HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٨٦٠

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا) سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بن جبير، عن ابن عباس. سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ وهو يقول «إنكم ملاقو الله مشاة حفاة عراة غرلا» ولم يذكر زهير في حديثه: يخطب.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص156
ج ٤ ص ٢١٩٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن الدارمي, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٦٥٤
[٩١٧] وقوله: (فَيُؤخَذُ بِهِم ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي) ؛ قيل: هم المنافقون والذين ارتدوا. * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٤ ص١٧
«الطحاوية» -﵀- باختصار ، وهو بحث نفيس جدًّا، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قإل: [٧١٧١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، عَنْ حَاتِمِ بْنِ أَبِي صَغِيرَةَ، بِهَذَا الإسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ: «غُرْلًا»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوقٌ يخطئ [٨] (ت ١٩٠) أو قبلها، وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٥/ ١٢٠. والباقون ذُكروا في الباب، و«ابن نُمير» هو: محمد بن عبد الله بن نُمير. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ: «غُرْلًا») فاعل «يذكر» ضمير أبي خالد الأحمر. [تنبيه]: رواية أبي خالد الأحمر عن حاتم بن أبي صغيرة هذه ساقها ابن ماجه -﵀- في «سننه»، بسند المصنّف، فقال: (٤٢٧٦) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو خالد الأحمر، عن حاتم بن أبي صغيرة، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم، قال: قالت عائشة: قلت: يا رسول الله كيف يُحشر الناس يوم القيامة؟ قال: حُفاةً، عُراةً»، قلت: والنساء؟ قال:«والنساء»، قلت: يا رسول الله فما يستحيي؟ قال:«يا عائشة الأمر أهمّ من أن ينظر بعضهم إلى بعض». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧١٧٢] (٢٨٦٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، سَمِعَ النَّبِيَّ -ﷺ- يخْطُبُ، وَهُوَ يَقُولُ:«إِنَّكُمْ مُلَاقُو اللهِ مُشَاةً، حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا»، وَلَمْ يَذْكُرْ زُهَيْرٌ فِي حَدِيثِهِ:«يَخْطُبُ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٢ - (عَمْرُو) بن دينار المكيّ، أبو محمد الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (١٢٦) (ع) تقدم في«الإيمان»٢١/ ١٨٤. والباقون ذُكروا في الباب الماضي، إلا«سعيدًا»، و«ابنَ عباس» فسيأتيان في السند التالي، وكذا شرح الحديث -إن شاء الله تعالى-. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧١٧٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعبَةُ، عَنِ الْمُغيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- خَطِيبًا بِمَوْعِظَةٍ، فَقَالَ: «يَا أيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ إِلَى اللهِ، حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾، أَلَا وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلَائِقِ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ -﵇-، أَلَا وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: كمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٧، ١١٨] قَالَ: فَيُقَالُ لِي: إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ»، وَفِي حَدِيثِ وَكِيعٍ، وَمُعَاذٍ:«فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ»). رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ) النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦]. روى عن سعيد بن جبير، وأبي الزبير، وعبيد الله بن يزيد، وغيرهم. وروى عنه شعبة، والثوريّ، ومِسْعَر، وشريك، وأبو مالك النخعيّ، وغيرهم. قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، وكذا قال أبو داود، وأبو حاتم، وقال أبو حاتم مرةً: صالحٌ، وقال العجليّ، ويعقوب بن سفيان: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في«الثقات». أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث برقم (٢٨٦٠)، وحديث (٣٠٢٣):«أُنزلت آخر ما أُنزل ثم ما نسخها شيء». ٢ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر) بن هشام الأسديّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] وروايته عن عائشة، وأبي موسى، ونحوهما مرسَلة، قُتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين، ولم يكمل الخمسين (ع) تقدم في«الإيمان»٥٧/ ٣٢٩. ٣ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، وُلد قبل الهجرة بثلاث سنين، ومات بالطائف سنة ثمان وستين (ع) تقدم في«الإيمان» ٦/ ١٢٤. والباقون ذُكروا في الباب الماضي وقبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأن شيخيه ابن المثنّى، وابن بشّار من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وهم الذين جمعتهم بقولي: اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ … ذَوُو الأُصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ … الْحَافِظِينَ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَهْ أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ … نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌو السَّرِي وَالْعلَاءُ وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا … ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى وأن ابن عبّاس -﵄- من فضلاء الصحابة -﵃-، ذو مناقب جمّة، فهو ابن عمّ رسول الله -ﷺ-، ودعا له بالفهم في القرآن، فكان يسمى البحر، والحَبر؛ لِسَعة علمه، وقال عمر -﵁-: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عشره منا أحد، وهو أحد المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة الأربعة، ومن فقهاء الصحابة -﵃-. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄-؛ أنه (قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- خَطِيبًا) وفي الرواية السابقة: «سمع النبيّ -ﷺ- يخطب»، وفي رواية النسائيّ: «سمعت رسول الله -ﷺ- يخطب على المنبر». (بِمَوْعِظَةٍ) اسم من وَعَظَه يَعِظه وَعْظًا وعِظَة: إذا أمره بالطاعة، ووصّاه بها، وعليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ الآية [سبأ: ٤٦]؛ أي: أوصيكم، وآمركم، فاتّعَظَ: أي: ائتمر، وكفّ نفسه. أفاده الفيّوميّ . (فَقَالَ) -ﷺ- في موعظته: («يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ) وفي بعض النسخ:»محشورون«، وهو من الحشر، وهو الجمع (إِلَى اللهِ) -﷿-، حال كونكم (حُفَاةً) بالضمّ: جمع حاف، وهو خلاف الناعل، كقُضاة جمع قاض، من حَفِي يَحْفَى، من باب تعب حفاءً مثل سلام: إذا مشى بغير نعل، ولا خفّ، فهو حفٍ، والجمع حفاةٌ، مثل قاض وقُضاة، والحفاء بالكسر والمدّ اسم منه، وحَفِي من كثرة المشي: إذا رَقّت قدمه حَفًى، فهو حَفٍ، من باب تعب أيضًا، أفاده الفيّوميّ . (عُرَاةً) بالضمّ أيضًا: جمع عار من الثياب، (غُرْلًا) بضم الغين: جمع أغرل، وهو الأقلف، وهو الذي لم يُختن، وبقيت معه غرلته، وهي قلفته، وهي الجلدة التي لم تُقطع في الختان، قال الأزهريّ وغيره: هو الأغرل، والأرغل، والأغلف، بِالغين المعجمة في الثلاثة، والأقلف، والأعرم، بِالعين المهملة، وجمعه غُرْل، ورُغْل، وغُلْف، وقُلْف، وعُرْم، والغرلة: ما يُقطع من ذَكَر الصبيّ، وهو القلفة، وبطولها يُعرف نجابة الصبيّ. وقال أبو هلال العسكري: لا تلتقي الراء مع اللام في العربية إلا في أربع كلمات: أرل: اسم جبل، وورل: اسم دابة، وجرل: هو اسم للحجارة، والغرلة، وقال صاحب التوضيح: أهمل أربع كلمات أخرى: برل الديك وهو الريش الذي يستدير بعنقه، وعيش أغرل؛ أي: واسع، ورجل غَرِل: مسترخي الخلق، والهرل: ولد . قاله القالي. والورل بفتحتين: دابة مثل الضب، والجمع: ورلان، والجرل بفتح الجيم وفتح الراء، وكذلك الجرول، والواو للإلحاق بجعفر، وبُرل الديك بضم الباء الموحدة، وقال الجوهريّ: برائل الديك عفرته، وهو الريش الذي يستدير في عنقه، ولم يذكر برلًا، وقد برأل الديك برألة: إذا نفش برائله، وعيش أغرل بِالغين المعجمة، ورجل غَرِل، بفتح الغين المعجمة، وكسر الراء، مسترخي الخلق، بالخاء المعجمة. [فإن قلت]: ما فائدة القلفة يوم القيامة؟. [قلت]: المقصود أنهم يُحشرون كما خُلقوا لا شيء معهم، ولا يفقد منهم شيء، حتى الغرلة تكون معهم. وقال ابن الجوزيّ: لذة جماع الأقلف تزيد على لذة جماع المختون. وقال ابن عقيل: بشرة حشفة الأقلف موقاة بالقلفة، فتكون بشرتها أرقّ، وموضع الحس كلما رقّ كان الحس أصدق، كراحة الكف، إذا كانت موقاة من الأعمال صلحت للحسّ، وإذا كانت يد قَصّار، أو نَجّار خفي فيها الحسّ، فلما أبانوا في الدنيا تلك البضعة لأجله أعادها الله؛ ليذيقها من حلاوة فضله، قال: والسر في الختان مع أن القلفة معفوّ عن ما تحتها من النجس، أنه سُنَّة إبراهيم -﵊-. [فإن قلت]: روى أبو داود من حديث أبي سعيد أنه لمّا حضره الموت دعا بثياب جُدُد، فلبسها، ثم قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إن الميت يُبعث في ثيابه التي يموت فيها»، ورواه ابن حبان أيضًا في «صحيحه»، وروى الترمذي من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إنكم تُحشرون رجالًا وركبانًا، وتُجرّون على وجوهكم»، ففيها معارضة لحديث الباب ظاهرًا. [قلت]: أجيب بأنهم يُبعثون من قبورهم في ثيابهم التي يموتون فيها، ثم عند الحشر تتناثر عنهم ثيابهم، فيُحشرون عُراة، أو بعضهم يأتون إلى موقف الحساب عراة، ثم يكسون من ثياب الجنة، وبعضهم حَمَل قوله: «يبعث فى ثيابه» على الأعمال؛ أي: في أعماله التي يموت فيها من خير أو شر، قال تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤]؛ أي: عملك أخْلِصه، وروى مسلم عن جابر -﵁- مرفوعًا: «يُبعث كل عبد على ما مات عليه». وحمَله بعضهم على الشهداء الذين أمر -ﷺ- بأن يزمّلوا في ثيابهم، ويُدفنوا بها، ولا يغيّر شيء من حالهم، وقالوا: يَحْتَمِل أن يكون أبو سعيد سمع الحديث في الشهداء، فتأوله على العموم. وقال بعضهم: ومما يدل على حديث الباب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤]، وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، ولا ملابس يومئذ إلا في الجنة، ذكره في «العمدة» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأَولى في الجمع قول من قال: إنهم يخرجون من قبورهم بثيابهم التي ماتوا فيها، ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر، فيُحشرون عراة، ثم يكون إبراهيم -﵇- أول من يُكسَى، ثم يُكسون بعد ذلك، وهذا أقرب في الجمع بين هذه الأخبار، والله تعالى أعلم. (﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾)، ووقع في حديث أم سلمة -﵂- عند ابن أبي الدنيا: «يحشر الناس حفاة، عراة، كما بُدِئوا». وأول الآية هو قوله: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]؛ أي: يوم نطوي السماء طيًّا كطي السجل الصحيفة للكتاب المكتوب، وعن عليّ، وابن عمر -﵃-: السجل ملَك يطوي كتب ابن آدم، إذا رُفعت إليه، وعن ابن عباس -﵄-: السجل كاتب لرسول الله -ﷺ-، وعنه أيضًا السجل؛ يعني: الرجل، فعلى هذه الأقوال: الكتاب: اسم الصحيفة المكتوب فيها. وقوله: ﴿أَوَّلَ خَلْقٍ﴾ مفعول لقوله: نعيد الذي يفسره ﴿نُعِيدُهُ﴾ الذي بعده، والكاف مكفوفة بـ «ما»، والمعنى: نعيد أول خلق كما بدأناه؛ تشبيهًا للإعادة بالإبداء، في تناول القدرة لهما على السواء، وقيل: كما بدأناهم في بطون أمهاتهم حُفاة عُراة غُرلًا كذلك نعيدهم يوم القيامة نظيرها. وقوله: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ مصدر مؤكد؛ لأن قوله: ﴿نُعِيدُهُ﴾ عِدَة للإعادة، وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾؛ أي: قادرين على ما نشاء أن نفعل، وقيل: معناه: إنا كنا فاعلين ما وعدناه، قاله في «العمدة» . (ألَا) أداة تحضيض، (وإنَّ أَوَّلَ الْخَلَائِقِ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبرَاهِيمُ -﵇-) قال القرطبيّ -﵀-: يجوز أن يراد بالخلائق مَن عدا نبينا -ﷺ-، فلم يدخل في عموم خطابه نفسه، وتعقّبه تلميذه القرطبيّ أيضًا في «التذكرة»، فقال: هذا حسنٌ لولا ما جاء من حديث عليّ -﵁-؛ يعني: الذي أخرجه ابن المبارك في «الزهد» من طريق عبد الله بن الحارث، عن عليّ -﵁- قال: «أول من يكسى يوم القيامة خليل الله -﵇- قبطيتين، ثم يكسى محمد -ﷺ- حلة حبرة عن يمين العرش». قال الحافظ: كذا أورده مختصرًا موقوفًا، وأخرجه أبو يعلى مطوّلًا مرفوعًا، وأخرج البيهقيّ من طريق ابن عباس نحو حديث الباب، وزاد: «أول من يكسى من الجنة إبراهيم، يكسى حلة من الجنة، ويؤتى بكرسيّ، فيطرح عن يمين العرش، ثم يؤتى بي، فأُكسى حلة من الجنة، لا يقوم لها البشر، ثم يؤتى بكرسيّ، فيطرح على ساق العرش، وهو عن يمين العرش». وفي مرسل عبيد بن عمير، عند جعفر الفريابيّ: «يحشر الناس حفاة عراة، فيقول الله تعالى: ألا أرى خليلي عريانًا؟ فيكسى إبراهيم ثوبًا أبيض، فهو أول من يكسى». وقد أخرج ابن منده من حديث حَيْدَة -بفتح المهملة، وسكون التحتانيّة- رفعه، قال: «أول من يكسى إبراهيم، يقول الله: اكسوا خليلي؛ ليعلم الناس اليوم فضله عليهم». قيل: الحكمة في كون إبراهيم -﵇- أول من يكسى أنه جُرّد حين ألقي في النار. وقيل: لأنه أول من سنّ التستر بالسراويل. وقيل: إنه لم يكن في الأرض أخوف لله منه، فعجّلت له الكسوة أمانًا له؛ ليطمئنّ قلبه. وهذا اختيار الحليميّ، والأول اختيار القرطبيّ. ولا يلزم من تخصيص إبراهيم -﵇- بأنه أول من يكسى أن يكون أفضل من نبيّنا محمد -ﷺ- مطلقًا؛ لأن المفضول قد يمتاز بشيء، يُخصّ به، ولا يلزم منه الفضيلة المطلقة. قال الحافظ: يَحْتَمِل أن يكون نبيّنا -ﷺ- خرج من قبره في ثيابه التي مات فيها، والحلّة التي يكساها حينئذ، من حلل الجنة خلعة الكرامة بقرينة إجلاسه على الكرسيّ عند ساق العرش، فتكون أولية إبراهيم في الكسوة بالنسبة لبقية الخلق. انتهى. وأجاب الحليميّ بأنه يكسى أولًا، ثم يكسى نبيّنا -ﷺ- على ظاهر الخبر، لكن حلة نبيّنا -ﷺ- أعلى، وأكمل، فتَجبر نفاستها ما فات من الأولية، والله أعلم. انتهى. [تنبيه]: قال الحافظ -﵀-: وقد ثبت لإبراهيم؛ أوّليّات أخرى كثيرة: منها أنه أول من ضاف الضيف، وقصّ الشارب، واختتن، ورأى الشيب، وغير ذلك، وقد أتيت على ذلك بأدلته في كتابي «إقامة الدلائل على معرفة الأوائل». انتهى . (أَلَا وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ) بالبناء للمفعول، (بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمالِ) بكسر الشين ضد اليمين ويراد بها جهة اليسار؛ أي: إلى جهة النار، ووقع ذلك في حديث أبي هريرة -﵁- عند البخاريّ من طريق عطاء بن يسار، عنه، ولفظه: «فإذا زمرة، حتى إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلمّ، فقلت: إلى أين؟ قال: إلى النار. . .» الحديث. وبيّن، في حديث أنس -﵁- الموضع، ولفظه: «ليردنّ عليّ ناس، من أصحابي الحوض، حتى إذا عرفتهم اختُلِجوا دوني. . .» الحديث. وفي حديث سهل: «ليردَنّ عليّ أقوام أعرفهم، ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم». وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: «ليُذادَنّ رجال عن حوضي، كما يُذاد البعير الضّالّ، أناديهم: ألا هلمّ». (فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي») وفي رواية أحمد:«فلأقولنّ»، وفي رواية للبخاريّ:«فأقول: أصحابي، أصحابي»مكرّرًا، فالأول خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هؤلاء أصحابي، وأصحابي الثاني تأكيد له، ويروى:«أصيحابي، أصيحابي»، ووجه التصغير فيه إشارة إلى قلة عدد من هذا وَصْفهم، قاله في«العمدة». (فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ) وفي حديث أبي هريرة -﵁- عند البخاريّ الذي تقدم الإشارة إليه:«إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى»، وزاد في رواية سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة أيضًا:«فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، فيقال: إنهم قد بدّلوا بعدك، فأقول: سُحْقًا سحقًا»؛ أي: بُعْدًا بعدًا، والتأكيد للمبالغة. وفي حديث أبي سعيد عند البخاريّ أيضًا:«فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا لمن غيّر بعدي». وزاد في رواية عطاء بن يسار:«فلا أراه يَخلُص منهم إلا مثل هَمَل النعَم». ولأحمد، والطبرانيّ، من حديث أبي بكر -﵁- رفعه:«ليردنّ عليّ الحوض رجال ممن صحبني، ورآني». وسنده حسن. وللطبرانيّ من حديث أبي الدرداء -﵁- نحوه، وزاد:«فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن لا يجعلني منهم، قال: لست منهم». وسنده حسن، قاله في«الفتح». (فَأَقُولُ: كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ)؛ يعني: عيسى ابن مريم -﵇-: (﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧])؛ أي: كنت أشهد على أعمالهم حين كنت بين أظهرهم، (﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾)؛ أي: الحفيظ عليهم، والمراقبة في الأصل: المراعاة، وقيل: أنت العالم بهم، (﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾)؛ أي: شاهد لِمَا حضر وغاب، وقيل: على من عصى، وأطاع. (﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾) ذكر هذا على وجه الاستعطاف، والتسليم لأمره، (﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾)؛ أي: وإن تغفر لهم فبتوبة كانت منهم؛ لأنهم عبادك، وأنت العادل فيهم، وأنت في مغفرتك عزيز، لا يمتنع عليك ما تريد، حكيم في ذلك. قال الإمام أبو جعفر الطبريّ -﵀- في «تفسيره»: القول في تأويل قوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧)﴾ [المائدة: ١١٧]. قال: وهذا خبر من الله -﷿- عن قول عيسى -﵇-، يقول: ما قلت لهم إلا الذي أمرتني به من القول أن أقوله لهم، وهو أن قلت لهم: اعبدوا الله ربي وربكم، ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ يقول: وكنت على ما يفعلونه وأنا بين أظهرهم شاهدًا عليهم وعلى أفعالهم وأقوالهم، ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾، يقول: فلما قبضتني إليك ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾، يقول: كنت أنت الحفيظ عليهم دوني؛ لأني إنما شهدت من أعمالهم ما عملوه، وأنا بين أظهرهم. قال: وفي هذا تبيانُ أن الله -﷿- إنما عرّفه أفعالَ القوم، ومقالتهم بعدما قبضه إليه، وتوفاه بقوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]. وقوله: ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ يقول: وأنت تشهد على كل شيء؛ لأنه لا يخفى عليك شيء، وأما أنا، فإنما شهدت بعض الأشياء، وذلك ما عاينت، وأنا مقيم بين أظهر القوم، فإنما أنا أشهد على ذلك الذي عاينت، ورأيت وشهدت. وقوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨]. قال الطبريّ: يقول الله -﷿-: إنْ تعذب هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة، بإماتتك إياهم عليها ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾، مستسلمون لك، لا يمتنعون مما أردت بهم، ولا يدفعون عن أنفسهم ضرًّا ولا أمرًا تنالهم به، ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾، بهدايتك إياهم إلى التوبة منها، فتستر عليهم ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ في انتقامه ممن أراد الانتقام منه، لا يقدر أحدٌ يدفعه عنه. ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾، في هدايته من هدى من خلقه إلى التوبة، وتوفيقه من وفَّق منهم لسبيل النجاة من العقاب. انتهى . (قَالَ) -ﷺ- («فَيُقَالُ لِي: إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ») قال في «الفتح»: قال الفربريّ: ذُكِر عن أبي عبد الله البخاريّ، عن قبيصة، قال: هم الذين ارتدوا على عهد أبي بكر -﵁-، فقاتلهم أبو بكر؛ يعني: حتى قُتلوا، وماتوا على الكفر. وقد وصله الإسماعيليّ من وجه آخر عن قبيصة. وقال الخطابيّ -﵀-: لم يرتدّ من الصحابة أحد، وإنما ارتدّ قوم من جُفَاة الأعراب، ممن لا نُصْرة له في الدين، وذلك لا يوجب قدحًا في الصحابة المشهورين، ويدلّ قوله: «أصيحابي» بالتصغير على قلة عددهم. وقال غيره: قيل: هو على ظاهره من الكفر، والمراد بأمتي: أمة الدعوة، لا أمة الإجابة، ورُجّح بقوله في حديث أبي هريرة -﵁-، فأقول: «بُعدًا لهم، وسحقًا»، ويؤيده كونهم خفي عليه حالهم، ولو كانوا من أمة الإجابة لعرف حالهم بكون أعمالهم تُعرض عليه. قال الحافظ: وهذا يردّه قوله في حديث أنس -﵁-: «حتى إذا عرفتهم»، وكذا في حديث أبي هريرة -﵁-. وقال ابن التين: يَحْتَمِل أن يكونوا منافقين، أو مرتكبي الكبائر. وقيل: هم قوم من جفاة الأعراب، دخلوا في الإسلام، رغبة، ورهبة. وقال الداوديّ: لا يمتنع دخول أصحاب الكبائر، والبدع في ذلك. وقال النوويّ: قيل: هم المنافقون، والمرتدّون، فيجوز أن يُحشروا بالغرّة والتحجيل؛ لكونهم من جملة الأمة، فيناديهم من أجل السيما التي عليهم، فيقال: إنهم بدّلوا بعدك؛ أي: لم يموتوا على ظاهر ما فارقتهم عليه. قال عياض وغيره: وعلى هذا فيذهب عنهم الغرّة والتحجيل، ويطفأ نورهم. وقيل: لا يلزم أن تكون عليهم السيما، بل يناديهم؛ لِمَا كان يعرف من إسلامهم. وقيل: هم أصحاب الكبائر، والبدع الذين ماتوا على الإسلام، وعلى هذا فلا يُقطع بدخول هؤلاء النار؛ لجواز أن يُذادوا عن الحوض أوّلًا؛ عقوبة لهم، ثم يُرحموا، ولا يمتنع أن يكون لهم غرّة، وتحجيل، فعرفهم بالسيما، سواء كانوا في زمنه أو بعده. ورجّح عياض، والباجيّ، وغيرهما ما قال قبيصة، راوي الخبر أنهم من ارتدّ بعده -ﷺ-، ولا يلزم من معرفته لهم أن يكون عليهم السيما؛ لأنها كرامة، يظهر بها عمل المسلم، والمرتدّ قد حبط عمله، فقد يكون عرفهم بأعيانهم، لا بصفاتهم، باعتبار ما كانوا عليه قبل ارتدادهم، ولا يبعد أن يدخل في ذلك أيضًا من كان في زمنه من المنافقين، وقد ثبت في حديث الشفاعة في «الصحيح»: «وتبقى هذه الأمة، فيها منافقوها»، فدلّ على أنهم يُحشرون مع المؤمنين، فيعرف أعيانهم، ولو لم تكن لهم تلك السيما، فمن عرف صورته ناداه، مستصحبًا لحاله التي فارقه عليها في الدنيا. وأما دخول أصحاب البدع في ذلك، فاستُبعد؛ لتعبيره في الخبر بقوله: «أصحابي»، وأصحاب البدع إنما حَدَثوا بعده. وأجيب بحمل الصحبة على المعنى الأعمّ. واستُبعد أيضًا أنه لا يقال للمسلم، ولو كان مبتدعًا: «سُحْقًا». وأجيب بأنه لا يمتنع أن يقال ذلك لمن علم أنه قُضي عليه بالتعذيب على معصية، ثم ينجو بالشفاعة، فيكون قوله: «سحقًا» تسليما لأمر الله، مع بقاء الرجاء، وكذا القول في أصحاب الكبائر. وقال البيضاويّ: ليس قوله: «مرتدّين» نصًّا في كونهم ارتدّوا عن الإسلام، بل يَحْتمِل ذلك، ويَحتمل أن يراد أنهم عصاة المؤمنين المرتدّون عن الاستقامة، يبدّلون الأعمال الصالحة بالسيئة. انتهى. وقد أخرج أبو يعلى بسند حسن، عن أبي سعيد -﵁-: سمعت رسول الله -ﷺ- فذكر حديثًا، فقال: «يا أيها الناس إني فرطكم على الحوض، فإذا جئتم قال رجل: يا رسول الله أنا فلان ابن فلان، وقال آخر: أنا فلان ابن فلان ابن فلان، فأقول: أما النسب، فقد عرفته، ولعلكم أحدثتم بعدي، وارتددتم». ولأحمد، والبزّار نحوه من حديث جابر -﵁-، ذكره في «الفتح» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما تقدّم من تفسير قبيصة أَولى بحمل الحديث عليه؛ لكونه راوي الخبر، كما رجحه عياض، والباجيّ رحمهما الله تعالى، لكن لا يبعد أن يدخل فيهم كل من كان على شاكلتهم في كلّ عصر، ومصر، من أصحاب الانحرافات التي تخالف هديه -ﷺ-. وقوله: (وَفِي حَدِيثِ وَكيعٍ، وَمُعَاذٍ: «فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ») بيان للاختلاف بين الرواة في هذه الجملة، فرواها محمد بن جعفر غندر بلفظ: «فَيُقَالُ لِي: إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ»، ورواها وكيع، ومعاذ بن معاذ بلفظ: «فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ»، والمعنى متقارب، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عباس -﵄- هذا مُتّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٧١٧٢ و٧١٧٣] (٢٨٦٠)، و(البخاريّ) في «الأنبياء» (٣٣٤٩ و٣٤٤٧) و«التفسير» (٤٦٢٥ و٤٦٢٦ و٤٧٤٠) و«الرقاق» (٦٥٢٤ و٦٥٢٦)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٢٤٢٣ و٣١٦٧)، و(النسائيّ) في «المجتبى» (٢٠٨٧ و٢٠٨١ و٢٠٨٢) وفي «الكبرى» (٢٢١٤ و٢٢٠٨ و٢٢٠٩)، و(أحمد) في «مسنده» (١٩١٦ و١٩٥١ و٢٠٢٨ و٢٠٩٧ و٢٢٨١)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢٠٨٨ و١٨٧٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أول من يُكسى يوم القيامة، وهو خليل الله تعالى إبراهيم -﵇-؛ لأنه أُلقي في النار مجرّدًا في ذات الله -﷾-، فجازاه الله تعالى بأن فضّله على أن جعله أول من يكسى يوم القيامة. ٢ - (ومنهما): أن فيه لإبراهيم -﵇- منقبةً ظاهرهً وفضيلةً عظيمةً، وخصوصية، كما خُص موسى -﵇- بأنه -ﷺ- يجده متعلقًا بساق العرش، مع أنه -ﷺ- أول من تنشق عنه الأرض، ولكن لا يلزم من هذا أن يكونا أفضل منه -ﷺ-، بل هو أفضل من في القيامة، كما قال: «أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة، ولا فخر، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، ومشفع، بيدي لواء الحمد، تحتي آدم فمن دونه»، صححه ابن حبّان ، ولا يلزم من اختصاص الشخص بفضيلة كونه أفضل مطلقًا، أو المراد غير المتكلّم بذلك؛ لأن قومًا من أهل الأصول ذكروا أن المتكلّم لا يدخل تحت عموم خطابه. ٣ - (ومنها): إثبات الحشر في القيامة. ٤ - (ومنها): بيان شدّة الأمر في ذلك اليوم، حيث إن الخلائق يحشرون عُرَاة، حُفاةً، غُرْلًا. ٥ - (ومنها): بيان عظمة قدرة الله تعالى، حيث إنه يعيد الخلق كما بدأه على الصفة التي بدأهم عليها في الدنيا. ٦ - (ومنها): إثبات معجزة للنبيّ -ﷺ- حيث إنه أعلمه الله تعالى بما سيقع من بعض أصحابه، من الإدبار على أعقابهم، وقد تقدم أنهم قليلون، وأن غالبهم من جفاة الأعراب، ولم يُعرف ذلك لأفاضل الصحابة -﵃-. ٧ - (ومنها): أنه لا ينبغي للإنسان أن يتساهل في الابتداع في الدين، وإن كان شيئًا يسيرًا؛ لأنه يضرّ بدينه؛ لأن الدين قد أكمله الله تعالى، فجميع أنواع المحدثات تنافيه، فالإحداث في الدين مهما كان نوعه من أخطر مهالك الإنسان، فيجب الحذر منه. ٨ - (ومنها): أن الذي ينفع الإنسان هو لزوم سُنَّة النبيّ -ﷺ-، وهديه، فمن لم يتبعه -ﷺ- لا تنفعه صحبته، ولا معرفته، بل إذا عرف انحرافه عن سُنَّته تبرّأ منه، وقال له: «سُحْقًا سُحْقًا»، ولا يَرِد حوضه، بل يُذاد عنه، ويطرد، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، اللَّهُمَّ أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجِرنا من خزي الدنيا، وعذاب الآخرة، وارزقنا اللَّهُمَّ التمسّك بسُنَّة نبيك -ﷺ-، اللَّهُمَّ أحينا عليها، وأمتنا عليها، وابعثنا عليها، واجعلنا من خيار أهلها أحياء وأمواتًا، برحمتك يا أرحم الراحمين آمين.
مصادر المؤلف (١٣)

١. «شرح العقيدة الطحاويّة»ص ٤٠٤ - ٤١١.

٢. «سنن ابن ماجه»٢/ ١٤٢٩.

٣. وفي نسخة:«محشورون».

٤. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٦٦٥ - ٦٦٦.

٥. «المصباح المنير» ١/ ١٤٣.

٦. هكذا النسخة فيها نقص، فليُحرّر.

٧. «عمدة القاري» ١٥/ ٢٤١.

٨. «عمدة القاري» ١٥/ ٢٤١.

٩. «الفتح» ١٥/ ٣٢ - ٣٣ رقم (٦٥٢٦).

١٠. «عمدة القاري» ١٥/ ٢٤٣.

١١. «تفسير الطبريّ» ١١/ ٢٣٨ - ٢٤١.

١٢. «الفتح» ١٥/ ٣٤ - ٣٥.

١٣. «صحيح ابن حبان» ١٤/ ٣٩٨.