HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٨٣٤

حدثني عمرو الناقد ويعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقِيُّ. جميعا عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ (وَاللَّفْظُ لِيَعْقُوبَ). قالا: حدثنا إسماعيل بن علية. أخبرنا أيوب عن محمد قال: إما تفاخروا وإما تذاكروا: الرجال في الجنة أكثر أم النساء؟ فقال أبو هريرة: أو لم يقل أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ «إِنَّ أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر. والتي تليها على أضوإ كوكب دري في السماء. لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان. يرى مخ سوقهما من وراء اللحم. وما في الجنة أعزب؟ «
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص145
ج ٤ ص ٢١٧٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, صحيح البخاري وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٦٥١
[٩٠٥] وقوله: (وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ) المَجَامِر: جمع المِجْمَرة، ومعناه: عُودُ مَجَامِرِهم الأُلُوَّة، يقال: تجمَّرت المرأة: إذا وضعت تحت ثيابها مِجْمَرة، قال محمد بن ثور في صفة امرأة: لَا تَصطَلي النارَ إِلا مِجْمَرًا أَرِجًا … قَدْ كَسَّرَت مِن يَلَنجُوجٍ لَهُ وَقَصا أي: لَا تصطَلي النار وحدها، حتى يكون على النار ما يُتَبخّر به، والمِجمَر: المجمرة، والأَرِج: الطيب الريح، اليَلَنْجُوج والأَلَنْجُوج: العود، والوَقَصُ: دقاق العود أي: قد كسرت من العود قطعا صغارا؛ وجعلته موضع الحطب، (وَرَشحُهُمُ)؛ أي: عَرَقهم. ومن باب صفة جهنم [٩٠٦ - ٩٠٨] (إِذ سَمِعَ وَجَبَةً) أي: صوتا، وقوله: (إِلَى حُجزَتِهِ) ؛ أي: مَشَدَّ السراويل على الجَنْب، وقوله: (حِقوَيهِ) أي: جَنْبيه، وقول: (قَطْ قَطْ) وروي: (قَطِ قَطِ) بكسر الطاء والتخفيف، وروي بالتشديد، وهو حكاية صوت الانزواء، وقَطِ بكسر الطاء والتخفيف، بمعنى: قَطِي؛ أي: حسبي. وفي هذه الأحاديث ما يبعث على شدة الخوف من نار جهنم، وفي جرِّها بالأَزِمَّة هول هائل، تُقلَع مع عِظَمها من أصلها، فتخِرُّ بإذن الله ﷿، وقوله: (مِنهُم مَن تَأخُذُه إِلَى كَذَا وَمِنهُم إِلَى كَذَا)؛ يعني: المؤمنين المذنبين؛ على قدر جرائمهم، وقوله: (حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ الْعِزَّةِ قَدَمَهُ): هذا مما يجب الإيمان به، ولا يُكَيَّف. * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٣ ص٥٩٩
(٧) - (بَابُ قَوْلِهِ -ﷺ-: «إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ») وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧١١٩] (٢٨٣٤) - (حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ -وَاللَّفْظُ لِيَعْقُوبَ- قَالَا: حَدَّثَنَا إِسمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: إِمَّا تَفَاخَرُوا، وَإِمَّا تَذَاكَرُوا، الرِّجَالُ فِي الْجَنَّةِ أَكْثَرُ، أَمِ النِّسَاءُ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَوَ لَمْ يَقُلْ أَبُو الْقَاسِمِ -ﷺ-: «إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى أَضْوَإِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ اثْنَتَانِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ أَعْزَبُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) بن محمد بن بُكير أبو عثمان البغداديّ، نزل الرَّقَّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) العبديّ مولاهم، أبو يوسف البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (٢٥٢) وله ست وثمانون سنةً (ع) أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة تقدم في «الإيمان» ٢٥/ ٢٠٩. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسم الأسديّ مولاهم، أبو بِشر البصريّ ثقةٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) وهو ابن ثلاث وثمانين سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٤ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان البصريّ، تقدّم قريبًا. ٥ - (مُحَمَّدُ) بن سيرين أبو بكر الأنصاريّ مولاهم، تقدّم أيضًا قريبًا. و«أبو هريرة -﵁-» ذُكر قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لِمَا أسلفته غير مرّة، وأن شيخه يعقوب أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، وأنه مسلسل بالبصريين غير شيخيه، فبغداديّان، والصحابيّ، فمدنيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنْ مُحَمَّدِ) بن سيرين؛ أنه (قَالَ: إِمَّا تَفَاخَرُوا، وَإِمَّا تَذَاكَرُوا) معنى هذا الكلام أن جماعة من الناس اختلفوا فيما بينهم هل (الرِّجَالُ فِي الْجَنَّةِ أَكْثَرُ، أَمِ النِّسَاءُ؟) وفي بعض النسخ: «الرجال أكثر في الجنّة أم النساء؟»، وهذا الاختلاف، إما مذاكرة فيما بينهم، وإما مفاخرة للرجال على النساء، أو العكس ، وهذا تؤيّده رواية ابن عيينة التالية بلفظ: «اختصم الرجال والنساء، أيُّهم في الجنّة أكثر؟». (فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁-: (أَ) تختلفون في هذا (وَلَمْ يَقُلْ أَبُو الْقَاسِمِ -ﷺ-: «إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ) بضم الزاي؛ أي: أول جماعة (تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ)؛ أي: في الإضاءة، وفي رواية عند البخاريّ في»الرقاق«بلفظ:»يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر«، وقال وليّ الدين -﵀-: قوله:»على صورة القمر«؛ أي: على صفته؛ أي: إنهم في إشراق وجوههم على صفة القمر ليلة تمامه، وكماله، وهي ليلة أربع عشرة، وبذلك سُمّي القمر بدرًا في تلك الليلة، وقد ورد في هذا المعنى ما يقتضي ما هو أبلغ من ذلك، فروى الترمذيّ من حديث سعد بن أبي وقاص -﵁- مرفوعًا:»لو أن رجلًا من أهل الجنة اطلع، فبدا أساوره لطمس ضوء الشمس، كما تطمس الشمس ضوء النجوم«. وفي«صحيح البخاريّ»من حديث سهل بن سعد مرفوعًا:«ليدخلنّ من أمتي سبعون ألفًا الجنة، أو سبعمائة ألف، لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر، فبيّن بهذه الرواية عدد هذه الزمرة. انتهى . (وَالَّتِي تَلِيهَا)؛ أي: والزمرة التي تلي هذه الزمرة الأولى، (عَلَى أَضْوَإِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ)؛ أي: كل واحد منهم كأضوء كوكب دُريّ في السماء، وهو بضم الدال، وتشديد الراء، والياء؛ أي: شديد الإنارة، منسوب إلى الدرّ، وتقدمت له لغات أُخَر، مع بيان مبانيها، ومعانيها. وزاد في الرواية الرابعة: «ثم هم بعد ذلك منازل»؛ أي: إن درجاتهم في إشراق اللون متفاوتة بحسب علوّ درجاتهم، وتفاوت فضلهم . (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ اثْنَتَانِ)؛ أي: من نساء الدنيا، فقد روى أحمد من وجه آخر، عن أبي هريرة -﵁- مرفوعًا في صفة أدنى أهل الجنة منزلةً، و«أن له من الحور العين لاثنتين وسبعين زوجةً سوى أزواجه من الدنيا»، وفي سنده شهر بن حوشب، وفيه مقال . ولأبي يعلى في حديث الصُّور الطويل من وجه آخر، عن أبي هريرة، في حديث مرفوع: «فيدخل الرجل على ثنتين وسبعين زوجة، مما ينشئ الله، وزوجتين من ولد آدم»، وأخرجه الترمذيّ من حديث أبي سعيد، رفعه: «إن أدنى أهل الجنة الذي له ثمانون ألف خادم، وثنتان وسبعون زوجة»، وقال: غريب، ومن حديث المقدام بن معد يكرب عنده: «للشهيد ست خصال. . .» الحديث، وفيه: «ويتزوج ثنتين وسبعين زوجة من الحور العين»، وفي حديث أبي أمامة عند ابن ماجه، والدارميّ، رفعه: «ما أحد يدخل الجنة إلا زوّجه الله ثنتين وسبعين من الحور العين، وسبعين وثنتين من أهل الدنيا»، وسنده ضعيف جدًا. قال الحافظ: وأكثر ما وقفت عليه من ذلك ما أخرج أبو الشيخ في «العظمة»، والبيهقيّ في «البعث» من حديث عبد الله بن أبي أوفى، رفعه: «إن الرجل من أهل الجنة ليُزَوَّج خمسمائة حوراء، أو أنه ليُفضي إلى أربعة آلاف بكر، وثمانية آلاف ثيّب»، وفيه راو لم يُسَمَّ، وفي الطبرانيّ من حديث ابن عباس: «إن الرجل من أهل الجنة ليفضي إلى مائة عذراء». وقال ابن القيّم -﵀-: ليس في الأحاديث الصحيحة زيادة على زوجتين، سوى ما في حديث أبي موسى: «إن في الجنة للمؤمن لخيمةً من لؤلؤة، له فيها أهلون، يطوف عليهم». قال الحافظ: الحديث الأخير صححه الضياء، وفي حديث أبي سعيد عند مسلم، في صفة أدنى أهل الجنة: «ثم يدخل عليه زوجتاه»، والذي يظهر أن المراد: أن أقل ما لكل واحد منهم زوجتان. وقد أجاب بعضهم باحتمال أن تكون التثنية تنظيرًا لقوله: جنتان، وعينان، ونحو ذلك، أو المراد: تثنية التكثير والتعظيم، نحو: لبيك، وسعديك، ولا يخفى ما فيه. واستدلّ أبو هريرة -﵁- بهذا الحديث على أن النساء في الجنة أكثر من الرجال، كما بُيّن في هذه الرواية، وهو واضح، لكن يعارضه قوله -ﷺ- في حديث الكسوف المتقدم: «رأيتكنّ أكثر أهل النار»، ويجاب بأنه لا يلزم من أكثريتهنّ في النار نفي أكثريتهن في الجنة، لكن يُشكل على ذلك قوله -ﷺ- في الحديث الآخر: «اطّلعت في الجنة، فرأيت أقلّ ساكنها النساء». ويَحْتَمِل أن يكون الراوي رواه بالمعنى الذي فهمه، من أن كونهنّ أكثر ساكني النار يلزم منه أن يكن أقل ساكني الجنة، وليس ذلك بلازم؛ لِمَا سبق. ويَحْتَمِل أن يكون ذلك في أول الأمر قبل خروج العصاة من النار بالشفاعة، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال النوويّ -﵀-: كذا وقع «زوجتان» بتاء التأنيث، وهي لغة تكررت في الحديث، والأكثر خلافها، وبه جاء القرآن، وذكر أبو حاتم السجستانيّ أن الأصمعيّ كان ينكر زوجة، ويقول: إنما هي زوج، قال: فأنشدناه قول الفرزدق: وَأَنَّ الَّذِي يَسْعَى لِيُفْسِدَ زَوْجَتِي … لَسَاعٍ إِلَى أُسْدِ الشَّرَى يَسْتَنِيلُهَا قال: فسكت. ثم ذكر له شواهد أخرى . (يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ) وفي رواية للبخاريّ: «من وراء العظم واللحم»، والْمُخّ بضم الميم، وتشديد المعجمة: ما في داخل العظم، والمراد به: وَصْفها بالصفاء البالغ، وأن ما في داخل العظم لا يستتر بالعظم واللحم والجِلد، ووقع عند الترمذيّ: «لَيُرى بياض ساقها من وراء سبعين حُلَّةً، حتى يُرَى مُخُّها»، ونحوه لأحمد من حديث أبي سعيد، وزاد: «يُنظر وجهه في خدّها أصفى من المرآة». وقوله: (وَمَا فِي الْجَنَّةِ أَعْزَبُ») قال النوويّ -﵀-: هكذا في جميع نُسخ بلادنا:«أعزب»بالألف، وهي لغة، والمشهور في اللغة:«عَزَب»بغير ألف، ونقل القاضي أن جميع رواتهم رووه:«وما في الجنة عَزَب» بغير ألف، إلا العذري، فرواه بالألف، قال القاضي: وليس بشيء، والعَزَب: من لا زوجة له، والعُزُوب: البُعد، وسُمّي عزبًا لبُعده عن النساء. انتهى . وقال الفيّوميّ -﵀-: عَزَبَ الرجلُ يَعْزُبُ، من باب قتل عُزْبَةً، وزانُ غُرْفَة، وعُزُوبَةً: إذا لم يكن له أهل، فهو عَزَبٌ بفتحتين، وامرأة عَزَبٌ أيضًا كذلك، قال الشاعر [من الرجز]: يَا مَنْ يَدُلُّ عَزَبًا عَلَى عَزَبْ … عَلَى ابْنَةِ الحُمَارِسِ الشَّيْخِ الأَزَبْ وجَمْع الرجل عُزَّابٌ، باعتبار بنائه الأصليّ، وهو عَازِبٌ، مثلُ كافر وكُفّار، قال أبو حاتم: ولا يقال: رجل أَعْزَبُ، قال الأزهريّ: وأجازه غيره، وقياس قول الأزهريّ أن يقال: امرأة عَزْبَاءُ، مثل أحمر وحمراء. انتهى . وقال القاضي عياض -﵀-: ظاهر هذا الحديث أن النساء أكثر أهل الجنة، وفي الحديث الآخر أنهنّ أكثر أهل النار، قال: فيخرج من مجموع هذا أن النساء أكثر ولد آدم، قال: وهذا كله في الآدميات، وإلا فقد جاء للواحد من أهل الجنة من الحور العدد الكثير. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ٧١١٩ و٧١٢٠ و٧١٢١ و٧١٢٢] و[٨/ ٧١٢٣] (٢٨٣٤)، و(البخاريّ) في «بدء الخلق» (٣٢٤٥ و٣٢٤٦ و٣٢٥٤)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٠٨٧٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٣٠ و٢٤٧ و٣٤٥ و٤٢٠ و٤٢٢ و٥٠٧)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٣٣٦)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١١٤٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٧٤٢٠ و٧٤٣٦)، و(أبو نعيم) في «الحلية» (٨/ ١٨٤ - ١٨٥)، و(البيهقيّ) في «البعث» (٣٣٥)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٤٣٢٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أنَّ أبا هريرة -﵁- استدلّ به على كون النساء أكثر في الجنّة من الرجال، ووجه ذلك أنه إذا لم يكن في الجنّة عَزَبٌ، وكان لكلّ واحد من الرجال زوجتان، فتكون النساء أكثر من الرجال. قال الحافظ وليّ الدين -﵀-: ويعارضه الحديث الآخر: «إني رأيتكن أكثر أهل النار»، وفي الحديث الآخر: «اطلعت في النار، فرأيت أكثر أهلها النساء» وكلاهما في الصحيح، والجمع بينهما أنهنّ أكثر أهل الجنة، وأكثر أهل النار؛ لكثرتهنّ، قال القاضي عياض: يخرج من مجموع هذا أن النساء أكثر ولد آدم، قال: وهذا كله في الآدميات، وإلا فقد جاء أن للواحد من أهل الجنة من الحور العدد الكثير. وفي حديث أبي سعيد -﵁-: «إن أدنى أهل الجنة الذي له اثنتان وسبعون زوجة». فإن قلت: كيف اقتصر في هذا الحديث على ذكر زوجتين؟. قلت: الزوجتان من نساء الدنيا، والزيادة على ذلك من الحور العين، وقال أبو العباس القرطبيّ: بهذا يُعلم أن نوع النساء المشتمل على الحور والآدميات في الجنة أكثر من نوع الرجال من بني آدم، ورجال بني آدم أكثر من نسائهم، وعن هذا قال -ﷺ-: «أقل ساكني الجنة النساء، وأكثر ساكني جهنم النساء»؛ يعني: نساء بني آدم هن أقل في الجنة، وأكثر في النار. قلت : وإذا قلنا بالأولى: إن لكل واحد منهم زوجتين من نساء الدنيا، فيشكل على ذلك قوله: «أقل ساكني الجنة النساء»، ولعل راويه رواه بالمعنى في فهمه، فأخطأ فهمه من كونهن أكثر ساكني جهنم أنهن أقل ساكني الجنة، وقد تقدم أن ذلك لا يلزم، وأنهن أكثر ساكني الجهتين معًا؛ لكثرتهنّ، والله أعلم. انتهى . ٢ - (ومنها): أن فيه دليلًا على دخول أهل الجنة إليها جماعة بعد جماعة، وقد صُرِّح به في قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧٣]، وذلك بحسب الفضل، وتفاوت الدرجات، فمن كان أفضل كان إلى الجنة أسبق، وأول من يدخل الجنة نبينا محمد -ﷺ-، وفي الحديث الصحيح: «آتي يوم القيامة باب الجنة، فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أُمرت أن لا أفتح لأحد قبلك». ٣ - (ومنها): أنه قد تبيّن ببقية الروايات أن الزوجتين أقل ما يكون لساكن الجنة من نساء الدنيا، وأن أقل ما يكون له من الحور العين سبعون زوجة، وأما أكثر ذلك فلا حصر له، وفي «الصحيح» عن أبي موسى الأشعريّ -﵁- عن النبيّ -ﷺ- قال: «إن للمؤمن في الجنة لخيمةً من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها ستون ميلًا، للمؤمن فيها أهلون، يطوف عليهم المؤمن، فلا يرى بعضهم بعضًا»، وفي رواية: «في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون». وروى الترمذيّ من رواية ثوير بن أبي فاختة، عن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إن أدنى أهل الجنة منزلة لَمَن ينظر إلى جِنانه، وأزواجه، ونعيمه، وخدمه، وسُرُره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوةً وعشيةً». ٤ - (ومنها): أن قوله: «يُرى مخّ ساقهما من وراء اللحم»؛ يعني: من شدة صفاء لحم الساقين، كما يُرى السلك في جوف الدّرّة الصافية، وروى الترمذيّ من حديث ابن مسعود -﵁- مرفوعًا: «إن المرأة من نساء أهل الجنة يرى بياض ساقها من وراء سبعين حلّةً، حتى يرى مخّها، وذلك أن الله يقول: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)﴾ فأما الياقوت فإنه حجر لو أدخلت فيه سلكًا، ثم استصفيته لرأيته من ورائه، وفي هذا زيادة وهي صفاء الحلل، ورقتها، بحيث يرى المخّ من ورائها أيضًا، ولو كثر عددها ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧١٢٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: اخْتَصَمَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، أَيُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ أَكْثَرُ؟ فَسَأَلُوا أَبَا هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ -ﷺ-، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة الإمام المشهور، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة عن أيوب السختيانيّ هذه ساقها الإمام أحمد -﵀- في «مسنده»، فقال: (٧٣٦٩) - حدّثنا سفيان، عن أيوب، عن محمد: «اختصم الرجال والنساء، أيهم في الجنة أكثر؟ فقال أبو هريرة: قال أبو القاسم -ﷺ-:»أول من يدخل الجنة مثل القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أضوء كوكب دُرّيّ، لكل رجل منهم زوجتان اثنتان، يُرَى مخُّ ساقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب«. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧١٢١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ -يَعْنِي: ابْنَ زِيَادٍ- عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-:«أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ»(ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ -وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ- قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-:«إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لَا يَبُولُونَ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَمْتَخِطُونَ، وَلَا يَتْفُلُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّة، وَأَزْوَاجُهُمُ الْحُورُ الْعِينُ، أَخْلَاقُهُمْ عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة، تقدّم قريبًا. ٣ - (جَرِيرُ) بن عبدَ الحميد الضبيّ الكوفيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيادٍ) الْعَبْديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٦) وقيل: بعدها (ع) تقدم في«الطهارة»١١/ ٥٨٤. ٥ - (عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ) بن شُبْرُمة -بضم الشين المعجمة، والراء، بينهما موحّدة ساكنة- الضبيّ الكوفيّ، ثقةٌ أرسل عن ابن مسعود [٦] (ع) تقدم في«الإيمان»١/ ١٠٨. ٦ - (أَبُو زُرْعَةَ) بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجليّ الكوفيّ، قيل: اسمه هَرِم، وقيل: عمرو، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: جرير، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في«الإيمان»١/ ١٠٦. و«أبو هريرة -﵁-»ذُكر قبله. وقوله: («وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ)؛ أي: يقربون من تلك الزمرة في قرب المرتبة. وقوله: (إِضَاءَةً) منصوب على التمييز، بُيِّن وجه الشبه، قال الطيبيّ -﵀-: قوله: «كأشدّ كوكب» أفرد المضاف إليه؛ ليفيد الاستغراق في هذا النوع من الكوكب؛ يعني: إذا تقصّيت كوكبًا كوكبًا رأيتهم كأشده إضاءةً. فإن قلت: ما الفرق بين هذا، والتركيب السابق؟. قلت: كلاهما تشبيهان، إلا أن الوجه في الثاني هو الإضاءة فقط، وفي الأول الهيئة، والحسن، والضوء، كما إذا قلت: إن زيدًا ليس بإنسان، بل هو في صورة الأسد، وهيئته، وجرأته، وهذا التشبيه قريبٌ من الاستعارة المكنيّة، والكوكب الدريّ هو الشديد الإنارة، نُسب إلى الدرّ، وشُبّه صفاؤه بصفائه. انتهى . وقوله: (لَا يَبُولُونَ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَمْتَخِطُونَ)؛ أي: ليس في فمهم وأنفهم من المياه الزائدة والمواد الفاسدة ليحتاجوا إلى إخراجها؛ لأن الجنة مساكن طيبة للطيبين، فلا يلائمها الأدناس والأنجاس. وقوله: (وَلَا يَتْفُلُونَ) بضم الفاء، وتكسر؛ أي: لا يبزقون، وقال النوويّ: قوله: «ولا يتفلون» هو بكسر الفاء، وضمها، حكاهما الجوهريّ وغيره، وفي رواية: «لا يبصقون»، وفي رواية: «لا يبزقون» وكله بمعنى. انتهى. وقال الرافعيّ -﵀-: قوله: «لا يتفلون» الرواية بكسر الفاء، يقال: تَفَل يَتْفِل تَفْلًا: بَزَقَ، والتَّفَل بفتحتين، هو البزاق نفسه، وكذلك الريح الكريهة، ويقال في معنى الرائحة: تَفِلَ يَتْفَل تَفَلًا، فهو تَفِلٌ، ومنه: «وليخرجن تَفِلات»، فقوله: «لا يتفلون»؛ أي: لا يبصقون، كما قال: «لا يمتخطون»، ولو رُويَ لا يَتْفَلُون لكان المعنى لا يتغير روائحهم. انتهى . وقال الفيّوميّ -﵀-: تَفِلَتِ المرأةُ تَفَلًا، فهي تَفِلَةٌ، من باب تَعِبَ: إذا أنتن ريحها؛ لِتَرك الطيب والادّهان، والجمع: تَفِلاتٌ، وإذا كَثُر فيها فهي مِتْفَالٌ، مبالغة، وتَفِلَتْ: إذا تطيبت، من الأضداد، وتَفَلَ تَفْلًا، من بابي ضَرَب، وقَتَل، من البزاق، يقال: بَزَقَ، ثم تَفَلَ، ثم نَفَثَ، ثم نَفَخَ. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «لا يبولون. . . إلخ» إنما لم تصدر هذه الفضلات عن أهل الجنة؛ لأنَّها أقذار مستخبثة، والجنة منزهة عن مثل ذلك، ولمّا كانت أغذية أهل الجنة في غاية اللطافة، والاعتدال، لم يكن لها فضلة تستقذر، بل تستطاب، وتستلذّ، وهي التي عبّر عنها بالمسك فيما قال: «ورشحهم المسك»، وقد جاء في لفظ آخر: «لا يبولون، ولا يتغوّطون، وإنما هو عَرَق يجري من أعراضهم مثل المسك» ؛ يعني: من أبدانهم. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون، ولا يتغوطون»، زاد في رواية: «ولا يبولون، ولا يتفلون»، وفي رواية: «لا يسقمون»، وقد اشتمل ذلك على نفي جميع صفات النقص عنهم، ولمسلم من حديث جابر: «يأكل أهل الجنة، ويشربون، ولا يبولون، ولا يتغوطون، طعامهم ذلك جشاء، كريح المسك»، وكأنه مختصر مما أخرجه النسائيّ من حديث زيد بن أرقم، قال: «جاء رجل من أهل الكتاب، فقال: يا أبا القاسم تزعم أن أهل الجنة يأكلون، ويشربون، قال: نعم، إن أحدهم ليُعْطَى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع، قال: الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة، وليس في الجنة أذى، قال: تكون حاجة أحدهم رشحًا يفيض من جلودهم، كرشح المسك»، وسَمَّى الطبرانيّ في روايته هذا السائل ثعلبة بن الحارث. قال ابن الجوزيّ: لمّا كانت أغذية أهل الجنة في غاية اللطافة، والاعتدال لم يكن فيها أذى، ولا فضلة تستقذر، بل يتولد عن تلك الأغذية أطيب ريح، وأحسنه. انتهى . وقال وليّ الدين -﵀-: قوله: «لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون، ولا يتغوطون فيها» هي صفة أهل الجنة مطلقًا، ولا يختصّ ذلك بالزمرة الأُولى، وقد دلّ على ذلك الرواية التي بيّن فيها صفة الذين يلونهم، وأشار إلى بقية المنازل. انتهى . وقوله: (أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ) وفي الرواية الآتية: «آنِيَتُهُمْ، وَأَمْشَاطُهُمْ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ»، والأمشاط بفتح الهمزة: جمع مشط، بتثليث الميم والأفصح ضمها؛ أي: ما يُسرّح به الشعر. وقال المجد -﵀-: المشط مثلّثةً، وككتِف، وعُنُق، وعُتُلٍّ، ومِنْبَر: آلة يُمتشط بها، جَمْعه أمشاط، ومِشَاطٌ. انتهى . وقال أبو العباس القرطبيّ -﵀-: قد يقال: أيّ حاجة في الجنة للأمشاط، لا تتلبد شعورهم، ولا تتّسخ، وأيّ حاجة للبَخور، وريحهم أطيب من المسك، ويجاب عن ذلك بأن نعيم أهل الجنة، وكسوتهم، ليس عن دفع ألم اعتراهم، فليس أكلهم عن جوع، ولا شُربهم عن ظمأ، ولا تطييبهم عن نتن، وإنما هي لذّات متوالية، ونِعَم متتابعة، أَلَا ترى قوله تعالى لآدم -﵇-: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾ [طه: ١١٨، ١١٩]، وحكمة ذلك أن الله تعالى نعّمهم في الجنة بنوع ما كانوا يتنعمون به في الدنيا، وزادهم على ذلك ما لا يعلمه إلا الله -﷿-. انتهى . وقوله: (وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ)؛ أي: عَرَقهم كالمسك في طيب الرائحة، وقال المباركفوريّ: المعنى: رائحة عرقهم رائحة المسك، فهو تشبيه بليغ. انتهى . وقوله: (وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ) جمع مِجْمَر، بالكسر، والضم، فبالكسر موضع وَضْع النار للبخور، وبالضم ما يتبخر به، وأُعدّ له الجمر، وهو المراد هنا؛ أي: إن بَخُورهم بالألوّة، وهو العود الهنديّ، والألوّة بفتح الهمزة، وضمها، وتشديد الواو، قال الكرمانيّ: فإن قلت: مجامر الدنيا كذلك، قلت: لا؛ إذ في الجنة نفس المجمرة هي العود. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «ومجامرهم الألوّة» الألوّة: العود الذي يُبخر به، قيل: جُعلت مجامرهم نفس العود، لكن في الرواية الثانية: «ووَقُود مجامرِهِم الألوّة» فعلى هذا في رواية الباب تجوّز، ووقع في رواية الصغاني بعد قوله: «الألوة»، قال أبو اليمان: يعني: العود، والمجامر جمع مِجمرة، وهي الْمِبْخَرة، سُمّيت مجمرةً؛ لأنها يوضع فيها الجمر؛ ليفوح به ما يوضع فيها من البَخُور، والألوّة بفتح الهمزة، ويجوز ضمها، وبضم اللام، وتشديد الواو، وحكى ابن التين كسر الهمزة، وتخفيف الواو، والهمزة أصلية، وقيل: زائدة، قال الأصمعيّ: أُراها فارسيّةً عُرِّبَتْ. وقد يقال: إن رائحة العود إنما تفوح بوضعه في النار، والجنة لا نار فيها، ومن ثَمَّ قال الإسماعيليّ بعد تخريج الحديث المذكور: يُنظر هل في الجنة نار؟. وبجاب باحتمال أن يَشتعل بغير نار، بل بقوله: «كن»، وإنما سُمِّيت مِجْمَرة باعتبار ما كان في الأصل، ويَحْتَمِل أن يشتعل بنار لا ضرر فيها، ولا إحراق، أو يفوح بغير اشتعال، ونحو ذلك ما أخرجه الترمذيّ من حديث ابن مسعود -﵁- مرفوعًا: «إن الرجل في الجنة ليشتهي الطير، فيخرّ بين يديه مشويًّا»، وفيه الاحتمالات المذكورة. وقد ذَكَر نحو ذلك ابن القيم: في الباب الثاني والأربعين من «حادي الأرواح»، وزاد في الطير: أو يُشْوَى خارج الجنة، أو بأسباب قُدِّرت لإنضاجه، ولا تتعيَّن النار، قال: وقريب من ذلك قوله تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾ [يس: ٥٦] ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥]، وهي لا شمس فيها. وقال القرطبيّ -﵀-: قد يقال: أيُّ حاجة لهم إلى المشط، وهم مُرْدٌ، وشعورهم لا تتسخ؟، وأيّ حاجة لهم إلى البَخُور، وريحهم أطيب من المسك؟ قال: ويجاب بأن نعيم أهل الجنة من أكل، وشرب، وكسوة وطيب، ليس عن ألم جوع، أو ظمأ، أو عُرْيٍ، أو نَتْن، وإنما هي لذات متتالية، ونِعَم متوالية، والحكمة في ذلك أنهم ينعمون بنوع ما كانوا يتنعمون به في الدنيا . وقال النوويّ -﵀-: مذهب أهل السُّنَّة أن تنعُّم أهل الجنة على هيئة تنعّم أهل الدنيا، إلا ما بينهما من التفاضل في اللذة، ودلّ الكتاب والسُّنَّة على أن نعيمهم لا انقطاع له. انتهى . (وَأَزْوَاجُهُمُ الْحُورُ الْعِينُ) قالى الطبريّ -﵀-: الحور جمع حَوْراء، وهي: النقية بياض العين، الشديدة سوادها، والعين: جمع عيناء، وهي النجلاء العين، في حُسن. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: الحور: جمع حَوْراء، والْحَوَر في العين: شدّة بياضها في شدة سوادها، هذا المعروف، قال أبو عمرو: الْحَوَر أن تسودّ العين كلّها مثل أعين الظباء والبقر، وليس في بني حَوَرٌ، وإنما قيل للنساء: حُور العين؛ لأنّهن تشبّهن بالظباء والبقر، قال الأصمعيّ: ما أدري ما الْحَوَر في الْعَيْن، والْعِينُ: جمع عيناء، وهي: الواسعة العين، وفي «الصحاح»: رجل أعين: واسع العين، والجمع: عِين، وأصله فُعْل بالضم، ومنه قيل لبقر الوحش: عِين، والثور أعين، والبقرة عيناء. انتهى . وقوله: (أَخْلَاقُهُمْ عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ) قال النوويّ -﵀-: قد ذكر مسلم في الكتاب اختلاف ابن أبي شيبة، وأبي كريب في ضبطه، فإن ابن أبي شيبة يرويه بضم الخاء واللام، وأبو كريب بفتح الخاء وإسكان اللام، وكلاهما صحيح، وقد اختَلَف فيه رواة «صحيح البخاريّ»، ويُرَجَّح الضم بقوله في الحديث الآخر: «لا اختلاف بينهم، ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد»، وقد يُرَجَّح الفتح بقوله -ﷺ- في تمام الحديث: «على صورة أبيهم آدم، أو على طوله». انتهى . وقوله: (عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ)؛ أي: في حسن الْخَلْق، وجمال الصورة، وقال في «العمدة»: قال في الأول: «على صورة القمر»، والتوفيق بينهما بأن يقال: الكل على صورة آدم في الطول والخلقة، وبعضهم في الحسن كصورة القمر نورًا وإشراقًا. انتهى . وقال القاري: قوله: «على صورة أبيهم آدم»؛ أي: في القامة، وبَيّنه بقوله: «ستون ذراعًا في السماء»؛ أي: طولًا، فكني عنه به، قاله الطيبيّ -﵀-: وقيل: العرض سبعة، والله تعالى أعلم. انتهى . وقوله: (سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ»)؛ أي: في العلوّ والارتفاع، ويسمى كلّ ما عَلَاك سماءً، ويعني بذلك أن الله تعالى أعاد أهل الجنة إلى خِلْقة أصلهم الذي هو آدم -﵇-، وعلى صفته وطوله الذي خلقه الله عليه في الجنة، وكان طوله فيها ستين ذراعًا في الارتفاع من ذراع نفسه، والله أعلم. ويَحْتَمِل أن يكون ذلك الذراع مقدرًا بأذرعتنا المتعارفة عندنا، ثم لم يزل خَلْق ولده وطولهم ينقص، كما جاء في الرواية الأخرى، قاله القرطبيّ -﵀- . والحديث متّفق عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧١٢٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، ثُمَّ هُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنَازِلُ، لَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَبُولُونَ، وَلَا يَمْتَخِطُونَ، وَلَا يَبْزُقُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، أَخْلَاقُهُمْ عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى طُولِ أَبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا»، قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ:«عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ »، وَقَالَ أَبُو كُرَيْبٍ:«عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ»، وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ:«عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ»). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: وكلّهم تقدّموا قريبًا. وقوله: («أَوَّلُ زُمْرَةٍ) وفي بعض النسخ: »إن أول زمرة«. وقوله: (ثُمَّ هُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنَازِلُ)؛ يعني: أنهم متفاوتون في الدرجات. وقوله: (وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ) قال وليّ الدين -﵀-: «المجامر» بفتح الميم والجيم، يكون جمع مِجْمَر بكسر الميم، وإسكان الجيم، وفتح الميم الثانية، وهو الذي يوضع فيه النار للبَخور، ويكون جمع مُجمر بضم الميم والباقي كذلك، وهو الذي يتبخر به، وأُعد له الجمر، وهو المراد في هذا الحديث، و«الألوة» بفتح الهمزة، وضمها، وضم اللام، وفتح الواو، وتشديدها، هو العُود الذي يُتبخر به، وهو العود الهنديّ، وهمزته أصلية، وقيل: زائدة؛ أي: إن بخورهم العود، وهو الألنجوج المذكور في رواية أخرى في «الصحيح»، وهو بفتح الهمزة واللام، وإسكان النون، وضم الجيم، ويقال فيه أيضًا: يلنجوج بالياء أوَّله بدل الهمزة، ويقال فيه أيضًا: ألنجج بحذف الواو التي بين الجيمين، والألف والنون فيه زائدتان، كأنه يلج في تضوّع رائحته، وانتشارها. فإن قلت: إنما تفوح رائحة العود بوضعه في النار، كما قال الشاعر [من الكامل]: لَوْلَا اشْتِعَالُ النَّارِ فِيمَا جَاوَرَتْ … مَا كَانَ يُعْرَفُ طِيبُ نَشْرِ الْعُودِ والجنة لا نار فيها. قلت: قد يَشتعل بغير نار، وقد تفوح رائحته بلا اشتعال، وليست أمور الآخرة على قياس أمور الدنيا، وهذا الطير يشتهيه الإنسان، فينزل مشويًّا بلا شيّ نار، ولا غيرها، والله أعلم. انتهى . وقوله: (وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ) بفتح الراء المهملة، وإسكان الشين المعجمة، وبالحاء المهملة؛ أي: إن العَرَق الذي يترشح منهم رائحته كرائحة المسك، وهو قائم مقام التغوط والبول من غيرهم، كما قال في الحديث: «لا يبولون، ولا يتغوّطون، وإنما هو عَرَقٌ يجري من أعراضهم مثل المسك»؛ يعني: من أبدانهم، ولمّا كانت أغذية الجنة في غاية اللطافة والاعتدال، لا عجم لها، ولا ثفل، لم يكن لها فضلةٌ، تستقذر، بل تستطاب، وتستلذّ، فعبَّر عنها بالمسك الذي هو أطيب طيب أهل الدنيا . وقوله: (أَخْلَاقُهُمْ عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ») قال القاري: هو بضم الخاء واللام، وتسكّن، والمعنى أنهم على قلب واحد، وبفتح الأول، والمعنى أنهم أتراب في سنّ واحد، وهو ثلاثون، أو ثلاث وثلاثون سنة على ما سيأتي في الحديث، وهو الملائم المناسب لقوله:«على صورة أبيهم آدم»؛ أي: في القامة، وبيّنه بقوله:«ستون ذراعًا في السماء»؛ أي: طولًا، فكني عنه به، قاله الطيبيّ -﵀- . وقال النوويّ -﵀-: رُوي بضم الخاء واللام، وبفتح الخاء وإسكان اللام، وكلاهما صحيح، ورجح الضم بقوله في الحديث الآخر:«لا اختلاف بينهم، ولا تباغض، قلوبهم على قلب واحد»، وقد يرجح الفتح بقوله:«لا يمتخطون، ولا يتفلون»، قال الطيبيّ -﵀-: فعلى هذا لا يكون قوله:«على صورة أبيهم آدم»بدلًا من قوله:«على خلق رجل واحد»بل يكون خبر مبتدأ محذوف، فإذا قيل: الموصوفون بالصفات المذكورة كلها على خُلُق رجل واحد حسن الإبدال. قال: وأما توجيه الضمّ، فالجملة كالإجمال للتفصيل الذي هو مسبوق بمجمل، أجمل أولًا بقوله:«قلوبهم على قلب رجل واحد»، ثم فصّل بقوله:«لا اختلاف بينهم، ولا تباغُض»، وعلّل عدم الاختلاف بقوله:«لكل امرئ منهم زوجتان. . . إلخ»على معنى أن كل واحد رضي بما أوتي من الثواب على حَسَب مرتبته، وثانيًا بقوله:«على خُلق رجل واحد»؛ تأكيدًا وتقريرًا، فهو كالفذلكة للمجموع. وحاصله أنه -ﷺ- ابتدأ بوصف حُسن خُلُقهم الباطن، وختم بوصف حسن خَلْقهم الظاهر. انتهى كلام الطيبيّ -﵀- . وقوله: (قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ:«عَلَى خُلُقِ رَجُل»)؛ أي: بضمّ الخاء واللام، ووقع بعض النسخ:«رجلٍ واحدٍ»في الموضعين، (وَقَالَ أَبُو كُرَيْبٍ:«عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ»)؛ أي: بفتح الخاء، وإسكان اللام، (وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) أيضًا: («عَلَىَ صُورَةِ أَبِيهِمْ») بدل قول أبي كريب:«على طول أبيهم آدم». والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٨) - (بَابٌ في بَيَانِ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ، وَالتَّحْمِيدَ، وَالتَّكْبِيرَ، كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفَسَ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧١٢٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الْجَنَّةَ صُوَرُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لَا يَبْصُقُونَ فِيهَا، وَلَا يَمْتَخِطُونَ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ فِيهَا، آنِيَتُهُمْ، وَأَمْشَاطُهُمْ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمَجَامِرُهُمْ مِنَ الأَلُوَّةِ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، يُرَى مُخُّ سَاقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ، مِنَ الْحُسْنِ، لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ، وَلَا تبَاغُضَ، قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ وَاحِدٌ، يُسَبِّحُونَ اللهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل الصنعانيّ، أبو عُتبة، أخو وهب، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) على الصحيح (ع) تقدم في«الإيمان»٢٦/ ٢١٣. والباقون تقدّموا قريبًا. (وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، يُرَى مُخُّ سَاقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ، مِنَ الْحُسْنِ، لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ، وَلَا تَبَاغُضَ، قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ وَاحِدٌ) وفي رواية:«قلوبهم على قلبِ واحدٍ»بالإضافة، وترك التنوين؛ أي: على قلب شخص واحد، يريد أنها مطهَّرة عن مذموم الأخلاق، مُكَمَّلة بمحاسنها، قاله وليّ الدين -﵀- . وقال في«الفتح»: قوله:«قلب واحد»في رواية الأكثر بالإضافة، وللمستملي بالتنوين:«قلبٌ واحد»وهو من التشبيه الذي حُذفت أداته؛ أي: كقلب رجلٍ واحدٍ، وقد فسَّره بقوله:«لا تحاسد بينهم، ولا اختلاف»؛ أي: إن قلوبهم طُهِّرت عن مذموم الأخلاق. انتهى . (يُسَبِّحُونَ اللهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا)؛ أي: بقدرهما، فأوقات الجنة من الأيام والساعات تقديريات، فإن ذلك إنما يجيء من اختلاف الليل والنهار، وسَيْر الشمس والقمر، وليس في الجنة شيء من ذلك. وقال أبو العباس القرطبيّ -﵀-: هذا التسبيح ليس عن تكليف وإلزام؛ لأن الجنة ليست بمحل تكليف، وإنما هي محل جزاء، وإنما هو عن تيسير وإلهام، كما قال في الرواية الأخرى: «يُلهَمون التسبيح، والتحميد، والتكبير، كما يلهمون النَّفَس»، ووجه التشبيه أن تنفّس الإنسان لا بُدّ له منه، ولا كلفة عليه، ولا مشقة في فعله، وآحاد التنفسات مكتسبة للإنسان، وجملتها ضرورية في حقه؛ إذ يتمكن من ضبط قليل الأنفاس، ولا يتمكن من جميعها، فكذلك يكون ذكر الله -﷾- على ألسنة أهل الجنة، وسِرّ ذلك أن قلوبهم قد تنورت بمعرفته، وأبصارهم قد تمتعت برؤيته، وقد غمرتهم سوابغ نعمته، وامتلأت أفئدتهم بمحبته ومخاللته، فألسنتهم ملازمة لذِكره، ورهينة بشكره، فإن من أحب شيئًا أكثر من ذِكره. انتهى . وقال في «الفتح»: هذا التسبيح ليس عن تكليف وإلزام، وقد فسَّره جابر في حديثه عند مسلم بقوله: «يلهَمون التسبيح، والتكبير، كما يُلهَمون النفس» ووجه التشبيه أن تنفس الإنسان لا كلفة عليه فيه، ولا بدّ له منه، فجعل تنفسهم تسبيحًا، وسببه أن قلوبهم تنوّرت بمعرفة الرب -﷾-، وامتلأت بحبه، ومن أحب شيئًا أكثر من ذكره، وقد وقع في خبر ضعيف أن تحت العرش ستارة معلّقةً فيه، ثم تطوى، فإذا نُشرت كانت علامة البكور، وإذا طُويت كانت علامة العشيّ. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة.
مصادر المؤلف (٤٤)

١. وفي نسخة: «الرجال أكثر في الجنة، أم النساء؟».

٢. راجع: «الكوكب الوهّاج» ٢٥/ ٤٩٠.

٣. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٨/ ٢٥٦.

٤. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٨/ ٢٥٦.

٥. هكذا قال في «الفتح»، والأصحّ أنه ثقةٌ، ولا ينقص حديثه عن درجة الحسن، كما حقّقت ذلك في شرح النسائيّ، وفي شرح مقدّمة صحيح مسلم.

٦. «الفتح» ٧/ ٥٤٤ - ٥٤٥.

٧. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٧١ - ١٧٢.

٨. الْحُمارس: الشديد، والأزب: الكريه الذي لا يُدنى من حرمته.

٩. «المصباح المنير» ٢/ ٤٠٧.

١٠. «إكمال المعلم» ٨/ ٣٦٦.

١١. القائل وليّ الدين -﵀-.

١٢. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٨/ ٢٥٩.

١٣. «طرح التثريب في شرح التقريب»٨/ ٢٥٩.

١٤. «مسند الإمام أحمد بن حنبل»٢/ ٢٤٧.

١٥. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٢٥٥٥.

١٦. «التدوين في أخبار قزوين» للرافعيّ ١/ ٢٢٧ - ٢٢٨.

١٧. «المصباح المنير» ١/ ٧٦.

١٨. رواه أحمد ٤/ ٣٦٧، والبيهقيّ في «البعث» ص ٢٠٥.

١٩. «المفهم» ٧/ ١٧٩.

٢٠. «الفتح» ٧/ ٥٤٢ - ٥٤٣.

٢١. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٨/ ٢٥٧.

٢٢. «القاموس» ص ١٢٢٥.

٢٣. «المفهم» ٧/ ١٨٠.

٢٤. «تحفة الأحوذيّ» ٧/ ٢٠٦.

٢٥. «شرح سنن ابن ماجه» ١/ ٣٢٢.

٢٦. «المفهم» ٧/ ١٨٠.

٢٧. «الفتح» ٧/ ٥٤٣ - ٥٤٤.

٢٨. «تفسير الطبريّ» ٢٣/ ١٠٧.

٢٩. «المفهم»٧/ ١٨٠.

٣٠. «شرح النوويّ»١٧/ ١٧٣.

٣١. «عمدة القاري»١٥/ ٢٠٩.

٣٢. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٦/ ٢٢٨.

٣٣. «المفهم» ٧/ ١٨٢ - ١٨٣.

٣٤. وفي نسخة: «إن أول».

٣٥. وفي نسخة: «رجل واحد» في الموضعين.

٣٦. «طرح التثريب في شرح التقريب»٨/ ٢٥٨.

٣٧. «طرح التثريب في شرح التقريب»٨/ ٢٥٨.

٣٨. «الكاشف عن حقائق السنن»١١/ ٣٥٥٦ - ٣٥٥٧.

٣٩. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٥٥٦ - ٣٥٥٧.

٤٠. وفي نسخة:«إن أول».

٤١. «طرح التثريب في شرح التقريب»٨/ ٢٥٨.

٤٢. «الفتح» ٧/ ٥٤٥.

٤٣. «المفهم» ٧/ ١٨١.

٤٤. «الفتح» ٧/ ٥٤٥.