: يتحرّك، ويضطرب (بهِ السَّرَابُ) بالفتح: هو ما يُرى نصف النهار كأنه ماء، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ») قال القرطبيّ -﵀-: هذه صيغة أمر، ومعناها الخبر؛ أي: هو أبو خيثمة، وقيل: معناها: لِتوجَد أبا خيثمة، واسمه عبد اللَّه، وقيل: مالك بن قيس. (فَإِذَا هُو أَبُو خَيْثَمَةَ الأَنْصَارِيُّ) «إذا» هنا هي الفجائيّة؛ أي: ففاجأهم حضوره، واسم أبي خيثمة هذا سعد بن خيثمة، كذا أخرجه الطبرانيّ من حديثه، ولفظه: «تخلفت عن رسول اللَّه -ﷺ-، فدخلت حائطًا، فرأيت عَرِيشًا قد رُشّ بالماء، ورأيت زوجتيّ، فقلت: ما هذا بإنصاف، رسول اللَّه -ﷺ- في السموم، والحرور، وأنا في الظل والنعيم، فقمت إلى ناضح لي، وتمرات، فخرجت، فلما طلعت على العسكر، فرآني الناس، قال النبيّ -ﷺ-: كن أبا خيثمة، فجئت، فدعا لي»، وذكره ابن إسحاق عن عبد اللَّه بن أبي بكر بن حزم مرسلًا، وذكر الواقديّ أن اسمه عبد اللَّه بن خيثمة، وقال ابن شهاب: اسمه مالك بن قيس . وقوله: (وَهُوَ)؛ أي: أبو خيثمة (الَّذِي تَصَدَّقَ بِصَاعِ التَّمْرِ) الظاهر أنه مدرج من الراوي، ويَحْتَمِل أن يكون من الزهريّ؛ لأنه معروف بمثل هذا الإدراج، واللَّه تعالى أعلم. (حِينَ لَمَزَهُ الْمُنَافِقُونَ)؛ أي: عابوه، واللمز: الطعن، والعيب. أخرج الشيخان عن أبي مسعود -﵁- قال: لمّا نزلت آية الصدقة كنا نتحامل على ظهورنا، فجاء رجل، فتصدق بشيء كثير، فقالوا: مرائي، وجاء رجل، فتصدق بصاع، فقالوا: إن اللَّه لغني عن صدقة هذا. فنزلت: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٧٩]. وقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب إلى رسول اللَّه -ﷺ-، وجاءه رجل من الأنصار بصاع من طعام، فقال بعض المنافقين: واللَّه ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلا رياء، وقالوا: إنْ كان اللَّه ورسوله لغنيَّين عن هذا الصاع. وقال العوفيّ، عن ابن عباس: إن رسول اللَّه -ﷺ- خرج إلى الناس يومًا فنادى فيهم: أن اجمعوا صدقاتكم، فجمع الناس صدقاتهم، ثم جاء رجل من آخرهم بصاع من تمر، فقال: يا رسول اللَّه، هذا صاع من تمر بِتُّ ليلتي أجرّ بالجرير الماء، حتى نِلت صاعين من تمر، فأمسكت أحدهما، وأتيتك بالآخر، فأمره رسول اللَّه -ﷺ- أن ينثره في الصدقات، فسخر منه رجال، وقالوا: إن اللَّه ورسوله لغنيّان عن هذا، وما يصنعان بصاعك من شيء، ثم إن عبد الرحمن بن عوف قال لرسول اللَّه -ﷺ-: هل بقي أحد من أهل الصدقات؟ فقال: «لا»، فقال له عبد الرحمن بن عوف: فإن عندي مائة أوقية من ذهب في الصدقات، فقال له عمر بن الخطاب -﵁-: أمجنون أنت؟ قال: ليس بي جنون، قالى: فعلتَ ما فعلتَ؟ قال: نعم، مالي ثمانية آلاف، أما أربعة آلاف فأقرضها ربي، وأما أربعة آلاف فلي، فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: «بارك اللَّه لك فيما أمسكت، وفيما أعطيت»، ولمزه المنافقون فقالوا: واللَّه ما أعطى عبد الرحمن عطيّته إلا رياء، وهم كاذبون، إنما كان به متطوعًا، فأنزل اللَّه -﷿- عُذره، وعُذر صاحبه المسكين الذي جاء بالصاع من التمر، فقال تعالى في كتابه: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية . (فَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ) -﵁-: (فَلَمَّا بَلَغَني أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ تَوَجَّهَ)؛ أي: أقبل (قَافِلًا)؛ أي: راجعًا، ولفظ البخاريّ: «فلما بلغني أنه توجه قافلًا» (مِنْ تَبُوكَ)؛ أي: من غزوتها، وذكر ابن سعد أن قدوم رسول اللَّه -ﷺ- المدينة كان في رمضان. (حَضَرَنِي)؛ أي: أخذني (بَثِّي) بالموحّدة، ثم المثلثة؛ أي: حزني، ولفظ البخاريّ: «حضرني همي»، وفي رواية الكشميهنيّ: «همّني»، وفي رواية ابن أبي شيبة: «فطفقت أُعِدّ العذر لرسول اللَّه -ﷺ- إذا جاء، وأُهيّئ الكلام». (فَطَفِقْتُ)؛ أي: شرعت، وأخذت (أَتَذَكَّرُ الْكَذِبَ) في الاعتذار إلى النبيّ -ﷺ- في تخلّفي عنه، (وَأَقُولُ) في نفسي، ولمن أستعين برأيه: (بِمَ)؛ أي: بأيّ حيلة (أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ) -ﷺ- (غَدًا)؛ أي: يوم القيامة، يُعبّر عنها بغد؛ لتحقّق وقوعها لا محالة، وأنه حتم مقضيّ. (وَأَسْتَعِينُ عَلَى ذَلِكَ)؛ أي: جَمْع الأعذار، (كُلَّ ذِي رَأْي)؛ أي: عقل، وتفكُّر (مِنْ أَهْلِي، فَلَمَّا قِيلَ لِي: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ أَظَلَّ)؛ أي: أصبح (قَادِمًا) من سفره، (زَاحَ)؛ أي: زال، وابتعد (عَنِّي الْبَاطِلُ)؛ أي: الكذب الذي كنت أزوّره للاعتذار، (حَتَّى عَرَفْتُ) وفي رواية البخاريّ: «وعرفت» بالواو، (أَنِّي لَنْ أَنْجُوَ مِنْهُ)؛ أي: من سخطه -ﷺ- (بِشَيْءٍ) من الأعذار الكاذبة (أَبَدًا) منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ «أنجو»، وهو ظرف مستغرق لِمَا يُستقبل من الزمان، ملازم للنفي ، قال الفيّوميّ -﵀-: الأَبَدُ محرّكةً: الدَّهْر، ويقال: الدَّهْر الطويل، الذي ليس بمحدود، قال الرُّمَّانيُّ: فإذا قلت: لا أكَلِّمُهُ أبدًا، فالأبُدُ من لَدُنْ تكَلَّمْت إلى آخر عمرك، وجَمْعه آبَادٌ، مثلُ سَبَبٍ وأسباب. انتهى . (فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ)؛ أي: جزمت بذلك، وعقدت عليه قصدي، يقال: أَجْمَعْتُ المسيرَ، والأمرَ وأَجْمَعْتُ عليه، يتعدى بنفسه، وبالحرف: عزمتُ عليه، وفي الحديث: «من لم يُجمع الصيام قبل الفجر، فلا صيام له»؛ أي: من لم يَعزِم عليه، فينويه، وأَجْمَعُوا على الأمر: اتفقوا عليه، قاله الفيّوميّ -﵀- ؛ والمعنى: أنه عزم أن لا يتكلّم عند رسول اللَّه -ﷺ- إلا بالصدق، فإنه الذي يُنجيه يوم القيامة. وفي رواية ابن أبي شيبة: «وعرفت أنه لا ينجيني منه إلا الصدق». (وَصَبَّحَ)؛ أي: أتى صباحًا، أو بمعنى صار، ولفظ البخاريّ: «وأصبح» وهو بمعناه، قال المجد -﵀-: أصبح: دخل في الصباح، وبمعنى صار، وصبّحهم: أتاهم صباحًا، كصَبَحهم بالتخفيف، كمنعهم. انتهى بتصرّف . (رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَادِمًا) المعنى: أتى رسول اللَّه -ﷺ- قادمًا صباحًا، أو صار قادمًا صباحًا، (وَكَانَ) -ﷺ-؛ أي: كان هديه (إِذَا قَدِمَ) بكسر الدال المهملة؛ أي: أتى (مِنْ سَفَرِ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ) النبويّ قبل دخوله منزله (فَرَكَعَ فِيهِ)؛ أي: صلّى في المسجدَ (رَكْعَتَيْنِ) تحيّة المسجد، وفي رواية أحمد من طريق ابن جريج، عن ابن شهاب: «لا يَقْدَم من سفر إلا في الضحى، فيبدأ بالمسجد، فيصلي فيه ركعتين، ويقعد»، وفي رواية ابن أبي شيبة: «ثم يدخل على أهله»، وفي حديث أبي ثعلبة عند الحاكم، والطبرانيّ: «كان إذا قَدِم من سفر بدأ بالمسجد، فصلى فيه ركعتين، ثم يَثني بفاطمة، ثم يأتي أزواجه»، وفي لفظ: «ثم بدأ ببيت فاطمة، ثم أتى بيوت نسائه». (ثُمَّ جَلَسَ) في المسجد (لِلنَّاسِ)؛ أي: لأجل أن يسلّم عليه أصحابه؛ لِغَيبته عن المدينة هذه المدّة. وقال القرطبيّ -﵀-: إنما كان -ﷺ- يفعل ذلك؛ ليبدأ بتعظيم بيت اللَّه -﷿- قبل بيته، وليقوم بشكر نعمة اللَّه تعالى عليه في سلامته، وليسلّم عليه الناس، ولِيَسُنّ ذلك في شرعه -ﷺ-. انتهى . (فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ)؛ أي: البدء بالمسجد، وصلاة ركعتين فيه، ثم الجلوس للناس، (جَاءَهُ الْمُخَلَّفُونَ) بتشديد اللام، اسم مفعول من خُلِّف؛ أي: أُخّر؛ أي: الذين خلّفهم النفاق، ومرض القلب عن الخروج مع رسول اللَّه -ﷺ- للغزو، (فَطَفِقُوا) بكسر الفاء، وتُفتح؛ أي: شرعوا، وأخذوا (يَعْتَذِرُونَ)؛ أي: يقيمون العذر في تخلّفهم عن تلك الغزوة (إِلَيْهِ) -ﷺ-، (وَيَحْلِفُونَ لَهُ) على أنهم صادقون في دعواهم ذلك؛ ليصدّقهم في دعواهم الباطل، (وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا) ذكر الواقديّ أن هذا العدد كان من منافقي الأنصار، وأن المعذِّرين من الأعراب كانوا أيضًا اثنين وثمانين رجلًا، من بني غفار، وغيرهم، وأن عبد اللَّه بن أُبَيّ، ومن أطاعه من قومه، كانوا من غير هؤلاء، وكانوا عددًا كثيرًا. [تنبيه]: قال الفيّوميّ -﵀-: البِضْعُ في العدد بالكسر، وبعض العرب يفتح، واستعماله من الثلاثة إلى التسعة، وعن ثعلب من الأربعة إلى التسعة، يستوي فيه المذكر والمؤنث، فيقال: بِضْعُ رجال، وبِضْعُ نسوة، ويُستعمل أيضًا من ثلاثة عشر إلى تسعة عشر، لكن تثبت الهاء في بِضْعٍ مع المذكر، وتُحذف مع المؤنث؛ كالنيِّف، ولا يُستعمل فيما زاد على العشرين، وأجازه بعض المشايخ، فيقول: بِضْعَةٌ وعشرون رجلًا، وبِضْعٌ وعشرون امرأة، وهكذا قاله أبو زيد، وقالوا على هذا معنى البِضْعِ، والبِضْعَةِ في العدد قطعةٌ مبهمةٌ غير محدودة. انتهى كلام الفيّوميّ . وقال المجد -﵀-: «البضع» بالكسر، ويُفْتَحُ: الطائِفةُ من الليلِ، وما بينَ الثَّلاثِ إلى التِسْعِ، أو إلى الخَمْسِ، أو ما بين الواحِدِ إلى الأَرْبَعَةِ، أو مِن أرْبَع إلى تِسْعٍ، أو هو سَبْعٌ، وإذا جاوَزْتَ لَفْظَ العَشْرِ ذَهَبَ البِضْعُ، لا يقالُ: بِضْعٌ وعِشْرونَ، أو يقالُ ذلك، وقال الفَرَّاءُ: لا يُذْكَرُ مَعَ العَشَرَةِ، والعِشْرينَ، إلى التِّسْعينَ، ولا يقالُ: بِضْعٌ ومِئَةٌ، ولا ألْفٌ، وقال مَبْرَمَانُ: البِضْعُ: ما بينَ العَقْدَيْنِ من واحِدٍ إلى عَشَرَةٍ، ومِنْ أحَدَ عَشَرَ إلى عِشْرينَ، ومع المُذَكَّرِ بِهاءٍ، ومعَهَا بغيرِ هاءٍ، بِضْعَة وعِشْرُونَ رجُلًا، وبِضْعٌ وعِشْرونَ امرأةً، ولا يُعْكَسُ، أو البِضْعُ: غيرُ مَعْدودٍ؛ لأَنَّهُ بمعنَى القِطْعَةِ. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ أن بضعة، وبضعًا له حُكم ثلاثة وثلاث، قال في «شرح الكافية الشافية»: لبضعة وبضع حُكم تسعة، وتسع في الإفراد والتركيب، وعطف عشرين وأخواته عليه، نحو: لبثت بضعة أعوام، وبضع سنين، وعندي بضعة عشر غلامًا، وبضع عشرة أمةً، وبضعة وعشرون كتابًا، وبضع وعشرون صحيفةً، ويراد ببضع: من ثلاث إلى تسع، وببضعة: من ثلاثة إلى تسعة. انتهى. والحاصل: أنه ورد في الأحاديث الصحيحة استعماله مع عشرين، فما فوقه، كهذا الحديث: «بضعة وثمانين رجلًا»، وكحديث: «رأين بضعة وثلاثين ملكًا»، وحديث: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الواحد ببضع وعشرين درجة»، وغير ذلك، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (فَقَبِلَ) بكسر الباء، من باب تَعِب، (مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَانِيَتَهُمْ)؛ أي: ظواهرهم (وَبَايَعَهُمْ)؛ أي: جدّد مبايعتهم على نصرة الإسلام، (وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ)؛ أي: مما وقع منهم من التخلّف عنه، وذلك لأن اللَّه -﷿- أمره بالاستغفار لمن تخلّف عن مجلسه، فقال: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٦٢]. (وَوَكَلَ) بفتحات، مع التخفيف؛ أي: فوّض (سَرَائِرَهُمْ)؛ أي: أمر سرائرهم التي اشتملت عليها قلوبهم، من الإخلاص، أو النفاق، (إِلَى اللَّهِ) -﷾-؛ لأنه الذي يتولّى السرائر، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وقال: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٢٩]، وقال: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]. (حَتَّى جِئْتُ) إليه -ﷺ-، (فَلَمَّا سَلَّمْتُ) ولفظ البخاريّ: «فلما سلّمت عليه»، (تَبَسَّمَ) يقال: بَسَمَ بَسْمًا، من باب ضرب: إذا ضَحِك قليلًا، من غير صوت، وابتسم، وتبسُّم كذلك، ويقال: هو دون الضحك . (تبَسُّمَ الْمُغْضَب) بصيغة اسم المفعول؛ أي: تبسُّم من يظهر عليه الغضب، وذلك بسبب تخلَّفه عنه. وعند ابن عائذ في «المغازي»: «فأعرض عنه، فقال: يا نبي اللَّه لِمَ تعرض عني؟ فواللَّه ما نافقت، ولا ارتبت، ولا بدلّت، قال: فما خلّفك؟». (ثُمَّ قَالَ) -ﷺ-: («تَعَالَ») بفتح اللام، أمْر من تعالى يتعالى، قال الفيّوِميّ -﵀-: تَعَالَ فعلُ أمر من تعالى يتعالى: إذا ارتفع، وأصله أن الرجل العالي كان ينادي السافل، فيقول: تَعَالَ، ثم كَثُر في كلامهم حتى استُعْمِل بمعنى هَلُمّ مطلقًا، وسواء كان موضع المدعوّ أعلى، أو أسفل، أو مساويًا، فهو في الأصل لمعنى خاصّ، ثم استُعمل في معنى عامّ، ويتصل به الضمائر باقيًا على فتحه، فيقال: تَعَالَوا، تَعَالَيَا، تَعْالُينَ، وربما ضُمّت اللام مع جمع المذكر السالم، وكُسرت مع المؤنثة، وبه قرأ الحسن البصريّ في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ [آل عمران: ٦٤] لمجانسة الواو. انتهى . (فَجِئْتُ) إليه -ﷺ-، حال كوني (أَمْشِي) على هِينتي، (حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ) -ﷺ- (فَقَالَ) -ﷺ- (لِي: «مَا خَلَّفَكَ؟)»ما«استفهاميّة؛ أي: أيّ شيء جعلك تتخلّف عنّي في هذه الغزوة؟ (أَلَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟»)، أي: مركوبك (قَالَ) كعب: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي واللَّه لَوْ جَلَسْتُ عنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا)؛ أي: من ملوكهم، (لَرَأَيْتُ أَنِّي سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ) بفتحتين، أو بضمّ، فسكون، (بِعُذْرٍ)؛ أي: بذكر عذر من الأعذار، ثمّ بيّن سبب خروجه من ذلك، فقال: (وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا) بفتحتين؛ أي: فصاحةً، وقوّةً كلام، بحيث أخرج عن عهدة ما يُنسب إليّ بما يُقبَل، ولا يُرَدّ، (وَلَكِنِّي واللَّه لَقَدْ عَلِمْتُ، لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ)؛ أي: في هذه الدنيا (حَدِيثَ كَذِبٍ) بالإضافة، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة، وقوله: (تَرْضَى بِهِ عَنِّي) جملة في محلّ جرّ صفة «حديث»، أو حال منه، (لَيُوشِكَنَّ)؛ أي: ليقرُبنّ، وليُسرعنّ (اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ) بضم حرف المضارعة، من الإسخاط؛ أي: يجعلك ساخطًا، وغاضبًا عليّ باطلاعك على كذبي، (وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ) اليوم (حَدِيثَ صِدْقٍ) بالإضافة، من إضافة الموصوف إلى الصفة أيضًا، (تَجِدُ) بكسر الجيم؛ أي: تغضب (عَلَيَّ فِيهِ)؛ أي: بسببه، فـ «في» سببيّة، كما في حديث: «عُذّبت امرأة في هرّة حبستها. .» متّفقٌ عليه. (إِنِّي لأَرْجُو فِيهِ)؛ أي: في تحديثي إياك بحديث صدق، (عُقْبَى اللَّهِ) بضمّ العين المهملة، وسكون القاف، مقصورًا؛ أي: ثوابه، قال المجد -﵀-: الْعُقْبَى: جزاء الأمر. انتهى ، وفي بعض النسخ: «عفو اللَّه». (واللَّه مَا كَانَ لِي عُذْرٌ)، أي: مانع يمنعني من الخروج معك، (واللَّه مَا كُنْتُ قَطُّ)؛ أي: فيما مضى من عمري (أَقْوَى)؛ أي: أشدّ قوّة في الجسم (وَلَا أَيْسَرَ)؛ أي: أكثر مالًا (مِنِّي)؛ أي: من قوَّتي، ويساري، (حِينَ تَخَلَّفْتُ)؛ أي: وقت تأخّري (عَنْكَ)؛ أي: عن الخروج معك إلى تبوك. (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَمَّا هَذَا)؛ أي: كعب بن مالك، (فَقَدْ صَدَقَ)؛ أي: وأما غيره من المنافقين الذين اعتذروا، وطلبوا الاستغفار لهم، فقد كذبوا، (فَقُمْ) من هذا المجلس (حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فيكَ»)؛ أي: حتى يُنزل اللَّه في قبول توبتك. (فَقُمْتُ) زاد النسائيّ: «فمضيت»، (وَثَارَ)؛ أي: وثَب (رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ) بكسر اللام، وهم قومه، (فَاتَّبَعُونِي) بوصل الهمزة، وتشديد التاء، (فَقَالُوا لِي: واللَّه مَا عَلِمْنَاكَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا) التخلّف من غزوة تبوك، (لَقَدْ عَجَزْتَ) بفتح الجيم، من باب ضرب، وفي لُغة ضعيفة، من باب تَعِب أيضًا، قال الفيوميّ -﵀-: عَجَزَ عن الشيء عَجْزًا، من باب ضرب، ومَعْجَزَةٌ بالهاء، وحَذْفها، ومع كل وجه فتح الجيم، وكسرها: ضَعُف عنه، وعَجِزَ عَجَزًا، من باب تَعِبَ لغة لبعض قَيْس عَيْلان، ذكرها أبو زيد، وهذه اللغة غير معروفة عندهم، وقد رَوَى ابن فارس بسنده إلى أن ابن الأعرابيّ أنه لا يقال: عَجِز الإنسان، بالكسر، إلا إذا عَظُمت عَجِيزَتُهُ. انتهى . (فِي أَنْ لَا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ)؛ أي: لقد صرت عاجزًا في عدم اعتذارك، وقول بعض الشرّاح: «في» بمعنى «عن»، و«لا» زائدة، أي: لقد عجزت عن أن تكون معتذرًا إلخ، مما لا يخفى بُعده، فلا حاجة إلى دعوى الزيادة؛ لأن المعنى بدون ذلك صحيح، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِمَا)، أي: بمثل الاعتذار الذي (اعْتَذَرَ بِهِ إِلَيْهِ الْمُخَلَّفُونَ، فَقَدْ كَانَ كَافِيَكَ) بالنصب خبرًا مقدّمًا لـ «كان»، وقوله: (ذَنْبَكَ) مفعول به لـ «كافيك»، وقوله: (اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لَكَ) تنازعاه «كان»، و«كافيك»، فـ «كان» تطلبه اسمًا لها مؤخّرًا، و«كافيك» يطلبه فاعلًا. وقال في «الفتح»: قوله: «كافيك ذنبك» بالنصب على نزع الخافض، أو علي المفعولية أيضًا، و«استغفار» بالرفع على أنه الفاعل. انتهى، والإعراب الأول أَولى، فتنبّه. وعند ابن عائذ: «فقال كعب: ما كنت لأجمع أمرين: أتخلف عن رسول اللَّه -ﷺ-، وأكذبه، فقالوا: إنك شاعر جريء، فقال: أما على الكذب فلا»، زاد في رواية ابن أبي شيبة: «كما صنع ذلك بغيرك، فقبل منهم عذرهم، واستغفر لهم». (قَالَ) كعب -﵁-: (فَواللَّه مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونَنِي) بنون ثقيلة، ثم موحّدة، من التأنيب، وهو اللوم العنيف، (حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأُكَذِّبَ نَفْسِي) فيما قلت، من الصدق، وأعتذر إليه بالكذب. (قَالَ) كعب: (ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ:)، أي: للرجال الذين لاموه على الصدق، وأنّبوه عليه: (هَلْ لَقِيَ) بكسر القاف، (هَذَا)؛ أي: ما وقع لي من صدقي رسول اللَّه -ﷺ- في شأن التخلّف، (مَعِي) بفتح الياء، وسكونها، (مِنْ أَحَدٍ؟) «من» زائدة للتوكيد، و«أحد» فاعل «لقي». (قَالُوا: نَعَمْ، لَقِيَهُ مَعَكَ رَجُلَانِ) من المتخلِّفين، (قَالَا مِثْلَ مَا قُلْتَ)؛ أي: الاعتراف بعدم العذر، والصدق في ذلك، (فَقِيلَ لَهُمَا)؛ أي: قال لهما النبيّ -ﷺ- (مِثْلُ مَا قِيلَ لَكَ)؛ أي: من قوله: «أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي اللَّه فيك». (قَالَ) كعب: (قُلْتُ: مَنْ هُمَا؟) الرجلان، (قَالُوا: مُرَارَةُ) بضم الميم، وراءين، الأُولى خفيفة، (ابْنُ رَبِيعَةَ الْعَامِرِيُّ) قال النوويّ: هكذا هو في جميع نُسخ مسلم: «العامريّ»، وأنكره العلماء، وقالوا: هو غلط، إنما صوابه «العمريّ» بفتح العين، وإسكان الميم، من بني عمرو بن عوف، وكذا ذكره البخاريّ، وكذا نسبه محمد بن إسحاق، وابن عبد البرّ، وغيرهما، من الأئمة، قال القاضي: هو الصواب، وإن كان القابسيّ قد قال: لا أعرفه إلا العامريّ، فالذي عرفه الجمهور أصحّ. وأما قوله: «مرارة بن ربيعة» فكذا وقع في نُسخ مسلم، وكذا نقله القاضي عن نُسخ مسلم، ووقع في البخاريّ: ابن الربيع، قال ابن عبد البرّ: يقال بالوجهين. انتهى . ولفظ البخاريّ: «مُرارة بن الربيع الْعَمْريّ»، قال في «الفتح»: قوله: «العمريّ» بفتح المهملة، وسكون الميم: نسبة إلى بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، ووقع لبعضهم: «العامريّ»، وهو خطأ. وقوله: «ابن الربيع» هو المشهور، ووقع في رواية لمسلم بن ربيعة، وفي حديث مُجَمِّع بن جارية عند ابن مردويه: «مرارة بن ربعيّ»، وهو خطأ، وكذا ما وقع عند ابن أبي حاتم، من مرسل الحسن، من تسميته ربيع بن مرارة، وهو مقلوب، وذكر في هذا المرسل أن سبب تخلفه أنه كان له حائط حين زَهَى، فقال في نفسه: «قد غزوت قبلها، فلو أقمت عامي هذا، فلما تذكر ذنبه، قال: اللَّهُمَّ إني أُشهدك أني قد تصدقت به في سبيلك»، وفيه أن الآخر؛ يعني: هلالًا كان له أهل تفرقوا، ثم اجتمعوا، فقال: لو أقمت هذا العام عندهم، فلما تذكر قال: اللَّهُمَّ لك عليّ أن لا أرجع إلى أهل، ولا مال. انتهى . (وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ) هو بقاف، ثم فاء: منسوب إلى واقف، بطن من الأنصار، وهو هلال بن أمية بن عامر بن قيس بن عبد الأعلى بن عامر بن كعب بن واقف، واسم واقف: مالك بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس الأنصاريّ، قاله النوويّ . (قَالَ: فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ، قَدْ شِهِدَا بَدْرًا) قال الحافظ -﵀-: هكذا وقع هنا، وظاهره أنه من كلام كعب بن مالك، وهو مقتضى صنيع البخاريّ، وقد قررت ذلك واضحًا في غزوة بدر، وممن جزم بأنهما شهدا بدرًا، أبو بكر الأثرم، وتعقبه ابن الجوزيّ، ونسبه إلى الغلط، فلم يُصِب، واستدَلّ بعض المتأخرين لكونهما لم يشهدا بدرًا بما وقع في قصة حاطب، وأن النبيّ -ﷺ- لم يهجره، ولا عاقبه، مع كونه جَسّ عليه، بل قال لعمر لَمّا هم بقتله: «وما يُدريك لعل اللَّه اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم؟»، قال: وأين ذنب التخلف من ذنب الجسّ؟. قال الحافظ: وليس ما استدلّ به بواضح؛ لأنه يقتضي أن البدريّ عنده إذا جنى جناية، ولو كبرت لا يعاقب عليها، وليس كذلك، فهذا عمر -﵁- مع كونه المخاطب بقصة حاطب، فقد جلد قُدامة بن مظعون الحدّ لَمّا شَرِب الخمر، وهو بدريّ، كما تقدم، وإنما لم يعاقب النبيّ -ﷺ- حاطبًا، ولا هجره؛ لأنه قَبِل عذره في أنه إنما كاتب قريشًا خشيةً على أهله وولده، وأراد أن يتخذ له عندهم يدًا، فعَذَره بذلك، بخلاف تخلّف كعب وصاحبيه، فإنهم لم يكن لهم عذر أصلًا. انتهى كلام الحافظ -﵀- وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. (فِيهِمَا)؛ أي: في هذين الرجلين، وهو خبر مقدّم لقوله: (أُسْوَةٌ) بكسر الهمزة، وضمها؛ أي: تأسّ، واقتداء، وقال ابن التين: التأسي بالنظير ينفع في الدنيا، بخلاف الآخرة، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ الآية [الزخرف: ٣٩]. انتهى . (قَالَ) كعب: (فَمَضَيْتُ)؛ أي: ذهبت إلى بيتي، ولم أرجع إلى رسول اللَّه -ﷺ- لتكذيب نفسي (حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي)؛ أي: حين ذكر الرجال الرجلين الصالحين اللذين لي بهما أسوة حسنة، وفي رواية معمر: «فقلت: واللَّه لا أرجع إليه في هذا أبدًا». (قَالَ) كعب: (وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا)؛ أي: تكليمهم لنا، (أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ) قال القاضي: هو بالرفع، وموضعه نُصب على الاختصاص؛ أي: أخصّ أيها الثلاثةُ، أو متخصصين أيها الثلاثة بذلك دون بقية الناس، قال سيبويه نقلًا عن العرب: اللَّهُمَّ اغفر لنا أيتُها العصابةُ، وهذا مثله، كما قال في «الخلاصة»: الاخْتِصاصُ كَنِدَاءٍ دُونَ يَا … كَأَيُّهَا الْفَتَى بِإِثْرِ ارْجُونِيَا وفى هذا هجران أهل البدع والمعاصي، وقوله: (مِنْ بَيْنِ مَنْ تخَلَّفَ عَنْهُ) متعلّق بأخصّ المقدّر. (قَالَ) كعب: (فَاجْتَنبَنَا النَّاسُ) بفتح الباء الموحّدة، و«نا» ضمير المتكلم ومعه غيره، وهي جملة من الفعل، والفاعل، والمفعول. (وَقَالَ) كعب: (تَغَيَّرُوا لَنَا)؛ أي: تغيّر الناس علينا، كأنهم لا يعرفوننا، وتغيّر ما في الأرض علينا (حَتَّى تَنَكَّرَتْ لِي فِي نَفْسِيَ الأَرْضُ) قال النوويّ: معناه: تغيّر عليّ كل شيء حتى الأرض، فإنها توحّشت عليّ، وصارت كأنها أرض لم أعرفها؛ لتوحّشها عليّ، كما قال: (فَمَا هِيَ بِالأَرْضِ الَّتِي أَعْرِفُـ) ـها، وفي رواية معمر: «وتنكّرت لنا الحيطان، حتى ما هي بالحيطان التي نعرف، وتنكّر لنا الناس، حتى ما هم الذين نعرف»، وهذا يجده الحزين، والمهموم، في كل شيء، حتى قد يجده في نفسه، وزاد البخاريّ في «التفسير» من طريق إسحاق بن راشد، عن الزهريّ: «وما من شيء أهمّ إليّ من أن أموت، فلا يصلي عليّ رسول اللَّه -ﷺ-، أو يموت، فأكون من الناس بتلك المنزلة، فلا يكلمني أحد منهم، ولا يصلي عليّ»، وعند ابن عائذ: «حتى وَجِلُوا أشدّ الوَجَل، وصاروا مثل الرهبان». قال السهيليّ: وإنما اشتدّ الغضب على من تخلّف، وإن كان الجهاد فرض كفاية، لكنه في حقّ الأنصار خاصّة فرض عين؛ لأنهم كانوا بايعوا على ذلك، ومصداق ذلك قولهم، وهم يحفرون الخندق: نَحْنُ الذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا … عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا فكان تخلّفهم عن هذه الغزوة كبيرة؛ لأنه كالنكث لبيعتهم. انتهى. وعند الشافعيّة وجه أن الجهاد كان فرض عين في زمنه -ﷺ-، ذكره القسطلانيّ. (فَلَبِثْنَا)؛ أي: مكثنا معاشر الثلاثة (عَلَى ذَلِكَ) الهجران (خَمْسِينَ لَيْلَةً) استُنبط منه جواز الهجران أكثر من ثلاث، وأما النهي الوارد عن الهجر فوق ثلاث، فمحمول على من لم يكن هجره لأمر شرعيّ. (فَأَمَّا صَاحِبَايَ)، يعني: مرارة بن الربيع، وهلال بن أميّة، (فَاسْتَكَانَا)؛ أي: خضعا (وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا) حال كونهما (يَبْكِيَانِ) على تخلّفهما عن النبيّ -ﷺ-، (وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ)؛ أي: أصغرهم سنًّا (وَأَجْلَدَهُمْ)، أي: أقواهم بدنًا، (فَكُنْتُ أَخْرُجُ) من بيتي (فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ)، أي: أحضر صلاة الجماعة في المساجد، (وَأَطُوفُ)؛ أي: أدور، وأتجوّل (فِي الأَسْوَاقِ) استئناسًا بأهل الأسواق من الوحشة التي حلّت به بسبب جفاء الناس له، (وَ) الحال أنه (لَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ) من الناس؛ حيىث نهاهم النبيّ -ﷺ- عن ذلك، (وَآتِي رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ) جملة حاليّة، (بَعْدَ الصَّلَاةِ) متعلّق بـ «أُسلّم»، أو بـ «آتي» على سبيل التنازع، (فَأَقُولُ فِي نَفْسِي)؛ أي: أحدّث نفسي قائلًا: (هَلْ حَرَّكَ) -ﷺ- (شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ أَمْ لَا؟)؛ أي: أم لم يحرّكهما، ولعلّه إنما لم يجزم بتحريك شفتيه -ﷺ- بردّ السلام عليه لكونه لا يديم النظر إليه من الخجل، (ثُمَّ أُصَلِّي) النوافل (قَرِيبًا مِنْهُ)؛ أي: في مكان قريب منه -ﷺ-، أو حال كوني قريبًا منه، (وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ) بالسين المهملة، والقاف، أي: أنظر إليه في خفية، (فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي) ولم ألتفت يمنة، ولا يسرة (نَظَرَ) -ﷺ- (إِلَيَّ) رضًا باشتغاله بالصلاة، (وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ)؛ أي: جهته -ﷺ-، (أَعْرَضَ عَنِّي) زيادة في العقوبة، حتى يتوب إلى اللَّه تعالى توبة نصوحًا. (حَتَّى إِذَا طَالَ ذَلِكَ) الهجران (عَلَيَّ)، وقوله: (مِنْ جَفْوَةِ الْمُسْلِمِينَ) بيان لاسم الإشارة، وهو بفتح الجيم، وسكون الفاء؛ أي: إعراضهم، وفي رواية ابن أبي شيبة: «وطفقنا نمشي في الناس، لا يكلمنا أحد، ولا يردّ علينا سلامًا»، (مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ)؛ أي: علوت سور بستانه، وقال النوويّ -﵀-: معنى تسوّرته: عَلَوْته، وصَعِدت سُوره، وهو أعلاه، وفيه دليل لجواز دخول الإنسان بستان صديقه، وقريبه الذي يُدلّ عليه، ويَعرف أنه لا يَكره له ذلك بغير إذنه، بشرط أن يعلم أنه ليس له هناك زوجة، مكشوفة، ونحو ذلك. انتهى . [تنبيه]: أبو قتادة هذا هو الأنصاريّ، واسمه الحارث، ويقال: عمرو، أو النعمان بن رِبْعيّ -بكسر الراء، وسكون الموحّدة، بعدها مهملة- ابن بُلْدُمة -بضم الموحّدة، والمهملة، بينهما لام ساكنة- السَّلَميّ -بفتحتين- المدنيّ الصحابيّ الشهير، شَهِد أُحدًا وما بعدها، ولم يصحّ شهوده بدرًا، ومات سنة أربع وخمسين، وقيل: سنة ثمان وثلاثين، والأولى أصحّ، وأشهر، تقدّمت ترجمته في «الطهارة» ١٨/ ٦١٩. وقال في «العمدة»: وأبو قتادة -بفتح القاف- اسمه الحارث بن رِبْعِيّ -بكسر الراء، وسكون الباء الموحّدة، وبالعين المهملة- ابن بُلدُمة الأنصاريّ السَّلميّ الخزرجيّ، من بني غَنْم بن كعب بن سَلِمة بن يزيد بن جَشَم بن الخزرج، هكذا يقول ابن شهاب، وجماعة أهل الحديث: إن اسم أبي قتادة الحارث بن رَبعيّ، قال ابن إسحاق: وأهله يقولون: اسمه النعمان بن عمرو بن بلدمة، قال أبو عمر: يقولون: بَلدمة بالفتح، وبُلدمة بالضمّ، وبلذمة بالذال المنقوطة، والضمّ أيضًا، تُوفي بالكوفة في خلافة عليّ -﵄- وصلى هو عليه. انتهى . (وَهُوَ ابْنُ عَمِّي، وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ) ذكر أنه ابن عمه لكونهما معًا من بني سَلِمة، وليس هو ابن عمه أخي أبيه الأقرب. (فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَواللَّه مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ) لعموم النهي عن كلامهم، وفيه أنه لا يُسَلَّم على المبتدعة، ونحوهم، وفيه أن السلام كلام، وأن من حلف لا يكلِّم إنسانًا، فسلّم عليه، أو ردّ ﵇ حَنِث . (فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ) بفتح الهمزة، وضم الشين، من باب نصر، أي أسألك باللَّه، وأصله من النشيد، وهو: رفع الصوت بالشعر وغيره . (هَلْ تَعْلَمَنَّ أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ) -﷾- (وَرَسُولَهُ؟) -ﷺ- (قَالَ) كعب: (فَسَكَتَ) أبو قتادة؛ أي: لم يردّ عليه شيئًا، (فَعُدْتُ)، أي: لمقالتي (فَنَاشَدْتُهُ)؛ أي: قلت له: أنشدك باللَّه«إلخ (فَسَكَتَ، فَعُدْتُ، فَنَاشَدْتُهُ، فَقَالَ) أبو قتادة: (اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) قال في»الفتح«: ليس هو تكليمًا لكعب؛ لأنه لم ينو به ذلك، كما سيأتي تقريره. وقال القاضي عياض: لعل أبا قتادة لم يقصد بهذا تكليمه؛ لأنه منهيّ عن كلامه، وإنما قال ذلك لنفسه لَمّا ناشده اللَّه، فقال أبو قتادة مظهرًا لاعتقاده، لا ليُسمعه، ولو حلف رجل لا يكلم رجلًا، فسأله عن شيء، فقال: اللَّه أعلم يريد إسماعه وجوابه حَنِث. انتهى. وقال القرطبيّ -﵀-: ظاهره أنه أجابه عند إلحاحه عليه بالسؤال، فيكون قد كلّمه، فيكون مخالفًا للنهي، وقد يُؤوّل بأن أبا قتادة قال ذلك لنفسه، مخبرًا عن اعتقاده، ولم يقصد كلامه، ولا إسماعه. قال: ويَحْتَمِل أن يقال: إن أبا قتادة فَهِم أن الكلام الذي نُهي عنه، إنما هو الحديث معه، والمباسطة، وإفادة المعاني، فأمَّا مثل هذا الكلام الذي يقتضي الإبعاد، والمنافرة، فلا -واللَّه أعلم- ألا ترى أنه لم يردّ ﵇، ولا التفت لحديثه؟. انتهى . قال كعبٌ: (فَفَاضَتْ)، أي: سالت (عَيْنَايَ) دموعًا، (وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الْجِدَارَ) وفي رواية معمر: «فلم أملك نفسي أن بكيت، ثم اقتحمت الحائط خارجًا»، (فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ، إِذَا نَبَطِيٌّ) «إذا» فجائيّة، رابطة لجواب «بينا»؛ أي: ففاجأني حضور نبطيّ (مِنْ نَبَطِ أَهْلِ الشَّامِ) قال القرطبيّ -﵀-: «النبطيّ»: واحد النبط، وهم العامرون لتلك الأراضي، وسُمّوا بذلك؛ لأنهم ينبطون المياه؛ أي: يستخرجونها. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: يقال: النبط، والأنباط، والنبيط، وهم فلّاحو العجم. انتهى . وقال في «الفتح»: «النبطيّ»: بفتح النون، والموحّدة: نسبة إلى استنباط الماء، واستخراجه، وهؤلاء كانوا في ذلك الوقت أهل الفِلاحة، وهذا النبطيّ الشاميّ كان نصرانيًّا، كما وقع في رواية معمر: «إذا نصرانيّ جاء بطعام له يبيعه»، قال الحافظ: ولم أقف على اسم هذا النصرانيّ، ويقال: إن النبط يُنسبون إلى نَبَط بن هانب بن أميم بن لاوذ بن سام بن نوح. انتهى . (مِمَّنْ قَدِمَ) بكسر الدال، (بِالطَّعَامِ)، وقوله: (يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ) جملة حاليّة من الفاعل، (يَقُولُ: مَنْ) استفهاميّة مبتدأ، خبره قوله: (يَدُلُّـ) ــني (عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟، قَالَ) كعب: (فَطَفِقَ النَّاسُ)؛ أي: شرعوا (يُشِيرُونَ لَهُ إِلَيَّ)، أي: بأن هذا الشخص هو كعب بن مالك، (حَتَّى جَاءَنِي)، أي: ذلك النبطيّ (فَدَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ) بفتح الغين المعجمة، وسين مهملة ثقيلة، هو جَبَلة بن الأيهم، جزم بذلك ابن عائذ، وعند الواقديّ: الحارث بن أبي شَمِر، ويقال: جبلة بن الأيهم، وكان ملِكًا لنصارى العرب، له عهد وصداقة مع نصارى الروم، وفي رواية ابن مردويه: «فكتب إليّ كتابًا في سَرَقَة من حرير» . قال كعب: (وَكُنْتُ كَاتِبًا)؛ أي: عارفًا بقراءة المكتوب، (فَقَرَأْتُهُ)؛ أي: قرأت ذلك الكتاب، (فَإِذَا فِيهِ) «إذا» هي الفجائيّة، أي: ففاجأني وجود ما يلي: (أمّا بَعْدُ) هي من الظروف المبنيّة على الضمّ؛ لِقَطعها عن الإضافة، ونيّة معناها؛ أي: أما بعد كذا، (فَإِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو الذي تفسّره الجملة بعده، وهي قوله: (قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ صَاحِبَكَ) يريد النبيّ -ﷺ-، (قَدْ جَفَاكَ)؛ أي: هجرك، (وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ)؛ أي: ذلّ، وصَغار، (وَلَا مَضْيَعَةٍ) بفتح الميم، وسكون الضاد المعجمة، وكسرها أيضًا لغتان؛ أي: حيث يضيع حقّك، وعند ابن عائذ: «فإن لك مُتَحَوَّلًا» بالمهملة، وفتح الواو؛ أي: مكانًا تتحول إليه، (فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ) قال النوويّ: وفي بعض النُّسخ: «نواسيك» بزيادة ياء، وهو صحيح؛ أي: ونحن نواسيك، وقطعه عن جواب الأمر، ومعناه: نشاركك فيما عندنا. انتهى. وقال في «الفتح»: «نواسك» -بضم النون، وكسر المهملة- من المواساة، وزاد في رواية ابن أبي شيبة: «في أموالنا، فقلت: إنا للَّه قد طَمِع فيّ أهل الكفر»، ونحوه لابن مردويه. (قَالَ) كعب: (فَقُلْتُ حِينَ قَرَأْتُهَا:)؛ أي: تلك الرسالة، أو الصحيفة، (وَهَذِهِ أَيْضًا) مثل هجران المسلمين، (مِنَ الْبَلَاءِ)؛ أي: من جملة اختبار اللَّه تعالى إياك، (فَتَيَامَمْتُ بِهَا التَّنُّورَ) قال النوريّ: هكذا هو في جميع النُّسخ ببلادنا، وهي لغة في «تيممت»، ومعناها: قصدت. انتهى . و«التّنُّور» بفتح التاء المثنّاة، وتشديد النون: الذي يُخبز فيه، وافقت فيه لغة العرب لغة العجم، وقال أبو حاتم: ليس بعربيّ صحيح، والجمع: تنانير، قاله الفيّوميّ . وقال المرتضى: التَّنُّورُ: نَوع من الكَوانِينِ، وفي «الصّحاح»: التَّنُّورُ: الكانُونُ الذي يُخْبَزُ فيه، يقال: هو في جميع اللُّغَاتِ كذلك، وقال اللَّيْثُ: التَّنُّورُ عَمَّتْ بكل لسانٍ، قال أبو منصور: وهذا يَدُلُّ على أنّ الاسمَ في الأَصل أعْجَمِيٌّ، فعَرَّبَتْهَا العربُ، فصار عربيًّا، على بناءِ فَعُّولٍ، والدَّلِيلُ على ذلك أنّ أصلَ، بنائِه تَنَرَ، قال: ولا نعرفُه في كلام العربِ؛ لأنه مُهْمَلٌ، وهو نَظِيرُ ما دَخَلَ في كلامِ العربِ من كلامِ العَجَمِ، مثلُ الدِّيباجِ، والدِّينارِ، والسُّنْدُسِ، والإسْتَبْرَقِ، وما أشبَهها، ولمّا تكلَّمتْ بها العربُ صارت عربيَّةً. انتهى . (فَسَجَرْتُهَا بِهَا) بسين مهملة، وجيم؛ أي: أوقدته، وأنّث ضمير الكتاب على معنى الصحيفة، وفي رواية ابن مردويه: «فعمدت بها إلى تنّور به، فسجرته بها»، ودلّ صنيع كعب -﵁- هذا على قوّة إيمانه، ومحبته للَّه تعالى، ولرسوله -ﷺ-، وإلا فمن صار في مثل حاله من الهجر والإعراض، قد يَضعُف عن تحمّل ذلك، وتَحْمِلُهُ الرغبةُ في الجاه والمال على هجران مَن هَجَره، ولا سيما مع أمْنه من الملِك الذي استدعاه إليه، أنه لا يُكرهه على فراق دينه، لكن لمّا احتَمَل عنده أنه لا يأمن من الافتتان حَسَم المادّة، وأحرق الكتاب، ومنع الجواب، هذا مع كونه من الشعراء الذين طُبعت نفوسهم على الرغبة، ولا سيما بعد الاستدعاء، والحثّ على الوصول إلى المقصود، من الجاه والمال، ولا سيما والذي استدعاه قريبه، ونسيبه، ومع ذلك فغلب عليه دينه، وقَوِي عنده يقينه، ورجّح ما هو فيه من النكد، والتعذيب على ما دُعي إليه، من الراحة، والنعيم؛ حبًّا في اللَّه تعالى، ورسوله -ﷺ-، كما قال -ﷺ-: «وأن يكون اللَّه ورسوله أحب إليه مما سواهما»، وعند ابن عائذ: «أنه شكا حاله إلى رسول اللَّه -ﷺ-، وقال: ما زال إعراضك عني، حتى رَغَّب فيّ أهلَ الشرك» . قال كعب -﵁-: لبثنا على ذلك الهجران (حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ مِنَ الْخَمْسِينَ، وَاسْتَلْبَثَ)؛ أي: أبطأ، وتأخّر، وهو عطف على «مضت»، أو حال بتقدير «قد». (الْوَحْيُ)؛ أي: في شأنه، وشأن صاحبيه، (إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَأْتِينِي) «إذا» الأُولى شرطيّة، وهذه فُجائيّة رابطة لجواب الأُولى، كما قال في «الخلاصة»: وَتَخْلُفُ الْفَاءَ «إِذَا» الْمُفَاجَأَهْ … كَإِنْ تجُدْ إِذَا لَنَا مُكَافَأَهْ قال الحافظ -﵀-: لم أقف على اسم هذا الرسول، ثم وجدت في رواية الواقديّ أنه خزيمة بن ثابت، قال: وهو الرسول إلى هلال، ومرارة بذلك. (فَقَالَ) ذلك الرسول: (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ)؛ أي: تبتعد عن (امْرَأَتَكَ) هي عميرة بنت جبير بن صخر بن أمية الأنصاريةّ، أم أولاده الثلاثة: عبد اللَّه، وعبيد اللَّه، ومعبد، ويقال: اسم امرأته التي كانت يومئذ عنده: خيرة -بالمعجمة المفتوحة، ثم التحتانية- (قَالَ) كعب: (فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا)؛ أي: المرأة (أَمْ مَاذَا أفعَلُ؟ قَالَ) الرسول: (لَا) تطلّقها (بَلِ اعْتَزِلْهَا)؛ أي: بل ابتعد عن الاستمتاع بها (فَلَا تَقْرَبَنَّهَا)؛ أي: لا تجامعها. (قَالَ) كعب: (فَأَرْسَلَ) -ﷺ- (إِلَى صَاحِبَيَّ) بتشديد الياء على التثنية، هما: مرارة بن الربيع، وهلال بن أميّة، (بِمِثْلِ ذَلِكَ)؛ أي: بمثل ما أرسل إليّ من الاعتزال عن امرأتيهما. (قَالَ) كعب: (فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي الْحَقِي) بوصل الهمزة، وفتح الحاء المهملة، أمْر من لَحِقَ، من باب سَمِع، (بِأَهْلِكِ)؛ أي: أقربائك: أبويك، ونحوهما، (فَكُونِي عِنْدَهُمْ) هذا دليل على أن هذا اللفظ ليس صريحًا في الطلاق، وإنما هو كناية، ولم ينوِ به الطلاق، فلم يقع، قال النوويّ. وقال القرطبيّ -﵀-: هذا يدلّ على أن: الحقي بأهلك ليس من ألفاظ الطلاق، لا من صرائحه، ولا من كناياته الظاهرة، وغايته أن يكون مما يَحْتَمِل أن يراد به الطلاق، إذا نَوِي ذلك. انتهى . (حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِي هَذَا الأَمْرِ) الذي نزل بنا من الهجران بسبب التخلّف عن الغزوة، زاد النسائيّ من طريق مَعْقِل بن عُبيد اللَّه، عن الزهريّ: «فلَحِقت بهم». (قَالَ) كعب: (فَجَاءَتِ امْرَأَةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ) هي خولة بنت عاصم، وقال الذهبيّ: هي التي لاعنها هلال، ففرّق رسول اللَّه -ﷺ- بينهما . (رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ) اسم فاعل من ضاع يضيع: إذا هلك، وتَلِف، ثم فسَّرت الضياع هنا بقولها: (لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ) تقدّم أن الخادم بلا هاء يطلق على الذكر والأنثى، وقلّ استعمال خادمة بالهاء للأنثى . (فَهَلْ تَكْرَهُ) بفتح أوله، وثالثه، من باب تعب، (أَنْ أَخْدُمَهُ؟) بكسر الدال، وضمّها، من بابي ضرب، ونصر . (قَالَ) -ﷺ-: («لَا)؛ أي: لا أكره أن تخدميه، (وَلَكِنْ) بسكون النون حرف استدراك، (لَا يَقْرَبَنَّكِ») بنون التوكيد المشدّدة؛ أي: لا يجامعنّك، وفي رواية البخاريّ: «ولكن لا يقربك» دون توكيد. [تنبيه]: «يقربنّك» هنا بفتحِ أوله وثالثه، يقال: قَرِبتُ الأمرَ أقربه، من باب تَعِبَ، وفي لغة من باب نصَرَ قِربانًا بالكسر: إذا فعلته، أو دانيته، ومن الأول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، ومن الثاني قولهم: لا تقرب الحمى؛ أي: لا تَدْنُ منه، فهو متعدّ بنفسه، وأما قَرُب من الشيءِ من باب كَرُم، فهو يتعدّى بـ «من»، وما هنا من الأول، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (فَقَالَتْ) المرأة: (إِنَّهُ)؛ أي: هلالًا، ويَحْتَمل أن يكون الهاء ضمير شأن، والجملة بعده تفسيره. (واللَّه مَا بهِ حَرَكَةٌ)، أي: تحرّك، واشتهاء (إِلَى شَيْءٍ) من النساء، (وَواللَّه مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهٍ مَا كَانَ) من هجران الناس له؛ أي: من ابتداء مدّة ذلك الأمر (إِلَى يَوْمِهِ هَذَا) الذي أتيتك في شأنه الآن. (قَالَ) كعب: (فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي) قال الحافظ: لم أقف على اسمه، واستُشكل هذا مع نهي النبيّ -ﷺ- عن كلام الثلاثة. وأجيب: بأنه يَحْتَمِل أن يكون عَبَّر عن الإشارة بالقول، وقيل: لعله بعض ولده، أو من النساء، ولم يقع النهي عن كلام الثلاثة للنساء اللاتي في بيوتهم، أو الذي كلّمه بذلك كان منافقًا، أو كان ممن يخدمه، ولم يدخل في النهي. انتهى . (لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي امْرَأَتِكَ)؛ أي: في خدمتها، (فَقَدْ أَذِنَ) الفاء تعليليّة؛ أي: لأنه -ﷺ- قد أَذِنَ (لِامْرَأَةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ، قَالَ) كعب: (فَقُلْتُ: لَا أَسْتَأْذِنُ فِيهَا) في خدمتها (رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، وَمَا يُدْرِينِي) بضم أوله؛ أي: ما يُعلمني (مَاذَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) لي (إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا)؛ أي: في خدمتها، هل يردّ علي بالرضا، كما ردّ هلال، أم بالغضب والسخط؟ (وَ) الحال (أَنَا رَجُلٌ شَابٌّ؟) قويّ قادر على خدمة نفسي، أو خائف على نفسي من حِدّة الشباب أن أصيب امرأتي، وقد نُهيت عنها. (قَالَ) كعب: (فَلَبِثْتُ)؛ أي: مكثت (بذَلِكَ) الحال، من هجران الناس لنا، ومفارقة أهلي (عَشْرَ لَيَالٍ، فَكَمُلَ) بفتح الميم، وضمّها، وكسرها، من أبواب قَرُبَ، وضرب، وتَعِب ثلاث لغات، لكن باب تعب أردؤها، قاله الفيّوميّ . (لَنَا) معاشر الثلاثة، (خَمْسُونَ لَيْلَةً، مِنْ حِينَ) بالبناء على الفتح؛ لإضافته إلى مبنيّ، ويجوز إعرابه بالجرّ، والباء أرجح، وروي بالوجهين قول الشاعر [من الطويل]: عَلَى حِينِ عَاتَبْت الْمَشِيبَ عَلَى الصِّبَا … فَقُلْتُ أَلَمَّا أَصْحُ وَالشَّيْبُ وَازعُ وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك -﵀- في «الخلاصة» حيث قال: وَابْنِ اوَ اعْرِبْ مَا كَـ «إِذْ» قَدْ أُجْرِيَا … وَاخْتَرْ بِنَا مَتْلُوِّ فِعْلٍ بُنِيَا وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَبٍ أَوْ مُبْتَدَا … أَعْرِبْ وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا (نُهِيَ) بالبناء للمفعول، ونائب الفاعل قوله: (عَنْ كَلَامِنَا) ولفظ البخاريّ: «من حين نهى رسول اللَّه -ﷺ- عن كلامنا». (قَالَ) كعب: (ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ صَبَاحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً عَلَى ظَهْرِ)؛ أي: سطح (بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا) الظاهر أنه لم يتمكّن من الصلاة في المسجد لعذر ما، وإلا فقد سبق أنه قال: «فكنت أخرج، فأشهد الصلاة». (فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ) تقدّم الكلام على «بينا»، و«بينما» غير مرّة، فلا تغفل. (عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ -﷿- مِنَّا) في كتابه العزيز، وهو إشارة إلى قوله -﷿-: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾ [التوبة: ١١٨]. ثم شرح مضمون الآية بقوله: (قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ)، أي: وعلى صاحبيّ (نَفْسِي) وأنفسهما، (وَضَاقَتْ عَلَيَّ) وعليهما (الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ) «ما» مصدريّة، و«رحبت» صِلتها؛ أي: مع رَحَبها، وسَعَتها، وقال القرطبيّ -﵀-؛ أي: بما اتسعت؛ ومعناه: ضاقت عليّ الأرض مع أنها متسعة، والرحب: السعة. انتهى . وهذا تمثيل للحيرة في أمره، كأنه لم يجد فيها مكانًا يفرّ إليه، قلقًا، وجزعًا، وإذا كان هؤلاء لم يأكلوا مالًا حرامًا، ولا سفكوا دمًا حرامًا، ولا أفسدوا في الأرض، وأصابهم ما أصابهم، فكيف بمن واقع الفواحش والكبائر، قاله القسطلاني . [تنبيه]: قال الفيّوميّ -﵀-: رَحُبَ المكانُ رُحْبًا، من باب قَرُب، فهو رَحِيبٌ، ورَحْبٌ، مثالُ قَرِيب، وفَلْسٍ، وفي لغة: رَحِبَ رَحَبًا، من باب تَعِبَ، وأَرْحَبَ بالألف مثله، ويتعدى بالحرف، فيقال: رَحُبَ بِكَ المكانُ، ثم كَثُر، حتى تعدَّى بنفسه، فقيل: رَحُبَتْكَ الدارُ، هذا شاذّ في القياس، فإنه لا يوجد فَعُل بالضم إلا لازمًا، مثلُ شَرُفَ، وكَرُمَ، ومن هنا قيل: مَرْحَبًا بك، والأصل: نزلت مكانًا واسعًا، ورَحَّبَ بِهِ بالتشديد: قال: له مرحبًا. انتهى . (سَمِعْتُ صَوْتَ صَارخٍ)؛ أي: منادٍ رافع صوته، قال الذهبيّ -﵀-: الذي بشّر كعبًا بالتوبة هو حمزة بن عمرو الأسلميّ، وكذا قاله الواقديّ، نقله الشيخ وليّ الدين عنه . وقال في «العمدة»: قال الواقديّ: الذي أوفى على سَلْع أبو بكر الصديق -﵁-. انتهى . (أَوْفَى)؛ أي: صَعده، وارتفع عليه، (عَلَى سَلْعٍ)؛ أي: على جبل سَلْع -بفتح السين المهملة، وسكون اللام-: جبل بالمدينة معروف، وفي رواية معمر: «من ذروة سلع»؛ أي: أعلاه، وزاد ابن مردويه: «وكنت ابتنيت خيمة في ظهر سلع، فكنت أكون فيها»، ونحوه لابن عائذ، وزاد: «أكون فيها نهارًا». (يَقُولُ) ذلك الصارخ (بِأَعْلَى صَوْتهِ: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ) «كعب» يجوز فيه الضمّ، والفتح، وأما ابن مالك، فلا يجوز فيه إلا النصب؛ لكونه مضافًا، قال في «الخلاصة»: وَنَحْوَ زيدٍ ضُمَّ وَافْتَحَنَّ مِنْ … نَحْوِ أَزَيْدُ بْنَ سَعِيدٍ لَا تَهِنْ وَالضَّمُّ إِنْ لَمْ يَلِ الابْنُ عَلَمَا … أَوْيَلِ الابْنَ عَلَمٌ قَدْ حُتِمَا (أَبْشِرْ) بقطع الهمزة، من الإبشار، وفي رواية عمر بن كثير، عن كعب، عند أحمد: «إذ سمعت رجلًا على الثنية يقول: كعبًا كعبًا حتى دنا مني، فقال: بشِّروا كعبًا». (قَالَ: فَخَرَرْتُ)؛ أي: أسقطت نفسي على الأرض حال كوني (سَاجِدًا) للَّه -﷾-، حيث منّ عليّ بقبول توبتي، وعند ابن عائذ: «فخرّ ساجدًا يبكي فرحًا بالتوبة». قال النوويّ -﵀-: فيه دليل للشافعيّ وموافقيه، في استحباب سجود الشكر بكل نعمة ظاهرة، حَصَلت، أو نقمة ظاهرة اندفعت. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: هذه سجدة الشكر، وظاهر هذا أنها كانت معلومة عنادهم، معمولًا بها فيما بينهم، وقال بها الشافعيّ، ومالك في أحد قوليه، ومشهور مذهبه الكراهة. انتهى. وقوله: (وَعَرَفْتُ) جملة حاليّة من الفاعل بتقدير «قد»؛ أي: والحال أني قد عرفت بسماع صوته (أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ) من اللَّه تعالى بكشف كربتنا، و«أن» مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير محذوف؛ أي: أنه قد جاء فرج، قال في «الخلاصة»: وَإِنْ تُخَفَّفْ «أَنَّ» فَاسْمُهَا اسْتَكَن … وَالْخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَة مِنْ بَعْدِ «أَنْ» وإِنْ يَكُنْ فِعْلًا وَلَمْ يَكُنْ دُعَا … وَلَمْ يَكُنْ تَصْرِيفُهُ مَمْتَنِعَا فَالأَحْسَنُ الْفَصْلُ بِـ «قَدْ» أَوْ نَفْيٍ أَوْ … تَنْفِيسٍ أَوْ «لَوْ» وَقَلِيلٌ ذِكْرُ «لَوْ» (قَالَ) كعب: (فَآذَنَ) بالمدّ، وفتح المعجمة؛ أي: أعلم، وللكشميهنيّ بغير مدّ، وبالكسر، (رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- النَّاسَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ) -﷾- (عَلَيْنَا) معاشر الثلاثة. (حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الْفَجْرِ)؛ أي: فرغ منها بالتسليم، ووقع في رواية إسحاق بن راشد، ومعمر: «فأنزل اللَّه توبتنا على نبيه -ﷺ- حين بقي الثلث الأخير من الليل، ورسول اللَّه -ﷺ- عند أم سلمة، وكانت أم سلمة مُحسنةً في شأني، معتنية بأمري، فقال: يا أم سلمة تِيب على كعب، قالت: أفلا أرسل إليه، فأُبَشِّره؟ قال: إذًا يَحْطِمكم الناسُ، فيمنعوكم النوم سائر الليلة، حتى إذا صلى الفجر آذن بتوبة اللَّه علينا». (فَذَهَبَ النَّاسُ) بعدما سمعوا من رسول اللَّه -ﷺ- خبر التوبة، والحال أنهم (يُبَشِّرُونَنَا) معاشر الثلاثة. قال النوويّ -﵀-: فيه دليل لاستحباب التبشير، والتهنئة لمن تجددت له نعمة ظاهرة، أو اندفعت عنه كربة شديدة، ونحو ذلك، وهذا الاستحباب عامّ في كل نعمة حصلت، وكربة انكشفت، سواء كانت من أمور الدين، أو الدنيا. انتهى . (فَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ) بتشديد الياء، تثنية صاحب، وهما: مرارة، وهلال، (مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ رَجُلٌ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه، ويَحْتَمِل أن يكون هو حمزة بن عمرو الأسلميّ ، وقال في «العمدة»: هو الزبير بن العوّام، وقيل: حمزة بن عمرو ، واللَّه أعلم. انتهى . (إِلَيَّ) بتشديد الياء، (فَرَسًا)، أي: أجراه جريًا قويًّا حتى يسبق غيره بالبشرى، (وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ قِبَلِي) قال في «الفتح»: هو حمزة بن عمرو، رواه الواقديّ، وعند ابن عائذ: أن اللذين سعيا أبو بكر وعمر، لكنه صدّره بقوله: زعموا، وعند الواقديّ: وكان الذي أوفى على سَلْع أبا بكر الصديق، فصاح: قد تاب اللَّه على كعب، والذي خرج على فرسه الزبير بن العوّام، قال: وكان الذي بشّرني فنزعت له ثوبي: حمزة بن عمرو الأسلميّ، قال: وكان الذي بشر هلال بن أمية بتوبته: سعيد بن زيد، قال: وخرجت إلى بني واقف، فبشّرته، فسجد، قال سعيد: فما ظننته يرفع رأسه حتى تخرج نَفْسه؛ يعني: لِمَا كان فيه من الجهد، فقد قيل: إنه امتنع من الطعام حتى كان يواصل الأيام صائمًا، ولا يفتر من البكاء، وكان الذي بشّر مرارة بتوبته: سلكان بن سلامة، أو سلمة بن سلامة بن وقش. انتهى . (وَأَوْفَى)، أي: صَعِد (الْجَبَلَ)؛ أي: جبل سَلْع، (فَكَانَ الصَّوْتُ)؛ أي: صوت الذي أوفى على الجبل، (أَسْرَعَ)؛ أي: أسبق إليّ (مِنَ الْفَرَسِ) من وصول الفرس إليّ، (فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ) حال كونه (يُبَشِّرُنِي) بقبول التوبة، وهو حمزة بن عمرو -﵁-، وقوله: (نَزَعْتُ لَهُ) جواب «لَمّا»، وما وقع في بعض النسخ بلفظ: «فنزعت» بالفاء، الظاهر أنه غلط؛ لأن جواب «لَمّا» لا يُقرن بالفاء، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (ثَوْبَيَّ) بتشديد الياء على التثنية، (فَكَسَوْتُهُمَا إِيَّاهُ بِبِشَارَتهِ)؛ أي: بسبب تبشيره إياي، ووقع عند البخاريّ بلفظ: «فكسوته إياهما ببشراه»، وهي الموافِقة للقاعدة؛ إذ الأفصح في باب كسى وأعطى، تقديم الآخذ على المأخوذ، وإن كان يجوز العكس . قال النوويّ -﵀-: فيه استحباب إجازة البشير بخِلْعة، وإلا فبغيرها، والْخِلْعة أحسن، وهي المعتادة. انتهى. (واللَّه مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ) قال الحافظ -﵀-: يريد من جنس الثياب، وإلا فقد تقدّم أنه كان عنده راحلتان، وسيأتي أنه استأذن أن يخرج من ماله صدقةً، ثم وجدت في رواية ابن أبي شيبة التصريح بذلك، ففيها: «وواللَّه ما أملك يومئذ ثوبين غيرهما»، وزاد ابن عائذ من وجه آخر عن الزهريّ: «فلبسهما» . (وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ) في رواية الواقديّ: «من أبي قتادة»، (فَلَبِسْتُهُمَا) فيه جواز العارية، وجواز إعارة الثوب للُّبس، قاله النوويّ -﵀- . وقال القرطبيّ -﵀-: وكِسوته للبشير ثوبيه، مع كونه ليس له غيرهما دليل على جواز مثل ذلك، إذا ارتجى حصول ما يستبشر به، وهو دليل على جواز إظهار الفرح بأمور الخير، والدين، وجواز البذل والهبات عندها، وقد نَحَر عمر -﵁- لمّا حَفِظ «سورة البقرة» جَزورًا. انتهى . (فَانْطَلَقْتُ)؛ أي: ذهبت من بيتي، حال كوني (أتَأَمَّمُ)؛ أي: أقصد، وهي لغة في أمّم، قال الفيّوميّ -﵀-: أمّه أمًّا، من باب قتل: قَصَده، وأمّمه، وتأمّمه أيضًا: قَصَده. انتهى . (رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-) حال كوني (يَتَلَقَّانِي النَّاسُ)؛ أي: يستقبلوني في الطريق (فَوْجًا فَوْجًا)؛ أي: جماعة جماعة، حال كونهم (يُهَنِّئُونِي) بنون واحدة، أصله: يهنّئونني بنونين إحداهما: نون الرفع، والثانية نون الوقاية، فحُذفت إحداهما، وهي نون الرفع على الأصحّ، تخفيفًا، وقوله: (بِالتَّوْبَةِ) متعلّق بما قبله، (وَيَقُولُونَ:) في صيغة التهنئة، (لِتَهْنِئْكَ) بكسر النون، وزعم ابن التين أنه بفتحها، بل قال السفاقسيّ: إنه أصوب؛ لأنه مِن يهنأ، وفيه نظر، قاله في «الفتح» . وقال المرتضى -﵀-: والتَّهْنِئَةُ: خلافُ التَّعْزِيَةِ، تقول: هَنَّأَهُ بالأَمرِ، والوِلايَةِ، تَهْنِئَةً، وتَهْنيئًا، وهَنَأَهُ هَنْأً: إِذا قال له: ليَهْنِئْكَ، والعربُ تقول: ليَهْنِئْكَ الفارِسُ، بجزم الهمزة، وليَهْنيك الفارِسُ بياء ساكنةٍ، ولا يجوز: ليَهْنِك، كما تقول العامَّة؛ أي: لأنَّ الياء بدل من الهمزة، قال: وقد ورد في «صحيح البُخاريّ» في حديث توبَةِ كَعْبِ بن مالكٍ: يقولون: ليَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عليك، ضَبَطه الحافظُ ابنُ حَجَرٍ بكسرَ النون، وزعم ابنُ التين أنَّه بفتحها، وصوَّبه البَرماويّ، ونَظَّره الزَّرْكَشِيّ، فراجع في شرح الحافظ العسقَلانيّ رحمه اللَّه تعالى. انتهى . وقال الفيّوميّ -﵀-: وهَنُؤَ الشّيءُ بالضم، مع الهمز هَنَاءَةً بالفتح، والمدّ: تيسَّر من غير مشقة، ولا عناء، فهو هَنِيٌّ، ويجوز الإبدال، والإدغام، وهَنَأَنِي الولدُ يَهْنَؤُنِي مهموزٌ، من بابَي نفع، وضرب، وتقول العرب في الدعاء: لِيَهْنِئْكَ الولدُ بهمزة ساكنة، وبإبدالها ياءً، وحذفُها عاميّ، ومعناه: سَرَّني، فهو هَانِئٌ، وبه سُمّي، وهَنَأْتُهُ هَنْئًا باللغتين: أعطيته، أو أطعمته، وهَنَأَنِي الطعامُ يَهْنَؤُنِي: ساغ، ولذّ، وأكلته هَنِيئًا مَرِيئًا؛ أي: بلا مشقة، ويَهْنُؤ بضم المضارع في الكل لغةٌ، قال بعضهم: وليس في الكلام يَفْعُل بالضم مهموزًا، مما ماضيه بالفتح، غير هذا الفعل، وهَنَّأْتُهُ بالولد بالتثقيل، وبِاسم المفعول سُمّي. انتهى . (تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ) فيه دليل على جواز التهنئة بأمور الخير، بل على نَدْبيّتها إذا كانت دينية، فإنه إظهار السرور بما يُسَرّ به أخوه المسلم، وإظهار المحبة، وتصفية القلب بالمودة، قاله القرطبيّ -﵀-. (حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ)؛ أي: فما زال الناس يهنئوني إلى أن دخلت المسجد النبويّ، وقوله: (فَإِذَا) هي الفجائيّة؛ أي: ففاجأني (رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ) النبويّ، (وَ) الحال أن (حَوْلَهُ) -ﷺ- (النَّاسُ)؛ أي: الصحابة -﵃-، (فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ) بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرّة التيميّ، أبو محمد المدنيّ، أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، الصحابيّ المشهور، استُشهد يوم الجمل سنة ست وثلاثين، وهو ابن ثلاث وستين سنةً، تقدّمت ترجمته في «الإيمان» ٢/ ١٠٩. حال كونه (يُهَرْوِلُ)؛ أي: يُسرع، يقال: هَرْول هَرْولةً: أسرع في مشيه دون الْخَبَب، ولهذا يقال: هو بين المشي والْعَدْو، وجعل جماعة الواو أصلًا، قال، الفيّوميّ -﵀- . (حَتَّى صَافَحَنِي)، أي: أفضى بيده إلى يدي، (وَهَنَّأَنِي)؛ أي: قال لي: لتهنئك التوبة. قال النوويّ -﵀-: فيه استحباب مصافحة القادم، والقيام له، إكرامًا، والهرولة إلى لقائه بشاشةً، وفرحًا. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: فيه دليلٌ لمن قال بجواز القيام للدّاخل، والمصافحة، وقد بيّنّا الخلاف في ذلك في «الجهاد». قال كعب: (واللَّه مَا قَامَ) للتهنئة (رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ)؛ أي: طلحة، قالوا: سبب ذلك أن النبيّ -ﷺ- كان آخى بينه وبين طلحة لَمّا آخى بين المهاجرين والأنصار، والذي ذكره أهل المغازي أنه كان أخا الزبير، لكن كان الزبير أخا طلحة في إخوة المهاجرين، فهو أخو أخيه، قاله في «الفتح» . (قَالَ) الراوي عن كعب، وهو ولده عبد اللَّه: (فَكَانَ كَعْبٌ لَا يَنْسَاهَا)، أي: لا ينسى تلك الفعلة، وهي قيامه، وهرولته إليه، ومصافحته، وتهنئته، (لِطَلْحَةَ) وقال القرطبيّ -﵀-: «كان لا ينساها لطلحة»؛ أي: تلك القومة، والبشاشة التي صدرت له منه، ومعناه: أن تلك الفَعْلة أكّدت في قلبه محبّته، وألزمته حُرمته، حتى عدّها من الأيادي الجسيمة، والمِنن العظيمة. انتهى . (قَالَ كَعْبٌ) -﵁- (فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ) -ﷺ-، ولفظ البخاريّ: «قال رسول اللَّه -ﷺ-» (وَهُوَ)، أي: والحال أنه -ﷺ- (يَبْرُقُ) من باب نصر؛ أي: يلمع، ويضيء (وَجْهُهُ) -ﷺ- (مِنَ السُّرُورِ)، أي: من شدّة استبشاره، وفرحه بتوبة اللَّه تعالى على كعب، وصاحبيه، وقوله: (وَيَقُولُ:) هكذا النسخ، والظاهر أنه مؤكّد لـ «قال» الماضي، ولفظ البخاريّ: «قال رسول اللَّه -ﷺ-، وهو يبرق وجهه من السرور: أبشر. . .» وليس فيه «يقول»، وهو الأصح، فتنبّه. («أَبْشِرْ) بقطع الهمزة، (بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ») قال النوويّ -﵀-: معناه: سوى يوم إسلامك، وإنما لم يستثنه؛ لأنه معلوم لا بدّ منه. انتهى. وقال في «الفتح»: استُشكل هذا الإطلاق بيوم إسلامه، فإنه مرّ عليه بعد أن ولدته أمه، وهو خير أيامه، فقيل: هو مستثنى تقديرًا، وإن لم ينطق به؛ لعدم خفائه، والأحسن في الجواب أن يوم توبته مُكمل ليوم إسلامه، فيوم إسلامه بداية سعادته، ويوم توبته مكمل لها، فهو خير جميع أيامه، وإن كان يوم إسلامه خيرها، فيوم توبته المضاف إلى إسلامه خير من يوم إسلامه المجرد عنها، واللَّه أعلم. انتهى. (قَالَ) كعب: (فَقُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ)؛ أي: أهذه البشارة من عندك (أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟) -﷾- (فَقَالَ) -ﷺ-: («لَا)؛ أي: ليست من عندي، (بَلْ) هي (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟») -﷾-، زاد في رواية ابن أبي شيبة: «إنكم صَدَقتم اللَّهَ، فَصَدَقكم». قال كعب -﵁-: (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا سُرَّ) بالبناء للمفعول؛ أي: إذا حصل له الفرح والسرور (اسْتَنَارَ)؛ أي: أضاء (وَجْهُهُ) الشريف، (كَأَنَّ وَجْهَهُ) -ﷺ- (قِطْعَةُ قَمَرٍ) وفي رواية إسحاق بن راشد: «حتى كأنه قطعة من القمر»، قال الحافظ: ويسأل عن السرّ في التقييد بالقطعة، مع كثرة ما ورد في كلام البلغاء من تشبيه الوجه بالقمر بغير تقييد، وقد تقدّم في صفة النبيّ -ﷺ- تشبيههم له بالشمس طالعةً، وغير ذلك، وكان كعب بن مالك قائلُ هذا من شعراء الصحابة، وحاله في ذلك مشهورة، فلا بدّ في التقييد بذلك من حِكمة، وما قيل في ذلك من الاحتراز من السواد الذي في القمر، ليس بقويّ؛ لأن المراد تشبيهه بما في القمر من الضياء، والاستنارة، وهو في تمامه، لا يكون فيها أقلّ مما في القطعة المجردة، قال: وقد ذُكرت في صفة النبيّ -ﷺ- بذلك توجيهات، ومنها: أنه للإشارة إلى موضع الاستنارة، وهو الجبين، وفيه يظهر السرور، كما قالت عائشة: «مسرورًا تبرق أسارير وجهه»، فكأن التشبيه وقع علي، بعض الوجه، فناسب أن يشبّه ببعض القمر. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن كون حكمة التقييد للاحتراز من السواد الذي في القمر هو الأقوى، والأوضح مما قاله الحافظ، فتأمله بالإمعان، واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ) كعب: (وَكُنَّا) معاشر الصحابة (نَعْرِفُ ذَلِكَ)؛ أي: كون استنارة وجىهه -ﷺ- علامة على سروه، وفي رواية البخاريّ: «وكنّا نعرف ذلك منه»، وفي، رواية الكشميهنيّ: «فيه»، وفيه ما كان النبيّ -ﷺ- عليه من كمال الشفقة على أمته، والرأفة بهم، والفرح بما يسرّهم، وعند ابن مردويه من وجه آخر، عن كعب بن مالك: «لمّا نزلت توبتي أتيت النبيّ -ﷺ-، فقبّلت يده، ورُكْبته». (قَالَ) كعب: (فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ) -ﷺ- (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي)؛ أي: تمامها وصِدقها، والشكر عليها، (أَنْ أَنْخَلِعَ)؛ أي: أخرج (مِنْ) جمع (مَالِي) حال كونه (صَدَقَةً)، وقال العينيّ: «صدقةً» بالنصب؛ أي: لأجل التصدق، ويجوز أن يكون حالًا، بمعنى متصدقًا. انتهى. وقال في «الفتح»: قوله: «صدقةً» هو مصدر في موضع الحال؛ أي: متصدقًا، أو ضمّن أنخلع معنى أتصدق، وهو مصدر أيضًا. انتهى. وتعقّب في «المصابيح» كونه مصدرًا، فقال: لا نسلّم أن الصدقة مصدر، بل هي اسم لِمَا يُتصدّق به، ومنه قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾، وفي «الصحاح»: الصدقة: ما يُتصدّق به على الفقراء، فعلى هذا يكون نَصْبها على الحال من «مالي» ، واللَّه تعالى أعلم. (إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى رَسُولِهِ -ﷺ-) خالصة للَّه تعالى، ولرسوله -ﷺ-. وقال القرطبيّ -﵀-: وقوله: «إن من توبتي أن أنخلع إلخ»؛ أي: إن من علامات صدق توبتي، أو من شُكر توبتي أن أتصدق بمالي؛ أي: إن عليّ ذلك، فهي صيغة نذر، والتزام، خرج مخرج الشكر، وابتغاء الثواب، أقرّه عليه النبيّ -ﷺ-، فكان ذلك جائزًا، ولم يدخل في عموم النذر المنهيّ عنه بقوله: «لا تنذروا» متّفقٌ عليه، وقد بيّنا ذلك فيما تقدّم، وعلى مقتضى هذا اللفظ فقد وجب عليه إخراج كل ماله، لكن لمّا كان ذلك يؤدي إلى أن يبقى فقيرًا محتاجًا، وربما يفضي به ذلك إلى سؤال الناس، والى الدخول في مفاسد، اكتفى الشرع منه ببعضه، فقال: «أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك»، وهذا البعض الذي أمره بإمساكه هو أكثر، والمتصدَّق به هو الأقل، كما قال في حديث سعد -﵁-: «الثلث، والثلث كثير»، متّفقٌ عليه، كما تقدم. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: قوله: «إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلخ»: معنى أنخلع منه: أخرج منه، وأتصدق به، وفيه استحباب الصدقة شكرًا للنعم المتجددة، لا سيما ما عَظُم منها، وإنما أمره -ﷺ- بالاقتصار على الصدقة ببعضه؛ خوفًا من تضرره بالفقر، وخوفًا أن لا يصبر على الإضاقة، ولا يخالف هذا صدقة أبي بكر -﵁- بجميع ماله، فإنه كان صابرًا راضيًا. [فإن قيل]: كيف قال: «أنخلع من مالي»، فأثبت له مالًا مع قوله أوّلًا: «نزعت ثوبيّ، واللَّه ما أملك غيرهما»؟. [فالجواب]: أن المراد بقوله: «أن أنخلع من مالي» الأرض، والعقار، ولهذا قال: «فإني أمسك سهمي الذي بخيبر». وأما قوله: «ما أملك غيرهما» فالمراد به من الثياب، ونحوها، مما يُخلع، ويليق بالبشير. وفيه دليل على تخصيص اليمين بالنية، قال: وهو مذهبنا، فإذا حلف لا مال له، ونوى نوعًا لم يحنث بنوع آخر من المال، أو لا يأكل، ونوى تمرًا، لم يحنث بالخبز. انتهى . (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَمْسِكْ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ») وفي رواية أبي داود، عن كعب أنه قال: «إن من توبتي أن أخرج من مالي كله إلى اللَّه، ورسوله، صدقةً، قال: لا، قلت: نصفه، قال: لا، قلت: فثلثه، قال: نعم». ولابن مردويه من طريق ابن عيينة، عن الزهريّ: «فقال النبيّ -ﷺ-: يجزئ عنك من ذلك الثلث»، ونحوه لأحمد في قصة أبي لبابة، حين قال: «إن من توبتي أن أنخلع من مالي كلّه صدقة للَّه، ورسوله، فقال النبيّ -ﷺ-: يجزئ عنك الثلث». (قَالَ) كعب: (فَقُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِيَ الَّذِي بِخَيْبَرَ)، يعني: سهمه الذي حصل له من قسمة غنيمة خيبر، وهي بخاء معجمة، وتحتانية، وموحّدة، بوزن جعفر، وهي مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع، على ثمانية بُرُد من المدينة إلى جهة الشام، قال ابن إسحاق: خرج النبيّ -ﷺ- في بقية المحرم سنة سبع، فأقام يحاصرها بضع عشرة ليلة، إلى أن فتحها في صفر، وروى يونس بن بكير في «المغازي» عن ابن إسحاق في حديث المسور ومروان، قالا: انصرف رسول اللَّه -ﷺ- من الحديبية، فنزلت عليه «سورة الفتح» فيما بين مكة والمدينة، فأعطاه اللَّه فيها خيبر بقوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ [الفتح: ٢٠] يعني: خيبر، فقَدِم المدينة في ذي الحجة، فأقام بها، حتى سار إلى خيبر في المحرَّم، ذكره في «الفتح» . (قَالَ) كعب: (وَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أَنْجَانِي بِالصِّدْقِ)؛ أي: بسبب صدقي في إخبارك بعدم العذر لي في التخلّف عنك، (وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي)؛ أي: من تمامها، وصِدقها، (أَنْ لَا أُحَدِّثَ) من التحديث؛ أي: لا أخبر الناس (إِلَّا صِدْقًا)؛ أي: قولًا صادقًا (مَا بَقِيتُ) بكسر القاف، و«ما» مصدريّة ظرفيّة، أي: مدّة بقائي في الدنيا. (قَالَ) كعب: (فَواللَّه مَا) نافية، (عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَبْلَاهُ اللَّهُ)، أي: أعطاه، وأنعم عليه (فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ) «في» بمعنى الباء؛ أي: بصدق الحديث، (مُنْذُ ذَكَرْتُ)؛ أي: من وقت ذكري (ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى يَوْمِي هَذَا)؛ يعني: اليوم الذي حدّث فيه بهذا الحديث، (أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي اللَّهُ بِهِ)؛ أي: بصدق الحديث، و«أحسن» نعت لمصدر محذوف؛ أي: إبلاء أحسن. والمعنى: ما علمت أحدًا من المسلمين أبلاه اللَّه تعالى بصدق الحديث إبلاء أحسن مما أبلاني اللَّه تعالى به من وقت ذِكري ذلك الأمر لرسول اللَّه -ﷺ- إلى يومي هذا الذي أتحدّث فيه الآن. وقال في «الفتح»: قوله: «فواللَّه ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه اللَّه»؛ أي: أنعم عليه، وقوله: «في صدق الحديث، منذ ذكرت ذلك لرسول اللَّه -ﷺ- أحسن مما أبلاني»، وكذلك قوله بعد ذلك: «فواللَّه ما أنعم اللَّه عليّ من نعمة قط بعد أن هداني إلى الإسلام أعظم من صدقي لرسول اللَّه -ﷺ-» ففي قوله: أحسن، وأعظم شاهد على أن هذا السياق يُورَد، ويراد به نفي الأفضلية، لا المساواة؛ لأن كعبًا شاركه في ذلك رفيقان-؛ أي: مرارة، وهلال- وقد نفى أن يكون أحد حصل له أحسن مما حصل له، وهو كذلك، لكنه لم ينف المساواة. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: قوله: «أبلاه اللَّه تعالى إلخ»؛ أي: أنعم عليه، والبلاء، والإبلاء يكون في الخير، والشرّ، لكن إذا أُطلق كان للشرّ غالبًا، فإذا أريدَ الخير قُيِّد كما قيّده هنا، فقال: «أحسن مما أبلاني». انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «فما أعلم أحدًا أبلاه اللَّه»؛ أي: أنعم عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩] أي: نعمة، ويقال في الخير والشرّ، ثلاثيًّا، ورباعيًّا، وقد جمع بينهما زهير، فقال [من الطويل]: جَزَى اللَّهُ بِالإِحْسَانِ مَا فَعَلَا بِكُمْ .... وَأَبْلَاهُمَا خَيْرَ الْبَلَاءِ الَّذِي يَبْلُو وأصله من الابتلاء، وهو الامتحان، والاختبار، ويمتحن بالخير والشرّ، كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]. انتهى . (واللَّه مَا تَعَمَّدْتُ كِذْبَةً) بفتح الكاف، وكسرها، مع سكون الذال، من مصادر كذب، والأَولى هنا على ما يقتضيه سياق الكلام أن يكون بفتح الكاف مرادًا به المرّة من الكذب؛ لأن الكلام سيق لمبالغة نفي الكذب، فالمرة أَولى، واللَّه تعالى أعلم. (مُنْذُ قُلْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى يَوْمِي هَذَا، وإِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنيَ اللَّهُ) بفضله، وكرمه من الكذب (فِيمَا بَقِيَ)، أي: من عمري. (قَال) كعب: (فَأَنْزَلَ اللَّهُ -﷿-) في هذه القضيّة قوله تعالى: (﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [التوبة: ١١٧])؛ أي: فيما وقع منه -ﷺ- من الإذن في التخلف، أو فيما وقع منه من الاستغفار للمشركين، وليس من لازم التوبة أن يسبق الذنب ممن، وقعت منه أو له؛ لأن كل العباد محتاج إلى التوبة والاستغفار، وقد تكون التوبة منه تعالى على النبيّ -ﷺ- من باب أنه ترك ما هو الأَولى، والأليق، كما في قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] ويجوز أن يكون ذَكَر النبيّ -ﷺ- لأجل التعريض للمذنبين بأن يتجنبوا الذنوب، ويتوبوا عما قد لابسوه منها، وكذلك تاب اللَّه -﷾- (﴿وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار﴾) فيما قد اقترفوه من الذنوب، ومن هذا القبيل ما صحّ عنه -ﷺ- من قوله: «إن اللَّه اطّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم»، ثم وصف سبحانه المهاجرين والأنصار بأنهم (﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾)؛ أي: اتبعوا النبيّ -ﷺ-، فلم يتخلفوا عنه (﴿فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾) هي غزوة تبوك، فإنهم كانوا في عسرة شديدة، فالمراد بالساعة: جميع أوقات تلك الغزاة، ولم يُرِدْ ساعة بعينها، والعسرة: صعوبة الأمر. (﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾) في ﴿كَادَ﴾ ضمير الشأن، و﴿قُلُوبُ﴾ مرفوع ﴿يَزِيغُ﴾ عند سيبويه، وقيل: هي مرفوعة بـ ﴿كَادَ﴾، ويكون التقدير: من بعد ما كاد قلوب فريق منهم تزيغ، وقرأ الأعمش، وحمزة، وحفص: «يزيغ» بالتحتية. قال أبو حاتم: من قرأ بالياء التحتية، فلا يجوِز له أن يرفع القلوب بـ ﴿كَادَ﴾، قال النحاس: والذي لم يُجزه جائز عند غيره، على تذكير الجمع، ومعنى ﴿يَزِيغُ﴾ تتلف بالجهد، والمشقة، والشدّة، وقيل: معناه: تميل عن الحقّ، وتَتْرك المناصرة، والممانعة، وقيل: معناه: تَهُمّ بالتخلف عن الغزو، لِمَا هم فيه من الشدّة العظيمة. وفي قراءة ابن مسعود: «من بعد ما زاغت»، وهم المتخلفون على هذه القراءة، وفي تكرير التوبة عليهم بقوله: (﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧]) تأكيد ظاهر، واعتناء بشأنها، هذا إن كان الضمير راجعًا إلى من تقدّم ذكر التوبة عنهم، وإن كان الضمير إلى الفريق، فلا تكرار، قاله الشوكاني -﵀- . (﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾)؛ أي: وتاب على الثلاثة الذين خلّفوا؛ أي: أُخِّروا، ولم تُقبل توبتهم في الحال، كما قُبلت توبة أولئك المتخلفين المتقدم ذكرهم، قال ابن جرير: معنى خُلّفوا: تُركوا، يقال: خَلَّفت فلانًا: فارقته. وقرأ عكرمة بن خالد: «خلفوا» بالتخفيف؛ أي: أقاموا بعد نهوض رسول اللَّه -ﷺ- والمؤمنين إلى الغزو. وقرأ جعفر بن محمد: «خالفوا»، وهؤلاء الثلاثة هم: كعب بن مالك، ومُرارة بن الربيع، أو ابن ربيعة العامريّ، وهلال بن أمية الواقفيّ، وكلهم من الأنصار، لم يَقبل النبيّ -ﷺ- توبتهم، حتى نزل القرآن بأن اللَّه قد تاب عليهم. وقيل: معنى ﴿خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨]: فسدوا، مأخوذ من خُلوف الفم. (﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ﴾) معناه: أنهم أُخّروا عن قبول التوبة إلى هذه الغاية، وهي وقت أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، و«ما» مصدرية؛ أي: برحبها، لإعراض الناس عنهم، وعدم مكالمتهم من كل أحد؛ لأن النبيّ -ﷺ- نهى الناس أن يكالموهم، والرحب: الواسع، يقال: منزل رحب، ورحيب، ورحاب، وفي هذه الآية دليل على جواز هجران أهل المعاصي تأديبًا لهم؛ لينزجروا عن المعاصي. ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ معنى ضِيق أنفسهم عليهم: أنها ضاقت صدورهم بما نالهم من الوحشة، وبما حصل لهم من الجفوة. وقوله: (حَتَّى بَلَغَ)؛ أي: قرأ كعب الآية من أولها إلى أن بلغ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ وتمام القراءة: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨]، وعبَّر بالظن في قوله: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ [التوبة: ١١٨] عن العلم، أي: عَلِموا أن لا ملجأ يلجؤون إليه قط، إلا إلى اللَّه -﷾- بالتوبة، والاستغفار، وقوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨]؛ أي: رجع عليهم بالقبول والرحمة، وأنزل في القرآن التوبة عليهم؛ ليستقيموا، أو وَفّقهم للتوبة فيما يُستقبل من الزمان، إن فَرَطت منهم خطيئة، ليتوبوا عنها، ويرجعوا إلى اللَّه فيها، ويندموا على ما وقع منهم. ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ﴾ [التوبة: ١١٨] أي: الكثير القبول لتوبة التائبين، ﴿الرَّحِيمُ﴾؛ أي: الكثير الرحمة لمن طلبها من عباده. وقوله تعالى: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين﴾ هذا الأمر بالكون مع الصادقين بعد قصة الثلاثة فيه الإشارة إلى أن هؤلاء الثلاثة حصل لهم بالصدق ما حصل من توبة اللَّه تعالى، وظاهر الآية الأمر للعباد على العموم . (قَالَ كَعْبٌ) -﵁: (واللَّه مَا أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ إِذْ هَدَانِي اللَّهُ لِلإِسْلَامِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي رَسُولَ اللَّهُ -ﷺ-) بنصب «رسول» مفعولًا به لـ «صدقي»؛ لأنه يعمل عَمَل فِعله، كما قال في «الخلاصة»: بفِعْلِهِ الْمَصْدَرَ أَلْحِقْ فِي الْعَمَلْ … مُضَافًا أَوْ مُجَرَّدًا أَوْ مَعَ «أَلْ» إِنْ كَانَ فِعْلٌ مَعَ «أَنْ» أَوْ «مَا» يَحُلّ … مَحَلَّهُ وَلاسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ (أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْتُهُ) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في جميع نُسخ مسلم، وكثبر من روايات البخاريّ، قال العلماء: لفظة «لا» في قوله: «أن لا أكون» زائدة، ومعناه: أن أكون كذبته؛ كقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]. انتهى . وقال القرطبيّ بعد ذكر ما ذكره النوويّ: وقد رواه الأصيليّ عن البخاريّ: «إلا أن أكون كذبته»، وليست بشيء، والأول هو الصواب . وقال في «العمدة»: قوله: «أن لا أكون» بدل من قوله: «من صدقي»؛ أي: ما أنعم أعظم من عدم كذبي، ثم عدم هلاكي. انتهى . (فَأَهْلِكَ) بالنصب عطفًا على «أكونَ»، وهو بكسر اللام، وفتحها، قال المجد -﵀-: هَلَكَ، كضَرَبَ، ومَنَعَ، وعَلِمَ، هُلْكًا بالضم، وهَلاكًا، وتُهْلُوكًا، وهُلوكًا، بضمّهما، ومَهْلَكَة، وتَهْلَكَةً مُثَلَّثَتَي اللامِ: ماتَ، وأهْلَكَهُ، واسْتَهْلَكَهُ، وهَلَّكَهُ، وهَلَكَهُ يَهْلِكُهُ، لازِمٌ، مُتَعَدٍ. انتهى . (كَمَا هَلِكَ) كضرب، ومنع، وعلم، (الَّذِينَ كَذَبُوا) بتخفيف الذال؛ أي: حدّثوا النبيّ -ﷺ- بالكذب، حيث اعتذروا عن تخلّفهم عنه بأعذار مكذوبة، وهم المنافقون، وكانوا نيّفًا وثمانين رجلًا، كما سبق بيانه. (إِنَّ اللَّهَ) -﷿- (قَالَ لِلَّذِينَ)، أي: في بيان شأن الذين (كَذَبُوا) بتخفيف الذال أيضًا، (حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ) على رسوله -ﷺ- (شَرَّ مَا قَالَ لأَحَدٍ) «شرّ» منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف؛ أي: قال قولًا شرَّ ما قال لأحد؛ أي: شرّ ما قال لأحد من الناس، وقال في «العمدة»؛ أي: قال قولًا شرّ ما قال، بالإضافة؛ أي: شرّ القول الكائن لأحد من الناس، ثم بَيّن ذلك بقوله، (وَقَالَ اللَّهُ) -﷿-، وأعاد القول للتأكيد، (﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾ [التوبة: ٩٥ - ٩٦]). قال الإمام ابن كثير -﵀- في «تفسيره»: أخبر تعالى عن المنافقين بأنهم إذا رجعوا إلى المدينة أنهم يعتذرون إليهم، ﴿قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ [التوبة: ٩٤]، أي: لن نصدقكم، ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ [التوبة: ٩٤]؛ أي: قد أعلمنا اللَّه أحوالكم، ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٩٤]؛ أي: سيُظهر أعمالكم للناس في الدنيا، ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة: ٨]؛ أي: فيُخبركم بأعمالكم، خيرِها وشرِّها، ويجزيكم عليها. ثم أخبر عنهم أنهم سيحلفون معتذرين؛ لتعرضوا عنهم، فلا تُؤَنِّبُوهم، ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ احتقارًا لهم، ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾؛ أي: خُبثاء، نجس بواطنهم واعتقاداتهم، ﴿وَمَأْوَاهُمْ﴾ في آخرتهم ﴿جَهَنَّمُ﴾، ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾؛ أي: من الآثام، والخطايا. وأخبر أنهم وإن رضوا عنهم بحلفهم لهم، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦]؛ أي: الخارجين عن طاعته تعالى، وطاعة رسوله -ﷺ-، فإن الفسق هو الخروج، ومنه سميت الفأرة «فُوَيسقة»؛ لخروجها من جُحرها للإفساد، ويقال: «فسقت الرطبة»: إذا خرجت من أكمامها. انتهى . وقال العلامة الشوكانيّ -﵀- في «تفسيره»: ثم ذكر أن هؤلاء المعتذرين بالباطل سيؤكدون ما جاؤوا به من الأعذار الباطلة بالحلف عند رجوع المؤمنين إليهم من الغزو، وغرضهم من هذا التأكيد هو: أن يُعرض المؤمنون عنهم، فلا يوبخونهم، ولا يؤاخذونهم بالتخلف، ويُظهرون الرضا عنهم، كما يفيده ذكر الرضا من بعدُ، وحذف المحلوف عليه لكون الكلام يدلّ عليه، وهو اعتذارهم الباطل، وأمْر المؤمنين بالإعراض عنهم المراد به: تَرْكهم، والمهاجرة لهم، لا الرضا عنهم، والصفح عن ذنوبهم، كما تفيده جملة: ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ الواقعة علة للأمر بالإعراض، والمعنى: أنهم في أنفسهم رجس؛ لكون جميع أعمالهم نجسة، فكأنها قد صيرت ذواتهم رجسًا، أو أنهم ذوو رجس، أي: ذوو أعمال قبيحة، ومثله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] وهؤلاء لمّا كانوا هكذا كانوا غير. متأهلين لقبول الإرشاد إلي الخير، والتحذير من الشرّ، فليس لهم إلا الترك، وقوله: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ من تمام التعليل؛ فإن من كان من أهل النار لا يجدي فيه الدعاء إلى الخير، والمأوى كل مكان يأوي إليه الشيء، ليلًا أو نهارًا، وقد أوى فلان إلى منزله يأوي أُوِيًّا، وإيواء، ﴿جَزَاءً﴾ منصوب على المصدرية، أو على العلّية، والباء في ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ للسببية، وجملة: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ بدل مما تقدّم، وحذف هنا المحلوف به؛ لكونه معلومًا مما سبق، والمحلوف عليه لمثل ما تقدّم، وبيَّن سبحانه أن مقصدهم بهذا الحلف هو رضا المؤمنين عنهم، ثم ذكر ما يفيد أنه لا يجوز الرضا عن هؤلاء المعتذرين بالباطل، فقال: ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ كما هو مطلوبهم مساعدةً لهم، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ وإذا كان هذا هو ما يريده اللَّه سبحانه من عدم الرضا على هؤلاء الفسقة العصاة، فينبغي لكم أيها المؤمنون أن لا تفعلوا خلاف ذلك، بل واجب عليكم أن لا ترضوا عنهم، على أن رضاكم عنهم لو وقع لكان غير معتدّ به، ولا مفيد لهم، والمقصود من إخبار اللَّه سبحانه بعدم رضاه عنهم، نهي المؤمنين عن ذلك؛ لأن الرضا على من لا يَرضَى اللَّه عليه مما لا يفعله مؤمن. انتهى . (قَالَ كَعْبٌ) -﵁-: (كُنَّا خُلِّفْنَا) بالبناء للمفعول؛ أي: أُخّر أمر توبتنا، ولفظ البخاريّ: «تخلّفنا»، أخصّ (أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ)؛ يعني: نفسه، ومُرارة، وهلالًا -﵃-، فـ «أيّ» في محلّ نصب بعامل محذوف مبنيّ على الضمّ، لِشَبهها بالحرف شبهًا افتقاريًّا، وكانت حركتها ضمّة؛ لشَبَهها بأسماء الغايات، كقبلُ وبعدُ، و«ها» حرف تنبيه زِيد تعويضًا عما فات «أيّ» من الإضافة، و«الثلاثة» صفة «أيّ» تبعه باللفظ ؛ أي: أُخّر، وأُرجئ أمر توبتنا معاشر الثلاثة (عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ) المنافقين (الَّذِينَ قَبِلَ) بكسر الموحّدة، (مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) اعتذارهم (حِينَ حَلَفُوا لَهُ) على أن تخلّفهم كان لعذر (فَبَايَعَهُمْ)؛ أي: جدّد مبايعتهم لنصرة الإسلام، والجهاد في سبيل اللَّه -﷿-، (وَاسْتَغفرَ لَهُمْ)؛ أي: طلب من اللَّه تعالى أن يغفر لهم ما سلف من التخلّف، (وَأَرْجَأَ) بالجيم والهمزة، أي: أخّر (رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَمْرَنَا) معاشر الثلاثة (حَتَّى قَضَى اللَّهُ) -﷾-، أي: حكم (فِيهِ)؛ أي: في أمرنا، فتاب علينا، (فَبِذَلِكَ)؛ أي: بسبب بيان أمرنا (قَالَ اللَّهُ -﷿-: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨])؛ أي: ولقد تاب اللَّه على الثلاثة الذين خُلّفوا، أي: أُخّر أمر توبتهم، قال كعب -﵁- مبيّنًا معنى «خلّفوا»: (وَلَيْسَ) الأمر (الَّذِي ذكَرَ اللَّهُ) -﷾- في هذه الآية هي: (مِمَّا خُلِّفْنَا) بالبناء للمفعول، أي: من تخليفنا، وهو بيان لـ «ما»، (تَخَلُّفَنَا) بالنصب على أنه خبر «ليس»، (عَنِ الْغَزْوِ) متعلّق بما قبله، (وَإِنَّمَا هُوَ)؛ أي: تخليفنا المذكور في الآية (تَخْلِيفُهُ)؛ أي: تأخير اللَّه (إِيَّانَا) في التوبة، (وَإِرْجَاؤُهُ) عطف على «تخليفه» عطف مؤكّد، وإضافته من إضافة المصدر إلى فاعله، ونصب قوله: (أَمْرَنَا) على المفعوليّة، كما قال في «الخلاصة»: وَبَعْدَ جَرِّهِ الَّذِي أُضِيفَ لَهْ … كَمِّلْ بَنَصْبٍ أَوْ بِرَفْعٍ عَمَلَهْ وقوله: (عَمَّنْ حَلَفَ) متعلّق بـ «إرجاء»، (لَهُ) -ﷺ- حلف كذب، (وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ) بأعذار كاذبة، (فَقَبِلَ) -ﷺ- (مِنْهُ)؛ أي: ممن حلف، واعتذر، وهم المنافقون. وحاصله: أن كعبًا -﵁- فسّر قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾؛ أي: أُخِّروا حتى تاب اللَّه عليهم، لا أن المراد أنهم خُلِّفوا عن الغزو، وفي تفسير عبد الرزاق، عن معمر، عمن سمع عكرمة في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ قال: خُلِّفوا عن التوبة، ولابن جرير من طريق قتادة نحوه، قال ابن جرير: فمعنى الكلام: لقد تاب اللَّه على الذين أُخِّرت توبتهم. انتهى، واللَّه تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث كعب بن مالك -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٦٩٩٠ و٦٩٩١ و٦٩٩٢ و٦٩٩٣] (٢٧٦٩)، و(البخاريّ) في «الوصايا» (٢٧٥٧) و«الجهاد» (٢٩٤٧ و٢٩٤٨ و٢٩٤٩ و٢٩٥٠ و٣٠٨٨) و«المناقب» (٣٥٥٦) و«مناقب الأنصار» (٣٨٨٩) و«المغازي» (٣٩٥١ و٤٤١٨) و«التفسير» (٤٦٧٣ و٤٦٧٦ و٤٦٧٧ و٤٦٧٨) و«الاستئذان» (٦٢٥٥) و«الأيمان والنذور» (٦٦٩٠) و«الأحكام» (٧٢٢٥) وفي «الأدب المفرد» (٩٤٤)، و(أبو داود) في «الطلاق» (٢٢٠٢) و«الجهاد» (٢٧٧٣) و«الأيمان والنذور» (٣٣١٧ و٣٣٢٠)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣١٠١)، و(النسائيّ) في «المجتبى» (٣٤٢٢ و٣٤٢٦) و«الأيمان والنذور» (٣٨٢٤ و٣٨٢٦) وفي «الكبرى» (١/ ٢٦٦)، و(ابن ماجه) في «الصلاة» (١٣٩٣)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٥/ ٤٠٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٣٨٦ و٣٩٠)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٤/ ٥٤٠ - ٥٤٥)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٢٤٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٣٧٠)، و(الطبريّ) في «تفسيره» (١٧٤٤٩)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٩/ ٩٦ و٩٧ و٩٨ و٩٩ و١٠٠ و١٠١ و١٠٣ و١٠٤ و١٠٥ و١٠٦ و١٠٧ و١٠٨ و١٠٩ و١١٠ و١٣٣ و١٣٤ و١٣٥ و١٣٦)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٢/ ٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ١٨١)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (١٦٧٦)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده، وإن كان بعضها تقدّم، إلا أن كونها في محلّ واحد أنفع، وأيسر : ١ - (منها): إباحة الغنيمة لهذه الأمة؛ لقوله: «خرجوا يريدون عِير قريش». ٢ - (ومنها): بيان فضيلة أهل بدر، وأهل العقبة. ٣ - (ومنها): جواز الحلف من غير استحلاف، في غير الدعوى عند القاضي. ٤ - (ومنها): أنه ينبغي لأمير الجيش إذا أراد غزوة أن يُوَرِّيَ بغيرها؛ لئلا يسبقه الجواسيس، ونحوهم بالتحذير، إلا إذا كانت سفرة بعيدة، فيستحب أن يُعرِّفهم البعد، ليتأهبوا. ٥ - (ومنها): التأسف على ما فات من الخير، وتمنّي المتأسف أنه كان فعله؛ لقوله: «فيا ليتني فعلتُ». ٦ - (ومنها): مشروعيّة ردّ غِيبة المسلم، لقول معاذ -﵁-: «بئسما قلت». ٧ - (ومنها): بيان فضيلة الصدق، وملازمته، وإن كان فيه مشقة، فإن عاقبته خير، «وإن الصدق يَهدي إلى البرّ، والبرّ يَهدي إلى الجنة»، كما ثبت في الصحيح. ٨ - (ومنها): بيان استحباب صلاة القادم من سفر ركعتين، في مسجد مَحِلّته أولَ قدومه قبل كل شيء. ٩ - (ومنها): أنه يستحب للقادم من سفر، إذا كان مشهورًا يقصده الناس للسلام عليه، أن يقعد لهم في مجلس بارزٍ، سهل الوصول إليه. ١٠ - (ومنها): بيان أن الحُكم بالظاهر، واللَّه يتولى السرائر. ١١ - (ومنها): قبول معاذير المنافقين، ونحوهم، ما لم يترتب على ذلك مفسدة. ١٢ - (ومنها): استحباب هِجران أهل البدع، والمعاصي الظاهرة، وترك السلام عليهم، ومقاطعتهم؛ تحقيرًا لهم، وزجرًا. ١٣ - (ومنها): استحباب بكاء الإنسان على نفسه، إذا وقعت منه معصية. ١٤ - (ومنها): بيان أن مسارقة النظر في الصلاة، والالتفات لا يبطلها. ١٥ - (ومنها): أن السلام يُسَمَّى كلامًا، وكذلك ردّ السلام، وأن من حلف لا يكلم إنسانًا، فسلّم عليه، أو ردّ ﵇ يحنث. ١٦ - (ومنها): وجوب إيثار طاعة اللَّه تعالى ورسوله -ﷺ- على مودّة الصديق، والقريب، وغيرهما، كما فعل أبو قتادة -﵁- حين سَلّم عليه كعب، فلم يردّ عليه حيث نُهِي عن كلامه. ١٧ - (ومنها): أنه إذا حلف لا يكلّم إنسانًا، فتكلم، ولم يقصد كلامه، بل قصد غيره، فسمع المحلوف عليه لم يحنث الحالف؛ لقوله: «اللَّه أعلم»، فإنه محمول على أنه لم يقصد كلامه، كما سبق. ١٨ - (ومنها): جواز إحراق ورقةٍ، فيها ذِكر اللَّه تعالى؛ لمصلحة، كما فعل عثمان والصحابة -﵃- بالمصاحف التي هي غير مصحفه الذي أجمع معظم الصحابة عليه، وكان ذلك صيانةً، فهي حاجة، وموضع الدلالة من حديث كعب -﵁- أنه أحرق الورقة، وفيها: «لم يجعلك اللَّه بدار هوان». ١٩ - (ومنها): إخفاء ما يُخاف من إظهاره مفسدة، وإتلافه. ٢٠ - (ومنها): أن قوله لامرأته: «الحقي بأهلك» ليس بصريح طلاق، ولا يقع به شيء، إذا لم ينو. ٢١ - (ومنها): جواز خدمة المرأة زوجها برضاها، وذلك جائز له بالإجماع، فأما إلزامها بذلك فلا. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قال النوويّ: «فإما إلزامها فلا»، وفيه نظر لا يخفى على المنصف، فقد قدّمت أن الصواب في هذه المسألة قول من قال بوجوب خدمة المرأة زوجها، كما هو نصّ قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨]، والمعروف في وقت نزول الآية أن المرأة تخدم زوجها، كما في قصّة فاطمة -﵂-، حيث كانت تطحن، حتى تأثّرت يدها، فجاءت تطلب الخادم منه -ﷺ-، فلم يُعطها، بل ثبّتها على الطحن، وقصّة عائشة -﵂- حيث كانت تفتل قلائد هدي النبيّ -ﷺ-، وقصّة أسماء بنت أبي بكر -﵄- حيث كانت تَحمل النوى من أرض الزبير تعلف فرسه، وكل هذا في «الصحيح»، فالقول بعدم الوجوب قول مخالف لنصوص كثيرة بلا نصّ، وقد استوفيت البحث في هذا في غير هذا المحلّ، وللَّه الحمد والمنّة. ٢٢ - (ومنها): استحباب الكنايات في ألفاظ الاستمتاع بالنساء، ونحوها. ٢٣ - (ومنها): الورع، والاحتياط بمجانبة ما يُخاف منه الوقوع في منهيّ عنه؛ لأن كعبًا -﵁- لم يستأذن النبيّ -ﷺ- في خدمة امرأته له، وعلَّل ذلك بأنه شابّ؛ أي: لا يأمن مواقعتها، وقد نُهي عنها. ٢٤ - (ومنها): استحباب سجود الشكر عند تجدد نعمة ظاهرة، أو اندفاع بلية ظاهرة، وهو مذهب الشافعيّ، وطائفة، وقال أبو حنيفة، وطائفة: لا يُشرع، وهو قول ضعيف، لمخالفته لحديث كعب -﵁- هذا، ولِمَا ثبت عنه -ﷺ- من ذلك، فقد أخرج ابن ماجه، وصححه ابن حبّان، عن أبي بكرة -﵁-: «أن النبيّ -ﷺ- كان إذا أتاه أمر يَسُرّه -أو يُسَرّ به- خَرّ ساجدًا شكرًا للَّه ﵎» . ٢٥ - (ومنها): استحباب التبشير بالخير. ٢٦ - (ومنها): استحباب تهنئة من رزقه اللَّه خيرًا ظاهرًا، أو صرف عنه شرًّا ظاهرًا. ٢٧ - (ومنها): استحباب إكرام المبشِّر بخلعة، أو نحوها. ٢٨ - (ومنها): أنه يجوز تخصيص اليمين بالنية، فإذا حلف لا مال له، ونوى نوعًا لم يحنث بنوع من المال غيرِهِ، وإذا حلف لا يأكل، ونوى خبزًا لم يحنث باللحم، والتمر، وسائر المأكول، ولا يحنث إلا بذلك النوع، وكذلك لو حلف لا يُكلِّم زيدًا، ونوى كلامًا مخصوصًا لم يحنث بتكليمه إياه غير ذلك الكلام المخصوص، قال النوويّ: وهذا كله متّفقٌ عليه عند أصحابنا، ودليله من هذا الحديث قوله في الثوبين: «واللَّه ما أملك غيرهما»، ثم قال بعده في ساعة: «إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً»، ثم قال: «فإني أمسك سهمي الذي بخيبر». ٢٩ - (ومنها): جواز العارية. ٣٠ - (ومنها): جواز استعارة الثياب للّبس. ٣١ - (ومنها): مشروعيّة اجتماع الناس عند إمامهم، وكبيرهم في الأمور المهمة، من بشارة، ومشورة، وغيرهما. ٣٢ - (ومنها): استحباب القيام للوارد إكرامًا له، إذا كان من أهل الفضل بأيّ نوع كان، قال النوويّ: وقد جاءت به أحاديث، جمعتها في جزء مستقلّ بالترخيص فيه، والجواب عما يُظنّ به مخالفًا لذلك. ٣٣ - (ومنها): استحباب المصافحة عند التلاقي، وهي سُنَّة بلا خلاف. ٣٤ - (ومنها): استحباب سرور الإمام، وكبير القوم بما يُسَرّ به أصحابه، وأتباعه. ٣٥ - (ومنها): أنه يستحبّ لمن حصلت له نعمة ظاهرة، أو اندفعت عنه كربة ظاهرة، أن يتصدق بشيء صالح من ماله؛ شكرًا للَّه تعالى على إحسانه، قال النوويّ: وقد ذكر أصحابنا أنه يستحب له سجود الشكر، والصدقة جميعًا، وقد اجتمعا في هذا الحديث. ٣٦ - (ومنها): أنه يستحب لمن خاف أن لا يصبر على الإضاقة أن لا يتصدق بجميع ماله، بل ذلك مكروه له. ٣٧ - (ومنها): أنه يستحب لمن رأى مَن يريد أن يتصدق بكل ماله، ويخاف عليه أن لا يصبر على الإضاقة أن ينهاه عن ذلك، ويشير عليه ببعضه. ٣٨ - (ومنها): أنه يستحب لمن تاب بسبب من الخير أن يحافظ على ذلك السبب، فهو أبلغ في تعظيم حرمات اللَّه تعالى، كما فَعَل كعب -﵁- في الصدق، واللَّه أعلم. ٣٩ - (ومنها): جواز الغزو في الشهر الحرام؛ لأنه -ﷺ- غزاها في شهر رجب سنة تسع. ٤٠ - (ومنها): أن الإمام إذا استنفر الجيش عمومًا لزمهم النفير، ولحق اللوم بكل فرد فرد أن لو تخلف. ٤١ - (ومنها): أن العاجز عن الخروج بنفسه، أو بماله، لا لوم عليه. ٤٢ - (ومنها): استخلاف من يقوم مقام الإمام على أهله، والضعفة. ٤٣ - (ومنها): ترك قتل المنافقين، ويُستنبط منه ترك قتل الزنديق، إذا أظهر التوبة، وأجاب من أجازه بأن الترك كان في زمن النبيّ -ﷺ- لمصلحة التأليف على الإسلام. ٤٤ - (ومنها): عِظَم أمر المعصية، وقد نبّه الحسن البصريّ على ذلك، فيما أخرجه ابن أبي حاتم عنه، قال: يا سبحان اللَّه ما أكل هؤلاء الثلاثة مالًا حرامًا، ولا سفكوا دمًا حرامًا، ولا أفسدوا في الأرض، أصابهم ما سمعتم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فكيف بمن يواقع الفواحش والكبائر. ٤٥ - (ومنها): أن القويّ في الدين يؤاخذ بأشدّ مما يؤاخذ الضعيف في الدين. ٤٦ - (ومنها): جواز إخبار المرء عن تقصيره، وتفريطه، وعن سبب ذلك، وما آل إليه أمره؛ تحذيرًا، ونصيحةً لغيره. ٤٧ - (ومنها): جواز مَدْح المرء بما فيه من الخير، إذا أَمِن الفتنة، وتسلية نفسه بما لم يحصل له بما وقع لنظيره. ٤٨ - (ومنها): جواز ترك وطء الزوجة مدّةً؛ للحاجة. ٤٩ - (ومنها): أن المرء إذا لاحت له فُرصة في الطاعة، فحقّه أن يبادر إليها، ولا يُسَوِّف بها؛ لئلا يُحْرَمها، كما قال تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ الآية [الأنفال: ٢٤]، ومثله قوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآية [الأنعام: ١١٠]، ونسأل اللَّه تعالى أن يُلهمنا المبادرة إلى طاعته، وأن لا يسلبنا ما خَوّلنا من نعمته، آمين. ٥٠ - (ومنها): أن الإمام لا يُهمل من تخلَّف عنه في بعض الأمور، بل يُذَكِّره؛ ليراجع التوبة. ٥١ - (ومنها): جواز الطعن في الرجل بما يَغلب على اجتهاد الطاعن عن حمية للَّه تعالى ورسوله -ﷺ-. ٥٢ - (ومنها): جواز الردّ على الطاعن إذا غلب على ظنّ الرادّ، وَهْمُ الطاعن، أو غلطه. ٥٣ - (ومنها): استحباب بكاء العاصي؛ أَسَفًا على ما فاته من الخير. ٥٤ - (ومنها): أن التبسم قد يكون عن غضب، كما يكون عن تعجب، ولا يختص بالسرور. ٥٥ - (ومنها): معاتبة الكبير أصحابه، ومن يَعِزّ عليه دون غيره. ٥٦ - (ومنها): العمل بمفهوم اللقب، إذا حفّته قرينة؛ لقوله -ﷺ- لمّا حدّثه كعب: «أما هذا فقد صَدَق»، فإنه يشعر بأن من سواه كذب، لكن ليس على عمومه في حقّ كل أحد سواه؛ لأن مُرارة، وهلالًا أيضًا قد صدقا، فيختص الكذب بمن حلف، واعتذر، لا بمن اعترف، ولهذا عاقب من صَدَق بالتأديب الذي ظهرت فائدته عن قرب، وأَخَّر من كَذَب للعقاب الطويل، وفي الحديث الصحيح: «إذا أراد اللَّه بعبد خيرًا عَجّل له عقوبته في الدنيا، وإذا أراد به شرًّا أمسك عنه عقوبته، فيَرِدُ القيامة بذنوبه». قيل: وإنما غُلِّظ في حقّ هؤلاء الثلاثة؛ لأنهم تركوا الواجب عليهم من غير عذر، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ١٢٠]، وقول الأنصار: نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا … عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا ٥٧ - (ومنها): تبريد حرّ المصيبة بالتأسي بالنظير، حيث تأسّى كعب -﵁- بصاحبيه. ٥٨ - (ومنها): عِظَم مقدار الصدق في القول والفعل، وتعليق سعادة الدنيا والآخرة، والنجاة من شرّهما به. ٥٩ - (ومنها): أن من عُوقب بالهجر يُعذر في التخلف عن صلاة الجماعة؛ لأن مرارة، وهلالًا -﵄- لم يخرجا من بيوتهما تلك المدّة. ٦٠ - (ومنها): جواز دخول المرء دار جاره وصديقه بغير إذنه، ومن غير البارب، إذا عَلِم رضاه. ٦١ - (ومنها): أن قول المرء: «اللَّهُ ورسوله أعلم» ليس بخطاب، ولا كلام، ولا يحنث به من حلف أن لا يكلم آخر إذا لم ينو به مكالمته، وإنما قال أبو قتادة ذلك لَمّا ألحّ عليه كعب، وإلا فقد تقدم أن رسول ملك غسّان لمّا سأل عن كعب جعل الناس يشيرون له إلى كعب، ولا يتكلمون بقولهم مثلًا: هذا كعب؛ مبالغةً في هجره، والإعراض عنه، واللَّه تعالى أعلم. ذكر هذه الفوائد النوويّ -﵀- في «شرحه» ، والحافظ في «الفتح» ، والعينيّ في «عمدته» ، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٩١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِإِسْنَادِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ سَوَاءً). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ مولاهم، أبو عبد اللَّه النيسابوريّ، ثقةٌ حافظ عابد [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٢ - (حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى) اليماميّ، أبو عمر، سكن بغداد، ووَلِي قضاء خراسان، ثقةٌ [٩] مات ببغداد سنة (٢٠٥) وقيل: بعد ذلك (خ م د ت س) تقدم في «الإيمان» ٨١/ ٤٣٧. ٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٢. ٤ - (عُقَيْلُ) -بالضمّ، مصغّرًا- ابن خالد بن عَقِيل -بالفتح- الأَيْليّ، أبو خالد الأُمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبت، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر [٦] (ت ١٤٤) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٣. و«ابنُ شهاب» ذُكر قبله. وقوله: (بِإِسْنَادِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ سَوَاءً)؛ يعني: أن عُقيلًا روى هذا الحديث عن الزهريّ، كما رواه يونس عنه، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، عن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، عن كعب بن مالك -﵁-. [تنبيه]: رواية عُقيل عن ابن شهاب هذه ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٤١٥٦) - حدّثنا يحيى بن بكير، حدّثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، أن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عَمِي، قال: سمعت كعب بن مالك يُحدّث حين تخلّف عن قصّة تبوك، قال كعب: لم أتخلّف عن رسول اللَّه -ﷺ- في غزوة غزاها، إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر، ولم يُعاتِب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول اللَّه -ﷺ- يريد عِير قريش، حتى جمع اللَّه بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شَهِدت مع رسول اللَّه -ﷺ- ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أُحبّ أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري أني لم أكن قطّ أقوى، ولا أيسر، حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، واللَّه ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قطّ، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول اللَّه -ﷺ- يريد غزوة إلا وَرَّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول اللَّه -ﷺ- في حرّ شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا، ومَفَازًا، وعدوًّا كثيرًا، فجلى للمسلمين أمرهم؛ ليتأهبوا أُهْبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول اللَّه -ﷺ- كثيرٌ، ولا يجمعهم كتابٌ حافظٌ، يريد: الديوان. قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظنّ أن سيخفى له، ما لم يَنزل فيه وحي اللَّه، وغزا رسول اللَّه -ﷺ- تلك الغزوة، حين طابت الثمار، والظلال، وتجهّز رسول اللَّه -ﷺ-، والمسلمون معه، فطفِقت أغدو؛ لكي أتجهز معهم، فأرجع، ولم أقض شيئًا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي، حتى اشتدّ بالناس الجدّ، فأصبح رسول اللَّه -ﷺ-، والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئًا، فقلت: أتجهز بعده بيوم، أو يومين، ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فَصَلُوا لأتجهز، فرجعت، ولم أقض شيئًا، ثم غدوت، ثم رجعت، ولم أقض شيئًا، فلم يزل بي، حتى أسرعوا، وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل، فأُدركهم، وليتني فعلت، فلم يُقَدِّر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس، بعد خروج رسول اللَّه -ﷺ-، فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصًا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عَذَر اللَّه، من الضعفاء، ولم يذكرني رسول اللَّه -ﷺ- حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم، بتبوك: ما فعل كعب؟ فقال رجل من بني سَلِمة: يا رسول اللَّه حبسه بُرداه، ونظره في عِطْفيه، فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، واللَّه يا رسول اللَّه ما علمنا عليه إلا خيرًا، فسكت رسول اللَّه -ﷺ-. قال كعب بن مالك: فلما بلغني أنه توجه قافلًا حضرني همّي، وطفقت أتذكر الكذب، وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدًا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل: إن رسول اللَّه -ﷺ- قد أظلّ قادمًا، زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدًا بشيء فيه كذب، فأجمعت صِدقه، وأصبح رسول اللَّه -ﷺ- قادمًا، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلَّفون، فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول اللَّه -ﷺ- علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووَكَل سرائرهم إلى اللَّه، فجئته، فلما سلّمت عليه، تبسَّم تبسُّم المغضَب، ثم قال: «تعال»، فجئت أمشي، حتى جلست بين يديه، فقال لي: ما خَلَّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ فقلت: بلى، إني واللَّه يا رسول اللَّه لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أُعطيت جدلًا، ولكني واللَّه لقد علمتُ، لئن حدثتك اليوم حديث كَذِب، ترضى به عني، ليوشكنّ اللَّه أن يُسخطك عليّ، ولئن حدثتك حديث صِدق، تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو اللَّه، لا، واللَّه ما كان لي من عذر، واللَّه ما كنت قط أقوى، ولا أيسر مني، حين تخلفت عنك، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: «أما هذا فقد صَدَق، فقم حتى يقضي اللَّه فيك»، فقمت، وثار رجال من بني سَلِمة، فاتبعوني، فقالوا لي: واللَّه ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول اللَّه -ﷺ- بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيَك ذنبك استغفارُ رسول اللَّه -ﷺ- لك، فواللَّه ما زالوا يُؤنِّبونني، حتى أردت أن أرجع، فأُكَذِّب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم رجلان، قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت: من هما؟ قالوا: مُرارة بن الربيع العَمْريّ، وهلال بن أمية الواقفيّ، فذكروا لي رجلين صالحين، قد شَهِدا بدرًا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي. ونهى رسول اللَّه -ﷺ- المسلمين عن كلامنا، أيها الثلاثةُ، من بين من تخلف عنه، فاجتنبَنا الناس، وتغيَّروا لنا، حتى تنكّرت في نفسي الأرض، فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلةً، فأما صاحباي، فاستكانا، وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشبّ القوم، وأجلَدهم، فكنت أخرج، فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول اللَّه -ﷺ-، فأسلّم عليه، وهو في مجلسه، بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرَّك شفتيه بردِّ السلام عليّ أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي، أقبل إليّ، وإذا التفتُّ نحوه، أعرض عني، حتى إذا طال عليّ ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسوّرت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي، وأحب الناس إليّ، فسلَّمت عليه، فواللَّه ما ردَّ عليّ السلام، فقدت: يا أبا قتادة أَنشُدك باللَّه، هل تعلمني أحب اللَّه ورسوله؟ فسكت، فعدت له، فنشدته، فسكت، فعدت له، فنشدته، فقال: اللَّه ورسوله أعلم، ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسوَّرت الجدار، قال: فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نَبَطِيّ من أنباط أهل الشام، ممن قَدِم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول: من يدلّ على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني، دفع إليّ كتابًا من مَلِك غَسّان، فإذا فيه: أما بعدُ فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك اللَّه بدار هوان، ولا مضيعة، فالْحَقْ بنا نُواسِك، فقلت لما قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء، فتيممت بها التنور، فسجرته بها. حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول اللَّه -ﷺ- يأتيني، فقال: إن رسول اللَّه -ﷺ- يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها، أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها، ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبيّ مثل ذلك، فقدت لامرأتي: الْحَقِي بأهلك، فتكوني عندهم حتى يقضي اللَّه في هذا الأمر، قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول اللَّه -ﷺ-، فقالت: يا رسول اللَّه، إن هلال بن أمية شيخ ضائع، ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا، ولكن لا يقربك، قالت: إنه واللَّه ما به حركة إلى شيء، واللَّه ما زال يبكي، منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول اللَّه -ﷺ- في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه، فقلت: واللَّه لا أستأذن فيها رسول اللَّه -ﷺ-، وما يدريني ما يقول رسول اللَّه -ﷺ- إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شابّ، فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلةً، من حين نَهَى رسولُ اللَّه -ﷺ- عن كلامنا. فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلةً، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر اللَّه، قد ضاقت عليَّ نفسي، وضاقت عليّ الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سَلْع بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجدًا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول اللَّه -ﷺ- بتوبة اللَّه علينا، حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشّروننا، وذهب قِبَل صاحبيّ مبشّرون، وركض إليّ رجل فرسًا، وسعى ساعٍ من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، نزعت له ثوبيّ، فكسوته إياهما ببُشراه، واللَّه ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين، فلبستهما، وانطلقت إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فيتلقاني الناس فوجًا فوجًا، يهنونني بالتوبة، يقولون: لِتَهْنِكَ توبةُ اللَّه عليك، قال كعب: حتى دخلت المسجد، فإذا رسول اللَّه -ﷺ- جالس، حوله الناس، فقام إليّ طلحة بن عبيد اللَّه يُهرول، حتى صافحني، وهنّاني، واللَّه ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة، قال كعب: فلما سلّمت على رسول اللَّه -ﷺ- قال رسول اللَّه -ﷺ-، وهو يبرق وجهه من السرور: «أبشر بخير يوم مَرّ عليك منذ ولدتك أمك»، قال: قلت: أمن عندك يا رسول اللَّه، أم من عند اللَّه؟ قال: «لا، بل من عند اللَّه». وكان رسول اللَّه -ﷺ- إذا سُرّ استنار وجهه، حتى كأنه قِطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه، قلت: يا رسول اللَّه إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى اللَّه، وإلى رسول اللَّه، قال رسول اللَّه -ﷺ-: «أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك»، قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقلت: يا رسول اللَّه، إن اللَّه إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحَدِّث إلا صدقًا ما بَقِيت، فواللَّه ما أعلم أحدًا من المسلمين، أبلاه اللَّه في صدق الحديث، منذ ذكرت ذلك لرسول اللَّه -ﷺ- أحسن مما أبلاني، ما تعمّدت منذ ذكرت ذلك لرسول اللَّه -ﷺ- إلى يومي هذا كذبًا، وإني لأرجو أن يحفظني اللَّه فيما بقيت، وأنزل اللَّه على رسوله -ﷺ-: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ -إلى قوله-: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، فواللَّه ما أنعم اللَّه عليّ من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول اللَّه -ﷺ- أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن اللَّه قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شرّ ما قال لأحد، فقال ﵎: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ﴾ -إلى قوله-: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥، ٩٦]، قال كعب: وكُنّا تَخَلَّفْنا أيها الثلاثةُ عن أمر أولئك الذين قَبِل منهم رسول اللَّه -ﷺ- حين حلفوا له، فبايعهم، واستغفر لهم، وأرجأ رسول اللَّه -ﷺ- أمرنا، حتى قضى اللَّه فيه، فبذلك قال اللَّه: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾، وليس الذي ذكر اللَّه مما خُلِّفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له، واعتذر إليه، فقبل منه. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٩٢] (. . .) - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمِّهِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ حِينَ عَمِيَ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، يُحَدِّثُ حَدِيثَهُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي غَزْوةِ تَبُوكَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَزَادَ فِيهِ عَلَى يُونُسَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَلَّمَا يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيرهَا، حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ. وَلَمْ يَذْكرْ فِي حَدِيثِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ أَبَا خَيْثَمَةَ، وَلُحُوقَهُ بِالنَّبِيِّ -ﷺ-). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الكِسيّ -بمهملة- أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، وبذلك جزم ابن حبان، وغير واحد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣١. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ) المدنيّ، صدوقٌ، له أوهام [٧] (ت ١٥٢) وقيل: بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٦٣/ ٣٥٢. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: قوله: (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) هكذا وقع في النسخة الهنديّة: «عبد اللَّه»، وهو المذكور في السند الماضي، ووقع في معظم نُسخ مسلم: «أن عبيد اللَّه بن كعب» مصغّرًا، وهو أخو المكبّر، وكلاهما ولدا كعب بن مالك -﵁-، والصواب ما في النسخة الهنديّة: عبد اللَّه بن كعب مكبّرًا؛ لِما يلي: أوّلًا: أن الإمام أحمد أخرج الحديث في «مسنده» بسند مسلم، فقال فيه: «أن عبد اللَّه بن كعب بن مالك» مكبّرًا. وثانيًا: أن الدارقطنيّ لمّا انتقد الإسناد التالي من طريق معقل بن عبيد اللَّه حيث وقع فيه: «عبيد اللَّه» مصغّرًا ذكر أن رواية ابن أخي الزهريّ موافقة لرواية يونس، وعقيل بأنه: «عبد اللَّه بن كعب» مكبّرًا، لا مصغّرًا، وقال: إنه الصواب؛ لمتابعة ابن أخي الزهريّ لهما، وأما معقل، وإن تابعه صالح بن أبي الأخضر، فإنهما ضعيفان، لا يقاومان الأوَّلَين. والحاصل: أن الصواب هو ما وقع في النسخة الهنديّة، من أنه عبد اللَّه بن كعب المكبّر، لا عبيد اللَّه المصغّر، كما هو في معظم النسخ، وعليه تكلّم النوويّ في شرحه ، وذكر انتقاد الدارقطني، وهذا ليس بصحيح، فإنه إنما انتقد الرواية التالية، لا هذه الرواية، كما سيأتي نصّه في التنبيه -إن شاء اللَّه تعالى-، وباللَّه تعالى التوفيق. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَزَادَ فِيهِ) فاعل «ساق»، و«زاد» ضمير محمد بن عبد اللَّه ابن أخي الزهريّ. وقوله: (قَلَّمَا يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا) من التورية؛ أي: أوهم غيرها، وأصله مِن وراء، كأنه جعل البيان وراء ظهره. [تنبيه]: رواية محمد بن عبد اللَّه بن مسلم ابن أخي الزهريّ، عن الزهريّ هذه ساقها الإمام أحمد -﵀- في «مسنده»، فقال: (١٥٨٢٧) - حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا ابن أخي الزهريّ، محمد بن عبدا اللَّه، عن عمه محمد بن مسلم الزهريّ، قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، أن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه، حين عَمِي، قال: سمعت كعب بن مالك يحدّث حديثه، حين تخلف عن رسول اللَّه -ﷺ- في غزوة تبوك، فقال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول اللَّه -ﷺ- في غزوة غيرها قطّ إلا في غزوة تبوك، غير إني كنت تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول اللَّه -ﷺ- يريد عير قريش، حتى جمع اللَّه بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شَهِدت مع رسول اللَّه -ﷺ- ليلة العقبة، حين توافقنا على الإسلام، ما أحبّ أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، وأشهر، وكان من خبري حين تخلفت عن رسول اللَّه -ﷺ- في غزوة تبوك لأني لم أكن قط أقوى، ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغَزَاة، واللَّه ما جمعت قبلها راحلتين قط، حتى جمعتهما في تلك الغزاة، وكان رسول اللَّه -ﷺ- قلّما يريد غَزاة يغزوها إلا ورّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزاة، فغزاها رسول اللَّه -ﷺ- في حرّ شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا، ومَفازًا، واستقبل عدوًّا كثيرًا، فجلا للمسلمين أمره؛ ليتأهبوا أُهبة عدوّهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول اللَّه -ﷺ- كثير، لا يَجمعهم كتابٌ حافظٌ -يريد: الديوان-. = ابن أخي الزهريّ مع رواية معقل الجزريّ أنه عبيد اللَّه مصغّرًا لا يخفى ما فيه، فتنبّه، واللَّه تعالى وليّ التوفيق. فقال كعب: فقَلّ رجل يريد يتغيب إلا ظنّ أن ذلك سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي من اللَّه -﷿-، وغزا رسول اللَّه -ﷺ- تلك الغَزوة حين طابت الثمار، والظلّ، وأنا إليها أصعر، فتجهز إليها رسول اللَّه -ﷺ-، والمؤمنون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معه، فأرجع ولم أقضِ شيئًا، فأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك، إذا أردت، فلم يزل كذلك يتمادى بي، حتى شَمَّر بالناس الجدّ، فأصبح رسول اللَّه -ﷺ- غاديًا، والمسلمون معه، ولم أقضِ من جهازي شيئًا، فقلت: أتجهّز بعد يوم أو يومين، ثم ألحقهم، فغدوت بعدما فصلوا لأتجهز، فرجعت، ولم أقض شيئًا من جهازي، ثم غدوت، فرجعت، ولم أقض شيئًا، فلم يزل ذلك يتمادى بي، حتى أسرعوا، وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل، فأدركهم، وليت أني فعلت، ثم لم يُقَدَّر ذلك لي، فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول اللَّه -ﷺ-، فطفت فيهم، يحزنني أن لا أرى إلا رجلًا مغموصًا عليه في النفاق، أو رجلًا ممن عَذَره اللَّه، ولم يذكرني رسول اللَّه -ﷺ- حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك: «ما فعل كعب بن مالك؟»، قال رجل من بني سَلِمة: حبسه يا رسول اللَّه بُرداه، والنظر في عِطفيه، فقال له معاذ بن جبل: بئسما قلت، واللَّه يا رسول اللَّه ما علمنا عليه إلا خيرًا. فسكت رسول اللَّه -ﷺ-، فقال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول اللَّه -ﷺ- قد توجه قافلًا من تبوك، حضرني بَثِّي، فطفقت أتفكر الكذب، وأقول بماذا أخرج من سخطه غدًا؟، أستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي، فلما قيل: إن رسول اللَّه -ﷺ- قد أظل قادمًا، زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدًا، فأجمعت صدقه، وصبَّح رسول اللَّه -ﷺ-، وكان إذا قَدِم من سفر بدأ بالمسجد، فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقَبِل منهم رسول اللَّه -ﷺ- علانيتهم، ويستغفر لهم، ويكل سرائرهم إلى اللَّه ﵎، حتى جئت، فلما سلمت عليه، تبسَّم تبسُّم المغضب، ثم قال لي: «تعال»، فجئت أمشي، حتى جلست بين يديه، فقال لي: «ما خَلَّفك؟ ألم تكن قد استمَرّ ظهرك؟» قال: فقلت: يا رسول اللَّه إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني أخرج من سخطته بعذر، لقد أعطيتُ جَدَلًا، ولكنه واللَّه لقد علمت، لئن حدثتك اليوم حديث كذب، ترضى عني به، ليوشكنّ اللَّه تعالى يُسخطك عليّ، ولئن حدثتك اليوم بصدق، تَجِد عليّ فيه، إني لأرجو قرة عيني عفوًا من اللَّه ﵎، واللَّه ما كان لي عذر، واللَّه ما كنت قط أفرغ، ولا أيسر مني، حين تخلفت عنك، قال رسول اللَّه -ﷺ-: «أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي اللَّه تعالى فيك». فقمت، وبادرتْ رجالٌ من بني سَلِمة، فاتّبعوني، فقالوا لي: واللَّه ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول اللَّه -ﷺ- بما اعتذر به المتخلفون، لقد كان كافِيَك من ذنبك استغفارُ رسول اللَّه -ﷺ- لك، قال: فواللَّه ما زالوا يُؤنِّبوني، حتى أردت أن أرجع، فأُكَذِّب نفسي، قال: ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، لقيه معك رجلان، قالا ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، قال: فقلت لهم: من هما؟ قالوا: مُرارة بن الربيع العامريّ ، وهلال بن أمية الواقفيّ، قال: فذكروا لي رجلين صالحين، قد شَهِدا بدرًا، لي فيهما أُسوةٌ، قال: فمضيت حين ذكروهما لي، قال: ونهى رسول اللَّه -ﷺ- المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثةُ، من بين من تخلّف عنه، فاجتنبَنا الناس، قال: وتغيّروا لنا، حتى تنكرت لي من نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلةً، فأما صاحباي فاستكنا، وقعدا في بيوتهما، يبكيان، وأما أنا فكنت أشبّ القوم، وأجلدهم، فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف بالأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول اللَّه -ﷺ-، وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأسلم عليه، فأقول في نفسي: حرَّك شفتيه بردّ السلام أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه، وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليّ، فإذا التفتّ نحوه أعرض، حتى إذا طال عليّ ذلك من هجر المسلمين، مشيت حتى تسوّرت حائط أبي قتادة، وهو ابن عصي، وأحب الناس إليّ، فسلّمت عليه، فواللَّه ما ردّ عليّ السلام، فقلت له: يا أبا قتادة، أنشدك اللَّه هل تعلم أني أحب اللَّه ورسوله؟ قال: فسكت، قال: فعُدت، فنشدته، فسكت، فعُدت، فنشدته، فقال: اللَّه ورسوله أعلم، ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسوّرت الجدار، فبينما أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نَبَطيّ من أنباط أهل الشام، ممن قَدِم بطعام يبيعه بالمدينة، يقول: من يدلّني على كعب بن مالك؟ قال: فطفق الناس يشيرون له إليّ، حتى جاء، فدفع إليّ كتابًا من ملك غَسّان، وكنت كاتبًا، فإذا فيه: أما بعد فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك اللَّه بدار هَوان، ولا مضيعة، فالْحَقْ بنا نواسك، قال: فقلت حين قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء، قال: فتيممت بها التنور، فسجرته بها. حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا برسول رسول اللَّه -ﷺ- يأتيني، فقال: إن رسول اللَّه -ﷺ- يأمرك أن تعتزل امرأتك، قال: فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: بل اعتزلها، فلا تقربها، قال: وأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك، قال: فقلت لامرأتي: الْحَقِي بأهلك، فكوني عندهم، حتى يقضي اللَّه في هذا الأمر، قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول اللَّه -ﷺ-، فقالت له: يا رسول اللَّه، إن هلالًا شيخ ضائعٌ، ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: «لا، ولكن لا يقربنّك»، قالت: فإنه، واللَّه ما به حركة إلى شيء، واللَّه ما يزال يبكي من لدن أن كان من أمرك ما كان إلى يومه هذا، قال: فقال لي بعض أهلي: لو أستأذنت رسول اللَّه -ﷺ- في امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه، قال: فقلت: واللَّه لا استأذن فيه رسول اللَّه -ﷺ-، وما أدري ما يقول رسول اللَّه -ﷺ- إذا أستأذنته، وأنا رجل شابّ، قال: فلبثنا بعد ذلك عشر ليال، كمال خمسين ليلة، حين نَهَى عن كلامنا، قال: ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر اللَّه ﵎ منا، قد ضاقت عليّ نفسي، وضاقت عليّ الأرض بما رحبت، سمعت صارخًا أوفى على جبل سلع، يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجدًا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول اللَّه -ﷺ- بتوبة اللَّه ﵎ علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب يبشروننا، وذهب قبل صاحبي يبشرون، وركض إلي رجل فرسًا، وسعى ساع من أسلم، وأوفى الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيّ، فكسوتهما إياه ببشارته، واللَّه ما أملك غيرهما يومئذ، فاستعرت ثوبين، فلبستهما، فانطلقت أؤم رسول اللَّه -ﷺ- يلقاني الناس فوجًا فوجًا، يهنئوني بالتوبة، يقولون: ليهنك توبة اللَّه عليك، حتى دخلت المسجد، فإذا رسول اللَّه -ﷺ- جالس في المسجد، حوله الناس، فقام إليّ طلحةُ بن عبيد اللَّه، يُهرول، حتى صافحني، وهنأني، واللَّه ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره، قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة، قال كعب: فلما سلمت على رسول اللَّه -ﷺ- قال، وهو يبرق وجهه من السرور: «أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك»، قال: قلت: أمن عندك يا رسول اللَّه، أم من عند اللَّه؟ قال: «لا، بل من عند اللَّه». قال: وكان رسول اللَّه -ﷺ- إذا سُرّ استنار وجهه كأنه قطعة قمر، حتى يُعرف ذلك منه، قال: فلما جلست بين يديه قال: قلت: يا رسول اللَّه، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى اللَّه تعالى، وإلى رسوله، قال رسول اللَّه -ﷺ-: «أمسك بعض مالك، فهو خير لك». قال: فقلت: إني أمسك سهمي الذي بخيبر، قال: فقلت: يا رسول اللَّه، إنما اللَّه تعالى نجاني بالصدق، كان من توبتي أن لا أحدّث إلا صدقًا ما بقيت، قال: فواللَّه ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه اللَّه من الصدق في الحديث مذ ذكرت ذلك لرسول اللَّه -ﷺ- أحسن مما أبلاني اللَّه ﵎، واللَّه ما تعمدت كذبة مذ قلت ذلك لرسول اللَّه -ﷺ- إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يَحفظني فيما بقي، قال: وأنزل اللَّه ﵎: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٧ - ١١٩]. قال كعب: فواللَّه ما أنعم اللَّه ﵎ عليّ من نعمة قط بعد أن هداني أعظم في نفسي من صدقي رسول اللَّه -ﷺ- يومئذ، أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوه حين كذبوه، فإن اللَّه ﵎ قال للذين كذبوه حين كذبوه شرّ ما يقال لأحد، فقال اللَّه تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾ [التوبة: ٩٥، ٩٦]. قال: وكنا خُلِّفنا أيها الثلاثةُ عن أمر أولئك الذين قَبِل منهم رسول اللَّه -ﷺ- حين حلفوا، فبايعهم، واستغفر لهم، فأرجأ رسول اللَّه -ﷺ- أمرنا حتى قضى اللَّه تعالى، فبذلك قال اللَّه تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨]، وليس تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا الذي ذكر مما خُلّفنا بتخلفنا عن الغزو، وإنما هو عمن حلف له، واعتذر إليه، فقَبِل منه. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٩٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ -وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ- عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عَمِّهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، وَكَانَ قَائِدَ كَعْبِ حِينَ أُصِيبَ بَصَرُهُ، وَكَانَ أَعْلَمَ قَوْمِهِ، وَأَوْعَاهُمْ لأَحَادِيثِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ، يُحَدِّثُ أَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ غَيْرَ غَزْوَتَيْنِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ: وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِنَاسٍ كَثِيرٍ، يَزِيدُونَ عَلَى عَشْرَةِ آلافٍ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ دِيوَانُ حَافِظٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسْمعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقةٌ، من كبار [١١] مات سنة بضع (١٤٠) (م ٤) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٦٠. ٢ - (الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ) هو: الحسن بن محمد بن أعين الحرّانيّ، أبو عليّ نُسب إلى جدّه، صدوقٌ [٩] (ت ٢١٠) (خ م س) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٩. ٣ - (مَعْقِلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ) الْجَزريّ، أبو عبد اللَّه الْعَبسيّ -بالموحّدة- مولاهم، صدوقٌ، يُخطئ [٨] (ت ١٦٦) (م د س) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٩. ٤ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ) بْنِ مَالِكٍ هذا هو الأنصاريّ، أبو فَضَالة المدنيّ، ثقةٌ [٣] (خ م د س) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ١٣/ ١٦٥٩. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: هذا الإسناد انتقده الدارقطنيّ -﵀- فقال في «التتبّع»: وأخرجه -يعني: حديث توبة كعب- من طرقات عن يونس، وعُقيل، وابن أخي الزهريّ على الصواب، وعن سلمة بن شبيب، عن ابن أعين، عن معقل، عن الزهريّ، عن عبد الرحمن -يعني: ابن عبد اللَّه بن كعب بن مالك- عن عمّه عبيد اللَّه بن كعب، عن كعب، قال: وتابع معقلًا صالحُ بن أبي الأخضر على عبيد اللَّه بن كعب، وكلاهما لم يحفظ، والأول الصواب. انتهى . وحاصل ما أشار إليه الدارقطنيّ -﵀- في هذا الكلام أن مسلمًا أخرج الحديث من ثلاث طرق على الصواب: الأولى: طريق يونس، عن الزهريّ. الثانية: طريق عُقيل، عن الزهريّ. الثالثة: طريق ابن أخي الزهريّ، عن عمّه، وكلّهم اتفقوا على أنه عبد اللَّه بن كعب بن مالك. وخالفهم: معقل بن عبيد اللَّه، فقال: عبيد اللَّه بن كعب، وصالحه عليه صالح بن أبي الأخضر، وكلاهما لم يحفظا، فالصواب هو الأول. ويُعتذر عن مسلم بأنه إنما أخرج رواية معقل متابعة على أصل الحديث، لا احتجاجًا بروايته، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ حِينَ أُصِيبَ بَصَرُهُ)؛ يعني: أن عبيد اللَّه هذا كان يقود أباه بعد أن عَمِي، وهَذا الوصف تقدّم لأخيه عبد اللَّه المكبّر، وروايته هي المحفوظة، وأما هذه فلا تصحّ، وعلى تقدير صحّتها، فلا تعارض بينهما؛
مصادر المؤلف (١٤٣)

١. «الإصابة في تمييز الصحابة» ٦/ ٥٤٦.

٢. وفي نسخة: «تبوكًا».

٣. هو: عبد اللَّه بن أنيس، قاله الواقديّ، «تنبيه المعلم».

٤. وفي نسخة: «لأرجو فيه عفو اللَّه».

٥. وفي نسخة: «نزعت».

٦. هي: الرواية الرابعة عند مسلم هنا.

٧. «الفتح» ٩/ ٥٦٤، «كتاب المغازي» رقم (٤٤١٨).

٨. راجع: «شرح الشيخ الهرريّ» ٢٥/ ٢٥٧.

٩. «غُرَرُ الفوائد» رقم (٥٤)، وتقدّم في «شرح المقدّمة» ١/ ١٣٤.

١٠. «المصباح المنير» ١/ ٦٦.

١١. «تاج العروس» ص ٦٦٦١.

١٢. «تاج العروس» ص ٧٧٤٠.

١٣. «المصباح المنير» ١/ ٣٢٨.

١٤. «تاج العروس» ص ٧٧٧٣.

١٥. «الفتح» ٩/ ٥٥٦ - ٥٥٧.

١٦. «المصباح المنير» ٢/ ٥٠٨.

١٧. «عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ» ٢١/ ٤٦٣.

١٨. «المصباح المنير» ٢/ ٥١٨.

١٩. «تاج العروس» ص ٤٩٧٤.

٢٠. «الفتح» ٩/ ٥٦٤.

٢١. «عمدة القاري» ١٤/ ٢١٧.

٢٢. «عمدة القاري» ٢٦/ ٣٢٥.

٢٣. «المصباح المنير» ٢/ ٤٤٠.

٢٤. «تكملة فتح الملهم» ٦/ ٤٢.

٢٥. «شرح النوويّ» ١٧/ ٨٨.

٢٦. «المصباح المنير» ١/ ٣٢٥.

٢٧. «الفتح» ٩/ ٥٦٥.

٢٨. «لسان العرب» ٥/ ٣٩٣.

٢٩. «عمدة القاري» ١٤/ ٢١٧.

٣٠. «تاج العروس» ص ٣٧٨٣.

٣١. «المصباح المنير» ٢/ ٤٨٣.

٣٢. «عمدة القاري» ١٤/ ٢١٧.

٣٣. «الفتح» ٩/ ٥٦٥.

٣٤. «تكملة فتح الملهم» ٦/ ٤٣.

٣٥. «المصباح المنير» ١/ ٢٨.

٣٦. «الفتح» ٩/ ٥٦٥.

٣٧. «الفتح» ٩/ ٥٦٥.

٣٨. «الفتح» ٩/ ٥٦٥.

٣٩. «القاموس المحيط» ص ١٥٤٥.

٤٠. «المصباح المنير» ١/ ٢٠٤.

٤١. «المفهم» ٧/ ٩٥.

٤٢. «تكملة فتح الملهم» ٦/ ٤٤.

٤٣. «الفتح» ٩/ ٥٦٥.

٤٤. «المصباح المنير» ١/ ٣٤٠.

٤٥. «تاج العروس» ص ٣٠٦٠.

٤٦. «المصباح المنير» ١/ ١١٣.

٤٧. «تاج العروس» ص ٦٤٥٤.

٤٨. «الفتح» ٩/ ٥٦٥.

٤٩. «المصباح المنير» ٢/ ٤٤٣.

٥٠. «المصباح المنير» ١/ ١٣٤.

٥١. «القاموس المحيط» ص ١٥٣٥.

٥٢. «تنبيه المعلم».

٥٣. «القاموس المحيط» ص ٩٢.

٥٤. «عمدة القاري» ١٨/ ٥٢.

٥٥. «المفهم» ٧/ ٩٦.

٥٦. «الفتح» ٩/ ٥٦٧.

٥٧. راجع: «تفسير ابن كثير» ٤/ ١٨٤.

٥٨. راجع: «شرح الشيخ الهرريّ» ٢٥/ ٢٦٦.

٥٩. «المصباح المنير» ١/ ١.

٦٠. «المصباح المنير» ١/ ١٠٩.

٦١. «القاموس المحيط» ص ٦٢٥.

٦٢. «المفهم» ٧/ ٩٧.

٦٣. «المصباح المنير» ١/ ٤٩ - ٥٠.

٦٤. «القاموس المحيط» ص ١١٢.

٦٥. «المصباح المنير» ١/ ٤٩.

٦٦. «المصباح المنير» ٢/ ٤٢٨.

٦٧. «القاموس المحيط» ص ٨٩٢.

٦٨. «المصباح المنير»٢/ ٣٩٣.

٦٩. «شرح النوويّ» ١٧/ ٩٢.

٧٠. «الفتح» ٩/ ٥٦٩.

٧١. «شرح النوويّ» ١٧/ ٩٢.

٧٢. «عمدة القاري» ١٨/ ٥٣.

٧٣. «شرح النوويّ» ١٧/ ٩٣.

٧٤. «عمدة القاري» ١٨/ ٥٣.

٧٥. «شرح النوويّ»١٧/ ٩٣.

٧٦. «المفهم»٧/ ٩٨.

٧٧. «المفهم»٧/ ٩٨.

٧٨. «المفهم» ٧/ ٩٨.

٧٩. «شرح النوويّ» ١٧/ ٩٣.

٨٠. «الفتح» ٩/ ٥٧١.

٨١. «الفتح» ٩/ ٥٧١، و«التكملة» ٦/ ٥٠.

٨٢. «شرح النوويّ» ١٧/ ٩٣.

٨٣. «المصباح المنير» ١/ ٧٧.

٨٤. «تاج العروس» ص ٢٥٥٩.

٨٥. «الفتح» ٩/ ٥٧١.

٨٦. «المفهم» ٧/ ١٠٠.

٨٧. «عمدة القاري» ١٨/ ٥٤.

٨٨. راجع: «المصباح المنير» ١/ ١٦٥.

٨٩. راجع: «القاموس» ص ٣٥٤.

٩٠. «الفتح» ٩/ ٥٧٢، و«عمدة القاري» ١٨/ ٥٤.

٩١. «المصباح المنير» ٢/ ٥٤١.

٩٢. «المفهم» ٧/ ١٥٠.

٩٣. راجع: «شرح الشيخ الهرريّ» ٢٥/ ٢٧٨ - ٢٧٩.

٩٤. «المصباح المنير» ١/ ٢٢٢.

٩٥. «تنبيه المعلم» ص ٤٥٤.

٩٦. «عمدة القاري» ١٨/ ٥٤.

٩٧. «شرح النوويّ» ١٧/ ٩٤.

٩٨. «شرح النوويّ» ١٧/ ٩٥.

٩٩. «الفتح» ٩/ ٥٧٢.

١٠٠. قال في «العمدة» ١٨/ ٥٤: قال أبو عمر: حمزة بن عمرو الأسلميّ من وَلَدِ أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر، يكنى أبا حاتم، ويُعَدّ في أهل الحجاز، مات سنة إحدى وستين، وهو ابن ثمانين سنة، روى عنه أهل المدينة، وكان يسرد الصوم. انتهى.

١٠١. «عمدة القاري» ١٨/ ٥٤.

١٠٢. «الفتح» ٩/ ٥٧٢ - ٥٧٣.

١٠٣. راجع: «شرح الشيخ الهرريّ» ٢٥/ ٢٨٠.

١٠٤. «الفتح» ٩/ ٥٧٣.

١٠٥. «شرح النوويّ» ١٧/ ٩٥.

١٠٦. «المفهم» ٧/ ١٠١.

١٠٧. «المصباح المنير» ١/ ٢٣.

١٠٨. «الفتح» ٩/ ٥٧٣.

١٠٩. «تاج العروس» ص ٢٦٧.

١١٠. «المصباح المنير» ٢/ ٦٤٢.

١١١. «المصباح المنير» ٢/ ٦٣٧.

١١٢. «شرح النوويّ» ١٧/ ٩٥.

١١٣. «الفتح» ٩/ ٥٧٣.

١١٤. «المفهم» ٧/ ١٠١.

١١٥. «الفتح» ٨/ ١٢٢.

١١٦. راجع: «شرح الشيخ الهرريّ» ٢٥/ ٢٨٣ - ٢٨٤.

١١٧. «المفهم» ٧/ ١٠٢.

١١٨. «شرح النوويّ» ١٧/ ٩٦ - ٩٧.

١١٩. «الفتح» ٩/ ٢٩٥، «كتاب المغازي» رقم (٤١٩٥).

١٢٠. «الفتح» ٩/ ٥٧٤ - ٥٧٥.

١٢١. «شرح النوويّ» ١٧/ ٩٧.

١٢٢. «المفهم» ٧/ ١٠٣.

١٢٣. «فتح القدير» للشوكانيّ -﵀- ٣/ ٣٣١.

١٢٤. «فتح القدير» للشوكانيّ -﵀- ٣/ ٣٣١.

١٢٥. وأما ما ادّعاه الشيخ الهرريّ في شرحه من كون «لا» أصليّة، وردّ على النووي في كونها زائدة، ففيه نظر لا يخفى، فتأمل ركاكة عبارته ٢٥/ ٢٨٦.

١٢٦. «شرح النوويّ» ١٧/ ٩٨.

١٢٧. «المفهم» ٧/ ١٠٣.

١٢٨. «عمدة القاري» ١٨/ ٥٥.

١٢٩. «القاموس المحيط» ص ١٢٣٧.

١٣٠. «تفسير ابن كثير» ٤/ ٢٠١.

١٣١. «فتح القدير» ٣/ ٣٠٥.

١٣٢. راجع: «شرح الشيخ الهرريّ» ٢٥/ ٢٨٧.

١٣٣. تقدّم بعض هذه الفوائد، وإنما أعدته؛ ليكون كلّه مجموعًا في محلّ واحد، فتكون الاستفادة منه أكثر، وأتمّ، فتنبّه.

١٣٤. حسّنه الشيخ الألباني -﵀-.

١٣٥. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٠٠ - ١٠٢.

١٣٦. راجع: «الفتح» ٩/ ٥٧٥ - ٥٧٧.

١٣٧. «عمدة القاري» ١٨/ ٥٥ - ٥٦.

١٣٨. «صحيح البخاريّ» ٤/ ١٦٠٣ - ١٦٠٨.

١٣٩. وكذا ما صنعه الحافظ المزيّ في «تحفة الأشراف» ٨/ ٣٢٣ من جِعله رواية =

١٤٠. وفي بعض نسح «المسند»: «الجهاز»، والأُولى أوضح.

١٤١. كذا وقع في «المسند»، وقد تقدّم أن الصواب: «العَمْريّ» نسبة إلى بني عمرو بن عوف بن مالك بن أوس، فتنبّه.

١٤٢. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٣/ ٤٥٦ - ٤٥٨.

١٤٣. راجع ما كتبه الشيخ ربيع المدخلي في رسالته ص ٤١٠ - ٤١١ فقد أجاد، وأفاد.