HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٧٧٨

حدثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (واللفظ لزهير). قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ. أخبرني ابن أبي مليكة؛ أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أخبره؛ أن مروان قال: اذهب. يا رافع! (لبوابه) إلى ابن عباس فقل: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى، وأحب أن يحمد بما لم يفعل، معذبا، لنعذبن أجمعون. فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية؟ إنما أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب. ثم تلا ابن عباس: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا يكتمونه﴾ [٣ /آل عمران] هذه الآية. وتلا ابن عباس: ﴿لا يحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا﴾ [٣ /آل عمران]. وقال ابن عباس: سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه إياه. وأخبروه بغيره. فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه. واستحمدوا بذلك إليه. وفرحوا بما أتوا، من كتمانهم إياه، ما سألهم عنه.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص122
ج ٤ ص ٢١٤٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر جامع الترمذي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٣ ص٢٥٨
أعطوا، وقرأ سعيد بن جبير: «أوتوا» على ما لم يسمّ فاعله؛ أي: أُعطوا. والمفازة: المنجاة، مَفعلة، من فاز يفوز: إذا نجا؛ أي: ليسوا بفائزين. وسمّي موضع المخاوف مفازة على جهة التفاؤل، قاله الأصمعيّ. وقيل: لأنها موضع تفويز ومظنة هلاك، تقول العرب: فوّز الرجل: إذا مات. قال ثعلب: حكيت لابن الأعرابيّ قول الأصمعيّ، فقال: أخطأ، قال لي أبو المكارم: إنما سُمّيت مفازة؛ لأن من قطعها فاز. وقال الأصمعيّ: سُمّي اللديغ سليمًا تفاؤلًا. قال ابن الأعرابي: لأنه مستسلم لِمَا أصابه. وقيل: لا تحسبنهم بمكان بعيد من العذاب؛ لأن الفوز: التباعد عن المكروه. واللَّه أعلم. انتهى . مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٧٠٠٧] (٢٧٧٧)، و(البخاريّ) في «التفسير» (٤٥٦٧)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣٠١٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٧١٣٢)، و(الطبريّ) في «التفسير» (٨٣٣٥)، و(البغويّ) في «التفسير» (١/ ٣٨٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ٣٦) وفي «شعب الإيمان» (٤/ ١٩٩)، وفوائده تأتي في شرح الحديث التالي -إن شاء اللَّه تعالى-. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٠٨] (٢٧٧٨) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ -وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ؛ أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ مَرْوَانَ قَالَ: اذْهَبْ يَا رَافِعُ -لِبَوَّابِهِ- إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقُلْ: لَئِنْ كَانَ كُلُّ امْرِئٍ مِنَّا فَرِحَ بِمَا أَتَى، وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ مُعَذَّبًا، لَنُعَذَّبَنَّ أَجْمَعُونَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا لَكُمْ وَلِهَذِهِ الآيَةِ؟ إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، ثُمَّ تَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] هَذِهِ الآيَةَ، وَتَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: سَأَلَهُمُ النَّبِيُّ -ﷺ- عَنْ شَيْءٍ، فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ، وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ، فَخَرَجُوا قَدْ أَرَوْهُ أَنْ قَدْ أَخْبَرُوهُ بِمَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ، وَاسْتَحْمَدُوا بِذَلِكَ إِلَيْهِ، وَفَرِحُوا بِمَا أَتوْا مِنْ كِتْمَانِهِمْ إِيَّاهُ مَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن مروان البغداديّ، أبو موسى الْحَمّال البزاز، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) وقد ناهز الثمانين (م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦٤/ ٣٦١. ٢ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الْمِصِّيصيّ الأعور، أبو محمد، ترمذيّ الأصل، نزَل بغداد، ثم الْمِصِّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه اختلط في آخر عمره لَمّا قَدِم بغداد قبل موته [٩] مات ببغداد سنة (٢٠٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٩٤. ٣ - (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو: عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن أبي مليكة -بالتصغير- ابن عبد اللَّه بن جُدْعان، يقال: اسم أبي مليكة زُهير التيميّ المدنيّ، أدرك ثلاثين من الصحابة، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٢. ٤ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] مات سنة خمس ومائة على الصحيح، وقيل: إن روايته عن عمر مرسلة (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٣. ٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد اللَّه البحر الحبر، وُلد قبل الهجرة بثلاث سنين، ومات سنة ثمان وستين بالطائف -﵁- (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٤. والباقيان ذُكرا في الباب، وابن جُريج هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو ابن عمّ رسول اللَّه -ﷺ-، ودعا له -ﷺ- بالفهم في القرآن، فكان يُسَمَّى البحر، والحبر؛ لسعة علمه، وقال عمر -﵁-: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عشره منا أحدٌ، وهو أحد المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة، ومن فقهاء الصحابة -﵃-. شرح الحديث: (عَن) عبد الملك بن عبد العزيز (بْنِ جُرَيْجٍ) الأمويّ المكيّ؛ أنه قال: (أَخْبَرَنِي ابْنُ أَيي مُلَيْكَةَ) صرّح ابن جريج بالإخبار، فزالت عنه تهمة التدليس؛ لأنه مدلّس. (أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) الزهريّ المدنيّ (أَخْبَرَهُ، أَنَّ مَرْوَانَ) بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، أبا عبد الملك الأمويّ المدنيّ، وُلِي الخلافة في آخر سنة أربع وستين، ومات سنة خمس في رمضان، وله ثلاث، أو إحدى وستون سنةً، ولا تثبت له صحبة، تقدّم في «الصيام» ١٣/ ٢٥٨٩، وله في «صحيح مسلم» ذِكر بلا رواية، وكان يومئذ أمير المدينة من جهة معاوية. (قَالَ: اذْهَبْ يَا رَافِعُ) وقوله: (لِبَوَّابِهِ)؛ أي: قال هذا الكلام لحارس بابه، قال الحافظ -﵀-: رافع هذا لم أر له ذكرًا في كتب الرواة، إلا بما جاء في هذا الحديث، والذي يظهر من سياق الحديث أنه توجه إلى ابن عباس، فبلّغه الرسالة، ورجع إلى مروان بالجواب، فلولا أنه معتمَد عند مروان، ما قنع برسالته، لكن قد ألزم الإسماعيليّ البخاريّ أن يصحح حديث بُسْرة بنت صفوان في نقض الوضوء من مسّ الذكر، فإن عروة ومروان اختلفا في ذلك، فبعث مروان حَرَسِيّه إلى بُسْرة، فعاد إليه بالجواب عنها، فصار الحديث من رواية عروة عن رسول مروان، عن بُسْرة، ورسول مروان مجهول الحال، فتوقف عن القول بصحة الحديث جماعة من الأئمة لذلك، فقال الإسماعيليّ: إن القصة التي في حديث الباب شبيهة بحديث بُسْرة، فإن كان رسول مروان معتمَدًا في هذه، فليعتمَد في الأخرى، فإنه لا فرق بينهما، إلا أنه في هذه القصة سَمّى رافعًا، ولم يسمِّ الحرسيّ. قال: ومع هذا فاختُلف على ابن جريج في شيخ شيخه، فقال عبد الرزاق، وهشام: عنه، عن ابن أبي مُليكة، عن علقمة، وقال حجاج بن محمد: عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن حميد بن عبد الرحمن، ثم ساقه من رواية محمد بن عبد الملك بن جريج، عن أبيه، عن ابن أبي مليكة، عن حميد بن عبد الرحمن، فصار لهشام متابع، وهو عبد الرزاق، ولحجاج بن محمد متابع، وهو محمد، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق محمد بن ثور، عن ابن جريج، كما قال عبد الرزاق. قال الحافظ: والذي يتحصل لي من الجواب عن هذا الاحتمال أن يكون علقمة بن وقاص، كان حاضرًا عند ابن عباس لمّا أجاب، فالحديث من رواية علقمة، عن ابن عباس، وإنما قَصّ علقمة سبب تحديث ابن عباس بذلك فقط، وكذا أقول في حميد بن عبد الرحمن، فكأن ابن أبي مليكة حمله عن كل منهما، وحدّث به ابنَ جريج، عن كل منهما، فحدّث به ابنُ جريج تارةً عن هذا، وتارةً عن هذا. وقد روى ابن مردويه في حديث أبي سعيد ما يدلّ على سبب إرساله لابن عباس، فأخرج من طريق الليث، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، قال: كان أبو سعيد، وزيد بن ثابت، ورافع بن خَدِيج عند مروان، فقال: يا أبا سعيد أرأيت قول اللَّه، فذكر الآية، فقال: إن هذا ليس من ذاك، إنما ذاك أن ناسًا من المنافقين، فذكر نحو حديث الباب، وفيه: فإن كان لهم نصرٌ وفتحٌ حلفوا لهم على سرورهم بذلك؛ ليَحمدوهم على فرحهم وسرورهم، فكأن مروان توقف في ذلك، فقال أبو سعيد: هذا يُعلم بهذا، فقال: أكذلك يا زيد؟ قال: نعم، صدق. ومن طريق مالك، عن زيد بن أسلم، عن رافع بن خَديج، أن مروان سأله عن ذلك، فأجابه بنحو ما قال أبو سعيد، فكأن مروان أراد زيادة الاستظهار، فأرسل بوابه رافعًا إلى ابن عباس، يسأله عن ذلك، واللَّه أعلم. (إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄- متعلّق بـ «اذهب»، (فَقُلْ) له: (لَئِنْ) اللام هي الموطّئة للقَسَم، و«إن» شرطيّة؛ أي: واللَّه لئن (كَانَ كُلُّ امْرِئٍ مِنَّا)؛ أي: المسلمين، (فَرِحَ بِمَا أَتَى) بالقصر؛ أي: بما فَعَل، ولفظ «أتى»، و«جاء» يجيئان بمعنى فعل، قال اللَّه -﷿-: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١]، ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧] . ويَحْتَمِل أن يكون «آتى» بالمدّ، بمعنى أعطى، ولفظ البخاريّ: «بما أُوتي» بالبناء للمفعول، (وَأَحَبَّ) عطف على «فَرِحَ»، (أَنْ يُحْمَدَ) بالبناء للمفعول؛ أي: أن يحمده الناس، ويُثنوا عليه (بِمَا لَمْ يَفْعَلْ) من أنواع الخيرات، (مُعَذَّبًا) منصوب على أنه خبر «كان»، وقوله: (لَنُعَذَّبَنَّ) بضمّ النون، وتشديد الذال المعجمة، مبنيّ للمفعول، جواب القسم المقدّر، كما أسلفته، وقوله: (أَجْمَعُونَ) بالرفع توكيد لنائب فاعل «نعذّبنّ»، ووقع في رواية بلفظ: «أجمعين». (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) -﵄-: (مَا لَكُمْ وَلِهَذِهِ الآيَةِ؟) «ما» استفهاميّة، والاستفهام هنا للإنكار؛ أي: أيُّ شيء ثبت لكم، ولهذه الآية؛ يعني: أنها ليست لكم، وإنما هي لأهل الكتاب، كما بيّنه بقوله: («إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي أهْلِ الْكِتَابِ) قال في»العمدة«: هذا إنكار من ابن عباس -﵄- على السؤال بهذه المسألة على الوجه المذكور، وأن أصل هذا أن النبيّ -ﷺ- دعا يهود إلى آخره. وحاصل شبهة مروان أن كلًّا منّا يفرح بما يعمل من الخير، وربّما يُحبّ أن يُحمد بما لم يعمل، وإن اللَّه ﷾ قد ذمّ هذا الصنيع، وأخبر أنه موجب للعقاب، ونتيجة ذلك أن يكون كل منّا معذّبًا. وحاصل جواب ابن عبّاس -﵄- أن هذه الآية نزلت في اليهود الذين كانوا يكتمون أشياء من النبيّ -ﷺ-، ويفرحون بكتمانهم، ويُظهرون له خلاف الواقع، ويحبون أن يحمدهم رسول اللَّه -ﷺ- والمسلمون على ما أظهروه من خلاف الواقع، فالموجب للعقاب هو فرحهم بكتمان الحقيقة، وحبّهم للحمد على كذبهم، أما فرح المسلمين بما فعلوه من الحسنة، فهو عاجل بشرى المؤمن، كما جاء في الحديث ، إذا لم يكن على وجه العُجْب والكِبْر ، واللَّه تعالى أعلم. (ثُمَّ تَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ) -﵄- قوله تعالى: (﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾)، وقوله: (هَذِهِ الآيَةَ)؛ أي: قرأ ابن عبّاس -﵄- هذه الآية بتمامها، وتمامها قوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. قال ابن جرير -﵀-: يعني بذلك تعالى ذكره: واذكر أيضًا من أمر هؤلاء اليهود وغيرهم من أهل الكتاب منهم، يا محمد، إذ أخذ اللَّه ميثاقهم، ليبيننّ للناس أمرك الذي أخذ ميثاقهم على بيانه للناس في كتابهم الذي في أيديهم، وهو التوراة، والإنجيل، وأنك للَّه رسول مرسل بالحق، ولا يكتمونه، ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾، يقول: فتركوا أمر اللَّه، وضيّعوه، ونقضوا ميثاقه الذي أخذ عليهم بذلك، فكتموا أمرك، وكذبوا بك، ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، يقول: وابتاعوا بكتمانهم ما أخذ عليهم الميثاق أن لا يكتموه من أمر نبوّتك، عوضًا منه خسيسًا قليلًا من عَرَض الدنيا، ثم ذمّ جل ثناؤه شراءهم ما اشتروا به من ذلك، فقال: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾. انتهى . وقال في «فتح القدير»: قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ هذه الآية توبيخ لأهل الكتاب، وهم: اليهود، والنصارى، أو اليهود فقط على الخلاف في ذلك، والظاهر أن المراد بأهل الكتاب: كل من آتاه اللَّه علم شيء من الكتاب؛ أيُّ كتاب كان، كما يفيده التعريف الجنسي في الكتاب، قال الحسن، وقتادة: إن الآية عامّة لكل عالم، وكذا قال محمد بن كعب، ويدل على ذلك قول أبي هريرة -﵁-: لولا ما أخذ اللَّه على أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء، ثم تلا هذه الآية، والضمير في قوله: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ راجع إلى الكتاب، وقيل: راجع إلى النبيّ -ﷺ-، وإن لم يتقدّم له ذكر؛ لأن اللَّه أخذ على اليهود والنصارى أن يبيّنوا نبوّته للناس، ولا يكتموها، ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾. وقرأ أبو عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر، وأهل المدينة: «ليبيننه» بالياء التحتية، وقرأ الباقون بالمثناة الفوقية. وقرأ ابن عباس: «وإذ أخذ اللَّه ميثاق النبيين لتبيننه»، ويشكل على هذه القراءة قوله: ﴿فَنَبَذُوهُ﴾ فلا بد من أن يكون فاعله الناس. وفي قراءة ابن مسعود: «لتبينونه»، والنبذ: الطرح، وقد تقدّم في «البقرة»: ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ مبالغة في النبذ، والطرح، وقد تقدّم أيضًا معنى قوله: ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ والضمير عائد إلى الكتاب الذي أُمروا ببيانه، ونُهوا عن كتمانه، وقوله: ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾؛ أي: حقيرًا يسيرًا من حُطام الدنيا، وأعراضها، قوله: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ «ما» نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس، ويشترون صفة، والمخصوص بالذم محذوف؛ أي: بئس شيئًا يشترونه بذلك الثمن. انتهى . (وَتَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ) -﵄- أيضًا آية أخرى، وهي قوله تعالى: (﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾) تقدّم شرح هذه الآية في الحديث الماضي. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) -﵄-: (سَأَلَهُمُ النَّبِيُّ -ﷺ- عَنْ شَيْءٍ) قال الكرمانيّ: قيل: هذا الشيء هو نَعْت رسول اللَّه -ﷺ-، (فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ)؛ أي: كتم يهود الشيء الذي سألهم النبيّ -ﷺ- عنه، (وَأَخْبَرُوهُ بغَيْرِهِ)؛ أي: بغير ذلك الشيء المسؤول، (فَخَرَجُوا) من عنده -ﷺ-، والحال أَنهم (قَدْ أَرَوْهُ) -ﷺ- (أَنْ) مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير محذوف، وقد فُصل بينها وبين خبرها الجملة الفعليّة بـ «قد»، كما قال في «الخلاصة»: وَإِنْ تُخَفَّفْ «أَنَّ» فَاسْمُهَا اسْتَكَنّ … وَالْخَبَرَ اجْعَلْ مِنْ بَعْدِ «أَنّ» وَإِنْ يَكُنْ فِعْلًا وَلَمْ يَكُنْ دُعَا … وَلَمْ يَكُنْ تَصْرِيفُهُ مُمْتَنِعَا فَالأَحْسَنُ الْفَصْلُ بِـ «قَدْ» أَوْ نَفِيٍ أوْ … تَنْفِيسٍ أوْ «لَوْ» وَقَلِيلٌ ذِكْرُ «لَوْ» أي: أنهم (قَدْ أَخْبَرُوهُ بِمَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ)؛ أي: بحقيقة الأمر الذي سألهم عنه، وهم كاذبون في ذلك، (وَاسْتَحْمَدُوا)؛ أي: طلبوا الحمد والثناء لهم (بِذَلكَ) الخبر الكذب (إِلَيْهِ) -ﷺ-، متعلّق بـ «استحمدوا»، (وَفَرِحُوا بِمَا أَتَوْا) بالقصر؛ أي: بالذي فعلوه، وقوله: (مِنْ كِتْمَانِهِمْ إِيَّاهُ) -ﷺ- بيان لـ «ما»، وقوله: (مَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ) «ما» موصول مفعول ثان لـ «كتمان»؛ لأنه مصدر فعل يتعدّى إلى اثنين، يقال: كَتَمْتُ زيدًا الحديثَ كَتْمًا، من باب قَتَل، وكِتْمانًا، بالكسر، يتعدى إلى مفعولين، ويجوز زيادة «مِنْ» في المفعول الأول، فيقال: كتمت من زيد الحديثَ، مثل بعته الدارَ، وبعت منه الدارَ، ومنه عند بعضهم: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر: ٢٨] وهو على التقديم والتأخير، والأصل يكتم من آل فرعون إيمانه، قاله الفيّوميّ -﵀-. انتهى . فـ «كِتمانهم» مصدر مضاف إلى فاعله، ونصب مفعوليه، وهما قوله: «إياه»، و«ما» من قوله: «ما سألهم»، وإلى هذا أشار في «الخلاصة» بقوله: وَبَعْدَ جَرِّهِ الَّذِي أُضِيفَ لَهْ … كَمِّلْ بِنَصْبٍ أَوْ بِرَفْعٍ عَمَلَهْ واللَّه تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٧٠٠٨] (٢٧٧٨)، و(البخاريّ) في «التفسير» (٤٥٦٨)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣٠١٨)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٦/ ٣١٨)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٩٨)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٠/ ٣٠٠)، و(البيهقيّ) في «شُعب الإيمان» (٥/ ٣٧٨)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة. ٢ - (ومنها): بيان فضل ابن عبّاس -﵄- حيث كان مرجعًا للأمة في فهم كتاب اللَّه -﷿-، وبيان أسباب نزوله، بسبب بركة دعاء النبيّ -ﷺ- له بذلك، فقد أخرج الشيخان عن ابن عباس -﵄-، أن النبيّ -ﷺ- دخل الخلاء، فوضعت له وَضوءًا، قال: «من وضع هذا؟»، فأُخبر، فقال: «اللهم فقّهه في الدين». وأخرج ابن حبّان في «صحيحه» عن طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كنت في بيت ميمونة بنت الحارث، فوضعت لرسول اللَّه -ﷺ- طهورًا، فقال: «من وضع هذا؟» قالت ميمونة: عبد اللَّه، فقال -ﷺ-: «اللَّهُمَّ فقّهه في الدين، وعلّمه التأويل». ٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه السلف من البحث في كتاب اللَّه، وسؤال أهل العلم عنه، والمناقشة فيما بينهم حتى يتّضح الحقّ، لا لمجرّد الاختلاف، ونصرة الرأي، وإنما هو للوصول إلى الحقّ حتى يتَّبعوه، وهكذا ينبغي لطلّاب العلم أن يسلكوا مسلكهم في ذلك، واللَّه تعالى وليّ التوفيق.
مصادر المؤلف (٨)

١. «تفسير القرطبيّ» ٤/ ٣٠٦ - ٣٠٨.

٢. هذا أَولى من قول «التقريب»: من الثانية، راجع ترجمته في: «التهذيب».

٣. «عمدة القاري» ١٨/ ١٥٧.

٤. أخرج مسلم في «صحيحه» عن أبي ذر -﵁- قال: قيل لرسول اللَّه -ﷺ-: أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير، ويحمده الناس عليه؟ قال: «تلك عاجل بشرى المؤمن».

٥. راجع: «تكملة فتح الملهم» ٦/ ١٠٠.

٦. «تفسير الطبريّ» ٧/ ٤٥٨.

٧. «فتح القدير» ٢/ ٦٣.

٨. «المصباح المنير» ٢/ ٥٢٥.