HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٨٢٤

حدثنا سعيد بن عمرو الأشعثي وزهير بن حرب (قال زهير: حدثنا. وقال سعيد: أخبرنا) سفيان عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ. قال «قال الله ﷿: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». مصداق ذلك في كتاب الله: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ﴿[٣٢ /السجدة].
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص143
ج ٤ ص ٢١٧٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, صحيح البخاري وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٦٥٠
[٩٠٣] (بَلْهَ مَا أَطْلَعَكُمُ عَلَيْهِ) ؛ أي: دع ما أطلعكم عليه، واتركه فإن سوى ذلك ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وقال: بَلْهَ الجِلَّة النُّجَبَا ، وقيل: بَلْهَ بمعنى غير، قال: بَلْهَ الأكُفِّ كَأَنَّهَا لم تُخلَقِ .
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٣ ص٥٥٦
الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله -ﷺ- قال: «حُجبت النار بالشهوات، وحُجبت الجنة بالمكاره». انتهى . وأخرجه ابن حبّان في «صحيحه» بسند المصنّف، وبلفظ: «حُفّت»، فقال: (٧١٩) - أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد المروزيّ بالبصرة، قال: أخبرنا أحمد بن منيع، قال: حدّثنا شبابة، قال: حدّثنا ورقاء، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «حُفّت النار بالشهوات، وحفّت الجنة بالمكاره». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧١٠٦] (٢٨٢٤) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَثِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ سَعِيدٌ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «قَالَ اللهُ -﷿-: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»، مِصْدَاقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللهِ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧]). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَثِيُّ) هو: سعيد بن عمرو بن سهل الْكِنْديّ، أبو عثمان الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (٢٣٠) (م س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٩. والباقون ذُكروا في الباب وقبله، و«سفيان» هو: ابن عيينة. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-، وأن له فيه شيخين قرن بينهما، ثم فصل؛ لِمَا أسلفناه غير مرّة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعي، وفيه أبو هريرة -﵁-، وقد مضى القول فيه غير مرّة، وأنه أحد ما قيل فيه: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة -﵁-. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-)؛ أنه (قَالَ: «قَالَ اللهُ -﷿-: أَعْدَدْتُ)؛ أي: هيّأت (لِعِبَادِي) بسكون ياء المتكلّم، وتُفتح. (الصَّالِحِينَ)؛ أي: القائمين بما وجب عليهم من حقّ الحقّ والخلق، (مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ)؛ أي: ما لا رأت العيون كلّها، لا عين واحدة، فإن العين في سياق النفي تفيد الاستغراق، قال الطيبيّ -﵀-:«ما»هنا إما موصولة، أو موصوفة، و«عين» وقعت في سياق النفي، فأفاد الاستغراق، والمعنى: ما رأت العيون كلها، ولا عين واحدة منها، والأسلوب من باب قوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]، فيَحْتَمِل نفي الرؤية والعين معًا، أو نفي الرؤية، فحسبُ؛ أي: لا رؤية، ولا عين، أو لا رؤية، وعلى الأول الغرض منه العين، وإنما ضُمّت إليه الرؤية؛ ليؤذن بأن انتفاء الموصوف أمر محقّق، لا نزاع فيه، وبلغ في تحققه إلى أن صار كالشاهد على نفي الصفة وعكسه. انتهى . (وَلَا أُذُنٌ) بضمّتين، وبتسكين الذال المعجمة، (سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ)؛ أي: وقع (عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ») قال الطيبيّ -﵀-: هو من باب قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢]؛ أي: لا قلب، ولا خطور، أو لا خطور، فعلى الأول لهم قلب مخطر، فجعل انتفاء الصفة دليلًا على انتفاء الذات؛ أي: إذا لم يحصل ثمرة القلب، وهو الإخطار، فلا قلب؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]. قال: والحديث كالتفصيل للآية، فإنها نفت العلم، والحديث نفى طريق حصوله. انتهى . وقال المناويّ -﵀-: معناه: أنه تعالى ادّخر في الجنة من النعيم، والخيرات، واللذات ما لم يَطّلع عليه أحد من الخلق، بطريق من الطرق، فذكر الرؤية، والسمع؛ لأن أكثر المحسوسات تُدرَك بهما، والإدراك ببقية الحواس أقلّ، ولا يكون غالبًا إلا بعد تقدّم رؤية، أو سماع، ثم زاد أنه لم يجعل لأحد طريقًا إلى توهّمها بذكر، وخطور على قلب، فقد جَلّت عن أن يدركها فكر، وخاطر. واستُشكل بأن جبريل -﵇- رآها في عدّة أخبار. وأجيب بأنه تعالى خلق ذلك فيها بعد رؤيتها، وبأن المراد: عين البشر، وآذانهم، وبأن ذلك يتجدد لهم في الجنة كل وقت، وبأن جبريل إنما ينظر ما أُعدّ لعامتهم، ولهذا قال بعضهم: المراد هنا: التجليات الإلهية التي يتفضل بها الحقّ في الآخرة على خواصه؛ لأنها نِعم خالقيات، وأما النعم الخلقيات التي أخبر بها النبيّ -ﷺ- في جنة النعيم فقد رأتها الأعين، وسمعتها الآذان، وخطرت على قلوب البشر، وإلا لَمَا أخبرها أحدٌ، وأما التجليات الإلهية التي يتفضل بها الحقّ في الآخرة على خواصه، فما رأتها عين، ولا سمعت حقيقتها أذن، ولا خطرت على قلب بشر؛ إذ كل ما يخطر بالبال، أو يمر بالخيال، فالله بخلافه بكل حال. انتهى كلام المناويّ -﵀- . وقال الطيبيّ -﵀-: إنما خَصّ البشر؛ لأنهم الذين ينتفعون بما أُعدّ لهم، ويهتمون بشأنه، بخلاف الملائكة. وتُعُقّب بما زاده ابن مسعود -﵁- في حديثه الذي رواه ابن أبي حاتم: «ولا يعلمه ملَك مقرّب، ولا نبيّ مرسل». وقال في «الفتح»: قوله: «ولا خطر على قلب بشر»: زاد ابن مسعود في حديثه: «ولا يعلمه ملَك مقرّب، ولا نبيّ مرسلٌ»، أخرجه ابن أبي حاتم، وهو يدفع قول من قال: إنما قيل البشر؛ لأنه يخطر بقلوب الملائكة، والأَولى حَمْل النفي فيه على عمومه، فإنه أعظم في النفس. انتهى . (مِصْدَاقُ ذَلِكَ) بكسر الميم، وسكون الصاد المهملة؛ أي: ما يُصدّقه، أفاده المجد ، فـ«مِصداق» مبتدأ، خبره قوله: «فلا تعلم نفس إلخ»؛ لقصد لفظه، و(فِي كِتَابِ اللهِ) -﷿- متعلّق بـ«مصداق»، (﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾)؛ أيُّ نفس كانت؛ لأن النكرة في سياق النفي تفيد العموم؛ أي: لا تعلم نفس من النفوس؛ أيّ نفس كانت، ما أخفاه الله -﷾- لأولئك الذين تقدّم ذكرهم، مما تقرّ به أعينهم. (﴿مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾) قرأ الجمهور: «أخفي» بالتحريك، على البناء للمفعول، وقرأ حمزة بالإسكان، فعلًا مضارعًا مسندًا للمتكلم، ويؤيده قراءة ابن مسعود: «نُخفي» بنون العظمة، وقرأها محمد بن كعب: «أَخْفَى» بفتح أوله، وفتح الفاء، على البناء للفاعل، وهو الله تعالى، ونحوها قراءة الأعمش: «أخفيت». وذكر البخاريّ في آخر الباب أن أبا هريرة -﵁- قرأ: «قرّات أعين» بصيغة الجمع، وبها قرأ ابن مسعود أيضًا، وأبو الدرداء، قال أبو عبيدة: ورأيتها في المصحف الذي يقال له «الإمام»: «قُرّة» بالهاء، على الوحدة، وهي قراءة أهل الأمصار. انتهى . (﴿مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾)؛ أي: مما تقرّ به أعينهم، قال في «الكشّاف» : لا تعلم النفوس كلهنّ، ولا نفس واحدة منهنّ، ولا ملَك مقرب، ولا نبيّ مرسل، أيّ نوع عظيم من الثواب ادّخر الله تعالى لأولئك، وأخفاه من جميع خلائقه، لا يعلمه إلا هو، مما تَقَرّ به عيونهم، ولا مزيد على هذه الْعِدَةِ، ولا مطمح وراءها. وفي «شرح السُّنَّة»: يقال: أقرّ الله عينك، ومعناه: بَرّد الله دمعتها؛ لأن دمعة الفرح باردة، حكاه الأصمعيّ، وقال غيره: معناه: بَلّغك الله أمنيتك، حتى ترضى به نفسك، وتَقَرّ عينك، فلا تستشرف إلى غيره، قال الطيبيّ -﵀-: فعلى هذا: الأولُ من القرّة، بمعنى البَرْد، والثاني من القرار. انتهى . وقوله: (﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾) منصوب على أنه مفعول مطلق لعامل محذوف؛ أي: جُوْزوا ذلك جزاءً، أو مفعول لأجله، معمول لـ«أخفي»؛ أي: أُخفي لهم لأجل جزائهم بما كانوا يعملونه في الدنيا. [تنبيه]: زعم بعضهم أن قراءة الآية من قول أبي هريرة -﵁-، لا المرفوع، وسياق مسلم يرُدّه ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٧١٠٦ و٧١٠٧ و٧١٠٨] (٢٨٢٤)، و(البخاريّ) في «بدء الخلق» (٣٢٤٤) و«التفسير» (٤٧٧٩) و«التوحيد» (٧٤٩٨)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣١٩٧)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٦/ ٣١٧)، و(ابن ماجه) في «الزهد» (٤٣٢٨)، و(ابن المبارك) في «مسنده» (١/ ٧٣)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١١/ ٤١٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣١٣ و٤٦٦)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٣/ ١٠٩)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٣٣٥)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١١٣٣)، و(الطبرانيّ) في «مسند الشاميين» (١/ ٩٣ و٤/ ٢٩٠) وفي «الصغير» (١/ ٥٣)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١١/ ١٥٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٦٩)، و(أبو نعيم) في «الحلية» (٢/ ٢٦٢)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٤٣٧٠ و٤٣٧١ و٤٣٧٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان عظيم إكرام الله -﷿- لعباده الصالحين، حيث أعدّ لهم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤]، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]. ٢ - (ومنها): أن في قوله: «أعددت» دليلًا على أن الجنة مخلوقة، ويعضده سكنى آدم وحواء الجنة، ولمجيئها في القرآن على نهج الأسماء الغالبة اللاحقة بالأعلام؛ كالنجم، والثرياء، والكتاب، ونحوها، وذلك أن الجنة كانت تُطلق على كل بستان متكاثف أغصان أشجارها، ثم غلبت على دار الثواب، وإنما قلنا: اللاحقة للأعلام؛ لكونها غير لازمة للّام، وتحقيق القول أنها منقولة شرعية على سبيل التغليب، وإنما تغلب إذا كانت موجودة معهودة، وكذلك اسم النار منقولة لدار العقاب، على سبيل الغلبة، وإن اشتملت على الزمهرير، والمهل، والضريع، وغير ذلك، ولولا ذلك لَمَا كان يغني عن طلب القصور والحور والولدان بالجنة، ولا عن طلب الوقاية من الزمهرير، والمهل، والضريع عن مطلق النار، قاله الطيبيّ -﵀- . ٣ - (ومنها): أن سبب هذا الحديث هو ما أخرجه مسلم ، من طريق الشعبيّ يقول: سمعت المغيرة بن شعبة، يخبر به الناس على المنبر، قال: «سأل موسى ربه: ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعدما أُدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: أيّ رب كيف، وقد نزل الناس منازلهم، وأخذوا أخذاتهم؟، فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل مُلك ملِك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب، فيقول: لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله، فقال في الخامسة: رضيت رب، فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك، ولذّت عينك، فيقول: رضيت رب، قال: رب فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر»، قال: ومصداقه في كتاب الله -﷿-: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ الآية. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر الحافظ في«الفتح»أن قصّة موسى -﵇- هذه سبب حديث الباب، وهو محلّ تأمل، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): بيان أن السُّنَّة شارحة للكتاب، فهذا الحديث أوضح وبيّن معنى هذه الآية الكريمة، فإن الآية نصّ على أن لهم ﴿قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾، وهو مجمل، فأوضحته السُّنَّة بأنه«ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»، وهذا معنى قوله -﷿-: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [النحل: ٤٤]. ٥ - (ومنها): ما قاله وليّ الدين العراقيّ -﵀-: إن قلت: رَوَى أبو داود، والترمذيّ، وصححه، وغيرهما، من حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله -ﷺ- قال:«لمّا خلق الله الجنة أرسل جبريل إليها، فقال: انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فجاءها فنظر إليها، وإلى ما أعدَّ الله لأهلها فيها، قال: فرجع إليه، فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر بها، فحُفّت بالمكاره، فقال: ارجع إليها، فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها، فرجع إليها، فإذا هي قد حُفّت بالمكاره، فرجع إليه، فقال: وعزّتك لقد خفت أن لا يدخلها أحد». فقد دلَّ هذا الحديث على أن الله تعالى قد أطلع جبريل -﵇- على ما أعد لعباده فيها، فقد رأته عين. قلت : الجواب عنه من أوجه: أحدها: أنه تعالى خلق فيها بعد رؤية جبريل -﵇- أمورًا كثيرة، لم يطّلع عليها جبريل، ولا غيره، فتلك الأمور هي المشار إليها في هذا الحديث. ثانيها: أن المراد بالأعين والآذان، أعين البشر وآذانها، بدليل قوله:«ولا خطر على قلب بشر»، فأما الملائكة فلا مانع من اطلاع بعضهم على ذلك. قال الجامع عفا الله عنه: وهذا يردّه ما أخرجه ابن أبي حاتم من حديث ابن مسعود -﵁-، ولفظه:«ولا يعلمه ملَك مقرّبٌ، ولا نبيّ مرسل»، فقد نفى العلم عن الملائكة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ثالثها: أن ذلك يتجدد لهم في الجنة في كل وقت، ويدل له ما رواه الترمذيّ، وابن ماجه، عن أبي هريرة -﵁-، عن رسول الله -ﷺ-، فذكر حديثًا في أثنائه:«ويقول ربنا: قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة، فخذوا ما اشتهيتم، فنأتي سوقًا قد حَفّت به الملائكة، ما لم تنظر العيون إلى مثله، ولم تسمع الآذان، ولم يخطر على القلوب، فنحمل لنا ما اشتهينا. . .»الحديث، ولا يمنع من ذلك قوله:«أعددت»لأن هذا لمّا كان محقق الوقوع نُزِّل منزلة الواقع. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أقرب الأجوبة هو الأول، فتأمله، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧١٠٧] (. . .) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ:«قَالَ اللهُ -﷿-: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، ذُخْرًا بَلْهَ مَا أَطْلَعَكُمُ اللهُ عَلَيْهِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ) تقدّم قبل باب. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريّ الحافظ تقدّم أيضًا قبل باب. ٣ - (مَالِكُ) بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين، حتى قال البخاريّ: أصح الأسانيد كلِّها مالك، عن نافع، عن ابن عمر -﵄-[٧] (ت ١٧٩) وكان مولده سنة ثلاث وتسعين، وقال الواقديّ: بلغ تسعين سنةً (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٧٨. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: («ذُخْرًا) بضم الدال المهملة، وسكون المعجمة، منصوب متعلّق بـ»أعددت«؛ أي: جعلت ذلك لهم مذخورًا . وقال القاضي عياض -﵀- في«المشارق»: قوله:«ذُخرًا بله ما اطلعتم عليه»كذا لكافة رواة مسلم؛ أي: مُدّخرًا لهم عندي، أو ذخرًا مني لهم، قال: وعند الفارسيّ:«ذكر»، والأول الصحيح، وكذا جاء في الحديث الآخر، وجاء في البخاري في«باب ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ »:«ذخرًا من بله ما اطلعتم عليه»، ولا وجه لزيادة«من»هنا، إلا أن يكون«من»مغيرًا من«منّي»؛ أي: ذخرًا مني. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-:«ذخرًا»الرواية المشهورة بالذال المعجمة المضمومة، أي: مدّخرًا، وهو مصدر، يقال: ذخرت الشيءَ أذخره ذخرًا، من باب نفع، واذخرته أَذّخِره اذّخارًا بالادغام، هو افتعلت، ووقع في طريق الفارسي:«ذكرًا»بالكاف، ولبعضهم:«دخر»بغير تنوين، وليسا بشيء، ومعنى هذا الكلام: أن الله تعالى ادّخر في الجنة من النعيم، والخيرات، واللذات ما لم يَطّلع عليه أحدٌ من الخلق، لا بالإخبار عنه، ولا بالفكرة فيه، وقد تعرّض بعض الناس لتعيينه، وهو تكلّف ينفيه الخبر نفسه؛ إذ قد نفى علمه، والشعور به، عن كل أحد، ويشهد له، ويُحقّقه قوله:«بله ما أطلعكم الله عليه»؛ أي: دَعْ ما أطلعكم عليه؛ يعني: أن المعدّ المذكور غير الذي أطلع عليه أحدًا من الخلق، و«بله»: اسم من أسماء الأفعال، بمعنى: دَعْ، هذا هو المشهور فيها، وقيل: هي بمعنى: غير، وهذا تفسير معنى. انتهى . وقوله: (بَلْهَ مَا أَطْلَعَكُمُ اللهُ عَلَيْهِ») قال في «العمدة»: قوله: «بَلْهَ» بفتح الباء الموحّدة، وسكون اللام، وفتح الهاء، معناه: دَعْ الذي أُطلعتم عليه، وقيل: معناه: سوى؛ أي: سوى ما أُطلعتم عليه الذي ذكره الله في القرآن، وقال الخطابيّ: كأنه يريد به: دع ما أطلعتم عليه، وأنه سهل يسير في جنب ما ادخرته لهم، ويقال أيضًا: بمعنى: أَجْل، وحَكَى الليث أنه يقال: بمعنى: فضل، كأنه يقول: هذا الذي غيّبته عنكم فضل ما أطلعتم عليه منها. وقال الصغانيّ: اتفق جميع نُسخ الصحيح على «من بله»، والصواب إسقاط كلمة «من» منه، واعتُرض عليه بأنه لا يتعين إسقاط «من» إلا إذا فُسرت بمعنى: دَعْ، وأما إذا فسرت بمعنى: من أجل، أو من غير، أو سوى فلا. وقال ابن مالك: المعروف من بله اسم فعل، بمعنى اترك، ناصب لِمَا يليه بمعنى المفعولية، واستعماله مصدرًا بمعنى الترك مضافًا إلى ما يليه، والفتحة في الأُولى بنائية، وفي الثانية إعرابية، وهو مصدرٌ مُهْمَل الفعل، ممنوع الصرف. وقال الأخفش: بله هنا مصدر، كما يقول: ضَرْبَ زيدٍ، وندر دخول «من» عليه زائدةً. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «من بله ما أُطلعتم عليه»: قال الخطابيّ: كأنه يقول: دع ما أطلعتم عليه، فإنه سهل في جنب ما ادُّخِر لهم، قلت : وهذا لائق بشرح «بله» بغير تقدم «مِنْ» عليها، وأما إذا تقدمت «من» عليها، فقد قيل: هي بمعنى: كيف، ويقال: بمعنى: أجل، ويقال: بمعنى: غير، أو سوى، وقيل: بمعنى: فضل، لكن قال الصغانيّ: اتفقت نُسخ الصحيح على «من بله»، والصواب إسقاط كلمة «من». وتُعُقّب بأنه لا يتعين إسقاطها إلا إذا فُسّرت بمعنى: دع، وأما إذا فسرت بمعنى: من أجل، أو من غير، أو سوى، فلا، وقد ثبت في عدة مصنفات خارج الصحيح بإثبات «من»، وأخرجه سعيد بن منصور، ومن طريقه ابن مردويه من رواية أبي معاوية، عن الأعمش كذلك. وقال ابن مالك: المعروف «بله» اسم فعل، بمعنى: اترك، ناصبًا لِمَا يليها، بمقتضى المفعولية، واستعماله مصدرًا بمعنى الترك، مضافًا إلى ما يليه، والفتحة في الأُولى بنائية، وفي الثانية إعرابية، وهو مصدر مهمل الفعل، ممنوع الصرف. وقال الأخفش: «بله» هنا مصدر، كما تقول: ضَرْبَ زيدٍ، وندر دخول «من» عليها زائدةً. ووقع في «المغني» لابن هشام أن «بله» استُعملت معربةً مجرورة بـ«من»، وإنها بمعنى: غير، ولم يذكر سواه، وفيه نظر؛ لأن ابن التين حكى رواية «من بله» بفتح الهاء، مع وجود «من»، فعلى هذا فهي مبنية، و«ما» مصدرية، وهي وَصِلتها في موضع رفع على الابتداء، والخبرُ هو الجار والمجرور المتقدم، ويكون المراد ببله: «كيف» التي يقصد بها الاستبعاد، والمعنى: من أين اطلاعكم على هذا القدر الذي تقصر عقول البشر عن الإحاطة به، ودخول «من» على «بله» إذا كانت بهذا المعنى جائز، كما أشار إليه الشريف في «شرح الحاجبية». قال الحافظ -﵀-: وأصح التوجيهات لخصوص سياق حديث الباب حيث وقع فيه: «ولا خطر على قلب بشر ذُخرًا من بله ما أطلعتم» أنها بمعنى: «غير»، وذلك بَيِّنٌ لمن تأمله. انتهى ، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وقال وليّ الدين العراقيّ -﵀-: معنى هذا الحديث: أن الله تعالى ادّخر في الجنة من النعيم، والخيرات، واللذات ما لم يُطلع عليه أحدًا من الخلق بطريق من الطرق، فذكر الرؤية، والسمع؛ لأنه يدرَك بهما أكثر المحسوسات، والإدراك بالذوق، والشم واللمس أقلّ من ذلك، ثم زاد على ذلك أنه لم يجعل لأحد طريقًا إلا توهّمها بفكر وخطور على قلب، فقد جلّت وعظمت عن أن يدركها فكر وخاطر، ولا غاية فوق هذا في إخفائها، والإخبار عن عظم شأنها، على طريق الإجمال دون التفصيل، قال أبو العباس القرطبيّ: وقد تعرض بعض الناس لتعيينه، وهو تكلف ينفيه الخبر نفسه؛ إذ قد نفى علمه والشعور به عن كل أحد، قال: ويشهد له، ويحققه قوله في رواية «الصحيحين»: «بله ما أطلعكم عليه»؛ أي: غير ما أطلعكم عليه؛ يعني: أن المعدّ المذكور غير الذي أطلع عليه أحدًا من الخلق، و«بله» اسم من أسماء الأفعال، بمعنى: دَعْ، هذا هو المشهور فيها، وقيل: هي بمعنى: غير، وهذا تفسير معنى، قال النوويّ: ومعناه: دع ما أطلعكم عليه، فالذي لم يطلعكم عليه أعظم، فكأنه أضرب عنه استقلالًا، في جنب ما لم يطلع عليه، وقيل: معنى«بله»: كيف. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٧١٠٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوَيةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ -وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «يَقُولُ اللهُ -﷿-: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الَصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، ذُخْرًا بَلْهَ مَا أَطْلَعَكُمُ اللهُ عَلَيْهِ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾).
مصادر المؤلف (٢٢)

١. «صحيح البخاريّ»٥/ ٢٣٧٩.

٢. «صحيح ابن حبان»٢/ ٤٩٤.

٣. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٥٥١ - ٣٥٥٢.

٤. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٥٥١ - ٣٥٥٢.

٥. «فيض القدير» ٤/ ٤٧٣.

٦. «الفتح» ١٠/ ٤٩٠، «كتاب التفسير» رقم (٤٧٧٩).

٧. «القاموس المحيط» ص ٧٣٣.

٨. «الفتح» ١٠/ ٤٩٠.

٩. «الكشّاف» ٣/ ٢٢١.

١٠. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٥٥٢.

١١. «فيض القدير» ٤/ ٤٧٤.

١٢. «الكاشف عن حقائق السنن» ٧/ ٣٥٥٢.

١٣. تقدّم في «كتاب الإيمان» برقم [٩٠/ ٤٧٢] (١٨٩).

١٤. القائل هو العراقيّ.

١٥. «طرح التثريب في شرح التقريب»٨/ ٢٦٢.

١٦. «الفتح»١٠/ ٤٩٠.

١٧. «مشارق الأنوار»١/ ٢٧٥.

١٨. «المفهم» ٧/ ١٧٢.

١٩. «عمدة القاري» ١٩/ ١١٤.

٢٠. القائل هو الحافظ.

٢١. «الفتح» ١٠/ ٤٩٠ - ٤٩١.

٢٢. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٨/ ٢٦٣.