HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٧٧٢

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا الحسن بن موسى. حدثنا زهير بن معاوية. حدثنا أبو إسحاق؛ أنه سمع زيد بن أرقم يَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في سفر، أصاب الناس فيه شدة. فقال عبد الله بن أبي لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله ﷺ حتى ينفضوا من حوله. قال زهير وهي قراءة من خفض حوله. وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فأخبرته بذلك. فأرسل إلى عبد الله بن أبي فسأله فاجتهد يمينه ما فعل. فقال: كذب زيد رسول الله ﷺ. قال فوقع في نفسي مما قالوه شدة. حتى أنزل الله تصديقي: إذا جاءك المنافقون. قال ثم دعاهم النبي ﷺ ليستغفر لهم. قال فلووا رؤوسهم. وقوله: كأنهم خشب مسندة. وقال: كانوا رجالا أجمل شئ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص119
ج ٤ ص ٢١٤٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر جامع الترمذي, صحيح البخاري, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٦٤٤
[٨٨٠] حديث زيد بن أرقم: (فَاجْتَهَدَ يَمِينَهُ) ؛ أي: بالغ في يمينه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام:١٠٩]. [٨٨١ - ٨٨٢] وفي حديث: (أَتَى قَبْرَ عَبْدِ اللهِ بن أُبَيّ) ، وحديث تكفينه في قميصه ، وما بعده من الأحاديث كان النبي ﷺ يقبل الظاهر من إسلامهم، ويقبل اعتذارهم، وكان ﷺ إذا سئل حاجة، وأمكنه أن يقضيها لم يردها، وإنما كان ابنه سأله أن يعطيه قميصه فأعطاه، فكفنه فيه، وكان ابنه عبدُ الله من خيار المسلمين، فأكرمه النبي ﷺ بذلك.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٣ ص٢٠٦
(٥٣) - (كِتَابُ ذِكْرِ الْمُنَافِقِينَ، وَالْقِيَامَةِ، والْجَنَّة، وَالنَّارِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ) (١) - (بَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٩٨] (٢٧٧٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسىَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، أَنَّهُ سَمِعَ زيدَ بْنَ أَرْقَمَ، يَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- في سَفَرٍ، أَصَابَ النَّاسَ فِيهِ شِدَّةٌ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ لأَصْحَابِهِ، لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ -قَالَ زُهَيْرٌ: وَهِيَ قِرَاءَةُ مَنْ خَفَضَ حَوْلَهُ- وَقَالَ: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَسَأَلَهُ، فَاجْتَهَدَ يَمِينَهُ مَا فَعَلَ، فَقَالَ: كَذَبَ زيدٌ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِمَّا قَالُوهُ شِدَّةٌ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقِي: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١]، قَالَ: ثُمَّ دَعاهُمُ النَّبِيُّ -ﷺ-؛ لِيَسْتَغْفِرَ لَهُمْ، قَالَ: فَلَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ، وَقَوْلُهُ: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤]، وَقَالَ: كَانُوا رِجَالًا أَجْمَلَ شَيْءٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الْعَبْسيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى) الأشيب -بمعجمة، ثم تحتانية- أبو عليّ البغداديّ، قاضي الموصل وغيرها، ثقةٌ [٩] (ت ٩ أو ٢١٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٥/ ٣٢١. ٣ - (زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ) بن حُديج، أبو خيثمة الْجُعْفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ، إلا أن سماعه عن أبي إسحاق بآخَرَة [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) وكان مولده سنة مائة (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٦٢. [فإن قلت]: كيف أخرج مسلم لزهير عن أبي إسحاق، مع أنه لم يسمع منه إلا بعد اختلاطه؟. [قلت]: لم ينفرد به زهير، فقد تابعه إسرائيل عند البخاريّ، وهو أحفظ الناس لأحاديث جدّه أبي إسحاق، حتى قال عبد الرحمن بن مهديّ: إسرائيل في أبي إسحاق أثبت من شعبة، والثوريّ، وقال أيضًا: ما فاتني الذي فاتني من حديث الثوريّ عن أبي إسحاق، إلا لما اتَّكلت به على إسرائيل؛ لأنه كان يأتي به أتم، قال في «تهذيب التهذيب» . ٤ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عَمرو بن عبد اللَّه بن عُبيد، الْهَمْدانيّ السَّبِيعيّ -بفتح المهملة، وكسر الموحّدة- ثقةٌ مكثرٌ عابد مدلِّسٌ اختلَط بأخرة [٣] (ت ١٢٩) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١١. ٥ - (زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ) بن زيد بن قيس الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ المشهور، أول مشاهده الخندق، وأنزل اللَّه تصديقه في «سورة المنافقين»، مات سنة ست، أو ثمان وستين (ع) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٧/ ١٢٠٨. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالتحديث والسماع من أوله إلى آخره، فلا تُهمة في رواية أبي إسحاق المدلّس، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين، فزيد بن أرقم -﵁- ممن نزل الكوفة من الصحابة -﵃-، وأنه من مشاهير الصحابة -﵃-، ذو منقبة شهيرة حيث أنزل اللَّه -﷿- في تصديقة سورة كاملة، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤]، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]. شرح الحديث: عن أبي إِسْحَاقَ، عمرو بن عبد اللَّه السَّبِيعيّ؛ (أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمْ) -﵁- (يَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي سَفَرٍ)، وفي رواية البخاريّ: «كنت في غَزَاة»، قال في «الفتح»: قوله: «كنت في غَزاة»، زاد بعد باب من وجها آخر عن إسرائيل: «مع عمّي»، وهذه الغَزَاة وقع في رواية محمد بن كعب، عن زيد بن أرقم، عند النسائيّ أنها غزوة تبوك، ويؤيده قوله في رواية زهير: «في سفر أصاب الناس فيه شدّة»، وأخرج عبد بن حميد بإسناد صحيح، عن سعيد بن جبير، مرسلًا: «أن النبيّ -ﷺ- كان إذا نزل منزلًا، لم يرتحل منه حتى يصلي فيه، فلما كان غزوة تبوك نزل منزلًا، فقال عبد اللَّه بن أُبَيّ. . .»، فذكر القصة، والذي عليه أهل المغازي أنها غزوة بني المصطلِق، قال: وفي حديث، جابر ما يؤيده، وعند ابن عائذ، وأخرجه الحاكم في «الإكليل» من طريقه، ثم من طريق أبي الأسود، عن عروة، أن القول الآتي ذِكره صَدَر من عبد اللَّه بن أُبَيّ بعد أن قفلوا. انتهى . (أَصَابَ النَّاسَ فِيهِ)؛ أي: في ذلك السفر (شِدَّةٌ)؛ أي: من مجاعة وغيرها، (فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ) رأس المنافقين (لأَصْحَابِهِ) المنافقين: (لَا) ناهية، (تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-)؛ يعني: فقراء المهاجرين، (حَتَّى يَنْفضُّوا مِنْ حَوْلِهِ)؛ أي: حتى يتفرّقوا عنه، قرأ الجمهور: ﴿يَنْفَضُّوا﴾ من الانفضاض، وهو التفرّق، وقرأ الفضل بن عيسى الرقاشي: «يُنفضوا» من أنفض القوم: إذا فنيت أزوادهم، يقال: نفض الرجل وعاءه من الزاد، فانفضّ . فردّ اللَّه -﷾- على هؤلاء أعنف ردّ، وأخبر بسَعة مُلكه، فقال: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [المنافقون: ٧]؛ أي: إنه هو الرزاق لهؤلاء المهاجرين؛ لأن خزائن الرزق له، فيعطي من شاء ما شاء، ويمنع من شاء ما شاء، ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ وذلك، ولا يعلمون أن خزائن الأرزاق بيد اللَّه -﷿-، وأنه الباسط القابض المعطي المانع. (قَالَ زُهَيْرٌ)؛ أي: ابن معاوية الراوي عن أبي إسحاق، (وَهِيَ)؛ أي: هذه القراءة (قِرَاءَةُ مَنْ خَفَضَ حَوْلَهُ)، وفي نسخة: «وهي في قراءة من خفض حوله»، والمعنى: أن هذه القراءة قراءة من يقرأ: «من حوله» بكسر ميم «مِنْ»، ويجرّ «حوله» بها، واحترز به عن القراءة الشاذّة: «مَنْ حَوْلَهُ» بفتح الميم، ونَصْب «حوله»، أفاده النوويّ . وقال صاحب «التكملة»: قوله: «وهي قراءة من خفض حوله»: لفظ «من حوله» ليس موجودًا في القرآن الكريم، ولم يقصد الراوي تلاوة الآية، وإنما أراد حكاية كلام عبد اللَّه بن أُبيّ، وذكر بعض العلماء أن «من حوله» موجود في قراءة عبد اللَّه بن مسعود، وقرأه بعضهم بكسر الميم واللام: «مِنْ حَوْلِهِ»، وبعضهم بفتحهما: «مَنْ حَوْلَهُ»، وعلى الثاني يكون بدلًا من ضمير الفاعل في «ينفضوا»، وعلى كل ليس موجودًا في القراءات المتواترة اليوم، والظاهر أنها كانت زيادة تفسيريّة من قبل عبد اللَّه بن مسعود -﵁-، وقد ثبت أن مثل هذه الزيادات التفسيريّة ربما سُمّين بالقراءة، واللَّه أعلم. انتهى . [تنبيه]: وقع في النسخة التي شرح عليها القاضي عياض، والأبيّ، والسنوسي ما نصّه: «قال زهير: وهي في قراءة عبد اللَّه: حتى ينفضّوا من خَفَض حوله»، ثم أخذ القاضي عياض في شرح ذلك بما لا يُستفاد منه كثيرًا، وتبعه الأبيّ، والسنوسي في نقل ذلك الكلام، ولا أرى له كبير فائدة، ولذا أعرضت عنه. وقال الحافظ في «الفتح»: قوله: «يقولون إلى قوله: حتى ينفضوا من حوله» هو كلام عبد اللَّه بن أُبَيّ، ولم يقصد الراوي بسياقه التلاوة، وغلط بعض الشراح، فقال: هذا وقع في قراءة ابن مسعود، وليس في المصاحف المتفق عليها، فيكون على سبيل البيان من ابن مسعود، قال الحافظ: ولا يلزم من كون عبد اللَّه بن أُبَيّ قالها قبلُ أن ينزل القرآن بحكاية جميع كلامه. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: أراد الحافظ بهذا ردّ ما ذكر عياض، ومن تبعه مما ذكروه في توجيه هذه الرواية، وطوّلوا نَفَسَهم في ذلك من دون طائل، والحقّ أن هذه لا تثبت. والحاصل: أن الذي وقع في نُسخهم غلط، وتصحيف، فلا ينبغي التعويل عليه، ولا الاشتغال به بأكثر من تغليطه، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (وَقَالَ) عبد اللَّه بن أُبيّ أيضًا: (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ) قال الشوكانيّ -﵀-: القائل لهذه المقالة هو عبد اللَّه بن أبيّ رأس المنافقين، وعنى بالأعزّ: نفسه، ومن معه، وبالأذلّ: رسول اللَّه -ﷺ-، ومن معه، ومراده بالرجوع: رجوعهم من تلك الغزوة، وإنما أسند القول إلى المنافقين مع كون القائل هو فردًا من أفرادهم، وهو عبد اللَّه بن أبيّ؛ لكونه كان رئيسهم، وصاحب أمرهم، وهم راضون بما يقوله، سامعون له، مطيعون. انتهى . وقال أبو العبّاس القرطبيّ -﵀-: يعني المنافق بالأعزّ: نفسه، وعشيرته، وبالأذلّ: النبيّ -ﷺ- والمؤمنين، جَهِل، فقال، وحيث وجب أن يسكت غلبت عليه شقوته، فانعكست فكرته، فظنّ الأرض سماء، والسراب ماء، فنبّهه ولده، نط فته على قبيح غلطته، فقال له: أنت واللَّه الأذلّ، ورسول اللَّه -ﷺ- الأعزّ، فأنزل اللَّه تصديقه في كتابه، لعلهم يسمعون، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، ثم إن النبيّ -ﷺ- تلطّف بهم على مقتضى خُلُقه الكريم، وحِلمه العظيم، ودعاهم للاستغفار، فأبت الشقوة إلا التمادي على الجهل والاستكبار، فلوّوا رؤوسهم معرضين، وصدّوا مستكبرين، فقوبلوا ﴿لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٦]، حشرنا اللَّه تعالى مع المؤمنين، وجنّبنا أحوال المنافقين بفضله وكرمه آمين . وقال أبو عبد اللَّه القرطبيّ المفسّر -﵀-: ورُوي أن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أُبَيّ، ابن سلولَ قال لأبيه: والذي لا إله إلا هو لا تدخل المدينة حتى تقول: إن رسول اللَّه -ﷺ- هو الأعز، وأنا الأذلّ، فقاله . فلما توهموا أن العزة بكثرة الأموال، والأتباع، ردّ اللَّه تعالى عليهم ذلك، وفنّده، وبيّن لهم أن العزة، والْمَنَعَة، والقوّة للَّه وحده لا شريك له، فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]؛ أي: القوّة، والغلبة للَّه وحده لا شريك له، ولمن أفاضها عليه من رسله، وصالحي عباده، لا لغيرهم، ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ بما فيه النفع فيفعلونه، وبما فيه الضرّ فيجتنبونه، بل هم كالأنعام لِفَرْط جهلهم، ومزيد حيرتهم، والطبع على قلوبهم . [تنبيه]: سبب قول عبد اللَّه بن أُبيّ هذا الكلام بُيّن في حديث جابر -﵁-، فقد أخرج الشيخان عن عمرو بن دينار، قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه -﵄- يقول: كنا في غَزاة، فَكَسَع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاريّ: يا لَلأنصار، وقال المهاجريّ: يا لَلمهاجرين، فسَمَّعَها اللَّه رسوله -ﷺ- قال: «ما هذا؟» فقالوا: كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاريّ: يا للأنصار، وقال المهاجريّ: يا للمهاجرين، فقال النبيّ -ﷺ-: «دَعُوها، فإنها منتنة»، قال جابر: وكانت الأنصار حين قدم النبيّ -ﷺ- أكثر، ثم كَثُر المهاجرون بعدُ، فقال عبد اللَّه بن أُبَيّ: أوَ قد فعلوا؟ واللَّه ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، فقال عمر بن الخطاب -﵁-: دَعْني يا رسول اللَّه أضرب عنق هذا المنافق، قال النبيّ -ﷺ-: «دَعْهُ، لا يتحدّث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه» . (قَالَ) زيد بن أرقم -﵁-: (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ) هذا ظاهر في أن زيدًا أخبر النبيّ -ﷺ- بنفسه، لكن وقع في رواية للبخاريّ بلفظ: «فذكرت ذلك لعمّي، أو لعمر، فذكره للنبيّ -ﷺ-». قال في «الفتح»: قوله: «فذكرت ذلك لعمي، أو لعمر» كذا بالشكّ، وفي سائر الروايات الآتية: «لعمي» بلا شكّ، وكذا عند الترمذي من طريق أبي سعد الأزديّ، عن زيد، ووقع عند الطبرانيّ، وابن مردويه أن المراد بعمه: سعد بن عبادة، وليس عمه حقيقة، وإنما هو سيد قومه الخزرج، وعَمّ زيد بن أرقم الحقيقيّ: ثابت بن قيس الصحابيّ، وعمّه زوج أمه: عبدُ اللَّه بن رواحة خزرجيّ أيضًا، ووقع في «مغازي أبي الأسود» عن عروة، أن مثل ذلك وقع لأواس بن أرقم، فذكره لعمر بن الخطاب، وجزم الحاكم في «الإكليل» أن هذه الرواية وَهَمٌ، والصواب: زيد بن أرقم، قال الحافظ: ولا يمتنع تعدد المخبَر بذلك، عن عبد اللَّه بن أُبَيّ، إلا أن القصة مشهورة لزيد بن أرقم، وفي حديث أنس ما يشهد لذلك. قال: وقوله: «فذكره للنبيّ -ﷺ-»؛ أي: ذكره عمي، ووقع في رواية ابن أبي ليلى عن زيد: «فأخبرت به النبيّ -ﷺ-»، وكدا في مرسل قتادة، فكأنه أطلق الإخبار مجازًا، لكن في مرسل الحسن، عن عبد الرزاق: «فقال رسول اللَّه -ﷺ-: لعلك أخطأ سمعك، لعلك شُبِّه عليك»، فعلى هذا لعله راسل بذلك أَوّلًا على لسان عمه، ثم حضر هو، فأَخْبَرَ. انتهى . (فَأَرْسَلَ) النَّبيّ -ﷺ- (إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَسَأَلَهُ) عما أخبره به زيد بن أرقم من مقالته الشنيعة، (فَاجْتَهَدَ يَمِينَهُ)؛ أي: بالغ في تأكيد حلفه أنه (مَا فَعَلَ»)؛ أي: ما تكلّم بما قاله زيد، وفي رواية البخاريّ:«فحلفوا ما قالوا»، والمراد به: عبد اللَّه بن أُبَيّ، وجُمِع باعتبار من معه، ووقع في رواية أبي الأسود، عن عروة:«فبعث النبيّ -ﷺ- إلى عبد اللَّه بن أُبَيّ، فسأله، فحلف باللَّه ما قال من ذلك شيئًا». (فَقَالَ) ابن أُبيّ، ويَحْتَمل أن يكون الفاعل ضمير النبيّ -ﷺ- يدلّ عليه ما في رواية البخاريّ بلفظ:«فكذّبني رسول اللَّه -ﷺ-، وصدَّقه»بتشديد الذال. (كَذَبَ) بتخفيف الذال، (زَيْدٌ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-)؛ أي: أخبره بالكذب، وفي رواية:«فقالوا: كَذَب زيد رسول اللَّه -ﷺ-»، وهذا بالتخفيف، و«رسولَ اللَّه»بالنصب على المفعولية، وفي رواية ابن أبي ليلى، عن زيد عند النسائيّ:«فجعل الناس يقولون: أتى زيد رسول اللَّه -ﷺ- بالكذب». (قَالَ) زيد: (فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِمَّا قَالُوهُ شِدَّةٌ)؛ أي: شدّة همّ من أجل ما قالوه؛ أي: من قولهم: كذب زيد رسول اللَّه -ﷺ-، وفي رواية البخاريّ:«فأصابني همّ»، وفي رواية أبي سعد الأزديّ، عن زيد:«فوقع عليّ من الهم ما لم يقع على أحد»، وفي رواية محمد بن كعب:«فرجعت إلى المنزل، فَنِمْتُ»، زاد الترمذيّ في روايته:«فَنِمْتُ كَئيبًا حَزينًا»، وفي رواية ابن أبي ليلى:«حتى جلست في البيت؛ مخافةَ إذا رآني الناس أن يقولوا: كذبت». زاد في رواية للبخاريّ:«فقال لي عمِي: ما أردت إلى أن كذّبك رسول اللَّه -ﷺ-، ومَقَتك». (حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقِي)؛ أي: تصديق ما أخبرت به النبيّ -ﷺ- من قول عبد اللَّه بن أُبيّ الشنيع البذيّ، وقوله: (﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾) مفعول به لـ«أنزل»محكيّ؛ لِقَصْد لفظه، والمراد به السورة بما اشتملت عليه من أحوال المنافقين، وأقوالهم الشنيعة، وفي رواية البخاريّ:«فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ »، فبعث إليّ النبيّ -ﷺ-، فقرأ، فقال:«إن اللَّه قد صدّقك يا زيد»، وفي مرسل الحسن: فأخذ رسول اللَّه -ﷺ- بأُذُن الغلام، فقال:«وَفَت أُذنك يا غلام»مرتين. (قَالَ) زيد: (ثمَّ دَعَاهُمُ النَّبِيُّ -ﷺ-)؛ أي: طلب -ﷺ- المنافقين ابن أُبيّ وأصحابه ليحضروا مجلسه (لِيَسْتَغْفِرَ لَهُمْ) ما اقترفوه من الجرائم الفظيعة، (قَالَ) زيد (فَلَوَّوْا) بتشديد الواو، أي: حرّكوا (رُؤُوسَهُمْ) استهزاء بالنبيّ -ﷺ-. وقال البخاريّ -﵀- في«صحيحه»:«لووا رؤوسهم حركوا، استهزؤوا بالنبيّ -ﷺ-، ويُقرأ بالتخفيف، من لَوَيت». انتهى، قال في«الفتح»: وفي مرسل سعيد بن جبير:«وجاء عبد اللَّه بن أبيّ، فجعل يعتذر، فقال له النبيّ -ﷺ-: تُبْ، فجعل يلوي رأسه، فنزلت». انتهى . وقال في«فتح القدير»: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٥]؛ أي: إذا قال لهم القائل من المؤمنين: قد نزل فيكم ما نزل من القرآن، فتوبوا إلى اللَّه تعالى، ورسوله -ﷺ-، وتعالوا يستغفر لكم رسول اللَّه، ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾؛ أي: حَرّكوها استهزاء بذلك، قال مقاتل: عَطَفوا رؤوسهم رغبةً عن الاستغفار، قرأ الجمهور: ﴿لَوْ﴾ [المنافقون: ٥] بالتشديد، وقرأ نافع بالتخفيف، واختار القراءة الأولى أبو عبيد، ﴿وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ﴾ [المنافقون: ٥]؛ أي: يُعرِضون عن قول من قال لهم: تعالوا يستغفر لكم رسول اللَّه، أو يُعرضون عن رسول اللَّه -ﷺ-، وجملة: ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون: ٥] في محل نَصْب على الحال من فاعل الحال الأُولى، وهي ﴿يَصُدُّونَ﴾ [المنافقون: ٥]؛ لأن الرؤية بصرية، فـ ﴿يَصُدُّونَ﴾ [المنافقون: ٥] في محل نصب على الحال، والمعنى: ورأيتهم صادّين مستكبرين. انتهى . (وقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾، وَقَالَ) زيد بن أرقم مفسّرًا: (كَانُوا)؛ أي: المنافقون، (رِجَالًا أَجْمَلَ شَيْءٍ) الظاهر أن قول زيد هذا تفسير لقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾، لكن قال في «الفتح»: إنه تفسير لقوله: ﴿تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]، ونصّه: قوله: «خشب مسندة، قال: كانوا رجالًا أجمل شيء» هذا تفسير لقوله: «تعجبك أجسامهم»، و«خشب مسندة» تمثيل لأجسامهم، ووقع هذا في نفس الحديث، وليس مدرجًا، فقد أخرجه أبو نعيم من وجه آخر عن عمرو بن خالد، شيخ البخاري فيه، بهذه الزيادة، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من وجه آخر عن زهير. [تنبيه]: قرأ الجمهور ﴿خُشُبٌ﴾ بضمتين، وأبو عمرو، والأعمش، والكسائيّ بإسكان الشين. انتهى . قال الإمام ابن جرير الطبريّ -﵀- في «تفسيره»: يقول جلّ ذِكره لنبيّه محمد -ﷺ-: وإذا رأيت هؤلاء المنافقين يا محمد تُعجبك أجسامهم؛ لاستواء خَلْقها، وحُسن صورها، وإن يقولوا تَسْمع لقولهم، يقول جل ثناؤه: وإن يتَكلموا تَسْمع كلامهم، يُشبه منطقهم منطق الناس، كأنهم خشب مسندة، يقول: كأن هؤلاء المنافقين خشب مسندة، لا خير عندهم، ولا فقه لهم، ولا علم، وإنما هم صُوَر بلا أحلام، وأشباح بلا عقول. وقوله: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون: ٤] يقول جل ثناؤه: يحسب هؤلاء المنافقون من خُبثهم، وسوء ظنهم، وقلة يقينهم، كل صيحة عليهم؛ لأنهم على وَجَلٍ أن يُنزل اللَّه فيهم أمرًا يهتك به أستارهم، ويفضحهم، ويبيح للمؤمنين قتلهم، وسَبْي ذراريهم، وأخذ أموالهم، فهم من خوفهم من ذلك كلما نزل بهم من اللَّه وحي على رسوله -ﷺ- ظنوا أنه نزل بهلاكهم، وعَطَبهم. ويقول اللَّه جل ثناؤه لنبيه -ﷺ-: هم العدو يا محمد، فاحذرهم، فإن ألسنتهم إذا لقوكم معكم، وقلوبهم عليكم، مع أعدائكم، فهم عين لأعدائكم عليكم. وقوله: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤] يقول: أخزاهم اللَّه إلى أي وجه يُصرفون عن الحقّ. انتهى . وقال في «فتح القدير»: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]؛ أي: هيئاتهم، ومناظرهم؛ يعني: أن لهم أجسامًا تُعجب من يراها؛ لِمَا فيها من النضارة، والرونق، ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ فتحسب أن قولهم حقّ، وصِدق؛ لفصاحتهم، وذلاقة ألسنتهم، وقد كان عبد اللَّه بن أبيّ رأس المنافقين فصيحًا، جسيمًا، جميلًا، وكان يحضر مجلس النبيّ -ﷺ-، فإذا قال سمع النبيّ -ﷺ- مقالته، قال الكلبيّ: المراد: عبد اللَّه بن أبيّ، وجَدّ بن قيس، ومُعَتِّب بن قيس، كانت لهم أجسام، ومنظر، وفصاحة، والخطاب للنبيّ -ﷺ-، وقيل: لكلّ من يصلح له، ويدلّ عليه قراءة من قرأ: «يُسمَع» على البناء للمفعول، وجملة: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ مستأنفة؛ لتقرير ما تقدّم من أن أجسامهم تُعجب الرائي، وتروق الناظر، ويجوز أن تكون في محل رفع على أنها خبر مبتدأ محذوف، شُبّهوا في جلوسهم في مجالس رسول اللَّه -ﷺ- مستندين بها بالخشب المنصوبة المسندة إلى الحائط التي لا تَفْهَم، ولا تَعْلَم، وهم كذلك؛ لخلوّهم عن الفهم النافع، والعلم الذي ينتفع به صاحبه، قال الزجاج: وَصَفهم بتمام الصُّوَر، ثم أعلم أنهم في تَرْك الفهم، والاستبصار بمنزلة الخشب، قرأ الجمهور: ﴿خُشُبٌ﴾ بضمتين، وقرأ أبو عمرو، والكسائي، وقنبل بإسكان الشين، وبها قرأ البراء بن عازب، واختارها أبو عبيد؛ لأن واحدتها خشبة كبدنة وبُدن، واختار القراءة الأُولى أبو حاتم، وقرأ سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب بفتحتين، ومعنى ﴿مُسَنَّدَةٌ﴾: أنها أُسندت إلى غيرها، من قولهم: أسندت كذا إلى كذا، والتشديد للتكثير، ثم عابهم اللَّه سبحانه بالجُبْن، فقال: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: يحسبون كل صيحة يسمعونها واقعة عليهم، نازلة بهم؛ لفرط جُبْنهم، ورُعب قلوبهم، وفي المفعول الثاني للحسبان وجهان: أحدهما: أنه عليهم، ويكون قوله: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون: ٤] جملة مستأنفة؛ لبيان أنهم الكاملون في العداوة؛ لكونهم يُظهرون غير ما يُبطنون. والوجه الثاني: أن المفعول الثاني للحسبان هو قوله: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾، ويكون قوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون: ٤] متعلقًا بـ ﴿صَيْحَةٍ﴾ [المنافقون: ٤]، وإنما جاء بضمير الجماعة باعتبار الخبر، وكان حقّه أن يقال: هو العدوّ، والوجه الأَوَّل أَولى، قال مقاتل، والسديّ: أي: إذا نادى منادٍ في العسكر، أو انفلتت دابة، أو أُنشدت ضالة ظنوا أنهم المرادون، لِمَا في قلوبهم من الرعب، ومن هذا قول الشاعر: مَا زِلْتَ تَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَهُمُ … خَيْلًا تَكُرُّ عَلَيْهِمْ وَرِجَالَا وقيل: كان المنافقون على وَجَل من أن ينزل فيهم ما يَهتك أستارهم، ويبيح دماءهم، وأموالهم. ثم أمر اللَّه سبحانه رسوله -ﷺ- بأن يأخذ حَذَره منهم، فقال: ﴿فَاحْذَرْهُمْ﴾ أن يتمكنوا من فرصة منك، أو يَطَّلعوا على شيء من أسرارك؛ لأنهم عيون لأعدائك من الكفار. ثم دعا عليهم بقوله: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤]؛ أي: لعنهم اللَّه، وقد تقول العرب هذه الكلمة على طريقة التعجب؛ كقولهم: قاتله اللَّه مِن شاعر، أو ما أشعره، وليس بمراد هنا، بل المراد ذمّهم وتوبيخهم، وهو طلب من اللَّه سبحانه طلبه من ذاته -﷿- أن يلعنهم، ويخزيهم، أو هو تعليم للمؤمنين أن يقولوا ذلك، ومعنى ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾: كيف يُصرفون عن الحق، ويميلون عنه إلى الكفر، قال قتادة: معناه: يَعدِلون عن الحقّ، وقال الحسن: معناه: يُصْرَفون عن الرُّشْد. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث زيد بن أرقم -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٦٩٩٨] (٢٧٧٢)، و(البخاريّ) في «التفسير» (٤٩٠٠ و٤٩٠١ و٤٩٠٢ و٤٩٠٣ و٤٩٠٤)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣٣١٢)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٦/ ٤٩١ و٤٩٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٣٦٨ و٣٧٣)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٥/ ١٨٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ١٩٨ و٩/ ٣٢)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان صفات المنافقين، فقد بيّنتها السورة أتمّ بيان، ليس وراءها بيان لأحد؛ ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤]، ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]. ٢ - (ومنها): تَرْك مؤاخذة كبراء القوم بالهفوات؛ لئلا ينفر أتباعهم، والاقتصار على معاتباتهم، وقبول أعذارهم، وتصديق أيمانهم، وإن كانت القرائن تُرشد إلى خلاف ذلك؛ لِمَا في ذلك من التأنيس، والتأليف. ٣ - (ومنها): جواز تبليغ ما لا يجوز للمقول فيه، ولا يُعَدّ نميمةً مذمومة، إلا إن قصد بذلك الإفساد المطلق، وأما إذا كانت فيه مصلحة تُرَجَّح على المفسدة فلا. ٤ - (ومنها): بيان منقبة هذا الصحابيّ الجليل -﵁-، حيث صدّق إخباره للنبيّ -ﷺ- بما قاله المنافق ابن أُبيّ، فهذا هو الفخر العظيم، والفضل الجسيم. ٥ - (ومنها): بيان ما كان عليه المنافقون من الكذب، والبهتان، وما تنطوي عليه قلوبهم الغبيّة، من الحقد، والحسد، والمكر والتآمر على الإسلام والمسلمين، ولكن اللَّه -﷾- غالب على أمره، فيفضحهم، ويُخزيهم، ولا يبلّغهم
مصادر المؤلف (١٩)

١. وفي نسخة: «وهي في قراءة مَن خفض حوله».

٢. «تهذيب التهذيب» ١/ ١٣٤.

٣. «الفتح» ١٠/ ٧٠١، «كتاب التفسير» رقم (٤٩٠٠).

٤. «فتح القدير» ٧/ ٢٢٧.

٥. «شرح النوويّ» ١٧١٢٠.

٦. «تكملة فتح الملهم» ٦/ ٩٣ - ٩٤.

٧. «الفتح» ١٠/ ٧٠١.

٨. «فتح القدير» ٧/ ٢٢٧.

٩. «المفهم» ٧/ ٤٠٩ - ٤١٠.

١٠. «تفسير القرطبيّ» ١٨/ ١٢٩.

١١. «فتح القدير» ٧/ ٢٢٧.

١٢. أي: ضرب دُبُره بيده، أو برجله.

١٣. أخرجه البخاريّ برقم (٤٩٠٧)، وتقدّم لمسلم في «البر والصلة والآداب» برقم [١٦/ ٦٥٦٠] (٢٥٨٤).

١٤. «الفتح»١٠/ ٧٠٢.

١٥. «الفتح» ١٠/ ٧٠٦.

١٦. «فتح القدير» ٧/ ٢٢٧.

١٧. «الفتح» ١٠/ ٧٠٦.

١٨. «تفسير الطبريّ» ٢٨/ ١٠٧ - ١٠٨.

١٩. «فتح القدير» ٧/ ٢٢٧.